«إذا هَلك كِسْرى فلا كِسْرَى بعدهُ، وإذا هًلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا في سبيل الله».
رواه البخاري برقم: (3121) ورقم: (3618)، واللفظ له، ومسلم برقم: (2919)، من حديث، أبي هريرة، وجابر بن سمرة -رضي الله عنهما-.
وفي لفظ لمسلم برقم: (2919): «لتَفْتَحَنَّ عِصَابةٌ من المسلمين، أو من المؤمنين، كَنزَ آل كِسرى الذي في الأبيض»، قال قتيبة: «من المسلمين»، ولم يشك».
غريب الحديث
«هَلَك»:
هَلَك يَهْلَك هُلْكًا وهَلْكًا وهَلَاكًا: مات. لسان العرب، لابن منظور (10/ 503).
«عِصَابة»:
هُم الجماعة من الناس من العَشرة إلى الأربعين. النهاية، لابن الأثير(3/ 243).
وقال نشوان الحميري -رحمه الله-:
العِصابة: الجماعة من الناس والخيل والطير، والجميع: العَصَائِب. شمس العلوم (7/ 4572).
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «إذا هَلك كِسرى»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«هَلك» أي: مات «كِسرى». إرشاد الساري (5/ 155).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«هلك كسرى» جملة خبرية، أي: سيهلك مُلْكُه، وإنما عبَّر عنه بالمضي؛ لتحقق وقوعه وقربه، أو دعاء وتفاؤل. مرقاة المفاتيح (8/ 3410).
وقال النووي -رحمه الله-:
قال المطرز وابن خَالَوَيْه وآخرون من الأئمة كلامًا متداخلًا حاصله: أن كل من ملك المسلمين يقال له: أمير المؤمنين، ومن ملك الحبشة النجاشي، ومن ملك الروم قيصر، ومن ملك الفرس كسرى، ومن ملك الترك خَاقَان، ومن ملك القبط فرعون، ومن ملك مصر العزيز، ومن ملك اليمن تُبَّع، ومن ملك حِمْيَر القَيْل بفتح القاف، وقيل: القَيْل أقل درجة من الْمَلِك. المنهاج شرح صحيح مسلم (7/ 23).
قوله: «فلا كِسرى بعدَه»:
قال ابن الملقن -رحمه الله-:
أما قوله: «هلك كسرى...» إلى آخره، فهو عام فيه، وخاص في قيصر، ومعناه: فلا قيصر بعده بأرض الشام. التوضيح (18/ 225).
وقال المظهري -رحمه الله-:
يعني: سيفتح المسلمون العجم، ويكون بعد ذلك ملوك العجم المسلمون، لا كِسرى ولا واحد من أبنائه. المفاتيح (5/ 373).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«بعده» أي: بعد كسرى الموجود في زمنه -صلى الله تعالى عليه وسلم-، والمعنى: لا يملك ملك كسرى كافر، بل يملكه المسلمون بعده إلى يوم القيامة. مرقاة المفاتيح (8/ 3410).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
اختُلف في تأويله، فقيل: معناه: إذا هلك فلا يعود للروم ولا للفرس مُلك، وهذا يصح في كسرى وقومه، وكذلك كان، وأمَّا الروم فقد أنبأنا النبي -عليه السلام- ببقاء مُلْكِهم إلى نزول عيسى...، ومنه ما روى مسلم عن المستورد القرشي أنه قال: سمعنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «تقوم الساعة والروم أكثر الناس»...
وقيل: معناه: إذا هلك كسرى وقيصر فلا يكون بعدهما مثلهما، وكذلك كان، وهذا أعم وأتم. عارضة الأحوذي (9/ 61-62).
وقال العراقي -رحمه الله- معلقًا:
قلتُ: ومما انقرض ولم يعد: بقاء اسم قيصر؛ لأن ملوك الروم لا يسمون الآن بالأقاصرة، وذهب ذلك الاسم عن ملكهم، فصدق أنه لا قيصر بعد ذلك الأول، وظهر بذلك أن قوله: «لا كسرى» على ظاهره مطلقًا. طرح التثريب (7/ 253).
قوله: «وإذا هلك قيصر»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«وإذا هلك» مات «قيصر» وهو هرقل ملك الروم. إرشاد الساري (6/ 64).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
قيصر: لقب من يملك الروم بلسانهم. الشافي (5/ 398).
