عن أبي مِجْلَزٍ قال: خرج معاويةُ، فقام عبد الله بن الزبير وابن صفوان حين رأوه، فقال: اجلسا؛ سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «مَن سرَّهُ أن يَتَمَثَّلَ له الرجالُ قيامًا فليَتَبَوَّأْ مَقعدَهُ من النارِ».
رواه أحمد برقم: (16830)، وأبو داود برقم: (5229)، والترمذي برقم: (2755) واللفظ له، من حديث معاوية -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (5957)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (357).
وسماه الخرائطي في مساوئ الأخلاق برقم: (786) عبد الله بن صفوان.
ولفظ أبي داود: خرج معاوية على ابن الزبير وابن عامر، فقام ابن عامر، وجلس ابن الزبير، فقال معاوية لابن عامر: اجلس؛ فإني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «مَنْ أحبَّ أن يمْثُل له الرجال قيامًا فليتبوَّأ مقعدهُ من النار».
غريب الحديث
«يَتَمَثَّلَ»:
المثول: الانتصاب. الفائق، للزمخشري (3/ 345).
وقال الرازي -رحمه الله-:
مَثَلَ بين يديه: انتصب قائمًا، وبابه: دَخَلَ. مختار الصحاح (ص290).
«فليَتَبَوَّأْ»:
أي: يلزمه ويقيم فيه. النظم المستعذب، للركبي (2/ 346).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
أي: لينزل منزله مِن النَّارِ، يقال: بوَّأه اللَّه منزلًا، أي: أسكنه إيَّاه، وتبوَّأتُ منزِلًا أي: اتَّخَذْته، والـمَبَاءَة: المنزل. النهاية/1 159).
شرح الحديث
قوله: «عن أبي مِجْلَزٍ قال: خرج معاويةُ، فقام عبد الله بن الزبير وابن صفوان حين رأوه فقال: اجلسا»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
كأنه خرج من منزله الخاص إلى المنزل الذي يجتمع فيه بالناس. التحبير (6/ 515).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قال (يعني ابن القيم): والقيام ينقسم إلى ثلاث مراتب: قيام على رأس الرجل، وهو فعل الجبابرة، وقيام إليه عند قدومه، ولا بأس به، وقيام له عند رؤيته، وهو المتنازع فيه. فتح الباري (11/ 51).
وقال الصنعاني -رحمه الله- متعقبًا:
قلتُ: قوله: "عند قدومه" محتمل لقدومه من محل بعيد، أو خروجه من منزله الخاص إلى المحل الذي أعده لمن يصل إليه، فقصة معاوية دلَّت أنه فهم أن الحديث الذي رواه يشمل القيام لمن خرج من منزله الخاص؛ لأنه لا يقال: إنه قادم، بل خارج من منزله. التحبير (6/ 517).
قوله في لفظ أبي داود: «خرج معاوية على ابن الزبير وابن عامر، فقام ابن عامر، وجلس ابن الزبير»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«خرج معاوية» بن أبي سفيان «على» عبد الله «ابن الزبير -رضي الله عنهم- و» عبد الله «ابن عامر» بن كريب «فقام ابن عامر، وجلس» عبد الله «ابن الزبير». شرح سنن أبي داود (19/ 583).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«وجلس» عبد الله «ابن الزبير» أي: بقي جالسًا. بذل المجهود (13/ 615).
وقال السهارنفوري -رحمه الله- أيضًا في الجمع بين الروايتين:
قلتُ: ولكن خالف الترمذي في هذه الرواية أبا داود، فروى من طريق سفيان، عن حبيب بن الشهيد، عن أبي مجلز قال: «خرج معاوية فقام عبد الله بن الزبير وابن صفوان حين رأوه فقال: اجلسا؛ سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» الحديث.
