قالت أمُ حبيبة زوجُ النبي -صلى الله عليه وسلم-: «اللهم أَمْتِعْنِي بزوجي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وبأبي أبي سفيان، وبأخي معاوية، قال: فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: قد سألت الله لآجَال مَضْرُوبَة، وأيام مَعْدُودَة، وأَرْزَاق مَقْسُومَة، لن يُعَجِّل شيئًا قبل حِلِّه، أو يؤخِّر شيئًا عن حِلِّه، ولو كنتِ سألتِ الله أن يُعِيْذَك من عذاب في النار، أو عذاب في القبر، كان خيرًا وأفضل، قال: وذُكِرت عنده القِردة، قال مِسْعَر: وأُراه قال: والخنازير من مَسْخٍ، فقال: إن الله لم يجعل لمسْخٍ نَسْلًا ولا عَقِبًا، وقد كانت القِردة والخنازير قبل ذلك».
رواه مسلم برقم: (2663)، من حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-.
وفي لفظ له: «إن الله -عزَّ وجلَّ- لم يُهْلِك قومًا أو يُعَذِّب قومًا، فيجعل لهم نَسْلًا، وإنَّ القِردة والخنازير كانوا قبل ذلك».
غريب الحديث
«أَمْتِعْنِي»:
هو مِن التَّمَتُّع بالشيء: الانتفاع به، يقال: تمتَّعْتُ به أَتَمَتَّعُ تمتعًا. النهاية، لابن الأثير (4/ 292).
وقال الزبيدي -رحمه الله-:
يقال: أَمْتَعَ بالشيء، وتمتَّع به، واستمتع: دام له ما يستمد منه. تاج العروس (22/ 186).
«مَضْروبَة»:
أي: محدودة، ومقدرة. مبارق الأزهار، لعبد اللطيف سلطان (ص: 451).
«حِلِّه»:
بكسر الحاء وفتحها بمعنى: النزول، ولكن الكَسر أشهر رواية، أي: قبل وقت نزوله المقدر. مبارق الأزهار، لعبد اللطيف سلطان (ص: 451).
«مَسْخٍ»:
المسخ: تحويل صورة إلى صورة أقبح منها. لسان العرب، لابن منظور (3/ 55).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
هو قلب الخِلقة من شيء إلى شيء. النهاية (4/ 329).
«نَسْلًا»:
النَّسْلُ: الولد والذرية، والجمع أنْسَال، وكذلك النَّسِيْلَة. لسان العرب، لابن منظور (11/ 660).
«عَقِبًا»:
عَقِبُ الرَّجُل: ولده الذكور والإناث. التلخيص، للعسكري (ص: 130).
شرح الحديث
قوله: «قالت أم حبيبة زوج النبي -صلى الله عليه وسلم-»:
قال ابن الجوزي -رحمه الله-:
«أم حبيبة» هي زوج رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، واسمها رَمْلَة بنت أبي سفيان. كشف المشكل (1/ 337).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
مشهورة بكنيتها، ماتت -رضي الله عنها– سنة اثنتين، أو أربع، وقيل: سنة تسع وأربعين، وقيل: وخمسين. البحر المحيط الثجاج (41/ 537).
قولها: «اللهم أَمْتِعْنِي بزوجي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-»:
قال ابن قرقول -رحمه الله-:
قولها: «اللهم أمتعني» أي: أَطِلْ مدتهما، وقيل: انفعني بهما، وقيل ذلك في قوله تعالى: {مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ} المائدة: 96. مطالع الأنوار (4/ 11).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
«اللهم متعني بزوجي رسولِ الله» أي: أطل أعمارهم حتى أَتَمَتَّع بهم زمانًا طويلًا. المفهم (6/ 680).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
تريد الدعاء لهؤلاء بطول عمرهم، وزيادة في حياتهم. الكوكب الوهاج (24/ 572).
قولها: «وبأبي أبي سفيان»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«وبأبي أبي سفيان» صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف الأموي الصحابي الشهير، أسلم عام الفتح، ومات -رضي الله عنه- سنة اثنتين وثلاثين، وقيل: بعدها. البحر المحيط الثجاج (41/ 537).