قال ابن الملقن -رحمه الله-:
معنى قيصر: البَقِيْر، والقاف على لغتهم غير صافية؛ وذلك أن أمَّه لما أتاها الطَّلق (أي: مقدمات الولادة) به ماتت فبُقِر (أي: شُقَّت) بطنها عنه، فخرج حيًّا، وكان يفخر بذلك؛ لأنه لم يخرج من فَرْجٍ. التوضيح (2/ 377).
قوله: «فلا قيصر بعدَه»:
قال البرماوي -رحمه الله-:
«فلا قيصر بعده» أي: بالشام. اللامع الصبيح (16/ 134).
وقال البغوي -رحمه الله-:
قد رُوي أنَّ النبي (-صلى الله عليه وسلم-) كتب إلى كسرى يدعوه إلى الإسلام، فمزَّق كتابه، فقال النبي (-صلى الله عليه وسلم-): «تمزَّقَ مُلْكُه» وكتب إلى قيصر، فأكرم كتابه، ووضعه في مسك، فقال النبي: «ثبت ملكه»، ووجه الجمع بين الحديثين: أنَّ كسرى تمزق ملكه، فلم يبق لهم ملك، وأُنفقت كنوزه في سبيل الله، وأَوْرَثَ الله المسلمين أرضه، وقيصر ثبت ملكه بالروم، وانقطع عن الشام، واستبيحت خزائنه التي كانت بهما، وأُنفقت في سبيل الله، فمعنى قوله: «لا قيصر بعده» يعني: بالشام. شرح السنة (13/ 310).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
أما كسرى فقد قطع الله دابره، وأُنفقت كنوزه في سبيل الله، وأَورث الله المسلمين أرضه ودياره، والحمد لله رب العالمين.
وأما قيصر: هو صاحب مُلك الروم، فقد كانت الشام بِحِيَالِه (أي: بإزائه وقريب منه)، وكان بها منشؤه ومَرْبَعُه (أي: المكان الذي يقضي فيه الشخص فترة الشتاء والربيع والصيف) وبها بيت المقدس، وهو الموضع الذي لا يتم نُسك النصارى إلا فيه، ولا يملك على الروم أحد من ملوكهم حتى يكون قد دخله سرًّا أو جهرًا، وكانت الشام متجر قريش ومُمْتَارها (أي: مكان طعامها)، وكان معظم عناية المسلمين من جملة مملكته بها، وقد أُجلي عنها، واستُبيحت خزائنه وأمواله التي كانت فيها، ولم يخلفه أحد من القياصرة بعده إلى أن يُنجز الله تمام وعده في فتح قسطنطينة آخر الزمان، فقد وردت الأخبار عن نبينا -صلى الله عليه وسلم-، وسيُنجز الله وعده، ولا قوة إلا به. أعلام الحديث (2/ 1447-1448).
وقال النووي -رحمه الله-:
قال الشافعي وسائر العلماء: معناه: لا يكون كسرى بالعراق، ولا قيصر بالشام، كما كان في زمنه -صلى الله عليه وسلم-، فعلَّمَنَا -صلى الله عليه وسلم- بانقطاع مُلكهما في هذين الإقليمين، فكان كما قال -صلى الله عليه وسلم-، فأما كسرى فانقطع ملكه وزال بالكلية من جميع الأرض، وتمزق ملكه كل مُمَزَّق، واضمحلَّ بدعوة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأما قيصر فانهزم من الشام، ودخل أقاصي بلاده، فافتتح المسلمون بلادهما، واستقرت للمسلمين، ولله الحمد، وأَنفق المسلمون كنوزهما في سبيل الله، كما أخبر -صلى الله عليه وسلم-، وهذه معجزات ظاهرة. المنهاج شرح صحيح مسلم (18/ 42-43).
