«إن في الجنة غُرفًا، تُرى ظُهورها من بُطونها، وبُطونها من ظهورها»، فقام أعرابي فقال: لمن هي يا رسول الله؟ قال: «لمن أطابَ الكلام، وأطْعَمَ الطعام، وأَدَامَ الصيام، وصلَّى بالليل والناس نِيَام».
رواه الترمذي برقم: (1984) واللفظ له، وأحمد برقم: (1338) ولم يذكر الصيام، وابن أبي شيبة برقم: (25743) بلفظ: «وأفشى السَّلام» بدلًا من: «أدام الصيام»، من حديث علي -رضي الله عنه-.
وفي رواية عند أحمد برقم: (22905) واللفظ له، وابن حبان برقم: (509)، من حديث أبي مالك الأشعري -رضي الله عنه- بلفظ: «إنَّ في الجِنة غُرفة يُرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها، أعدَّها الله لمن أطعم الطعام، وأَلَان الكلام، وتابع الصيام، وصلَّى والناس نيام».
صحيح الجامع برقم: (2123)، صحيح الترغيب والترهيب برقم: (618) مشكاة المصابيح برقم: (1232).
غريب الحديث
«أَطَابَ»:
طابَ يَطيبُ طِيبًا فهو طَيِّبٌ، والطِّيبُ على بناء فِعل، والطَّيِّبُ، نعت، والطَّيِّبُ: الحلال...، والطَّيِّباتُ من الكلام: أَفْضَلُهُ وأَحْسَنُهُ. العين، للخليل(7/ 461).
«أَفْشَى»:
فشا الشَّيءُ يفشو فُشُوًّا: إذا ظهر، وهو عامٌّ في كلِّ شيءٍ. العين، للخليل (6/ 289).
شرح الحديث
قوله: «إن في الجنة غُرفًا تُرى ظهورها من بطونها، وبطونها من ظهورها» وفي رواية: «إن في الجنة غرفة يُرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها»:
قال المظهري -رحمه الله-:
«الغرف» جمع غرفة، وهي البناء على علو. المفاتيح (2/ 276).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«إن في الجنة غرفًا» أي: علالي في غاية من اللطافة، ونهاية من الصفاء والظرافة «يُرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها» وفيه: مبالغة لا تخفى. مرقاة المفاتيح (3/ 929).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«إن في الجنة غُرفًا يُرى» بالبناء للمفعول، أي: يرى أهل الجنة «ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها»؛ لكونها شفافة لا تَحجب ما وراءها. التيسير (1/ 325).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
«غُرفًا» بضم الغين، وفتح الراء، جمع غرفة بالضم، أي: المنازل المرفوعة، وهي عبارة عن البيت فوق البيت.
وقوله: «يُرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها»؛ لغاية صفائها، ولطافتها ونورانيتها. لمعات التنقيح (3/ 342).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«إن في الجنة غرفًا يُرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها» شفَّافة لا يحتجب مَن فيها، ولا يخفى عنها من خارجها. التنوير (4/ 19).
وقال أبو عبد الله القرطبي -رحمه الله-:
اعلم أن هذه الغرف مختلفة في العلو والصفة بحسب اختلاف أصحابها في الأعمال، فبعضها أعلى من بعض وأرفع. التذكرة (ص:965).
قوله: «أعدها الله»:
قال المظهري -رحمه الله-:
«أعدها» أي: هيَّأَها. المفاتيح (2/ 277).
قوله: «لمن أطابَ الكلام» وفي رواية: «وأَلَانَ الكلام»:
قال المظهري -رحمه الله-:
أي: لمن له خُلُقٌ طيب مع الناس. المفاتيح (2/ 277).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
وأصل «أَلَانَ» أَلْيَنَ، نُقلت حركة الياء إلى اللام، وقُلبت ألِفًا، جُعل جزاء مَن تلطف في الكلام الغرفة، كما في قوله تعالى: {أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ} الفرقان: 75، بعد قوله: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} الفرقان: 63، وفيه: تلويح إلى أن لِيْنَ الكلام من صفات عباد الله الصالحين الذين خضعوا لبارئهم، وعاملوا الخلق بالرفق في الفعل والقول. الكاشف عن حقائق السنن (4/ 1208، 1209).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
أصل الطِّيب: ما تستلذه الحواس، ويختلف باختلاف متعلَّقه. فتح الباري (10/ 448).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«لِمَنْ أَلَانَ» أي: أطابَ الكلام كما في رواية، ورُوي: «أَلْيَن» كأجود على الأصل، وهو لفظ المصابيح، وروي: «لَيَّن» بتشديد الياء، والمعنى: لمن له خُلُق حسن مع الأنام، قال تعالى: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} الفرقان: 63، فيكون من عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونًا، الموصوفين بقوله: {أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا} الفرقان: 75. مرقاة المفاتيح (3/ 929).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«وألان الكلام» أي: تملَّق للناس وداراهم واستعطفهم. التيسير (1/ 325).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
الكلام الطيِّب مندوب إليه، وهو من جليل أفعال البِرِّ. شرح صحيح البخاري (9/ 225).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
«لِيْنُ الكلام» وفي رواية: «إفشاء السلام» وهو داخل في لين الكلام، وقد قال الله -عز وجل-: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} البقرة: 83، وقال تعالى: {وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} الإسراء: 53، وقال تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} فصلت: 34 - 35، وقال تعالى: {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} النحل: 125، وقال تعالى: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} العنكبوت: 46؛ ولما قال النبي: «الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» قالوا له: وما الحج المبرور يا رسول الله؟ قال: «إطعام الطعام، ولين الكلام» خرجه الإمام أحمد. اختيار الأولى (ص:80).