قولها: «وبأخي معاوية»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«وبأخي معاوية» بن أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية الأموي، أبو عبد الرحمن، الصحابي ابن الصحابي -رضي الله عنهما- الخليفة المشهور، أسلم قبل الفتح، وكتب الوحي، ومات -رضي الله عنه- في رجب سنة ستين، وقد قارب الثمانين. البحر المحيط الثجاج (41/ 537).
قوله: «قال: فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: قد سألتِ الله لآجال مضروبة»:
قال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
«لآجال» جمع أجل، بفتحتين، وهو مدة الشيء، يريد العُمُر. منة المنعم (4/ 224).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«لآجالٍ مَضْرُوبة» أي: مقدَّرة بما لا مزيد فيه ولا نقصان. البحر المحيط الثجاج (41/ 538).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
«مضروبة» أي: مقرَّرة، يعني: كل منَّا قد قرر الله له عُمرًا وزمانًا ورزقًا لا يجاوزه، ولا يموت قبله، فلا فائدة من سؤالك هذا. منة المنعم (4/ 224-225).
قوله: «وأيام معدودة»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«وأيام معدودة» أي: معلوم عددها، وهي الأيام التي يعيشونها في علم الله -سبحانه وتعالى-. البحر المحيط الثجاج (41/ 538).
وقال النووي -رحمه الله-:
وهذا الحديث صريح في أن الآجال والأرزاق مقدَّرة لا تتغير عما قدره الله تعالى وعلِمَه في الأزل، فيستحيل زيادتها ونقصها حقيقة عن ذلك. شرح صحيح مسلم (16/ 213).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
أما الدعاء بطول العمر فقد كرهه الأئمة، وكان أحمد إذا دعا له أحد بطول العمر يكره ذلك، ويقول: هذا أمر قد فُرغ منه.
وحديث أم حبيبة -رضى الله عنها- لما طلبت امتاعها بزوجها -صلى الله عليه وسلم- وأبيها وأخيها فقال لها النبي -صلى الله عليه وسلم-: «سألت الله لآجال مضروبة وآثار مَبْلُوغَة وأرزاق مقسومة»، ففيه أن العمر لا يطول بهذا السبب الذي هو الدعاء فقط... الدعاء من جملة الأسباب التي خلقها، والسبب لا يستقل بالحكم ولا يوجبه، بل قد يتخلف الحكم عنه لمانع، فاذا كان متوقفًا على وجود أسباب أُخر وانتفاء موانع فليس في الوجود ما يستقل بالتأثير إلا الله الذي هو خالق كل شيء، وما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. مختصر الفتاوى المصرية (ص: 263-264).
قوله: «وأرزاق مقسومة»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«وأرزاق مقسومة» لهم بما لا مزيد فيه ولا نقصان. البحر المحيط الثجاج (41/ 538).
قوله: «لن يُعَجِّل شيئًا قبل حِلِّه»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«لن يعجِّل»، من التعجيل «شيئًا» من الآجال «قبل حِلِّه؟» أي: قبل حلول وقته. البحر المحيط الثجاج (41/ 538).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
«حِلِّه» بفتح الحاء وكسرها، أي: قبل مجيء وقته وحينه. منة المنعم (4/ 225).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قبل حلِّه» أي قبل حلول وقته. الكوكب الوهاج (24/ 572).
قوله: «أو يؤخِّر شيئًا عن حِلِّه»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«أو يؤخر» أي: ولن يؤخر «شيئًا» من الآجال «عن» وقت «حِلِّه» أي: وقت حُلُوله. الكوكب الوهاج (24/ 572).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله- أيضًا:
والحاصل: أنك إذا دعوت لزيادة في العمر لم يحدث بذلك شيء جديد فيما قضاه الله تعالى في قضائه الـمُبْرَم، وحاصله: أن القضاء الـمُبْرَم الذي هو عبارة عن علم الله تعالى بما سيكون لا يزاد فيه شيء ولا يُنقص، أما التقدير المعلَّق الذي هو عبارة عن الكتابة في اللوح المحفوظ أو توكيل الملَك بأمر من الأمور فقد يتغير بالدعاء أو باختيار بعض الأسباب. الكوكب الوهاج (24/ 575).