وقال الكرماني -رحمه الله- متعقبًا:
قال بعضهم: أي لا يكون كسرى بالعراق، ولا قيصر بالشام، والأصح: العموم إذ زال ملكهما بالكلية، وافتتح المسلمون بلادهما، واستقرت لهم، واقتسموا كنوزهما في سبيل الله، وهذه معجزات ظاهرة. الكواكب الدراري (13/ 33).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
فإن قلتَ: قال هذا لما هلك بِرْوِيز، وقد ملك بعده ابنه وغيره، والقياصرة بعد هرقل كثيرون؟
قلتُ: أراد أن تلك الشوكة لا توجد لمن بَعدهما، والأمر كان كذلك؛ قُسمت كنوزهما في زمن الصحابة. الكوثر الجاري (6/ 41).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
المراد: أنه لا يجمع مُلْكَ قوم كل واحد منهما لرجل واحد؛ وذلك أوهن لملكهم؛ لغلبة المسلمين على من يتغلبوا عليه؛ لأن الأمم إذا انتشرت ولم يضبطها ملك، وَهِيَ (أي: ضعف) أمرها. التوضيح (20/ 201).
وقال العراقي -رحمه الله-:
وأما قوله: «لا قيصر» ففيه أربع احتمالات: لا قيصر بالشام؛ لا قيصر كما كان، لا قيصر في الاسم، لا قيصر مطلقًا، ولا يصح هذا الرابع؛ لمخالفته للواقع، والله أعلم. طرح التثريب (7/ 253).
قوله: «والذي نفسي بيده لتُنْفَقَنَّ كنوزُهما في سبيل الله»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«والذي نفسي بيده» أي: أقسم بالإله الذي نفسي وروحي بيده المقدسة. الكوكب الوهاج (16/ 9).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«و» الله «الذي نفسي بيده»؛ إنما حلف لتقوية الأمر وتأكيده. إرشاد الساري (3/ 60).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«كنوزُهما» مالُهُمَا المدفون، أو الذي جُمع وادُّخِر. إرشاد الساري (6/ 65).
وقال العراقي -رحمه الله-:
قوله: «ولتقسمن كنوزهما في سبيل الله» (في حديث أبي هريرة)، وقوله: «لتُنْفَقَن كنوزهما في سبيل الله» أمران وقعا كما أخبر -صلى الله عليه وسلم-، فقُسمت كنوزهما في سبيل الله على المجاهدين، ثم أنفقها المجاهدون في سبيل الله، والمراد به: الغزو.
وفي هذا دليل على أن الغنيمة للمجاهدين، وهو كذلك إلا أنه يُخرج منها الخُمُس، كما نص عليه الكتاب العزيز، والله أعلم. طرح التثريب (7/ 253).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
وسبيل الله تعالى يريد به: الجهاد، واصطناع المعروف، وأبواب البر، فكل ذلك في سبيل الله تعالى. الشافي (5/ 399).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قال أهل التاريخ: كان في البيت الأبيض ثلاثة آلاف ألف ألف ألف، ثلاث مرات، غير أنَّ رُسْتُمًا لما فر منهزمًا حمل معه نصف ما كان في بيوت الأموال، وترك النصف الآخر، فملَّكه الله المسلمين، فأصاب الفارسُ مِن فيء المدائن اثنا عشر ألفًا؛ ولما دُخل القصر الأبيض وجدوا فيه ملابس كسرى وحِلْيَتَه، وبِسَاطَه الذي ما سُمِعَ في العالمين بمثله، فجاؤوا بكل ذلك إلى عمر -رضي الله عنه-، فكان ذلك كله مُظْهِرًا لصدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للعيان، بحيث يضطر إليه كل إنسان. المفهم (7/ 261).
قال ابن تيمية –رحمه الله-:
فصدقَ اللهُ خَبَرَهُ في خِلافةِ عُمرَ وعثمانَ، فَهَلَكَ كِسرى، وهو آخِرُ الأكاسِرة في خِلافةِ عُثمانَ بأرضِ فارسَ، ولم يَبقَ بعدَه كِسرى، ولم يَبقَ للمجوسِ والفُرسِ مُلكٌ، وهَلكَ قَيصرُ الذي بأرضِ الشامِ وغيرها، ولم يَبقَ بعدَه مَن هو مَلِكٌ على الشامِ، ولا مِصرَ، ولا الجَزيرةِ من النصارى، وهو الذي يُدعَى قَيصَرَ.. الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (6/ 100).
