«ما تركتُ بعدِي فتنةً أَضَرَّ على الرِّجالِ مِن النِّساءِ».
رواه البخاري برقم: (5096)، ومسلم برقم: (2740)، من حديث أسامة بن زيد -رضي الله عنهما-.
غريب الحديث
«فتنةً»:
الفتنة: ما يتبين به حال الإنسان من الخير والشر، يقال: فَتَنْتُ الذهبَ بالنار، إذا أحرقتَه بها؛ لتعلم أنه خالص أو مَشُوب، ومنه: الفتَّانة، وهو الحجر الذي يجرَّب به الذهب والفضة. التعريفات، للجرجاني (ص: 165).
وقال الرّاغب -رحمه الله-:
أصل الفَتْن: إدخال الذهب النار؛ لتظهر جودَتُه من ردَاءَته. المفردات(ص: 371).
شرح الحديث
قوله: «ما تركتُ بعْدِي»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«ما تركتُ» وفي رواية: «ما أدعُ». التيسير (2/ 346).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«مَا» نافية. البحر المحيط الثجاج (42/ 490).
وقال محمد المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «ما تركتُ» أي: ما أتركُ، وعبَّر بالماضي؛ لتحقق الموت. تحفة الأحوذي (8/ 53).
وقال المناوي -رحمه الله-:
قوله: «بعدي» في الناس. التيسير (2/ 346).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«بعْدِي» أي: بعد موتي. البحر المحيط الثجاج (42/ 490).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
إنما قال: «بعدي» لأن كونهنَّ فتنة صار أظهر بعده وأضر. شرح المصابيح (3/ 540).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«بعْدِي»...، فهو عَلَم من أعلام النبوّة؛ حيث أخبر -صلى الله عليه وسلم- عن غيبٍ وقد وقع، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (42/ 490).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
قوله: «ما تركتُ بعدي فتنةً» عامٌّ من وجهين:
أحدهما: النفي مع التنكير.
والثاني: الجمع مع التعريف، ولا يُعرَف له مخصِّص. الأزهار مخطوط لوح (296).
وقال الأردبيلي -رحمه الله- أيضًا:
قوله: «ما تركتُ بعدي فتنةً» يشير إلى حصولها ووجودها في وقته، وحقِّه وحق غيره من الأنبياء والمرسلين، بدليل قوله في الحديث...: «فإنَّ أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء». الأزهار مخطوط لوح (296).
قوله: «فتنةً أَضرَّ على الرِّجالِ مِن النِّساءِ»:
قال محمد المباركفوري -رحمه الله-:
«فتنةً» أي: امتحانًا وبليةً. تحفة الأحوذي (8/ 53).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
وفي حديث أسامة أنَّ فتنة النساء أعظم الفتن مخافة على العباد؛ لأنه -عليه السلام- عمم جميع الفتن بقوله: «ما تركتُ بعدى فتنةً أضرَّ على الرجال من النساء»، ويشهد لصحة هذا الحديث: قول الله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ} آل عمران: 14، الآية، فقدَّم النساء على جميع الشهوات.
وقد رُوي عن بعض أمهات المؤمنين أنها قالت: "مِن شَقَائِنَا قُدِّمْنَا على جميع الشهوات"، فالمحنة بالنساء أعظم المحن على قدر الفتنة بهن، وقد أخبر الله مع ذلك أنَّ منهن لنا عدوًّا، فينبغي للمؤمن الاعتصام بالله، والرغبة إليه في النجاة من فتنتهن، والسلامة من شرهن. شرح صحيح البخاري (7/ 188، 189).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
اعلم أنَّ شهوات الحسِّ غالبة على الآدمي، وأبلغ الشهوات الحسية الميل إلى النساء، والعقل كاللجام المانع عما لا يصلح، فالمحاربة بين الحس والعقل ما تنقطع، إلا أن التوفيق إذا أعان صان. كشف المشكل (4/ 19).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «فتنة أضر على الرجال من النساء» فيها يُفتتن بها الرجال؛ لأن تلذذهم بهن أكثر من سائر التلذذات؛ لميل الطِّباع إليهن أكثر مما تميل إلى غيرهن من التلذذات، فربما يقع الرجل في الحرام، وربما يقع بين الرجال مقاتَلة وعداوة بسبب النساء، بأن يقول رجل: أنا أتزوج هذه المرأة، ويقول الآخر: بل أنا أتزوجها. المفاتيح (4/ 10).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «فتنةً أضرَّ» وذلك أنَّ المرأة إذا لم تكن يمنعها الصلاح الذي مِن جِبِلَّتها، كانت عينُ المفسدة، فلا تأمر زوجها إلا بشرٍّ، ولا تحثه إلا على فساد، وأقل ذلك أن ترغِّبه في الدنيا؛ كي يتهالك فيها، وأي فساد أضر من هذا؟! الكاشف عن حقائق السنن (7/ 2260).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
قوله: «أضرَّ» وذلك أنَّ المرأة ناقصة العقل والدِّين، وغالبًا يرغب زوجها عن طلب الدِّين، وأي فساد أضر من ذلك؟! الكواكب الدراري (19/ 75).