قوله: «ولو كنتِ سألتِ الله أن يعيذك من عذاب في النار»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«ولو كنت سألت الله» -سبحانه وتعالى- «أن يعيذك» أي: يجِيْرَك، ويعصمك «من عذاب في النار، أو عذاب في القبر كان خيرًا». البحر المحيط الثجاج (41/ 539).
قوله: «أو عذاب في القبر»:
قال ابن بطال -رحمه الله-:
عذاب القبر حق، وأهل السنة مجمِعُون على الإيمان به والتصديق، ولا ينكره إلا مبتدع. شرح صحيح البخاري (3/ 38).
وقال العراقي -رحمه الله-:
وقد اشتهرت به الأحاديث حتى كادت أن تبلغ حدَّ التواتر، والإيمان به واجب. طرح التثريب (3/ 111).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال أبو بكر ابن مجاهد: أجمع أهل السنة (على) أن عذاب القبر حق، وأن الناس يفتنون في قبورهم بعد أن يحيوا فيها ويُسألوا فيها، ويُثَبِّتُ الله مَن أحب تثبيته منهم.
وقال أبو عثمان ابن الحداد: وإنما أنكر عذاب القبر بشر المريسي والأصم وضرار (وهؤلاء من المعتزلة)، واحتجوا بقوله تعالى: {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى} الدخان: 56، واحتجوا بمعارضة عائشة لابن عمر.
قال القاضي أبو بكر ابن الطيب وغيره: قد ورد القرآن بتصديق الأخبار الواردة في عذاب القبر، قال تعالى: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا} غافر: 46، وقد اتفق المسلمون أنه لا غدوة ولا عشي في الآخرة، وإنما هما في الدنيا، فهم يعرضون مماتهم على النار قبل يوم القيامة، ويوم القيامة يدخلون أشد العذاب، قال تعالى: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ} غافر: 46، فإذا جاز أن يكون المكلَّف بعد موته معروضًا على النار غدوًا وعشيًا، جاز أن يسمع الكلام ويُمنع الجواب، لأن اللذة والعذاب تجيء بالإحساس، فإذا كان كذلك وجب اعتقاد رد الحياة في تلك الأجساد، وسماعهم للكلام، والعقل لا يدفع هذا، ولا يوجب حاجة إلى بلة ورطوبة، وإنما يقتضي حاجتها إلى المحل فقط، فإذا صح رد الحياة إلى أجسامهم مع ما هم عليه من نقص البنية، وتقطُّع الأوصال، صح أن يوجد فيهم سماع الكلام، والعجز عن رد الجواب. شرح صحيح البخاري (3/ 358-359).
قوله: «كان خيرًا وأفضل»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«كان خيرًا» لك «وأفضل» مما سألتِ من الزيادة في آجال محتمة، وأرزاق مقسومة لا تزيد، ولا تنقص. البحر المحيط الثجاج (41/ 539).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وقد أورد بعض علمائنا على هذا سؤالًا، فقال: ما معنى صرفه لها عن الدعاء بطول الأجل، وحضُّه لها على العياذ من عذاب القبر، وكل ذلك مقدَّر لا يدفعه أحد ولا يرده سبب؟
فالجواب: أنه -صلى الله عليه وسلم- لم ينهها عن الأول، وإنما أرشدها إلى ما هو الأَولى والأفضل، كما نص عليه، ووجهه: أن الثاني أولى وأفضل؛ لأنه قيام بعبادة الاستعاذة من عذاب النار والقبر، فإنه قد تعبَّدَنا بها في غير ما حديث، ولم يتعبدنا بشيء من القسم الذي دعت هي به، فافترقا، وأيضًا: فإن من عذاب القبر والنار تذكير بهما، فيخافهما المؤمن فيحذرهما، ويتقيهما، فيُجعل من المتقين الفائزين بخير الدنيا والآخرة. المفهم (6/ 681).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
فإن قيل: كيف ردها عن سؤال، وعلل بالقدر، وأمرها بسؤال، وهو داخل في باب القدر أيضًا؟
فالجواب: أن سؤال ما يجلب نفعًا في الآخرة، ويظهر عبودية من السائل، أَولى مما يجتلب به مجرد النفع في الدنيا، فأراد منها التشاغل بأمور الآخرة. كشف المشكل (1/ 337).