قوله في الرواية الأخرى: «لتَفْتَحَنَّ عصابةٌ من المسلمين، أو من المؤمنين»، قال قتيبة: «من المسلمين»، ولم يَشُكَّ»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «لتفتحن عِصابة من المسلمين» العصابة: الجماعة من الناس والطير والوحش، سُمُّوا بذلك؛ لأنهم يشدُّ بعضهم بعضًا، والعَصْبُ: هو الشَّدُّ، والعُصْبَة: ما بين العشرين إلى الأربعين، وإنما أطلق النبي -صلى الله عليه وسلم- على المفْتَتِحِين كنز كسرى: عصابة، وإن كانوا عساكر بالنسبة إلى عدد عدوهم وجيوشه، فإنهم كانوا بالنسبة إليهم قليلًا.
ويحتمل: أن يريد بالعصابة الجماعة السابقة لفتح القصر الأبيض دون الجيش كله؛ فإن الله لما هزم الفُرس وجيوشهم العظيمة على يدي سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- وعسكره، وكان عدد من معه يوم فتح القادسية ستة آلاف، أو سبعة آلاف على ما ذكره محمد بن جرير الطبري، فرَّ المنهزمة من الفرس إلى المدائن منزل كسرى، فتبعهم المسلمون إلى أن وصلوا إلى دجلة، وهي تقذف بالزَّبَد، فاقتحمها المسلمون فرسانًا ورجالة، خائضين يتحدث بعضهم مع بعض، فلما رأى ذلك الفرس هالهم ذلك، فتخففوا بما أمكنهم من المال والذخائر النفيسة، وفروا ولم يبقَ فيها إلا مَن ثقل عن الفرار، ودخل المسلمون المدائن، وفيها القصر الأبيض الذي فيه إيوان كسرى وأمواله وذخائره النفيسة التي لم يُسمع بمثلها. المفهم (7/ 260-261).
قوله: «كَنز آل كسرى الذي في الأبيض»:
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «كَنز كِسرى الذي في الأبيض» إشارة -والله أعلم- إلى قصوره ودار ملكه. إكمال المعلم (8/ 461).
وقال المظهري -رحمه الله-:
الأبيض: اسم لقصر مبني من الجِصِّ والحجر، كان لكسرى، وفيه كنزه. المفاتيح (5/ 373).
وقال النووي -رحمه الله-:
وفي رواية: «كنزًا لكسرى الذي في الأبيض» أي: الذي في قصره الأبيض، أو قصوره ودُوره البيض. المنهاج شرح مسلم (18/ 43).
وقال ابن كثير -رحمه الله-:
وشرع سعدٌ في تحصيل ما هنالك (أي: في القصر الأبيض) من الأموال والحواصل والتحف، مما لا يقوَّم ولا يُحَدُّ ولا يوصف كثرة وعظمة.
وقد روينا أنه كان هناك تماثيل من جص، فنظر سعد إلى أحدها وإذا هو يشير بأصبعه إلى مكان، فقال سعد: إنَّ هذا لم يوضع هكذا سدى، فأخذوا ما يُسَامِتُ أصبعه (يواجهها ويوازيها)، فوجدوا قبالتها كنزًا عظيمًا من كنوز الأكاسرة الأوائل، فأخرجوا منه أموالًا عظيمة جزيلة، وحواصل باهرة، وتحفًا فاخرة، واستحوذ المسلمون على ما هنالك أجمع، مما لم يَر أحد في الدنيا أعجب منه، وكان في جملة ذلك تاج كسرى وهو مكلَّل بالجواهر النفيسة التي تحيُّر الأبصار، ومنطقته كذلك، وسيفه وسواراه وقباؤه، وبساط إيوانه، وكان مربَّعًا، ستون ذراعًا في مثلها، من كل جانب، والبساط مثله سواء، وهو منسوج بالذهب واللآلئ والجواهر الثمينة، وفيه مصور جميع ممالك كسرى: بلاده بأنهارها وقلاعها وأقاليمها وكورها، وصفة الزروع والأشجار التي في بلاده. البداية والنهاية (10/ 14).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
أَعْلَم بانْقِصَام مُلكهما، وزواله من هذين القطرين، فكان ما قال، وانقطع أمر كِسرى بالكلية، وتمزق مَلكهُ واضمحل بدعوته -عليه السلام-، وتخلى قيصر عن الشام، ورجع القَهْقَرى (يعني: إلى الوراء) إلى داخل بلادهِ وقواعدها من قسطنطينية ورومية، وافتُتحت بلادهما، واحتُوي على مُلكهما وكُنوزهما كما أخبر -عليه السلام-. إكمال المعلم (8/ 461).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