وقال الدماميني -رحمه الله-:
«أضرَّ على الرجال من النساء» وتحقيق كون الفتنة بالمرأة أشد منها بالولد: أنَّ الرجل يحب الولد لأجل المرأة؛ ولهذا يحب الولد الذي أمُّه في عصمته، ويرجحه على الولد الذي فارق أمَّه بطلاق، أو وفاةٍ غالبًا. مصابيح الجامع (9/ 18).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«أضرَّ على الرجال من النساء» يعني: بما يدعو الشيطان بوسوسته وأعوانه، بتزيينها في قلوب الناظرين إليها. شرح سنن أبي داود (9/ 491).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«أضرَّ على الرجال من النساء»؛ لأن الطباع تميل إليهن كثيرًا، فيقع في الحرام والقتال والعداوة بسببهن. شرح المصابيح (3/ 540).
وقال المناوي -رحمه الله-:
لأنَّ المرأة لا تحب زوجها إلا على شر، وأقل إفسادها أنْ تحمله على تحصيل الدنيا، والاهتمام بها، وتشغله عن أمر الآخرة، وللمرأة فتنتان، عامة وخاصة، فالعامة الإفراط في الاهتمام بأسباب المعيشة، وتعيير المرأة له بالفقر، فيُكلَّف ما لا يطيق، ويسلك مسلك التهم المذهِبة لدِينه، والخاصة الإفراط في المجالسة والمخالطة، فتنطلق النفس عن قيد الاعتدال، وتستروح بطول الاسترسال، فيستولي على القلب السهو والغفلة، فيقلُّ الوارد؛ لقلة الأوراد، ويتكدر الحال لإهمال شروط الأعمال. التيسير (2/ 346).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «أضرَّ على الرجال» وذلك عند كونهن فاسدات غير مطيعات للرجال، فذلك متضمن لضرِّ الدنيا والآخرة، وهذا إذا حُمِلَ الرجال والنساء على الأزواج، كما هو المناسب للباب، وإنْ حُمِلَت على الأعم، فمعناه: التحذير عن فتنة النساء. لمعات التنقيح (6/ 12).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
وذلك لأن من طبيعة الرجل أن يميل إلى النساء، وأن هذا الميل ربما يؤدي إلى معصية، كنظرة إلى غير مَحْرَمٍ منهن، أو الاستلذاذ بها بطريق غير مشروع، وربما يؤدي إلى تعاطي المحظورات لإرضائها، وإن كانت حلالًا. الكوكب الوهاج (25/ 168).
وقال أبو عبد الله القرطبي -رحمه الله-:
ففتنة النساء أشد من جميع الأشياء، ويُقال: في النساء فتنتان، وفي الأولاد فتنة واحدة، فأما اللتان في النساء:
فإحداهما: أن تؤدي إلى قطع الرحم؛ لأن المرأة تأمر زوجها بقطعه عن الأمهات والأخوات.
والثانية: يبتلى بجمع المال من الحلال والحرام، وأما البنون فإن الفتنة فيهم واحدة، وهو ما ابتلي بجمع المال لأجلهم. الجامع لأحكام القرآن (4/ 29).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
لا ريب أنَّ فتنة النساء للرجال عامة مِن قَبل بعثته -صلى الله عليه وسلم-، ومِن بعدها، بل من عصر أبي البشر آدم -عليه السلام-، فإنه أول من فتنته امرأته حواء، كما في أحاديث أكله الشجرة المنهي عنها، وكذلك قتل قابيل لأخيه هابيل، كان بسبب فتنة النساء، كما في الآثار الواردة في ذلك؛ ولأن حبَّ النساء أمر ثابت في القلوب، زيَّنه الله للعباد، كما صرحت به الآية، وكل محبوب مَجْلَبَة للفتنة، وأنزل الله في بيان أحكامهن سورة سميت سورة النساء، وكثر ذكر أحكامهن في سورة البقرة.
ويكفيك فتنة نسائه -صلى الله عليه وسلم- حتى آلى منهن شهرًا، وأنزل الله: {وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ} التحريم: 4، الآية، وفيها ما ترى من الزجر الشديد، وقضايا فتن النساء قضايا واسعة في الكتاب والسنة وغيرهما مما يصدق الحديث النبوي. التحبير (6/ 483- 484).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«أضر على الرجال من النساء»؛ إذ المرأة تُقبل ومعها شيطان، وتُدبر وهو معها، يدعو إليها، بل زوجة الإنسان تدعوه إلى الشر، وأقله حب الدنيا، والتنافس فيها، وفي ذلك حكايات غير خافية، بل كل إنسان قد جرب صدق الخبر في نفسه، والحديث إعلام للعبد أنْ يستعد لهذه الفتنة. التنوير (9/ 375).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
المعنى: أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- يُخبر بأنه ما ترك فتنة أضر على الرجال من النساء؛ وذلك أنَّ الناس كما قال تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ} آل عمران: 14، كل هذه مما زُين للناس في دنياهم، وصار سببًا لفتنتهم فيها، لكن أشدها فتنة النساء؛ ولهذا بدأ الله بها فقال: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ} آل عمران: 14، وإخبار النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك يريد به الحذر من فتنة النساء، وأن يكون الناس منها على حذر؛ لأن الإنسان بشر إذا عَرَضت عليه الفتن، فإنه يُخشى عليه منها. شرح رياض الصالحين (3/ 151).