قوله: «قال: وذُكِرت عنده القردة»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«قال» عبد الله -رضي الله عنه-: «وذُكرت» بالبناء للمفعول، «عنده» -صلى الله عليه وسلم- «القِردة» بكسر القاف. البحر المحيط الثجاج (41/ 539).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
«القردة» بكسر ففتح جمع قِرْد، أي: الممسوخة من القردة والخنازير. منة المنعم (4/ 225).
قوله: «قال مسعر: وأُراه قال: والخنازير من مسخ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«قال مسعر» الراوي عن علقمة: «وأُراه» بضم الهمزة؛ أي: أظن علقمة «قال: والخنازير» أي: زاد ذكر «الخنازير» على «القردة»، و«الخنزير» فِنْعِيل، حيوان خبيث، ويقال: إنه حُرِّم على لسان كل نبي، وقوله: «من مسخ» أي: أهي من ممسوخ بني إسرائيل، أم لا؟ وفي رواية الثوري التالية: «فقال رجل: يا رسول الله، القردة والخنازير، هل هي مما مُسِخَ؟» وحاصل سؤاله أن القردة والخنازير الموجودة الآن هل هي مما تناسل من الأمم الممسوخة من بني إسرائيل أم لا؟ البحر المحيط الثجاج (41/ 540).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
وحاصل السؤال: أن القردة والخنازير الموجودة في زماننا هل هي من نَسْلِ الأمم الممسوخة، وكان ذلك مما يتوهمه بعض الناس في ذلك الزمان. الكوكب الوهاج (24/ 573).
قوله: «فقال: إن الله لم يجعل لمسخ نَسْلًا ولا عَقِبًا»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فقال» -صلى الله عليه وسلم-: «إن الله لم يجعل لمسخ»؛ أي: للمسوخ، ففيه إطلاق المصدر وإرادة المفعول؛ يعني: أنه تعالى لم يجعل لآدمي ممسوخ قردًا، أو خنزيرًا «نَسْلًا» أي: ذرية في حياته. البحر المحيط الثجاج (41/ 540).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- أيضًا:
«ولا عَقِبًا»؛ أي: يعقبُه بعد موته. البحر المحيط الثجاج (41/ 540).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«نسلًا ولا عَقِبًا» يحتمل: أنه لا يولد له أصلًا، أو يولد له لكن ينقرض في حياته، يعني: فليس هؤلاء القردة والخنازير من أعقاب من مُسِخَ من بني إسرائيل كما توهمه بعض الناس، ثم استظهر على دفَعْهِ بقوله: «وقد كانت القردة والخنازير قبل ذلك». فيض القدير (2/ 254).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«ولا عقبًا» العَقِبُ بفتح المهملة، وكسر القاف، وسكونها، وهو الولد وولد الولد، فالعطف تفسيري، أو أنه أريد بالأول الولد، وبالثاني ولد الولد؛ إبانة لانتفاء التوالد، وإلا فإنه يلزم من انتفاء الأول انتفاء الثاني، وهو عام في كل ممسوخ من الحيوانات إلا أن القرآن حكى أنه تعالى مسخ أمَّةً من بني إسرائيل الذين مُسِخُوا قردة وخنازير، ولذا قال: «وقد كانت القردة والخنازير قبل ذلك». التنوير (3/ 334).
قوله: «وقد كانت القردة والخنازير قبل ذلك»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«وقد كانت القردة، والخنازير قبل ذلك» يعني: القردة والخنازير كانت موجودة قبل حادثة المسخ. البحر المحيط الثجاج (41/ 540).
