«أن قريشًا أَهَمَّهُم شأن المرأة المخزومية التي سَرقت في عَهْدِ النبي -صلى الله عليه وسلم-، في غزوة الفتح، فقالوا: من يُكلِّم فيها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ فقالوا: ومن يَجْتَرئُ عليه إلا أُسامة بن زيد، حِبَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ فَأُتِيَ بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فكلَّمه فيها أُسامة بن زيد، فَتَلَوَّن وجهُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: أتَشْفَعُ في حَدٍّ مِن حُدود الله؟ فقال له أسامة: استغفر لي يا رسول الله، فلما كان العَشِيُّ قام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاختطب، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فإنما أهلك الذين مَن قبلكم أنهم كانوا إذا سَرَقَ فيهم الشَّريف تركوه، وإذا سرَق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحَدَّ، وإنِّي -والذي نفسي بيده- لو أنَّ فاطمة بنت محمد سرقت لقَطَعْتُ يدها، ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقُطعت يدها، قالت عائشة: فحَسُنَت توبتُها بَعْدُ، وتزوَّجَت، وكانت تأتيني بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-».
رواه البخاري برقم: (3475)، ورقم: (4304)، ومسلم برقم: (1688) واللفظ له، من حديث عائشة -رضي الله عنها-.
وفي لفظ عند مسلم برقم: (1688): «كانت امرأة مخزومية تَسْتَعِير المتاعَ وتَجْحَدُه، فأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن تُقطع يدها».
غريب الحديث
«يَجْتَرئ»:
الجرأة... الشجاعة. لسان العرب، لابن منظور (1/ 44).
قال الزبيدي -رحمه الله-:
الجرأة: الإقدام على الشيء، والهُجُوم عليه. تاج العروس (1/ 170).
«حِبَّ»:
الحِبُّ: الحبيب، مثل: خِدْن وخَدِين. لسان العرب (1/ 290).
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
أي: محبوبه، وكان يحبه -صلى الله عليه وسلم- كثيرًا. النهاية (1/ 327).
«أَتَشْفَعُ»:
الشفاعة...: كلام الشفيع للمَلِكِ في حاجة يسألها لغيره، وشَفَعَ إليه: في معنى طلب إليه. تاج العروس، للزبيدي (21/ 287).
وقال الراغب -رحمه الله-:
الشفاعة: الانضمام إلى آخر ناصرًا له، وسائلًا عنه. المفردات في غريب القرآن (ص: 457).
«حَدّ»:
الحَدُّ في اللغة: الفَصْلُ والمنع. المصباح المنير، للفيومي (1/ 124).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
الحَدُّ والحدود...: وهي محارم الله، وعقوباته التي قَرَنها بالذنوب. النهاية (1/ 352).
«تَجْحَدُهُ»:
الجَحْدُ والجُحُود: نقيض الإقرار كالإنكار. لسان العرب، لابن منظور (3/ 106).
قال أبو موسى المديني -رحمه الله-:
الجَحْدُ: ضد الإقرار، ولا يكون جَحْدًا إلا مع علم الجاحد به، بخلاف الإنكار. المجموع المغيث (1/ 298).
شرح الحديث
قال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«أن قريشًا» المراد من قريش: بعض هذه القبيلة المشهورة. فتح المنعم (6/ 568).
قوله: «أَهَمَّهُم»:
قال التوربشتي -رحمه الله-:
«أهمَّهم» تقول: أَهَمَّني الأمر: إذا أَقْلَقَك وأَحْزَنَك، يُقال: هَمُّكَ ما أَهَمَّكَ. الميسر (3/ 842).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «أهمتهم» أي: جَلَبت إليهم همًّا، أو صيَّرتهم في هموم بسبب ما وقع منها، يقال: أهمَّني الأمر، أي: أَقْلَقَني، والمعنى: أهمتهم شأن المرأة التي سرقت. عمدة القاري (16/ 60).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
إنما أهمهم شأنها لِمَا خافوا مِن لُحوق العار الجاهلي في قطع يدها، وافتضاحهم بين القبائل به. الإعلام (9/ 216).
وقال المحلاوي -رحمه الله-:
وسبب همهم ذلك: خشية أن تُقطع يدها؛ لعلمهم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يرخِّص في الحدود، وكان قطع السارق معلومًا عندهم قبل الإسلام، ونزل القرآن بقطع السارق فاستمر الحال فيه. قبس من نور النبوة (ص: 115).
قوله: «شأن المرأة المخزومية»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
«شأن المرأة» أي: أمرها المتعلق بالسرقة. فتح الباري (12/ 88).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «شأن المرأة» أي: حال المرأة المخزومية. عمدة القاري (16/ 60).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«المخزومية» أي المنسوبة إلى بني مخزوم، قبيلة كبيرة من قريش، منهم أبو جهل. مرقاة المفاتيح (6/ 2366).
