«أنَّ رسولَ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- سُئلَ عن صومِهِ؟ قال: فغضب رسولُ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-، فقال عمرُ -رضي الله عنه-: رضينا باللهِ ربًّا، وبالإسلامِ دِينًا، وبمحمَّدٍ رسولًا، وببيعتنا بيعة. قال: فسُئل عن صيام الدَّهر؟ فقال: «لا صام ولا أفطر -أو ما صام وما أفطر-» قال: فسُئِلَ عن صوم يومين وإفطارِ يومٍ؟ قال: «وَمَن يُطِيقُ ذلكَ؟» قال: وسُئِلَ عن صوم يومٍ، وإفطار يومين؟ قال: «ليت أنَّ الله قوَّانا لذلك» قال: وسُئِلَ عن صوم يوم، وإفطارِ يوم؟ قال: «ذاك صوم أخي داود -عليه السَّلام-» قال: وسُئِلَ عن صوم يوم الاثنين؟ قال: «ذاك يومٌ وُلِدْتُ فيه، ويوم بُعِثْتُ -أو أُنْزِلَ عليَّ فيه-» قال: فقال: «صوم ثلاثة مِن كلِّ شهرٍ، ورمضان إلى رمضان صوم الدَّهرِ» قال: وسُئِلَ عن صوم يوم عرفة؟ فقال: «يُكَفِّرُ السَّنة الماضية والباقية» قال: وسُئِلَ عن صوم يوم عاشوراء؟ فقال: «يُكَفِّرُ السَّنة الماضية».
رواه مسلم برقم: (1162)، من حديث أبي قتادة -رضي الله عنه-.
ورواه أحمد برقم: (٢٢٥٨١)، بلفظ: «صوم الاثنين والخميس».
وفي لفظ عند أبي داود برقم: (2425) «نعوذُ بالله من غضب الله، ومن غضبِ رسوله، فلم يزلْ عُمر يُرَدِّدُهَا حتى سَكن غَضبُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-».
صحيح سنن أبي داود برقم: (2096)، ولفظ أحمد، قال عنه محققو المسند (37/ 274): إسناده صحيح على شرط مسلم.
غريب الحديث
«يُكَفِّرُ»:
الكُفر في الشيء: التغطية له تغطية تستهلكه، كتغطية الزارع الحب الذي يزرعه. المجموع المغيث(3/ 62).
وقال المظهري -رحمه الله-:
بتشديد الفاء، أي: يستر ويزيل ذنوب صائم ذلك اليوم. المفاتيح، للمظهري (3/ 41).
«عاشُورَاءَ»:
يوم عاشوراء: اليوم العاشر من المحرم. شمس العلوم، للحميري (7/ 4551).
شرح الحديث
قوله: «أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سُئِل عن صومه؟ قال: فغضِب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سُئل» بالبناء للمجهول، أي: سأله سائل «عن» كيفية «صومه» -صلى الله عليه وسلم- «قال» أبو قتادة: «فغضب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» لسؤال الرجل، أي: ظهر أثر الغضب في وجهه -صلى الله عليه وسلم- من قول الرجل وسوء سؤاله. الكوكب الوهاج (13/ 179).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
وسبب غضبه -صلى اللَّه عليه وسلم- عليه بأنه كان حقه أن يقول: كيف أصوم؟ أو كم أصوم؟ فيخص السؤال بنفسه؛ ليُجاب بمقتضى حاله، مع ما فيه من سوء الأدب؛ لوجود المصالح في فعله -صلى اللَّه عليه وسلم- في القلَّة والكثرة مما لا يصلح لغيره. لمعات التنقيح (4/ 475-476).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
قلتُ: يشبه أنْ يكون غضب النبي -صلى الله عليه وسلم- من مسألته إياه عن صومه؛ كراهة أن يقتدي به السائل في صومه، فيتكلَّفه، ثم يعجز عنه فعلًا، أو يسأمه ويَمَلُّه بقلبه، فيكون صيامًا عن غير نية وإخلاص، وقد كان -صلى الله عليه وسلم- يواصل وهو محرَّم على أمته، وقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يترك بعض النوافل؛ خوفًا من أن يُفْرَضَ على أمته إذا فعلوه اقتداء به، كما ترك القيام في شهر رمضان بعد أن قام بهم ليلة أو ليلتين، ثم لم يخرج إليهم، وقال لهم: «إنه لم يَخْفَ عليَّ مكانكم، ولكني خِفْت أن يُكْتَبَ عليكم ثم لا تقومون» أو كما قال. معالم السنن (2/ 129).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
غضب النبي -صلى الله عليه وسلم- للذي سأله عن صومه لتكليفه إياه ما يشقُّ عليه الجواب عنه أو يكرهه؛ لأنه وإن أعلمه بصومه فلعله يعتقد تقليله فيه والتزامه، ويُلْحق بالفرض ما ليس منه، أو يعرفه منه بما لا يقدر عليه؛ فتكلف من ذلك ما يشق عليه، أو يكون ذلك أقل مما يقدر من الصوم، وسوغ له ما لا يلتزمه النبي -عليه السلام- لحقوق غيره، فيقصِّر عن فضائل كثيرة، ويعتقد أنه لا يَسُوغُ له أنْ يصوم أكثر مما يصومه النبي -عليه السلام-. إكمال المعلم (4/ 133).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
أما غضبه عند هذا السؤال فله خمسة أوجه:
أحدها: أنَّه قد خُصَّ بفضائل أوجبت عليه من الشكر ما لم يجب على غيره؛ ولهذا كان يقف حتى ورمت قدماه، فكأنه غضب من سؤال من لم يشاركه فيما أنعم به عليه.
