أنَّ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- كانَ يقولُ عندَ الكَربِ: «لا إلهَ إلا اللهُ العظيمُ الحليمُ، لا إلهَ إلا اللهُ رَبُّ العرشِ العظيمِ، لا إلهَ إلا اللهُ ربُّ السماواتِ وربُّ الأرضِ، وربُّ العَرشِ الكريمِ».
رواه البخاري برقم: (6346)، ومسلم برقم: (2730)، من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-.
غريب الحديث
«الكَرْب»:
الكَرْبُ: ... هو الغَم الذي يأخذ بالنَّفَس. يُقال: كَرَبه أمر، وإنه لمكروب النَّفَس، والكُربة: الاسم. العين، للفراهيدي (5/ 360)
وقال ابن فارس -رحمه الله-:
الكاف والراء والباء أصل صحيح يدل على شِدَّة وقوة، يقال: مفاصل مُكْرَبَةٌ، أي: شديدة قوية، وأصله الكَرَب، وهو: عقد غليظ في رِشاء الدلو، يُجعل طرفه في عَرْقُوَةِ الدَّلْوِ ثم يُشد ثنايته رباطًا وثيقًا، يُقال منه: أَكْرَبْتُ الدلو...، ومن الباب الكَرب، وهو الغَمِّ الشديد، والكريبة: الشديدة من الشدائد. معجم مقاييس اللغة (5/ 174).
شرح الحديث
قوله: «أنَّ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- كانَ يقولُ عند الكَربِ»:
قال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
قوله: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» صيغة المضارع بعد لفظة «كان» تدل على كثرة التكرار والمداومة على ذلك الفعل، ما لم يوجد قرينة. منحة العلام (1/ 341).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
«عند الكَرب» أي: عند حُلول الكرب، وعند مسلم ...: «كان يدعو بهنّ، ويقولهن عندَ الكَرْب»...«كان إذا حزبهُ أمرٌ»... وفي حديث علي عند النسائي وصححه الحاكم: «لقّنني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هؤلاء الكلمات، وأمرني إن نزل بي كربٌ أو شدةٌ أن أقولها»...، وفي الأدب المفرد... «اللهمّ اصرف عني شرّه» قال الطبري: ويؤيد هذا ما روى الأعمش عن إبراهيم قال: "كان يقال: إذا بدأ الرجل بالثناء قبل الدعاء استُجيب، وإذا بدأ بالدعاء قبل الثناءِ كان على الرجاء". فتح الباري (11/ 145).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
قوله: «عند الكرب» قال ابن حجر الهيتمي في شرح المشكاة: الظاهر أن المراد به هنا الحال التي تُقلق النفسَ، وتوجب كبير همّها وضِيقها؛ لأمر دنيويّ، وكذا دينيّ، كخوفٍ مزعج يخشى منه الناس، وطمعٍ يخشى معه أَمْنَ المكر وغيرهما، مما يخشى أن يؤدِّي إلى مذموم. الفتوحات الربانية (4/ 3 - 4).
وقال النووي –رحمه الله-:
وهو حديث جليل ينبغي الاعتناء به والإكثار منه عند الكرب والأمور العظيمة، قال الطبري: كان السلف يدعون به، ويسمونه: دعاء الكرب، فإن قيل: هذا ذكر وليس فيه دعاء، فجوابه من وجهين مشهورين:
أحدهما: أن هذا الذكر يستفتح به الدعاء، ثم يدعو بما شاء.
والثاني: جواب سفيان بن عيينة، فقال: أما علمتَ قوله تعالى: «من شغله ذكرى عن مسألتي، أعطيته أفضل ما أُعطي السائلين» (ضعفه الألباني في الضعيفة برقم: (4989)). وقال الشاعر ...