وقال الطحاوي -رحمه الله-:
في هذا الحديث (أي: حديث «إنَّ لكلِّ أُمَّةٍ فتنةً، وفتنةُ أُمَّتِي المالُ») أنَّ فتنة أمَّته المال، فكيف يجوز أنْ تكون فتنة النساء أعظم من ذلك؟
فكان جوابنا له في ذلك: أنَّ قوله -صلى الله عليه وسلم-: «ما تركتُ بعدي فتنة أضرَّ على الرجال من فتنة النساء» هو على الفتنة التي تلحق الرجال دون النساء، وفي ذلك ما قد دل أنه قد ترك -صلى الله عليه وسلم- في أمَّته فتنًا سوى النساء، وكان قوله -صلى الله عليه وسلم-: «فتنة أمتي المال» على فتنة تعمُّ الرجال والنساء من أمَّته، فكانت تلك الفتنة أوسع وأكثر أهلًا من الفتنة الأخرى، وكل واحدة منهما فأهلها الأهل الذين قد دلَّ كل واحد من هذين الحديثين عليهم مَن هم؟ وقد روي عنه -صلى الله عليه وسلم- من تحذيره من فتنة الدنيا، ومن فتنة النساء. شرح مشكل الآثار (11/ 101-102).
وقال فيصل ابن المبارك -رحمه الله-:
فيه: دليل على أنَّ الافتتان بالنساء أشد من سائر الشهوات؛ لعدم الاستغناء عنهن، وقد يَحمل حبُّهن على تعاطي ما لا يحل للرجل، وترك ما ينفعه في أمور دِينه ودنياه. تطريز رياض الصالحين (ص: 209).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
يُستفاد منه: سدُّ كل طريق يوجب الفتنة بالمرأة، فكل طريق يوجب الفتنة بالمرأة، فإن الواجب على المسلمين سدُّه؛ ولذلك وجب على المرأة أنْ تحتجب عن الرجال الأجانب، فتغطي وجهها، وكذلك تغطي يديها ورجليها عند كثير من أهل العلم، ويجب عليها كذلك أنْ تبتعد عن الاختلاط بالرجال؛ لأن الاختلاط بالرجال فتنة وسبب للشر من الجانبين، من جانب الرجال ومن جانب النساء؛ ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها»؛ وما ذلك إلا من أجل بُعد المرأة عن الرجال، فكلما بَعُدت فهو خير وأفضل.
وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يأمر النساء أن يخرجن إلى صلاة العيد، ولكنهن لا يختلطن مع الرجال، بل يكون لهن موضع خاص، حتى إن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا خطب الرجال وانتهى من خطبتهم، نزل فذهب إلى النساء فوعظهن وذكَّرهن، وهذا يدل على أنَّ النساء كن في مكان منعزل عن الرجال.
وكان هذا والعصر عصر قوة في الدِّين، وبُعْدٍ عن الفواحش، فكيف بعصرنا هذا؟
فإن الواجب توقِّي فتنة النساء بكل ما يُستطاع، ولا ينبغي أنْ يغرَّنا ما يدعو إليه أهل الشر والفساد من المقلدين للكفار، من الدعوة إلى اختلاط المرأة بالرجال؛ فإن ذلك من وحي الشيطان والعياذ بالله، هو الذي يزين ذلك في قلوبهم، وإلا فلا شك أنَّ الأمم التي كانت تقدم النساء، وتجعلهن مع الرجال مختلطات، لا شك أنها اليوم في ويلات عظيمة من هذا الأمر، يتمنون الخلاص منه فلا يستطيعون.
ولكن مع الأسف فإن بعض الناس منا ومن أبنائنا ومن أبناء جلدتنا يدعون إلى التحلل من مكارم الأخلاق، وإلى جلب الفتن إلى بلادنا، في توسع النساء، ومحاولة توظيفهن مع الرجال جنبًا إلى جنب، نسأل الله تعالى أن يعصمنا والمسلمين من الشر والفتن، إنه جواد كريم. شرح رياض الصالحين (3/ 151- 153).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
في الحديث: أنَّ الفتنة بالنساء أشد من الفتنة بغيرهن، ويشهد له قوله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ} آل عمران: 14، فجعلهن مِن حُبِّ الشهوات، وبدأ بهن قبل بقية الأنواع، إشارة إلى أنهن الأصل في ذلك. فتح الباري (9/ 138).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
فيه: أنَّ فتنة النَّساء: أعظم مخافة على العباد؛ لأنه -عليه السلام- عمَّ جميع الفتن بقوله: «ما تركتُ بعدي...» إلى آخره. التوضيح (24/ 268-269).
ولمزيد من الفائدة ينظر:
فتنة النساء: أول ابتلاء لبني إسرائيل ورسالة تحذيرٍ للأمة.