والثاني: أنه كان يقوى من التعبد على ما لا يقوى غيره.
والثالث: أنه لو وصف ذلك لاعتقد الناس وجوبه عليهم.
والرابع: أنه ربما تكلفه السائل، ثم عجز عنه وملَّه فتركه.
والخامس: أنه تنبيه على كتمان النوافل. كشف المشكل (2/ 155).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
غضبه عند هذا السؤال يحتمل أوجهًا:
أحدها: أنه فهم عن السائل: أنه إنما سأل عن صومه ليلتزمه، وربما يعجز عنه، فغضب لذلك، ولم يُجِبْهُ.
وثانيها: أنه فهم أن السائل إنما سأل ليعلم مقدار ذلك فيزيد عليه، كما قد سأل نفر عن عبادة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فتقالُّوها، وقالوا: قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك.
فقال أحدهم: أما أنا: فأصوم ولا أفطر، وقال الآخر: أما أنا: فأصلي الليل ولا أنام، وقال الآخر: أما أنا: فلا أنكح النساء، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أما أنا فأصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأنكح النساء، فمن رَغِبَ عن سنتي فليس مني».
وثالثها: لعله إنما غضب لما يؤدِّي إليه من إظهار عمل السر، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: «إن من شر الناس المجاهرين» قيل: ومن هم؟ قال: «الرجل يعمل العمل بالليل، فيقول: يا فلان، عملت البارحة كذا، فيبيت يستره ربه، ويصبح فيكشف ستر الله عنه»، وقد ذُكِرَ في ذلك أوجه هذه أقربها -والله تعالى أعلم-. المفهم (3/ 185).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
صومه -صلى الله عليه وسلم- لم يكن على منوال واحد، بل كان يختلف باختلاف الأحوال، فتارة يكثر الصوم وتارة يُقِلُّه، ومثل هذا الحال لا يمكن أن يدخل تحت المقال؛ فيتعذَّر جواب السؤال؛ ولذا وقع لجماعة من الصحابة أنهم سألوا عن عبادته لله تعالى، فتقالُّوها فبلغه فاشتدَّ غضبه عليهم، وقال: «أنا أتقاكم لله، وأخوفكم منه» يعني: ولا يلزم منه كثرة العبادة، بل حسنها، ومراعاة شرائعها وحقائقها ودقائقها وتقسيمها في أوقاتها اللائقة بها. مرقاة المفاتيح (4/ 1413).
قوله: «فقال عمر -رضي الله عنه-: رضينا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا، وببيعتنا بيعةً»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قول عمر: «رضينا»... إلخ يقتضي تسكين غضب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من حيث إنه يقتضي الطواعية الكلية، والانقياد التام، ويتضمن ذلك: مُرْنَا بأمرك نُنَفِّذه على أي وجه، وفي أي محل،
وقد كان عمر -رضي الله عنه- جعل هذا الكلام هجيراه (أي: دأبه وعادته) مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كلما غضب، فإنه قد روي: أنه قال له هذا الكلام مرارًا في مواطن متعددة. المفهم (3/ 186).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فلمَّا رأى ذلك عمر -رضي الله عنه- قال: رضينا بالله» يشبه أن يكون التقدير: رضينا بأحكام الله وأقضيته «ربًّا» أي: مالكًا يحكم ما يشاء، «وبالإِسلام» أي: وبدين الإِسلام وما جاء به «دينًا، وبمحمد -صلى الله عليه وسلم- نبيًّا» ورسولًا مُبَلِّغًا عن الله تعالى أحكامه. شرح سنن أبي داود (10/ 521-522).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«وببيعتنا» معه -صلى الله عليه وسلم- على الإسلام «بيعة» مرْضِيَّة عند الله تعالى. الكوكب الوهاج (13/ 179-180).
قوله: «قال: فسُئلَ عن صيام الدهر؟ فقال: لا صام ولا أَفْطَرَ -أو ما صام وما أفطر-»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قال» أبو قتادة «فسُئل» رسول الله -صلى الله عليه وسلم- السائل هو عمر، كما هو المصرح في الرواية السابقة «عن صيام الدهر، فقال» رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا صام» من صام الدهر «ولا أفطر، أو» قال النبي -صلى الله عليه وسلم- أو عمر -رضي الله عنه-، والشك من الراوي، أو ممن دونه «ما صام» من صام الدهر صومًا له فضيلة وأجر، «وما أفطر» فطرًا يدفع عنه الجوع والعطش، بكلمة (ما) بدل (لا) النافية. الكوكب الوهاج(13/ 180).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
أي: هل هو محمود أو مذموم؟ انظر حسن الأدب (من عمر -رضي الله عنه- حين سأل عن صوم الدَّهر) حيثُ بدأه بالتعظيم، ثم سأل السؤال على وجه التعميم؛ ولذا قيل: حسن السؤال نصف العلم، قال: «لا صام ولا أفطر» أي: لا صام صومًا فيه كمال الفضيلة، ولا أفطر فطرًا يمنع جوعه وعطشه. مرقاة المفاتيح (4/ 1414).