يحتمل أنْ تكون الروايتان قصَّتين، فما في الترمذي وقع أولًا بأن ابن الزبير قام مع ابن صفوان فنهاهما معاوية، وما في رواية أبي داود وقع ثانيًا، فلم يقم في تلك المرة عبد الله بن الزبير، وقام ابن عامر؛ لأنه لم يسمع النهي فنُهي ثانيًا. بذل المجهود (13/ 615).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
ومن رواية شعبة عن حبيب مثله وزاد فيه: «ولم يقم ابن الزبير، وكان أرزنهما، قال: فقال: مه» فذكر الحديث، وقال فيه: «مَن أحب أن يتمثَّل له عباد الله قيامًا» وأخرجه أيضًا عن مروان بن معاوية عن حبيب بلفظ: «خرج معاوية فقاموا له» وباقيه كلفظ حماد.
وأما الترمذي فإنه أخرجه من رواية سفيان الثوري عن حبيب ولفظه: «خرج معاوية فقام عبد الله بن الزبير وابن صفوان حين رأوه، فقال: اجلسا» فذكر مثل لفظ حماد وسفيان وإن كان من رجال الحفظ إلا أنَّ العدد الكثير، وفيهم مثل شعبة أولى بأنْ تكون روايتهم محفوظة من الواحد، وقد اتفقوا على أن ابن الزبير لم يقم.
وأما إبدال ابن عامر بابن صفوان فسهل؛ لاحتمال الجمع بأن يكونا معًا وقع لهما ذلك، ويؤيده الإتيان فيه بصيغة الجمع. فتح الباري (11/ 50).
قوله: «سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «من سرَّهُ أن يَتَمَثَّلَ له الرجالُ قيامًا»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«من أحبَّ أن يتمثَّل له الرجال قيامًا» أي: يقومون له قيامًا، بأن يُلزِمهم بالقيام له صفوفًا، أو بأن يُقام على رأسه وهو جالس. التيسير (2/ 387).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
أقول: «قيامًا» يجوز أن يكون مفعولًا مطلقًا؛ لما في الانتصاب من معنى القيام، وأن يكون تمييزًا؛ لاشتراك المثول بين المعنيين. الكاشف عن حقائق السنن (10/ 3067).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«من أحب أن يتمثَّل» من المثول، وهو الانتصاب «له»؛ لتعظيمه وتبجيله... والمراد: يقومون له عند رؤيته، أو دخوله منزلهم، أو يقومون على رأسه إن قعد. التنوير (10/ 36).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«من أحبَّ أن» وروي: «من سرّه» تفسيرية «تَمْثُل» بفتح التاء، وضم الثاء المثلثة «له الرجال قيامًا» أي: يقومون له قيامًا وهو جالس، يقال: مَثَلَ الرَّجُل يَمثُلُ مثولًا: إذا انتصب قائمًا، وإنما نُهي عنه لأنه من زي الأعاجم، كما سيأتي في كلام المصنف؛ ولأن الباعث له الكبر، وإذلال الناس له بأن يمثلوا قيامًا بين يديه طول جلوسه، فالنهي هنا ليس للقائم للإكرام، بل للذي يُقام له، نهي عن سروره بما يُفعل له؛ لما فيه من رؤية المنزلة له في نفسه. شرح سنن أبي داود (19/ 583).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
أي: يجتمعون له في القيام عنده، ويحبسون أنفسهم عليه. فتح القريب المجيب (11/ 136).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«من سرَّه» أي: أعجبه وجعله مسرورًا، ولفظ الجامع: «من أحبَّ أن يتمثل» أي: ينتصب «له الرجال قيامًا» أي: يقفون بين يديه قائمين لخدمته...، والظاهر أنهم إذا كانوا قائمين للخدمة لا للتعظيم فلا بأس به، كما يدل عليه حديث سعد (ابن معاذ، وقوله: «قوموا إلى سيدكم»). مرقاة المفاتيح (7/ 2974).