قوله: «وأطعم الطعام» وفي رواية: «أعدها الله لمن أطعم الطعام»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وأطعم الطعام» بالكرم التام للخاص والعام. مرقاة المفاتيح (3/ 929).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«لمن أطعم الطعام» في الدنيا للعيال والفقراء والأضياف ونحو ذلك. التيسير (1/ 325).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
وإطعام الطعام ينقسم على ثلاثة أوجه: مخلوف، ومَسْلوف، ومتَلُوف، فالمخلوف الذي يُطعم لوجه الله، لا يريد به غير الله -تعالى-، ولا يطلب به جزاء من مخلوق، والمسلوف الذي تضيفه مرة، ويضيفك أخرى، والمتلوف كل ما كان إطعامه على المعاصي، والمخلوف والمسلوف فيهما الأجر، إلا أن المخلوف أعظم أجرًا، والمتلوف هو حسرة وندامة يوم القيامة. بستان الواعظين (ص:61).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
ولذلك جُعلت (الجنة) جزاء مَن أطعم الطعام، كما في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا} الفرقان: 67، فدل على أن الجواد مِن شأنه أن يتوخى القصد في الإطعام والبذل؛ ليكون من عباد الرحمن، وإلا كان من إخوان الشيطان. الكاشف عن حقائق السنن (4/ 1209).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
إطعام الطعام، وقد جعله الله في كتابه من الأسباب الموجبة للجنة ونعيمها، قال الله -عز وجل-: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا * مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا * وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا * وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا * قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا * وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا * عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا} الإنسان: 8- 18، إلى قوله: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا} الإنسان: 21، فوصف فاكهتهم وشرابهم جزاءً لإطعامهم الطعام، وفي الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري، عن النبي قال: «أَيُّما مؤمنٍ أطعم مؤمنًا على جوع أطعمه الله من ثمار الجنة، ومن سقى مؤمنًا على ظمأٍ، سقاه الله من الرحيق المختوم»، وفي المسند والترمذي عن علي، عن النبي (-صلى الله عليه وسلم-) قال: «إن في الجنة غرفًا، يُرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها» قالوا: لمن هي يا رسول الله؟ قال: «لمن أطعم الطعام، وأطاب الكلام، وصلى بالليل والناس نيام»، وفي حديث عبد الله بن سلام الذي خرجه أهل السنن، أنه سمع النبي (-صلى الله عليه وسلم-) أول قدومه المدينة يقول: «أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلوا الأرحام، وصلُّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام»، وفي حديث عبادة، عن النبي (-صلى الله عليه وسلم-) أنه سئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: «إيمان بالله، وجهاد في سبيله، وحج مبرور، وأهون من ذلك: إطعام الطعام، ولين الكلام» خرجه الإمام أحمد، وفي حديث هانئ بن يزيد أن رجلًا قال: يا رسول الله، دلَّني على عمل يدخلني الجنة، ويباعدني من النار؟ قال: «تطعم الطعام، وتُفشي السلام»، وفي حديث حذيفة عن النبي (-صلى الله عليه وسلم-) قال: «من خُتم له بإطعام مسكين دخل الجنة»، وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو أن رجلًا قال: يا رسول الله، أيُّ الإسلام خير؟ قال: «تُطْعِم الطعام، وتقرئ السلام على من عرفتَ ومَن لم تعرف»، وفي حديث صهيب عن النبي (-صلى الله عليه وسلم-) قال: «خيركم من أطعم الطعام» فإطعام الطعام يوجب دخول الجنة، ويباعد من النار، وينجي منها، كما قال تعالى: {فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} البلد: 11 - 16، وفي هذا الحديث الصحيح عن النبي (-صلى الله عليه وسلم-): «اتقوا النار ولو بشقِّ تمرة»، وكان أبو موسى الأشعري يقول لولده: اذكروا صاحب الرغيف، ثم ذكر أن رجلًا من بني إسرائيل عَبَدَ الله سبعين سَنة، ثم إن الشيطان حسَّن في عينيه امرأة، فأقام معها سبعة أيام، ثم خرج هاربًا، فأقام مع مساكين، فتُصُدِّق عليه برغيف كان بعض أولئك المساكين يريده، فآثره به ثم مات، فوزن عبادته بالسبعة الأيام التي مع المرأة فرجحت الأيام السبعة بعبادته، ثم وُزن الرغيف بالسبعة الأيام فرجح بها. اختيار الأولى (ص:73 - 76).