وقال السيوطي -رحمه الله-:
قوله: «لا صام ولا أفطر» نفى الأول شرعًا، والثاني حِسًّا. الديباج (3/ 249).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
قوله: «لا صام ولا أفطر» معناه: لم يصُم ولم يفطر؛ وقد يوضع (لا) بمعنى (لم) كقوله تعالى: {فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى} القيامة: 31، أي: لم يصدق ولم يصلِّ، وقد يحتمل أن يكون معناه: الدعاء عليه؛ كراهة لصنعه، وزجرًا له عن ذلك، ويشبه أنْ يكون الذي نهى عنه من صوم الدهر هو أن يَسرُد الصيام أيام السَّنة كلها لا يفطر فيها الأيام المنهي عن صيامها، وقد سرد الصوم دهره أبو طلحة الأنصاري، وكان لا يفطر في سفر ولا حضر، فلم يَعِبْهُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولا نهاه عن ذلك. معالم السنن (2/ 129-130).
وقال القنازعي -رحمه الله-:
معنى الحديث الذي ذكره أبو داود من طريق أبي قتادة الأنصاري: «أنَّ رجلًا سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عمن يصوم الدهر، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا صام ولا أفطر» فدعا -صلى الله عليه وسلم- على من فعل ذلك أن لا يعينه الله على الصيام، ولا على الإفطار، فمعناه: أن يصوم أبدًا، ولا يفطر في فطر ولا أضحى، فيصوم ما قد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن صيامه؛ لأنه ثبت عنه -عليه السلام- أنه نهى عن صيام يوم الفطر، ويوم الأضحى، وقال في أيام منى: «إنها أيام أكل وشرب» فمن صام الدهر كله، فقد خالف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في صيام يوم الفطر والأضحى؛ فلذلك قال فيمن فعل ذلك: «لا صام ولا أفطر»، وأما إذا صام الدهر وأفطر في الفطر والأضحى وأيام التشريق، فمباح لمن فعل هذا، وكان الله مُثيبَه من الأجر بما لا يعلمه إلا هو. تفسير الموطأ (1/ 288-289).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قالوا: إنما نهى عن صيام الأبد لما في ذلك من الإضرار بالنفس، والحمل عليها، ومنعها من الغذاء الذي هو قوامها وقوتها على ما هو أفضل من الصوم كالصلاة النافلة وقراءة القرآن والجهاد وقضاء حق الزَّوْر (جمع زائر، وقد يجمع على زُوَّر، وزوَّار، وزائرين) والضيف، وقد أخبر -عليه السلام- بقوله في صوم داود: «وكان لا يفر إذا لاقى» أنْ مَن فضَّل صومه على غيره إنَّما كان من أجل أنه كان لا يضعف عن القيام بالأعمال التي هي الأفضل من الصوم؛ وذلك ثبوته لحرب أعداء الله عند التقاء الزحوف، وتركه الفرار منهم، فكان -عليه السلام- إذ قضى بصوم داود بالفضل على غيره من معاني الصيام، قد بيَّن أن كل من كان صومه لا يورثه ضعفًا عن أداء فرائض الله، وعن ما هو أفضل من صومه؛ وذلك من نفل الأعمال، وهو صحيح الجسم، فغير مكروه له صومه ذلك، وكل من أضعفه صومه النفل عن أداء شيء من فرائض الله، فغير جائز له صومه، بل هو محظور عليه، فإن لم يضعفه عن الفرائض، وأضعفه عما هو أفضل منه من النوافل فإن صومه مكروه، وإن كان غير آثم، وكان ابن مسعود يُقِلُّ الصوم، فقيل له في ذلك، فقال: إني إذا صمت، ضعفت عن الصلاة، والصلاة أحب إليَّ من الصوم، وكان أبو طلحة لا يكاد يصوم على عهد النبي من أجل الغزو، فلما توفي النبي -عليه السلام- ما رأيته يفطر إلا يوم فطر أو أضحى، وقد سرد ابن عمر الصيام قبل موته بسنتين، وسرد الصيام أيضًا أبو الدرداء وأبو أمامة الباهلي، وعبد الله بن عمرو، وحمزة بن عمرو، وعائشة، وأم سلمة زوجا النبي، وأسماء بنت أبي بكر، وعبد الله وعروة ابنا الزبير، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وابن سيرين.