وقال المظهري -رحمه الله-:
هذا إذا طَلب من أحد أن يقوم بين يديه، أو على رأسه، فأما لو لم يطلب، ولم يتوقع أن يقوم أحد له، ووقف أحدٌ مِن تلقاء نفسه؛ طلبًا للثواب، فلم يكن عليه بأس؛ لأن المغيرة بن شعبة قام على رأس النبي -صلى الله عليه وسلم- وبيده سيف يوم الحديبية، وكان يزجر من يصدر عنه سوء أدب عند النبي ممن جاء بالرسالة من أهل مكة، حتى كان يضرب بنعل غمد سيفه يدَ كافرٍ يحرك يده على وجه النبي -صلى الله عليه وسلم-. المفاتيح (5/ 138- 139).
وقال الطحاوي -رحمه الله-:
بيان مشكل ما رُوي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في قيام الرجال بعضهم إلى بعض...: أن عبد الله بن كعب، قال: سمعتُ كعب بن مالك يحدث بحديث توبته، قال: «... فقام إليَّ طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنَّأَني»... (و) قال أبو سعيد الخدري: لما طلع سعد بن معاذ على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «قوموا إلى سيدكم، أو إلى خيركم»...
(و) عن أبي هريرة قال: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا أراد أن يدخل بيته قُمْنَا»... فقال قائل: كيف تَقبلون هذه الأحاديث، وأنتم تَرْوُوْنَ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما يخالفها؟ فذكر ما حدثنا علي بن معبد...، حدثنا عبد الله بن بريدة، قال: سمعتُ معاوية بن أبي سفيان، يقول: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من أحبَّ أن يستجم له (بالجيم) الرجال قيامًا وجبت له النار»...
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله -عز وجل- وعونه: أن هذا الحديث عندنا غير مخالف للأحاديث الأُول التي رويناها في هذا الباب؛ لأن الأحاديث الأُول التي رويناها في هذا الباب فيها إطلاق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قيام الرجال بعضهم إلى بعض باختيار القائمين لذلك؛ لا بذكر محبة الذين قاموا لهم إياه منهم، وفي هذا الحديث الذي ذكرته المحبة من الذي يُقام له لذلك ممن يقومه له، فتصحيح هذين المعنيين: أن تكون الأحاديث الأُول على ما لا محبة فيه لمن يُقام له، وهذا الحديث على المحبة لمن يُقام له بذلك القيام، فبان بما ذكرنا: أنَّ كل جنس من هذين الجنسين محتمل لما حملناه عليه مما ذكرنا، فلم يبن بحمد الله ونعمته تضادٌّ لجنس من هذين الجنسين للجنس الآخر منهما...
(و) عن أنس قال: «لم يكن شخصٌ أحب إليهم من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فكانوا إذا رأوه لم يقوموا له؛ لما يعلموا من كراهته لذلك»...
فكان ما في هذا الحديث قد دل أن أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إنما كانوا يتركون القيام له -صلى الله عليه وسلم-؛ لعلمهم بكراهته لذلك منهم، وفي ذلك ما قد دل على أنهم لولا كراهته لذلك منهم لقاموا له، وقد تكون كراهته لذلك منهم على وجه التواضع منه -صلى الله عليه وسلم- لذلك؛ لا لأنه حرام عليهم أن يفعلوا ذلك له، وكيف يُظن أن ذلك حرام عليهم وقد أمرهم بالقيام إلى سعد بن معاذ، وقام بمحضره طلحة بن عبيد الله إلى كعب بن مالك عند نزول توبته مهنئًا له بذلك فلم ينهه عنه؟...، فدل ذلك أن المكروه مما ذكرناه هو المحبة من بعض الرجال لذلك من بعض، وقد تكون تلك المحبة من القيام إليهم، وقد تكون بلا قيام إليهم، فدل ذلك على أن الكراهة في ذلك إنما هي للمحبة التي ذكرنا للقيام الذي لا محبة معه، وقد كان بعض من ينتحل اللغة يزعم أن حديث معاوية الذي رواه عنه ابن بريدة إنما هو: «من أحب أن يستخم له (أي: بالخاء) الرجال قيامًا»، وإن كان ذلك على القيام الذي تفعله الأعاجم بعظمائهم من قيامهم على رؤوسهم، ومن إطالتهم لذلك حتى يستخموا معه: أي: حتى تتغير له روائحهم لإطالتهم لذلك القيام.