قوله: «التي سرقت في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- في غزوة الفتح»، وقوله في الرواية الأخرى: «كانت امرأة مخزومية تَسْتَعِير المتاع وتجْحَدهُ، فأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن تُقْطَع يدَهَا»:
قال العظيم أبادي -رحمه الله-:
«في غزوة الفتح» أي: فتح مكة. عون المعبود (12/ 23).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «التي سرقت» هذا هو الصحيح: أن هذه المرأة سرقت، وقُطعت يدها لأجل سرقتها، لا لأجل جحد المتاع، ويدل على صحة ذلك أربعة أوجه:
أولها: أنَّ رواية مَن روى: أنها سرقت أكثر وأشهر مِن رواية مَن قال: إنها كانت تجحد المتاع. وإنما انفرد مَعْمَرُ بذِكْرِ الجَحْدِ وحده من بين الأئمة الحُفَّاظ، وقد تابعه على ذلك من لا يُعتد بحفظه كابن أخي ابن شهاب ونمطه هذا قول المحدثين.
ثانيها: أنَّ مَعْمرًا وغيره ممن روى هذه القضية متفق على أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال -حيث أنكر على أسامة-: «لو أن فاطمة سرقت لقطعت يدها»، ثم أمر بيد المرأة فقُطعت، وهذا يدل دلالة قاطعة على أن يد المرأة قُطعت في السرقة؛ إذ لو كان قطعها لأجل جحد المتاع لكان ذكر السرقة هنا لاغيًا لا فائدة له، وإنما كان يقول: لو أن فاطمة جحدت المتاع لقطعت يدها.
وثالثها: أنَّ جاحد المتاع خائن، ولا قطع على خائن عند جمهور العلماء، خلافًا لما ذهب إليه أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه الترمذي من حديث جابر مرفوعًا: «ليس على خائن ولا مُنْتَهِبٍ ولا مُخْتَلِسٍ قَطْعٌ»، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وهذا نصٌّ؛ ولأنه لو كان في جحد المتاع قَطْعٌ لكان يلزم القطع على كل من جحد شيئًا من الأشياء ثم ثبت عليه، وهذا لا قائل به فيما أعلم.
ورابعها: أنه لا تعارض بين رواية مَن روى: «سرقت» ولا بين رواية مَن روى: «جَحَدَت ما استعارت»؛ إذ يمكن أن يقال: إن المرأة فعلت الأمرين، لكن قُطعت في السرقة لا في الجحد، كما شهد به مساق الحديث، فتأمله. المفهم (5/ 77-78).
قال ابن عبد الهادي –رحمه الله-:
قال البيهقي بعد أن تكلَّم على حديث المخزوميَّة: وتقديرُ الخبر أنَّ امرأةً مخزوميَّةً كانت تستعيرُ المتاعَ وتجحدُه –كما رواه معمر–، «سرقت» كما رواه غيرُه، فقُطِعت، يعني: بالسَّرقة، كذا قال، وفيه نظر، والله أعلم. تنقيح التحقيق (4/ 558).
وقال ابن حجر-رحمه الله-:
والذي اتَّضح لي أنَّ الحديثين محفوظان عن الزهري، وقد اختَلف نظرُ العلماء في ذلك: فأخذ بظاهره أحمدُ في أشهر الروايتين عنه، وإسحاق، وانتصر له ابنُ حزمٍ من الظاهرية، وذهب الجمهور إلى أنه لا يُقطع في جحد العاريَّة، وهي روايةٌ عن أحمد أيضًا، وأجابوا عن الحديث بأن روايةَ من روى: «سَرَقَتْ» أرجح، وبالجمع بين الروايتين بضربٍ من التأويل.
فأمَّا الترجيحُ: فنقل النووي أن روايةَ معمرٍ شاذَّةٌ مخالِفةٌ لجماهير الرواة، قال: والشاذة لا يُعمل بها. وقال ابن المنذر في الحاشية وتبعه المحبُّ الطبري: قيل: إنَّ معمرًا انفرد بها. وقال القرطبي: روايةُ أنها «سرقت» أكثرُ وأشهرُ من رواية الجحد.
وقد جاء عن بعض المحدِّثين عكسُ كلام القرطبي، فيتعادل الطريقان، ويتعيَّن الجمع، فهو أولى من اطِّراح أحد الطريقين. فقال بعضهم –كما تقدَّم عن ابن حزمٍ وغيرِه–: هما قصَّتان مختلفتان لامرأتين مختلفتين، وحكى ابنُ المنذر عن بعض العلماء أن القصة لامرأةٍ واحدةٍ استعارت وجَحدت وسرقت، فقُطعت للسرقة لا للعارية، قال: وبهذا نقول.
وقال الخطابي في معالم السنن: وإنما ذُكرت العارية والجحد في هذه القصة تعريفًا لها بخاصِّ صفتها؛ إذ كانت تُكثر ذلك كما عُرفت بأنها مخزومية، وكأنها لما كثر منها ذلك ترقَّت إلى السرقة وتجرَّأت عليها.