وقالوا: من أفطر الأيام التي نهى رسول الله عن صيامها، فليس بداخل في ما نهى عنه من صوم الدهر، وقال مالك في المجموعة: لا بأس بصيام الدهر إذا أفطر يوم الفطر، ويوم النحر، وأيام منى، وقد قيل: إنَّ رسول الله إنما قال إذ سُئل عن صوم الدهر: «لا صام ولا أفطر» لمن صام حتى هلك من صومه، حدثني بذلك يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية عن خالد الحذاء عن أبي قلابة: أن امرأة صامت حتى ماتت، فقال النبي -عليه السلام-: «لا صامت ولا أفطرت» ومن صام حتى بلغ به الصوم هذا الحد، فلا شك أنه بصومه ذلك آثم. شرح صحيح البخاري (4/ 121-123).
وقال النووي -رحمه الله-:
اختلف العلماء فيه: فذهب أهل الظاهر إلى منع صيام الدهر؛ نظرًا لظواهر هذه الأحاديث...، ومذهب الشافعي وأصحابه: أن سرد الصيام إذا أفطر العيدين والتشريق، لا كراهة فيه، بل هو مستحب بشرط أن لا يلحقه به ضرر، ولا يُفَوِّت حقًّا، فإن تضرَّر أو فوَّت حقًا فمكروه، واستدلوا بحديث حمزة بن عمرو، وقد رواه البخاري ومسلم أنه قال: يا رسول الله، إني أسرد الصوم أفأصوم في السفر؟ فقال: «إن شئت فصم» ولفظ رواية مسلم: «فأقرَّه -صلى الله عليه وسلم- على سرد الصيام» ولو كان مكروهًا لم يُقِرّه لا سيما في السفر، وقد ثبت عن ابن عمر بن الخطاب أنه كان يسرد الصيام، وكذلك أبو طلحة وعائشة وخلائق من السلف، قد ذكرت منهم جماعة في شرح المهذب في باب صوم التطوع.
وأجابوا عن حديث «لا صام من صام الأبد» بأجوبة:
أحدها: أنَّه محمول على حقيقته بأن يصوم معه العيدين والتشريق، وبهذا أجابت عائشة -رضي الله عنها-.
والثاني: أنه محمول على من تضرر به أو فوَّت به حقًّا، ويؤيِّده أن النهي كان خطابًا لعبد الله بن عمرو بن العاص، وقد ذكر مسلم عنه أنه عجز في آخر عمره، وندم على كونه لم يقبل الرخصة، قالوا: فنهى ابن عمرو؛ وكان لعلمه بأنه سيعجز، وأقر حمزة بن عمرو؛ لعلمه بقدرته بلا ضرر.
والثالث: أن معنى «لا صام» أنه لا يجد من مشقته ما يجدها غيره؛ فيكون خبرًا لا دعاء. شرح صحيح مسلم (8/40).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
لم يكن من هديه -صلى الله عليه وسلم- سرد الصوم وصيام الدهر، بل قد قال: «من صام الدهر، لا صام ولا أفطر» وليس مراده بهذا: من صام الأيام المحرمة، فإنه ذكر ذلك جوابًا لمن قال: أرأيت من صام الدهر؟ ولا يقال في جواب من فعل المحرم: لا صام ولا أفطر، فإن هذا يؤذن بأنه سواء فطره وصومه لا يثاب عليه، ولا يعاقب، وليس كذلك من فعل ما حرم الله عليه من الصيام، فليس هذا جوابًا مطابقًا للسؤال عن المحرَّم من الصوم، وأيضًا فإن هذا عند من استحب صوم الدهر قد فعل مستحبًا وحرامًا، وهو عندهم قد صام بالنسبة إلى أيام الاستحباب، وارتكب محرمًا بالنسبة إلى أيام التحريم، وفي كل منهما لا يقال: «لا صام ولا أفطر»، فتنزيل قوله على ذلك غلط ظاهر.
وأيضًا فإن أيام التحريم مستثناة بالشرع غير قابلة للصوم شرعًا، فهي بمنزلة الليل شرعًا، وبمنزلة أيام الحيض؛ فلم يكن الصحابة ليسألوه عن صومها، وقد علموا عدم قبولها للصوم، ولم يكن ليجيبهم لو لم يعلموا التحريم بقوله: «لا صام ولا أفطر»، فإن هذا ليس فيه بيان للتحريم، فهديه لا شك فيه أن صيام يوم وفطر يوم أفضل من صوم الدهر وأحب إلى الله.
وسرْدُ صيام الدهر مكروه، فإنه لو لم يكن مكروهًا، لزم أحد ثلاثة أمور ممتنعة: أن يكون أحب إلى الله من صوم يوم وفطر يوم، وأفضل منه؛ لأنه زيادة عمل، وهذا مردود بالحديث الصحيح: «إن أحب الصيام إلى الله صيام داود»، وإنه لا أفضل منه، وإما أن يكون مساويًا في الفضل وهو ممتنع أيضًا، وإما أن يكون مباحًا متساوي الطرفين لا استحباب فيه، ولا كراهة، وهذا ممتنع؛ إذ ليس هذا شأن العبادات، بل إما أن تكون راجحة أو مرجوحة -والله أعلم-.
فإن قيل: فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «من صام رمضان وأتبعه ستة أيام من شوال، فكأنما صام الدهر»، وقال فيمن صام ثلاثة أيام من كل شهر: «إن ذلك يعدل صوم الدهر»، وذلك يدل على أن صوم الدهر أفضل مما عُدِلَ به، وأنه أمر مطلوب، وثوابه أكثر من ثواب الصائمين، حتى شبه به من صام هذا الصيام.