إذا أثنى عليك المرء يومًا ... كفاه من تعرضه الثناء. المنهاج شرح صحيح مسلم (17/ 47)
وقال ابن حجر-رحمه الله- معلقًا:
ويؤيد الاحتمال الثاني حديث سعد بن أبي وقاص رفعه: «دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنتُ من الظالمين؛ فإنه لم يدعُ بها رجلٌ مسلمٌ في شيء قطّ إلا استجابَ الله تعالى له». فتح الباري (11/ 147).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله- معلقًا أيضًا:
قلتُ: وهذا الكلام حسنٌ، وتتميمه أن ذلك إنما كان لنُكتتين: إحداهما: كرمُ الـمُثْنى عليه؛ فإنه إذا اكتفى بالثناء عن السؤال دلّ ذلك على سهولة البذل عليه، والمبالغة في كرم الحق.
وثانيهما: أن الـمُثني لما آثر الثناءَ الذي هو حق الـمُثنى عليه على حق نفسِه الذي هو حاجتُه، بُودر إلى قضاء حاجته من غير إحواجٍ إلى إظهار مذلة السؤال؛ مجازاةً له على ذلك الإيثار، والله تعالى أعلم. المفهم (7/ 57).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
ليس فيه دعاء، ومناسبة هذا الذكر لدفع الكرب: اشتمالُه على صفات الجلالة والجمَال، فإذا قُوبلت ترجّحت صفاتُ الجمال؛ لأن رحمته غالبةٌ غضبَه. الكوثر الجاري (10/ 85).
قوله: «لا إلهَ إلا اللهُ العظيمُ الحليمُ»:
قال الشيخ عبد الله الغنيمان -حفظه الله-:
قوله: «لا إله إلا الله»، الإله هو: المعبودُ الذي تألههُ القلوب، وتذلّ له، وتحبّه، وتعظّمه، وتخافه، وترجوه، فالإله هو الذي يُقصد بالخوف والرجاء، مع الذل والتعظيم، وكلما زاد الخوف والرجاء والذل والتعظيم، صارت العبادة أكمل...، فقوله: «لا إله إلا الله» أي: لا أتوجه بقلبي عابدًا وخاضعًا متذللًا، خائفًا راجيًا، إلا إلى الله وحده، فهو إلهي، ومعبودي، الذي يملك نفعي وضري، وبإخلاص التألُّه له كمالُ حياتي، وسعادتي، وفي عدم ذلك الشقاء والهلاك،... وهو تعالى حليمٌ لا يعجِّل بالعقوبة لمَن يستحقها، بل يعفو ويتجاوز، وحلمه عن علمٍ وحِكمة، فله تعالى الكمال المطلق...، وكثيرًا ما يأتي وصفه تعالى بالحِلم مقرونًا بالمغفرة، مما يدلُّ على أنَّ الحِلم هو: عدم المعاجلة لمَن استحق العقوبة، وأنه تعالى يحلُمُ على عباده، ويغفرُ لهم جرائمهم. شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (1/ 418 - 420).
وقال الشيخ حمزة محمد قاسم -رحمه الله-:
«لا إله إلا الله» أي: لا معبودَ بحق سوى الله، «العظيم» أي: العظيم القدر، الجليل الشأن في ذاته وصفاته وأفعاله، «الحليم» أي: الذي لا يعاجلُ العاصي بالعقوبة، بل يؤخرها، وقد يعفو عنه مع القُدرة عليه. منار القاري (5/ 281).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«لا إلهَ إلا اللهُ العظيمُ» أي: ذاتًا وصفةً، فلا يتعاظم عليه مسألة، «الحليمُ» الذي لا يعجِّل بالعقوبة، فلَم يُعاجل بنقمته على مَن قصّر في خدمته (طاعته)، بل يكشف المضرةّ عنه برحمته. مرقاة المفاتيح (4/ 1677).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«لا إلهَ إلا اللهُ العظيمُ» المطلَق البالغ أقصى مراتب العظمة، الذي لا يتصوره عقلٌ، ولا يحيط بكنهه بصيرةٌ، «الحليم» الذي... لا يحمله غيظٌ على استعجال العقوبة، والمسارعة إلى الانتقام. إرشاد الساري (18/ 73).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«لا إلهَ إلا اللهُ العظيمُ الحليمُ» بالرفع، صفتان للجلالة (أي: للفظ الجلالة) ويجوز النصب فيهما بتقدير "أمدح". الكوكب الوهاج (25/ 145).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«لا إله إلا الله الحليم...»، وصفه بالحِلم؛ لأن العبدّ لـمّا كان كثير الذنوب، استحق أن تنزل به الكُروب، فتوسّل إلى الله تعالى فارجِ كل كُربة بتوحيده، أو أنه لإخراج كلِّ شريك من قلبه. التنوير (8/ 155).