وقال ابن رجب -رحمه الله- أيضًا:
فأفضل أنواع إطعام الطعام: الإيثار مع الحاجة، كما وصف الله -تعالى- بذلك الأنصار -رضي الله عنهم- فقال: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} الحشر: 9، وقد صح أن سبب نزولها: أن رجلًا منهم أخذ ضيفًا من عند النبي (-صلى الله عليه وسلم-) يضيفه، فلم يجد عنده إلا قوت صبيانه، فاحتال هو وامرأته حتى نوَّمَا صبيانهما، وقام إلى السراج كأنه يصلحه فأطفأه، ثم جلس مع الضيف يريه أنه يأكل معه ولم يأكل، فلما غدا على رسول الله (-صلى الله عليه وسلم-) قال له: «عَجِبَ الله مِن صنيعكما الليلة» ونزلت الآية. اختيار الأولى (ص:78).
وقال ابن رجب -رحمه الله- أيضًا:
وإنما جَمَعَ بين إطعام الطعام ولين الكلام؛ ليكمل بذلك الإحسان إلى الخلق بالقول والفعل، فلا يتم الإحسان بإطعام الطعام إلا بلين الكلام، وإفشاء السلام، فإنْ أساء بالقول بطل الإحسان بالفعل من الإطعام وغيره، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} البقرة: 264، وربما كان معاملة الناس بالقول الحسن أحب إليهم من الإحسان بإعطاء المال، كما قال لقمان لابنه: يا بنيّ، لتكن كلمتك طيبة، ووجهك منبسطًا، تكن أَحَبَّ إلى الناس ممن يعطيهم الذهب والفضة، وقد كان النبي (-صلى الله عليه وسلم-) يلين القول لمن يُشْهَد له بالشر؛ فيتقي بذلك شرَّه، «وكان لا يواجه أحدًا بما يكره في وجهه»، «ولم يكن فاحشًا ولا متفحشًا» وروي عن ابن عمر أنه كان ينشد:
بنيَّ إنّ البرَّ شيءٌ هيِّنٌ *** وجهٌ طليقٌ وكلامٌ ليِّنٌ
ولبعضهم:
خُذ العفو وأمر بِعُرْفٍ كما *** أُمِرتَ وأعرضْ عن الجاهلينْ
ولِنْ في الكلام لكلِّ الأنامِ *** فمُستحسَنُ من ذوي الجاهِ لينْ
وقد وصف الله -عز وجل- في كتابه أهل الجنة بمعاملة الخلق بالإحسان بالمال، واحتمال الأذى، فقال تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} آل عمران: 133- 134، فالإنفاق في السراء والضراء يقتضي غاية الإحسان بالمال من الكثرة والقلة، وكظم الغيظ، والعفو عن الناس يقتضي عدم المقابلة على السيئة من قول وفعل؛ وذلك يتضمن إلانة القول، واجتناب الفحش، والإغلاظ في المقال ولو كان مباحًا، وهذا نهاية الإحسان، فلهذا قال تعالى: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} آل عمران: 134. اختيار الأولى (ص:83).
وقال محمد عبد العزيز الخولي -رحمه الله-:
وإطعام الطعام يشمل بذله للمحتاج، وتقديمه للضيف، وإقامة الولائم. الأدب النبوي (ص:172).