قيل: نفس هذا التشبيه في الأمر المقدر لا يقتضي جوازه فضلًا عن استحبابه، وإنما يقتضي التشبيه به في ثوابه لو كان مستحبًا، والدليل عليه من نفس الحديث، فإنه جعل صيام ثلاثة أيام من كل شهر بمنزلة صيام الدهر؛ إذ الحسنة بعشر أمثالها، وهذا يقتضي أن يحصل له ثواب من صام ثلاثمائة وستين يومًا، ومعلوم أنَّ هذا حرام قطعًا، فعلم أنَّ المراد به: حصول هذا الثواب على تقدير مشروعية صيام ثلاثمائة وستين يومًا. زاد المعاد (2/ 76-78).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
للجمع بين الأحاديث وزوال التعارض، قال السبكي: أطلق أصحابنا كراهة صوم الدهر لمن فوَّت حقّا، ولم يوضحوا هل المراد الحق الواجب أو المندوب؟
ويتَّجه أن يقال: إن عَلِمَ أنَّه يفوت حقًّا واجبًا، حرم، وإن علم أنَّه يفوت حقًّا مندوبًا أولى من الصيام، كره، وإن كان يقوم مقامه، فلا، وإلى ذلك أشار ابن خزيمة. شرح سنن أبي داود (10/ 525).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
فمعناه: الدعاء...، ويا بؤس من أصابه دعاء النبي -عليه السلام-، وأما من قال: إنَّه خبر، فيا بؤس من أخبر عنه النبي -عليه السلام- أنه لم يصم، فقد علم أنَّه لا يُكتب له ثواب لوجود الصدق في خبره، وقد نفى الفضل عنه، فكيف يُطلَب ما نفاه النبي -عليه السلام-؟! عارضة الأحوذي (3/ 236).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله في حديث أبي قتادة عند مسلم وقد سُئل عن صوم الدهر: «لا صام ولا أفطر، أو ما صام وما أفطر»، وفي رواية الترمذي: «لم يصم ولم يفطر»، وهو شك من أحد رواته، ومقتضاه أنهما بمعنى واحد، والمعنى بالنفي: أنه لم يحصل أجر الصوم؛ لمخالفته، ولم يفطر؛ لأنه أمسك...، فتح الباري (4/ 222).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
يُستفاد من هذا الحديث: كراهة صوم الدهر، وقال بعض العلماء: بل يُستفاد منه: تحريم صوم الدهر؛ لأنه إذا انتفت شرعيته، فيكون بدعة غير مشروع؛ ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- منع القوم الذين قال أحدهم: أنا أصوم ولا أفطر، وقال: «من رغب عن سنتي فليس مني»؛ ولأنه منع عبد الله بن عمرو بن العاص أن يصوم الدهر، وآخر مرتبة له أن يصوم يومًا ويفطر يومًا؛ ولأنه إذا صام الدهر كله، فإنه لا يخلو غالبًا من التقصير في الواجبات الأخر، والدين الإسلامي متكامل، يجعل للنفس حظَّها، وللأهل حظَّهم، وللزائرين حظَّهم، وللناس عامة حظَّهم، وللبدن أيضًا أعمال أخرى بدنية، يجعل لها حظَّها، ومعلوم أن الصيام يعوْق الإنسان عن مسائل كثيرة بدنية، يحتاج الإنسان إلى أن يقوم بها لا سيما في أيام الصيف الطويلة الحارَّة، فالأقرب عندي: أن صوم الدهر منهي عنه على سبيل التحريم؛ لهذه الأدلة السمعية والنظرية التي تمنع من أن يصوم الإنسان على سبيل التأبيد. فتح ذي الجلال والإكرام (3/ 289).
قوله: «قال: فسُئِلَ عن صومِ يومين، وإِفطار يوم؟ قال: ومن يُطِيقُ ذلك؟»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قال» أبو قتادة: «فسئل» رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أي: سأله عمر أيضًا «عن صوم يومين وإفطار يوم، قال» رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ومن يطيق ذلك؟» الصوم. الكوكب الوهاج (13/ 180).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
هذا تعظيم لهذا الأمر، وبيان لصعوبته. كشف المشكل (2/ 156).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
بأن يجعل العبادة غالبة على العادة ... بتقدير الاستفهام، أي: أتقول ذلك، ويطيق ذلك أحد؟ فيه إشارة إلى أن العلة في نهي صوم الدهر هو الضعف، فيكون المعنى: أنه إن أطاقه أحد فلا بأس فهو أفضل. مرقاة المفاتيح (4/ 1414).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
فإن قلتَ: كيف نفى الإطاقة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في صوم يومين، وإفطار يوم، وتمنى الإطاقة في صوم يوم، وإفطار يومين، وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني» فإذا كان يُطعَم ويُسقَى من ربه -تبارك وتعالى- فمحال أن لا يكون مطيقًا للنوعين المذكورين من الصوم؟
والجواب عنه بوجهين:
الأول: أنه -صلى الله عليه وسلم- نفى الإطاقة باعتبار عدم إطاقة الأمة، فإنه -صلى الله عليه وسلم- تمنى باليسر في الأمة، فلا يفعل أمرًا فيه عسر على الأمة.