قوله: «لا إلهَ إلا اللهُ رَبُّ العرشِ العظيمِ»:
قال الكرماني -رحمه الله-:
ووصْف العرش بالعظمة هو من جهة الكمية...، وخُصّ بالذكر لأنه أعظم أجسام العالَم، فيدخل الجميع تحته دخول الأدنى تحت الأعلى، ولفظ "الرب" من بين سائر الأسماء الحسنى؛ ليناسب كشف الكروب، الذي هو مقتضى التربية. الكواكب الدراري (22/ 149).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«لا إلهَ إلا اللهُ ربُّ العرشِ العظيمِ» بالجر (للفظ العظيم) ويُرفع، أي: فلا يُطلب إلا منه، ولا يسأل إلا عنه؛ لأنه لا يكشف الكرب العظيمَ إلا الربُّ العظيمُّ. مرقاة المفاتيح (4/ 1677).
وقال ابن علان -رحمه الله-: أيضًا
قوله: «العرش العظيم»...مَن وسِعَتْ ربوبيتهُ العرشَ الذي وسعَ المخلوقات بأسرهم، جدير بأن يزيل الكروب، ويرفع اللُّغوب. الفتوحات الربانية (4/ 4).
قوله: «لا إلهَ إلا اللهُ ربُّ السماواتِ وربُّ الأرضِ، وربُّ العَرشِ الكريمِ»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«لا إله إلا اللهُ ربُّ السماوات» زاد في رواية: «السبع» «وربّ الأرض ربّ العرش» أي: مالك كل شيء وخالقه ومُصْلِحُه...، وروي «وربّ العرشِ» بإثبات واو، «الكريمِ» بالجر صفة العرش، ووصف به... لأنه منسوب إلى أكرم الأكرمين، «لا إله إلا هو»، وفي الإتيان بهذه إيماءٌ إلى أن الدواء من الكرب توحيد الله -عز وجل-، وعدم النظر إلى سواه أصلًا، فمَن صفا له هذا المشرب فُرِّجَ عنه الكرب، ونالَ من الفضل الأسنى ما أحبّ. دليل الفالحين (7/ 305).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
لما ذكر التوحيد والعظمة والحِلم والعرش العظيم، نزل إلى ذكر السماوات والأرض، فأقرّ بأنه خالقُهما، ثم عاد فصعد إلى أعلا المخلوقات، فقال: «ربّ العرشِ الكَريم»، ولما وصف العرشَ بالعِظَم وصفه بالكرم، وليس كل عظيم كريمًا، فجمع له الوصفين؛ أي: أنه عظيم الخِلقة، وهو كريمٌ على خالقه؛ وذلك لأنه ذَكر الكون من جهته بقوله: «ربّ العرشِ العظيمِ»، ثم ذكر بعد ذلك «ربُّ السماوات والأرض» أي: رب التحت والفوق، ثم أعاد بعد ذلك فكرّر ذِكر العرش، وأنه كريم، وإذا قال هذه الكلمات موقنًا بها زال كربُه، وأيّ كرب يبقى مع هذه الكلمات العزيزة؟!. الإفصاح(3/ 86 - 87).