وهذا عندنا مستحيل؛ لأن الحديث المروي في ذلك إنما دار على معاوية لا مخرج له سواه، وقد كان فيه ما خاطب عبد الله بن عامر ما كان بغير إطالة من ابن عامر له في ذلك قيامًا، فدل ذلك على انتفاء هذا التأويل، وفي انتفائه ثبوت التأويل الأول. شرح مشكل الآثار (3/ 150- 156).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
فإن ظنَّ ظانٌّ أن حديث عبد الله بن بريدة أن أباه دخل على معاوية فأخبره أن النبي -عليه السلام- قال: «مَن أحبَّ أن يتمثل له الرجال قيامًا، وجبت له النار» حُجة لمن أنكر القيام للسادة، فقد ظن غير الصواب؛ وذلك أن هذا الخبر إنما ينبئ عن نهي رسول الله للذي يقام له السرور بما يُفعل له من ذلك؛ لا عن نهيه القائم عن القيام، وقد روى حماد بن زيد، عن ابن عون قال: كان المهلب بن أبي صفرة يمر بنا ونحن غلمان في الكُتَّاب، فنقوم ويقوم الناس سِمَاطين (أي: صفين). شرح صحيح البخاري (9/ 43- 44).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
والقيام على ضربين: قيام على رأسه وهو قاعد، فهذا منهي عنه، قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: «مَن أحبَّ أن يتمثَّل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار» وهذه عادة الأعاجم والمتكبرين.
الثاني: قيام عند مجيء الإنسان، فقد كان السلف لا يكادون يفعلون ذلك.
قال أنس: «لم يكن شخص أحبَّ إلينا من رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وكانوا إذا رأوه لم يقوموا؛ لما يعلمون من كراهته لذلك».
وقد قال العلماء: يستحب القيام للوالدين والإمام العادل، وفُضلاء الناس، وقد صار هذا كالشعار بين الأفاضل، فإذا تركه الإنسان في حق مَن يصلح أن يُفعل في حقه، لم يأمن أن ينسبه إلى إهانته، والتقصير في حقه، فيوجب ذلك حقدًا، واستحباب هذا في حق القائم لا يمنع الذي يُقام له أن يكره ذلك، ويرى أنه ليس بأهل لذلك. مختصر منهاج القاصدين (ص: 230).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
فالمذموم: القيام للرجل، وأما القيام إليه للتلقي إذا قدم فلا بأس به، وبهذا تجتمع الأحاديث. والله أعلم. تهذيب سنن أبي داود (3/ 443).
وقال النووي -رحمه الله-:
الجواب عنه (أي: هذا الحديث) من أوجه: والأصح والأَولى والأحسن، بل الذي لا حاجة إلى سواه: أنَّه ليس فيه دلالة؛ وذلك أنَّ معناه الصريح الظاهر منه: الزجر الأكيد، والوعيد الشديد للإنسان أنْ يحبَّ قيام الناس له، وليس له فيه تعرُّض للقيام بنهي ولا غيره، وهذا متفَق عليه، وهو أنَّه لا يحل للآتي أنْ يحب قيام الناس له، والمنهي عنه هو محبته القيام، ولا يشترط كراهته لذلك، وخُطُور ذلك بباله، حتى إذا لم يخطر بباله ذلك فقاموا له أو لم يقوموا فلا ذم عليه، وإذا كان معنى الحديث ما ذكرناه، فمحبته أنْ يُقام له محرَّمة، فإذا أحب فقد ارتكب التحريم؛ سواء قِيْمَ أو لم يُقَمْ، فمدار ذلك على المحبة، ولا تأثير لقيام القائم، ولا نهي في حقه بحال، فلا يصح الاحتجاج بهذا الحديث، فإنْ قال من لا تحقيق عنده: إنَّ قيام القائم سبب لوقوع هذا في المنهي عنه، قلنا: هذا سؤال فاسد، لا يستحق سائله جوابًا، فإن تبرع عليه، قيل: ما قدمناه أنَّ الوقوع في المنهي عنه يتعلَّق بالمحبة فحسب. الترخيص بالقيام لذوي الفضل والمزية من أهل الإسلام (ص: 26-27).