قوله: «وأدام الصيام» وفي رواية: «وتابع الصيام»:
قال ابن العربي -رحمه الله-:
«وأدام الصيام» يعني به: الصيام المعروف كرمضان، وأيام الفضل...، على الوجه المشروع، مع بقاء القوة دون استيفاء الزمان كله، ولا استيفاء القوة فيه، وإنَّما بكسر الشهوة مع بقاء القوة، وقال الفقراء (يعني بهم الصوفية): إنَّما هو الصيام بالإمساك عن كل مكروه، فيمسك قلبَه عن الاعتقادات الباطلة، ولسانَه عن الأقوال الفاسدة، وبدنه عن الأفعال المذمومة. عارضة الأحوذي (8/117).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«وتابع الصيام» أي: يكثر الصيام بعد الفريضة. المفاتيح (2/ 277).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«وتابع الصيام» أي: واصله. التيسير (1/ 325).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«وتابع الصيام» أي: سَرَدَه ووَالاه وأحكمه؛ لما أوتيه من الصبر، وهو قهر النفس وحبسها على مشاق العبادات. فتح الإله (5/75).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «تابع الصيام» المراد به الكثرة لا الدوام، من المتابعة بمعنى الإتيان على أثر أحد، وقد يجيء بمعنى الإتقان والإحكام، يقال: تابع عمله: إذا أتقنه وأحكمه، وورد: تابعنا الأعمال فلم نجد فيها أبلغ من الزهد. لمعات التنقيح (3/ 342).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«وتابَع الصيام» أي: أكثر منه بعد الفريضة بحيث تابع بعضها بعضًا، ولا يقطعها رأسًا. شرح المصابيح (2/ 169).
وقال محمد المباركفوري -رحمه الله- معلقًا:
وقيل: أقلُّه أنْ يصوم من كل شهر ثلاثة أيام. تحفة الأحوذي (6/ 101-102).
قوله: «وصلى بالليل والناس نيام» وفي رواية: «وصلى والناس نيام»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وصلى بالليل» أي: لمن لا ينام «والناس» أي: غالبهم «نيام» جمع نائم أو غافلون عنه؛ ولأنه عبادة لا رياء يشوب عمله ولا شهود غير الله، إشارة إلى قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} الفرقان: 64، المنبئ وصفهم بذلك عن أنهم في غاية من الإخلاص لله. مرقاة المفاتيح (3/ 929).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- أيضًا:
«والناس نيام» لأنه وقت الغفلة، فَلِأَرباب الحضور مزيد المثوبة، أو لبُعده عن الرياء والسمعة. مرقاة المفاتيح (4/ 1341).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«وصلى بالليل» تهجَّدَ فيه «والناس نيام» هذا ثناء على المذكورات، وبيان مزيد فضلها عند الله -تعالى-، وقضية العطف بالواو اشتراط اجتماعها، ولا يعارضه خبر: «أَطْعِمُوا الطعام، وأفشوا السلام، تُوْرَثُوا الجِنَان»؛ لأن هذه الغرف المخصوصة لمن جمع. التيسير (1/ 325).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
«وصلى بالليل والناس نيام» وهذا ثناء على صلاة الليل...، وما أعظم قدرها عند الله! ولو لم يكن منه إلا أنَّ الله جعلها لمحمد -صلى الله عليه وسلم- وسيلة إلى الشفاعة، فقال: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} الإسراء: 79 . عارضة الأحوذي (8/117).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
وكذا جُعلت (أي: تلك الغُرَف في الجنة) جزاء من صلى بالليل، كما في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} الفرقان: 64، فأومأ به إلى أن المتهجد ينبغي أن يتحرى في القيام الإخلاص، ويجتنب الرياء؛ لأن البيتوتة للربِّ لم تُشرع إلا لإخلاص العمل لله. الكاشف عن حقائق السنن (4/ 1209).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
فالصلاة بالليل من موجبات الجنة، كما سبق ذكره في غير حديث، وقد دل عليه قول الله -عز وجل-: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (15) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} الذاريات: 15 - 19، فوصفهم بالتيقظ بالليل، والاستغفار بالأسحار، وبالإنفاق من أموالهم.
وكان بعض السلف نائمًا، فأتاه آتٍ في منامه، فقال له: قم فصلِّ، أما علمتَ أن مفاتيح الجنة مع أصحاب الليل، هم خُزَّانها، هم خُزَّانها (وورد عند ابن أبي الدنيا ثلاث مرات)؟!
وقيام الليل يوجب علو الدرجات في الجنة، قال الله -تعالى- لنبيه: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} الإسراء: 79، فجعل جزاءه على التهجد بالقرآن بالليل أن يبعثه المقام المحمود، وهو أعلى درجاته، قال عون بن عبد الله: إن الله يُدخل الجنة أقوامًا، فيعطيهم حتى يملُّوا، وفوقهم ناس في الدرجات العلى، فلما نظروا إليهم عرفوهم، فقالوا: ربنا إخواننا كنا معهم، فبمَ فضلتهم علينا؟ فيقول: هيهات هيهات! إنهم كانوا يجوعون حين تشبعون، ويظمؤون حين تَرْوُون، ويقومون حين تنامون، ويشْخَصُون حين تخفضون (أي: يخرجون إلى القتال وأنتم وادعون في خفض العيش).