وثانيهما: يمكن أن يكون الإطعام والسقي من الرب -تبارك وتعالى- مختصًّا بالوصال دون غيره من الصيام. بذل المجهود (8/ 625).
قوله: «قال: وسُئِلَ عن صوم يوم وإِفطار يومين؟ قال: ليت أنَّ الله قَوَّانَا لذلك»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قال» أبو قتادة: «وسُئل» أيضًا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «عن صوم يوم، وإفطار يومين، قال» رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ليت أن الله» أي: أتمنى أن الله -سبحانه وتعالى- «قوَّانا لذلك» وأقدرنا عليه. الكوكب الوهاج (13/ 180).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
يحتمل أن يكون إنما خاف العجز عن ذلك للحقوق التي تلزمه لنسائه؛ لأن ذلك يُخِلُّ بحظوظهن منه، لا لضعف جِبِلَّتِهِ عن احتمال الصيام، أو قِلَّةِ صبره عن الطعام في هذه المدة -والله أعلم-. معالم السنن (2/ 130).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
فإن قيل: من يقدر على الوصال كيف يصعب عليه هذا؟
فالجواب: أنه كان يواصل في بعض الأوقات، وربما عجز لطبع البشرية عن ذلك، وقد كان يصلي في بعض الأوقات قاعدًا، ويحتمل أن يشير بالعجز إلى أن ذلك يمنعه من إيفاء أزواجه حقوقهن؛ لأن الصوم يعجزه، فكأنه قال: مع ما يجب عليَّ من ذلك لا أطيق هذا. كشف المشكل (2/ 156).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله: «كيف من يصوم يومًا ويفطر يومين؟ قال: وددتُ أني طُوِّقْتُ ذاك» قال القاضي: قيل: معناه: وددتُ أنَّ أمتي تُطَوِّقُهُ؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- كان يطيقه، وأكثر منه، وكان يواصل ويقول: «إني لست كأحدكم، إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني» قلتُ: ويؤيد هذا التأويل قوله -صلى الله عليه وسلم- في الرواية الثانية: «ليت أن الله قوَّانا لذلك». شرح مسلم (8/ 50).
قوله: «قال: وسُئِلَ عن صوم يوم وإِفطار يوم؟ قال: ذاك صوم أخي داود -عليه السلام-»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قال» أبو قتادة: «وسُئل» رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «عن صوم يوم وإفطار يوم، قال» رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ذاك» الصوم المذكور «صوم أخي» في النسب؛ لأنهما ابنا عم، أو في العقائد «داود -عليه السلام-». الكوكب الوهاج (13/ 180).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «ذلك صوم داود» فيه فضيلة وكمال، ونوع من الاعتدال، ولكنه شاقٌّ كما ينبئ عنه سياق الحديث، فافهم. لمعات التنقيح (4/ 477).
وقال السندي -رحمه الله-:
«وذلك صوم داود» أي: وصوم داود أفضل الصيام، وكأنه تركه؛ لتقريره ذلك مرارًا. فتح الودود (2/ 675).
قوله: «قال: وسُئل عن صوم الاثنين؟ قال: ذاك يومٌ وُلِدْتُ فيه، ويومٌ بُعِثْتُ، أو أُنْزِلَ عليَّ فيهِ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قال» رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ذاك» اليوم «يوم ولدت فيه، ويوم بعثت أو» قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ويوم أنزل عليَّ فيه» الوحي؛ فحصلت لي فيه البركة من الله تعالى، فأصومه شكرًا لله تعالى على تلك البركة، أي: أنزل عليَّ فيه {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} العلق: 1، إلى قوله: {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى} العلق: 14. الكوكب الوهاج (13/ 180-181).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله في يوم الاثنين: «فيه ولدت، وفيه أنبئت، وفيه أنزل عليَّ» قلتُ: وفيه مات، وكل هذا دليل على فضل هذا اليوم مع ما قد ثبت أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يصوم يوم الخميس، ويقول فيه وفي يوم الاثنين: «إنهما يومان تعرض فيهما الأعمال على رب العالمين، فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم». المفهم (3/ 187).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
أي: فيه وجود نبيكم، وفيه نزول كتابكم، وثبوت نبوته، فأي يوم أفضل وأولى للصيام منه؟ فاقتصر على العلة، أي: سلوا عن فضيلته؟ لأنه لا مقال في صيامه، فهو من الأسلوب الحكيم. الكاشف عن حقائق السنن (5/ 1608-1609).
وقال السندي -رحمه الله-:
«فيه ولدت» الضمير ليوم الاثنين، أي: فصومه خير لي، أو لي ولكم اتباعًا لي أو بسبب أنَّه سبب هدايتكم، وهذا الجواب يتعلق بيوم الاثنين لا بيوم الخميس، فلعله ترك بعض الرواة ما يتعلق بيوم الخميس من الجواب بسببه -والله تعالى أعلم-. فتح الودود (2/ 676).