قوله: «فليَتَبَوَّأْ مَقعدَهُ من النارِ»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «فليتبوأ» لفظه لفظ الأمر، ومعناه الخبر، كأنه قال: من سره ذلك وجب له أن ينزل منزلة من النار، وحق له ذلك. الكاشف عن حقائق السنن (10/ 3067).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قد عرفتَ مما ذكرنا أنَّ القيام المذكور مما تكلم فيه العلماء، واختلفوا، ليس كما يقال: إنَّ ذلك بدعة لم يكن في زمن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم-، نعم لم يكن ذلك متعارفًا فيه كما في هذا الزمان، بل كانوا غير متكلِّفين في أحد الجانبين، بل الظاهر أنَّ الغالب في ذلك الزمان عدم القيام، وأما أنَّه بدعة مطلقًا فكلَّا، واللَّه أعلم، فتدبر. لمعات التنقيح (8/ 56).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«فليتبوَّأْ مقعده من النار»... ووجه ذلك: أنه دليل تكبُّره واعتقاده أنه يستحق أن يعظِّمه الناس...، والحديث سِيق لوعيد مَن أحب ذلك، وليس فيه تعرض لنهي القائم عن القيام؛ بل أمره لهم بالقيام لسعدٍ ربما دل على ندب القيام للسادات، إنما ينهى المقوم له عن محبة ذلك، وهل يمنعهم عن القيام له؟ الظاهر لا يتعين ذلك؛ لأن النهي عن محبته لذلك، وأما كونهم يكرمونه بشيء لا يحبه فلا يحسن نهيه لهم عنه. التنوير (10/ 36- 37).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
لم تكن عادة السلف على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- وخلفائه الراشدين أن يعتادوا القيام كلَّما يرونه -عليه السلام-، كما يفعله كثير من الناس؛ بل قد قال أنس بن مالك: «لم يكن شخص أحبَّ إليهم من النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له؛ لما يعلمون من كراهته لذلك» ولكن ربما قاموا للقادم من مَغِيْبِه تَلَقِّيًا له، كما «روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قام لعكرمة» وقال للأنصار لما قدم سعد بن معاذ: «قُوموا إلى سيدكم» وكان قد قَدِمَ ليحكم في بني قريظة؛ لأنهم نزلوا على حكمه.
والذي ينبغي للناس: أن يعتادوا اتباع السلف على ما كانوا عليه على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ فإنهم خير القرون، وخير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، فلا يَعدل أحد عن هدي خير الورى، وهدي خير القرون إلى ما هو دونه، وينبغي للمطاع ألا يقرَّ ذلك مع أصحابه، بحيث إذا رأوه لم يقوموا له إلا في اللقاء المعتاد.
وأما القيام لمن يقدم من سفر ونحو ذلك تلقيًا له فحسن، وإذا كان من عادة الناس إكرام الجائي بالقيام، ولو ترك لاعتقد أن ذلك لترك حقه، أو قصد خفضه ولم يعلم العادة الموافقة للسُّنة، فالأصلح أن يقام له؛ لأن ذلك أصلح لذات البين، وإزالة التباغض والشحناء؛ وأما من عَرف عادة القوم الموافقة للسنة: فليس في ترك ذلك إيذاء له، وليس هذا القيام المذكور في قوله -صلى الله عليه وسلم-: «مَن سَرَّه أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار» فإن ذلك أن يقوموا له وهو قاعد، ليس هو أن يقوموا لمجيئه إذا جاء؛ ولهذا فرقوا بين أن يقال: قمت إليه، وقمت له، والقائم للقادم ساواه في القيام، بخلاف القائم للقاعد، وقد ثبت في صحيح مسلم: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما صلى بهم قاعدًا صلوا قيامًا أمرهم بالقعود، وقال: «لا تعظِّموني كما يعظم الأعاجم بعضها بعضًا» (ورد عند أبي داود وأحمد بلفظ: «لا تقوموا كما تقوم الأعاجم، يعظم بعضها بعضًا» وإسناده ضعيف) وقد نهاهم عن القيام في الصلاة وهو قاعد؛ لئلا يتشبه بالأعاجم الذين يقومون لعظمائهم وهم قعود، وجماع ذلك كله الذي يصلح اتباع عادات السلف وأخلاقهم، والاجتهاد عليه بحسب الإمكان، فمن لم يعتقد ذلك، ولم يعرف أنه العادة، وكان في ترك معاملته بما اعتاد من الناس من الاحترام مفسدة راجحة: فإنه يدفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما، كما يجب فعل أعظم الصَّلَاحَين بتفويت أدناهما. مجموع الفتاوى (1/ 374- 376).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
قوله: «قوموا إلى سيدكم» ظاهر في القيام لأهل الدِّين والعلماء على وجه الإكرام والاحترام، وقد قام طلحة بن عبيد الله لكعب بن مالك لما تِيب عليه فكان كعب يراها له.