ويوجب أيضًا: نعيم الجنة ما لم يطَّلع عليه العباد في الدنيا، قال الله -عز وجل-: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (16) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} السجدة: 16 - 17، وفي الصحيح عن النبي (-صلى الله عليه وسلم-) قال: «يقول الله -عز وجل-: أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، اقرءوا إن شئتم: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} السجدة: 17»، قال بعض السلف: أَخْفَوا لله العمل، فأخفى الله لهم الجزاء، فلو قَدِمُوا عليه لأقرّ تلك الأعين عنده. اختيار الأولى (ص:86، 87).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
وقيام الليل سُنة مسنونة، لا ينبغي تركها، فطوبى لمن يُسِّر لها، وأُعين عليها، فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد عمل بها، وندب إليها، وروى عوف بن أبي جميلة الأعرابي، عن زرارة بن أوفى، عن عبد الله بن سلام قال: لما قَدِمَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المدينة، انجفل إليه الناس (أي: ذهبوا مُسرِعين نحوه) فكنت فيمن خرج ينظر إليه، فلما تَبَيَّنْتُ وجهه، علمتُ أنه ليس بوجه كذاب، فكان أول ما سمعته يقول: «أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلوا الأرحام، وصَلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام»، وقد روي عن بعض التابعين: أن قيام الليل فرض، ولو كقدر حَلْبِ شاةٍ، وهو قول متروك، والعلماء على خلافه، والذي عليه العلماء من الصحابة والتابعين، وفقهاء المسلمين: أن ذلك فضيلة لا فريضة، ولو كان قيام الليل فرضًا، لكان مقدارًا مؤقتًا معلومًا، كسائر الفرائض. التمهيد (8/ 307).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
«قال: لمن طيب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام» وهذه الخصال كلها تكون في رمضان، فيجتمع فيه للمؤمن الصيام والقيام والصدقة وطيب الكلام؛ فإنه يُنهى فيه الصائم عن اللغو والرفث. لطائف المعارف (ص:167).
قوله: «وأفشى السلام»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وإفشاء السلام: إظهاره وإِشاعته، وإقراؤه على المعروف وغير المعروف. المفهم (1/ 242).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
«إفشاء السلام» إظهاره، ورفع الصوت به، أو إشاعته بأن تسلِّم على من تراه عرفتَه أو لم تعرفه. تحفة الأبرار (2/ 592).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
إفشاء السلام يتناول أمرين:
أحدهما: كثرته وشهرته بكثرة تعاطي الناس له.
والثاني: الجهر به وإعلانه. شرح الإلمام (2/ 272، 273).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
واعلم أنه تعالى جعل إفشاء السلام سببًا للمحبة، والمحبة سببًا لكمال الإيمان؛ لأن إفشاء السلام سبب للتحابِّ والتوادِّ، وهو سبب الألفة والجمعية بين المسلمين، المسبِّب لكمال الدين، وإعلاء كلمة الإسلام، وفي التهاجر والتقاطع والشحناء التفرقة بين المسلمين، وهو سبب لانثلام الدِّين، والوهن في الإسلام، وجعل كلمة الذين كفروا العليا، قال الله -تعالى-: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ} آل عمران: 103 الآية. الكاشف عن حقائق السنن (10/ 3038).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
وأما إفشاء السلام فمِن موجبات الجنة، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة، عن النبي (-صلى الله عليه وسلم-) قال: «والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم»، وخرج أبو داود من حديث أبي أمامة، عن النبي (-صلى الله عليه وسلم-) قال: «إنَّ أولى الناس بالله مَن بدأهم بالسلام»، ويروى من حديث ابن مسعود مرفوعًا وموقوفًا: «إذا مرَّ الرجل بالقوم فسلَّم عليهم فردوا عليه كان له عليهم فضل درجة؛ لأنه ذكَّرهم بالسلام، وإن لم يردُّوا عليه ردَّ عليه ملأ خير منهم وأطيب». اختيار الأولى (ص:81).
ولمزيد من الفائدة يُنظر:
شرح حديث: «أَفْشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلُوا الأرحام، وصَلُّوا والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام»
بَذْلُ السلام وحُسْنُ الكلام… طريقك إلى الجنة