وهذا الحديث (حديث أبي هريرة) من معجزات النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فإنه بشر إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وكذلك كان لَمَّا هلك كسرى في زمان عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، وأُخذت البلاد منه لم يعد يقوم لهم ملك، ودامت البلاد في أيدي المسلمين إلى الآن، وكذلك قيصر لما أُخذت منه بلاد الشام وفلسطين ومصر والجزيرة (الفراتية) وديار بكر، وديار ربيعة، لم تعد إليه، ولا قام للروم فيها ملك. الشافي (5/ 399).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
هذا من الدلائل على صحة نبوة نبينا -صلى الله عليه وسلم-؛ فإنه أخبر بما سيكون فكان على ما أخبر، وأن الله تعالى مزق ملك كسرى وقيصر، وغلب المسلمون الحزبين، وأنفقوا كنوزهما في سبيل الله، وهذا من إخباره -صلى الله عليه وسلم- بالغيوب، وهو من أعظم دلائله -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه جمع بين أمرين عظيمين يعجز عنهما قدرة كل بشر، ويضيق بهما ذرع كل مخلوق، وهو أنه أشار إلى مَهْلِك كسرى وقيصر، وهما مَلِكَا الخافقين من المشرق والمغرب في قوة جنودهما، وتضاعُف عساكرهما، ويوم قوله -صلى الله عليه وسلم- (كان) كسرى في عنفوان ملكه؛ وكذلك قيصر في أثرٍ يزداد تطاوله؛ وقد امتد لكل منهما الملك...، فأخبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بمهلكهما جميعًا، ونزعهما من ملكهما مقهورَين مغلوبَين بأيدي أمَّته، حتى قال: «ولتُنْفَقَن كنوزُهما في سبيل الله».
ثم المعنى الآخر قوله: «وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده»، وأخبر -صلى الله عليه وسلم- أن بعد مهلكهما لا يقوم لهما عُمُد، وأن نارهما لا تضيء بعد أن تخبو، وعامر حدهما لا ينهض بعد أن يكبو، فكان كما قال -صلى الله عليه وسلم-؛ لأن الله هو الذي أطفأ نارهما فلم تشب، وصغَّر حدودهما، وأخل أمرهما فلم تستتب، فهو من دلائل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- القاطعة، وحججه الظاهرة البارعة، ومن كان ذا لُبٍّ سليم، وعقل مستقيم فإنه لا يبقى عنده شك، ولا يخالطه ارتياب في أن أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إنما استتب واستمر لأن الله -سبحانه وتعالى- هو الذي أظهره وشاده، وقواه وعضده، فلم يقم له مَلِكٌ من ملوك الأرض، ولم يثبت بين يديه جبار من جبابرة الدنيا. الإفصاح عن معاني الصحاح (6/ 51).
وقال المزني -رحمه الله-:
قال (الشافعي): وكانت قريش تنتاب الشام انتيابًا كثيرًا، وكان كثير من معاشهم منه، وتأتي العراق، فلما دخلت في الإسلام ذكَرَت للنبي -صلى الله عليه وسلم- خوفها من انقطاع معاشها بالتجارة من الشام والعراق إذا فارقت الكفر، ودخلت في الإسلام مع خلاف ملك الشام والعراق لأهل الإسلام، فقال -صلى الله عليه وسلم-: «إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده» فلم يكن بأرض العراق كسرى ثبت له أمر بعده، وقال: «إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده» فلم يكن بأرض الشام قيصر بعده، وأجابهم -عليه الصلاة والسلام- على نحو ما قالوا، وكان كما قال -عليه السلام-، وقطع الله الأكاسرة عن العراق وفارس وقيصر، ومن قام بعده بالشام، وقال في قيصر: «يثبت ملكه» فثبت له ملكه ببلاد الروم إلى اليوم، وتنحى ملكه عن الشام، وكل هذا متَّفِقٌ يصدِّق بعضه بعضًا. مختصر المزني (8/ 383).
ولمزيد من الفائدة يُنظر: سبب إيراد حديث: «لن يُفلح قوم ولوَّا أمرهم امرأة».