وقال العيني -رحمه الله-:
«ربُّ السماواتِ والأرضِ» خصَّهما بالذكر؛ لأنهما من أعظم المشاهَدات، ومعنى: الربِّ في اللغة: يُطلق على المالك والسيد والمدبِّر والمربي والمتمِّم والمنعِم، ولا يُطلق غير مضاف إلا على الله تعالى، وإذا أطلق على غيره أضيف، فيقال: رب كذا...، «وربّ العرشِ الكريمِ»...وصف العرش هنا بالكريم، أي: الحَسَن من جهة الكيفيّة، فهو ممدوح ذاتًا وصفةً، و... وصفه بالعظمة من جهةِ الكميّة. عمدة القاري (22/ 303).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
حديث ابن عباس في دعاء الكرب مشتمل على توحيد الإلهية والربوبية، ووصف الرب سبحانه بالعظمة والحلم، وهاتان الصفتان مستلزمتان لكمال القدرة والرحمة والإحسان والتجاوز، ووصفه بكمال ربوبيته للعالم العلوي والسّفلي، والعرش الذي هو سقف المخلوقات وأعظمها، والربوبية التامة تستلزم توحيده، وأنه الذي لا تنبغي العبادة والحب والخوف والرجاء والإجلال والطاعة إلا له، وعظمته المطلقة تستلزم إثبات كل كمال له، وسلب كل نقص وتمثيلٍ عنه، وحلمه يستلزم كمال رحمته وإحسانه إلى خلقه، فعلمُ القلبِ ومعرفته بذلك يوجب محبتهُ وإجلاله وتوحيده، فيحصل له من الابتهاج واللذة والسرور ما يدفع عنه ألم الكرب والهمّ والغمّ، وأنت تجد المريض إذا ورد عليه ما يسرُّه ويُفرحه ويقوي نفسهُ كيفَ تقوى الطبيعة على دفع المرض الحسيّ! فحصول هذا الشفاء للقلب أولى وأحرى، ثم إذا قابلتَ بين ضيق الكرب وسعة هذه الأوصاف التي تضمنها دعاء الكرب، وجدتَه في غاية المناسبة لتفريج هذا الضيق، وخروج القلب منه إلى سعة البهجة والسرور، وهذه الأمور إنما يصدِّق بها مَن أشرقت فيه أنوارها، وباشر قلبه حقائقها. زاد المعاد (4/291 - 292).
وقال الشيخ حمزة محمد قاسم -رحمه الله-:
إنَّ هذا الذكر دعاء عظيم، اشتهر عند السلف بدعاء الكرب، قال الطبري: وكان يوصي بعضهم بعضًا بهذا الدعاء ويعلِّمونه لأولادهم وبناتهم، كما رُوي أنَّ عبد الله بن جعفر -رضي الله عنه- لما زوج ابنته قال لها: إذا نزل بك أمرٌ فاستقبليه بأن تقولي: «لا إله إلا الله الحليم الكريم...» إلخ، وقد جرَّب الناس هذا الدعاء، فمِن ذلك ما وقع للحسن البصري -رحمه الله- قال: أرسل إليَّ الحجاج، فقلتُ هذه الكلمات، فلما وصلتُ إليه، قال: والله لقد أرسلتُ إليك أريد أنْ أقتلك، فلأنت اليوم أحب إليَّ من كذا وكذا، وزاد في لفظ أنه قال له: فسل حاجتك. منار القاري (5/ 282).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
في الحديث: مشروعية الدعاء بما اشتمل عليه لـمَن نزل به كربٌ، وبعد فراغه يدعو بأن يكشف الله عنه كربهُ، ويُذهِب ما أصابه، ويدفع ما نزل به. تحفة الذاكرين (ص: 294).
ولمعرفة المزيد من الأدعية النبوية عند الشدائد والهموم ينظر حديث رقم: (724) ورقم: (163) ورقم: (1428) ورقم: (1511).