قال الإمام مسلم -رحمه الله- بعد رواية الحديث:
وفي هذا الحديث من رواية شعبة قال: وسئل عن صوم يوم الاثنين والخميس، فسكتنا عن ذكر الخميس لَمَّا نَرَاهُ وَهْمًا. صحيح مسلم (3/ 168).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
يعنى لقوله: «فيه ولدت، وفيه بعثت أو أنزل عليَّ» وهذا إنما هو في صوم الاثنين، كما جاء في الروايات الأُخر ليس فيه ذكر الخميس، فلما كان في رواية شعبة من هذا الطريق الاثنين والخميس، أسقط مسلم الخميس؛ إذ رآه وهمًا...وقد يحتمل عندي صحة هذه الرواية، ويرجع الوصف بما ذكر للاثنين وحده دون الخميس. إكمال المعلم (4/ 137)
قال النووي -رحمه الله- معلقًا:
وهذا الذي قاله القاضي متعين، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (8/ 52).
قوله: «فقال: «صوم ثلاثةٍ من كلِّ شهر، ورمضان إلى رمضان، صوم الدهرِ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قال» أبو قتادة: «فقال» رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «صوم ثلاثة» أيام «من كل شهر، ورمضان إلى رمضان، صوم الدهر» أي: كصوم الدهر، لكن لا تضعيف فيه. الكوكب الوهاج (13/ 181).
وقال السندي -رحمه الله-:
«ثلاثٌ من كُل شهر» أي: يكفي ثلاث من كل شهر، ورمضان مضمومًا إلى رمضان، أو التقدير هي كافية، وقوله: «فهذا صيام الدهر كله» تعليل له، أي: هو صيام الدهر أجرًا وجزاءً؛ لأن صوم الثلاث من كل شهر تساوي تمام الشهر؛ لقوله: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} الأنعام: 160، وفي الترمذي عن أبي ذر: أن هذه الآية نزلت تصديقًا له -صلى الله عليه وسلم- في هذا المقام. فتح الودود (2/ 676).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
أي: أنه في حكم الشارع في الأجر أجر صيام الدهر، ليس صيام الدهر في لسان الشارع إلا هذا، ويحتمل أن المراد: صيام الدهر، أي: أن صيام ما ذكر كصيام الدهر حقيقة إلا أنه قد أبطل هذا الاحتمال أحاديثُ النهي عن صيام الدهر، والإخبار بأن من صام الدهر لا صام ولا أفطر. التنوير (5/ 182).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «صيام ثلاثة أيام من كل شهر، ورمضان إلى رمضان، صوم الدهر» هذا إنما كان لأن الحسنة بعشر أمثالها، فثلاث من كل شهر كالشهر بالتضعيف، ورمضان بغير تضعيف شهر، فيكمل دهر السَّنة، فإن اعتبر رمضان بتضعيفه كان بإزاء عشرة أشهر، فإذا أضيفت ستة أيام شوال كان له صوم ستين بالتضعيف.
وعلى مقتضى مساق هذا الحديث، وعلى ما تقرَّر من معناه: تستوي أيام الشهر كلها، ولا فرق بين أن يصوم هذه الثلاثة أيام أول الشهر، أو وسطه، أو آخره، وكذلك قالت عائشة: «لم يكن يبالي من أي أيام الشهر كان يصومها» غير أن النسائي روى هذا الحديث عن جرير، وقال فيه: «صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام الدهر -أيام البيض- صبيحة ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة»، وهذا يقتضي تخصيص الثلاثة بأيام الليالي البيض، وهذا -والله تعالى أعلم-؛ لأن الليالي البيض وقت كمال القمر، ووسط الشهر، وخير الأمور أوساطها، وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لرجل: «هل صمت من سُرَّةِ شعبان شيئًا؟» يعني: وسطه، وفي رواية أخرى: «من سرر» مكان «سرة».
وقال ابن حبيب: تصام الثلاثة الأيام: أول يوم من الشهر، والعاشر، والعشرين، قال: وبلغني أن هذا صوم مالك. المفهم (3/ 187-188).
وقال السيوطي -رحمه الله-:
«صوم ثلاثة من كل شهر» زاد النسائي من حديث جابر: «أيام البيض صبيحة ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة» وبه أخذ أصحابنا، وذهب جماعة إلى الإطلاق، وأنه لا فرق بين أيام الشهر في ذلك، ومنهم من اختار ثلاثة من آخر الشهر، واختار قوم أول الشهر والعاشر والعشرين، وقيل: الحادي عشر والحادي والعشرين، وقيل: أول اثنين في الشهر وخميسان بعده، وقيل: أول خميس واثنان من اثنين بعده، وقيل: السبت والأحد والاثنين من شهر، ثم الثلاثاء والأربعاء والخميس من الشهر الذي بعده. الديباج (3/ 249).
قال: «وَسُئِلَ عن صوم يومِ عرفة؟ فقال: يُكَفِّرُ السَّنة الماضية والباقية»:
قال ابن الجوزي -رحمه الله-:
أما صيام يوم عرفة ففي تسمية عرفة بهذا الاسم قولان:
أحدهما: بأن جبريل كان يُرِيْ إبراهيم المناسك، فيقول: عرفت.