وقال المناوي -رحمه الله-:
قوله: «وقد كانت القردة والخنازير قبل ذلك» أي: قبل مَسخ من مُسِخَ من الإسرائيليين، فأنَّى لكم في أن هذه القردة والخنازير الموجودة الآن من نسل الممسوخ؟ هذا رجم بالغيب. فيض القدير (2/ 254).
وقال النووي -رحمه الله-:
«كانوا قبل ذلك» أي: قبل مسخ بني إسرائيل، فدل على أنها ليست من المسخ، وجاء «كانوا» بضمير العقلاء مجازًا؛ لكونه جرى في الكلام ما يقتضي مشاركتها للعقلاء، كما في قوله تعالى: {رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} يوسف: 4، {كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} الأنبياء: 33. شرح صحيح مسلم (16/ 214).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
دل على أنها جنس من أجناس الحيوان، خُلِقَ كما خُلِقَ سائر أنواع الحيوان وليس وجودها مقصورًا بمسخ الأمم، واستفيد من الحديث أيضًا أن الممسوخ ليس له نسل، فكيف يقال: إن القردة والخنازير الموجودة الآن من نَسْلِ الأمم الممسوخة. الكوكب الوهاج (24/ 573).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
قولهم: إن الممسوخ لا ينسل، دعوى، وهذا أمر لا يُعلم بالعقل، وإنما طريق معرفته الشرع، وليس في ذلك أثر يعول عليه. عارضة الأحوذي (7/ 290).
وقال المناوي -رحمه الله- متعقبًا ابن العربي:
وهو غفول عُجَاب مع ثبوته في أصح كتاب! ثم رأيت الحافظ الزين العراقي قال: قال ابن العربي: قولهم: "الممسوخ لا ينسل، دعوى"، غلط منه مع ثبوته في مسلم. فيض القدير (2/ 254).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
فإن قلتَ: يعارضه حديث أبي هريرة عند الشيخين وأحمد بلفظ: «فُقِدَتْ أمَّة من بني إسرائيل لا يُدْرَى ما فعلت، وإني لأراها الفأر» الحديث...، وحديث أنه -صلى الله عليه وسلم- قال في الضباب: «إنَّ أمَّة من بني إسرائيل مُسِخَت في الأرض دواب، وإني أخشى أن يكون هذا –يعني: الضباب- منها».
قلتُ: يمكن الجمع أن هذا شكٌّ منه -صلى الله عليه وسلم- في هذين الحديثين، فقد جزم في هذا بأنه لا نسل للمسيخ، فيكون ذلك الشك متقدمًا، ثم أعلمه الله بأنه لا يَجعل لمسيخٍ نسلًا، أو يقال: إنه أخبره: أنه لا نَسْلَ للقردة والخنازير من المسخ كما يرشد إليه ذكرها آخر الحديث، والأول أولى. التنوير (3/ 334-335).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث من الفقه: أن الإنسان إذا دعا الله -عزَّ وجلَّ- فينبغي أن يتخير المسألة، ويغتنم وقت الطلب من الله -عزَّ وجلَّ-، فيصرف السؤال فيه إلى أهم الأمور عنده. الإفصاح عن معاني الصحاح (2/ 122-123).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
فوائده (أي: الحديث):
منها: بيان أن الآجال مضروبة محدودة، لا يتعداها أحد، وهذا معنى قوله تعالى: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} الأعراف: 34.
ومنها: أن الأرزاق مقسومة، لا تزيد ولا تنقص، ولا يموت العبد حتى يستوفيها، فينبغِي الرِّفق في طلبها، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: «أيها الناس، اتقوا الله، وأجملوا في الطَّلَب، فإن نفسًا لن تموت حتى تستوفي رزقها، وإن أبطأ عنها، فاتقوا الله، وأجملوا في الطلب، خذوا ما حلَّ، ودعوا ما حَرُم»، رواه ابن ماجه من حديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-. البحر المحيط الثجاج، باختصار (41/ 542-543).