قال السهيلي: وقام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لصفوان بن أمية ولعدي بن حاتم حين قدما عليه، وقام لمولاه زيد بن حارثة ولغيره أيضًا، وكان يقوم لابنته فاطمة إذا دخلت عليه، وتقوم له إذا قدم عليها، وقام لجعفر ابن عمه، وليس هذا معارض لحديث معاوية: «من سره أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوَّأ مقعده من النار»؛ لأن هذا الوعيد إنما يوجَّه للمتكبرين وإلى مَن يغضب أو يسخط ألا يُقام له.
وقال القرطبي: إنما المكروه القيام للمرء وهو جالس. وتأول بعض أصحابنا (الشافعية): «قوموا إلى سيدكم» على أن ذَلِكَ مخصوص بسعد، وقال بعضهم: أمرهم بالقيام؛ لينزلوه عن الحمار لمرضه. التوضيح (18/ 260).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
لا بأس بالقيام إلى الرجل لمصافتحه وتهنئته بما يسُره، والقيام إلى الرجل لا باس به، قد جاءت به السُّنة، وكذلك القيام للرجل وأنت باقٍ في مكانك لا تتحرك إليه، فهذا أيضًا لا بأس به إذا اعتاده الناس؛ لأنه لم يرد النهي عنه؛ وإنما النهي والتحذير من الذي يقام له، لا من القائم، فإن من يُقام له قال فيه النبي -عليه الصلاة والسلام-: «من أحب أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار» قال أهل العلم: والقيام ثلاثة أقسام:
الأول: قيام إلى الرجل.
الثاني: قيام للرجل.
والثالث: قيام على الرجل.
فالقيام إلى الرجل: لا باس به، وقد جاءت به السنة أمرًا وإقرارًا وفعلًا أيضًا. شرح رياض الصالحين (1/ 155- 156).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
الحديث يدل أيضًا على ما كان عليه أصحاب الرسول -صلى الله عليه وسلم- من بيان السنن والتحذير مما فيه مخالفة، ولو كان في ذلك احترام للإنسان؛ لأن ابن عامر قام، وابن الزبير جلس، وأمَر معاوية الذي قام أن يجلس، ثم ساق الحديث مع أن ابن عامر قام احترامًا له، لكنه لما كان مخالفًا للسُّنة لم يسكت على ذلك، بل أمره بأن يجلس.
وفيه أيضًا: إتْباعُ القول بالدليل؛ لأن معاوية -رضي الله عنه- قال له: «اجلس» ثم ذكر له الدليل، الذي هو حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأصحاب الرسول -عليه الصلاة والسلام- يذكرون الحكم ودليله، وهذا فيه ذكر الحكم ودليله، الحكم الذي هو الجلوس، والدليل الذي هو: «مَن أحب أن يَمْثُل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار». شرح سنن أبي داود (ص: 2).
وللفائدة يُنظر عقوبة أهل الكبر.