والثاني: لأن آدم وحواء تعارفا هنالك. كشف المشكل (2/ 156).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله في صيام يوم عرفة: «يُكفِّر السَّنة التي قبله» (كما في لفظ) يعني: السَّنة التي هو فيها؛ لأنه في أواخر السَّنة، والتي بعدها، يعني: التي تأتي متصلة بشهر يوم عرفة. المفهم (3/ 188-189).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم- (كما في رواية): «صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله، والسنة التي بعده» معناه: يكفر ذنوب صائمه في السنتين، قالوا: والمراد بها: الصغائر، وسبق بيان مثل هذا في تكفير الخطايا بالوضوء، وذكرنا هناك أنه إن لم تكن صغائر يرجى التخفيف من الكبائر، فإن لم يكن رفعت درجات. شرح مسلم (8/ 50-51).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«يُكفِّر»... أي: يستر ويزيل ذنوب صائم ذلك اليوم، ذنوبه التي اكتسبها في السَّنة التي قبلها، والسَّنة التي بعدها، ولعل المراد بهذه الذنوب: غير الكبائر؛ لأنه اشترط اجتناب الكبائر في أحاديث.
فإن قيل: كيف يكون تكفير ذنوب السَّنة التي بعدها ولو لم يكن للرجل ذنب في السَّنة التي لم تأتِ بعد؟
قيل: معناه: يحفظه الله تعالى عن أن يذنب إذا جاءت تلك السَّنة، أو يعطيه من الرحمة والثواب بقدر ما يكون كفارة للسَّنة القابلة إذا جاءت، واتفق له فيها ذنوب. المفاتيح (3/ 41).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
التكفير ليس على القطع، بل هو على الرجاء، والأمر فيه مرجوع إلى الله إن شاء كفَّر، وإن شاء لم يكفِّر، لكن الصيام علامات على ظن التكفير «أن يكفِّرَ السنة التي قبله، والسنة التي بعده» صريح في تعيين السنتين الماضية والمستقبلة، وفي رواية مسلم: «يُكفر السنة الماضية، والسنة الباقية»، وفي لفظ آخر: «السنة الماضية والتي تليها».
وحمله بعضهم على سنتين ماضيتين، والأول أصح، ويُكفر السنة بعده، قيل: إذا ارتكب فيها معصية يكفرها الصوم السابق كما يكفر ما قبله، وقيل: بالعصمة عن ارتكاب ما يحتاج إلى كفارة، ثمَّ التكفير إنما يكون في الصغائر، فإذا ارتكب كبيرة فلا(تكفير)، ويستثنى من صيام عرفة الحاضر بعرفة. شرح سنن أبي داود (10/ 526-527).
قوله: «قال: وسُئِلَ عن صوم يوم عاشوراء؟ فقال: يُكَفِّرُ السَّنة الماضية»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«صوم يوم عاشوراء» بالمد كتاسوعاء، وحكي عن أبي عمرو الشيباني قصرهما، قال ابن دريد: هما اسمان إسلاميان لا يُعْرفان في الجاهلية. شرح سنن أبي داود (10/ 527).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قال» أبو قتادة: «وسئل» رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «عن صوم يوم عاشوراء، فقال»: أرجو أن «يُكفِّر السَّنة الماضية» أي: السابقة. الكوكب الوهاج (13/ 181).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
عاشوراء: يكفر السَّنة التي بعده؛ لأنه في أوائل السَّنة الآتية. المفهم (3/ 189).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: هذا الحديث):
1. منها: بيان استحباب صيام ثلاثة أيام من كلّ شهر، وذلك كصيام الدهر ثوابًا.
2. ومنها: بيان مشروعيّة الغضب للإمام أو المفتي إذا أساء السائل وجه السؤال، وعلى هذا بوَّب الإمام البخاريّ -رحمه الله- في كتاب العلم من صحيحه، فقال: باب الغضب في الموعظة والتعليم إذا رأى ما يَكْرَهُ.
3. ومنها: ما قال ابن حبان -رحمه اللهُ- في صحيحه: لم يكن غضب النبيّ -صلى الله عليه وسلم- من أجل مسألة هذا السائل عن كيفية الصوم، وإنما كان غضبه؛ لأن السائل سأله قال: يا نبيّ الله كيف تصوم؟ قال: فكَرِهَ النبيّ -صلى الله عليه وسلم- استخباره عن كيفية صومه؛ مخافة أن لو أخبره يَعْجَز عن إتيان مثله، أو خَشِي -صلى الله عليه وسلم- على السائل وأمته جميعًا أن يُفْرَض عليهم ذلك، فيعجزوا عنه، انتهى.
4. ومنها: بيان ما كان عليه عمر من تعظيم النبيّ -صلى الله عليه وسلم-، وشدَّة خوفه من أن يغضب، فيغضب الله -عزَّ وجلَّ- لغضبه.
5. ومنها: بيان النهي عن صوم الدهر. البحر المحيط الثجاج (21/ 510-511).