وتلقَّف هذا الجوابَ من الخطابي جماعةٌ منهم البيهقي، فقال: تُحمَل روايةُ من ذَكَر جحدَ الجارية على تعريفها بذلك، والقطعُ على السرقة. وقال المنذري نحوه، ونقله المازري ثم النووي عن العلماء.
وقال القرطبي: يترجَّح أن يدَها قُطعت على السرقة، لا لأجل جحد العارية. وقال ابنُ دقيق العيد: فالحجَّة في هذا الخبر في قطع المستعير ضعيفة؛ لأنَّه اختلافٌ في واقعةٍ واحدةٍ، فلا يُبتّ الحكمُ فيه بترجيحِ مَن روى أنها جاحدةٌ على الرواية الأخرى –يعني وكذا عكسه–، فيصح أنها قُطعت بسبب الأمرين، والقطع في السرقة متَّفقٌ عليه، فيترجَّح على القطع في الجحد المختلف فيه.
قلتُ: وهذه أقوى الطُّرق في نظري. فتح الباري 12/ 90-92).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
وأما جاحد العارية فيدخل في اسم السارق شرعًا؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما كلموه في شأن المستعيرة الجاحدة قَطَعَها، وقال: «والذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها»، فإدخاله -صلى الله عليه وسلم- جاحد العارية في اسم السارق كإدخاله سائر أنواع الْمُسْكِر في اسم الخمر، فتأمله. زاد المعاد (5/ 46).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- متعقبًا ابن القيم:
بُعْدُ تسوية ابن القيم بين الجحد والسرقة في المعنى مما لا يخفى، ومن أقوى ما يبطله: حديث النسائي؛ حيث إنه -صلى الله عليه وسلم- استتاب تلك المرأة التي كانت تجحد العارية مرارًا، فإنَّ فيه بيان أنهما ليسا بمعنى واحد؛ لأنه لا خلاف أن السرقة إذا ثبتت عند الإمام لا يجوز له استتابة السارق، وقد استتاب -صلى الله عليه وسلم- هذه المرأة، فلو كان الجحد سرقة لما استتابها، بل أمر بقطعها، فعلمنا أن الجحد ليس بمعنى السرقة، وأن قطع هذه المرأة إنما هو لكونها سرقت، بعد أن اعتادت جحد العارية، فافهم، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (29/ 418).
قوله: «فقالوا: من يُكلِّم فيها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟»:
قال العظيم أبادي -رحمه الله-:
«فقالوا» أي: أهلها. عون المعبود (12/ 21).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «من يكلم رسول الله -صلى الله عليه وسلم؟-» أي: من يشفع عنده فيها أن لا تُقطع، إما بعفوٍ، وإما بفداء، وأَمْرُ الفداء جاء في حديث مسعود بن الأسود، ولفظه بعد قوله: «أَعْظَمْنَا ذلك فجئنا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالوا: نحن نفديها بأربعين أوقية، فقال: تطهر خير لها»، وكأنهم ظنوا أن الحد يسقط بالفدية. عمدة القاري (23/ 277).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
ظنًا منهم أن الحدود تندرئ بالشفاعة، كما أنها تندرئ بالشبهة. مرقاة المفاتيح (6/ 2366).
قوله: «فقالوا: ومن يَجْتَرئ عليه إلا أسامة بن زيد»:
قال العيني -رحمه الله-:
«فقالوا» أي: قريش. عمدة القاري (16/ 60).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«ومن» للاستفهام الإنكاري؛ أي: لا أحد «يَجْتَرِئ عليه» -بسكون الجيم، وكسر الراء- يَفْتعِل، من الجُرأة -بضم الجيم، وسكون الراء، وفتح الهمزة، ويجوز فتح الجيم والراء، مع المد-، والجرأة: هي الإقدام بإدلال، والمعنى: ما يجترئ عليه إلا أسامة -رضي الله عنه-. البحر المحيط الثجاج (29/ 400).
وقال النووي -رحمه الله-:
معنى «يجترئ»: يتجاسَر عليه بطريق الإدلال، وفي هذا منقبة ظاهرة لأسامة -رضي الله عنه-. شرح صحيح مسلم (11/ 186).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
السبب في اختصاص أسامة بذلك ما أخرجه ابن سعد من طريق جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، عن أبيه، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لأسامة: «لا تشفع في حدٍّ، وكان إذا شفع شفَّعَه» بتشديد الفاء، أي: قبِل شفاعته. فتح الباري (12/ 93).
قوله: «حِبَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-»:
قال النووي -رحمه الله-:
«حِبُّ رسول الله» هو بكسر الحاء، أي: محبوبه. شرح صحيح مسلم (11/ 186).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وفي ذلك تلميح بقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «اللهم إني أحبه فأحبه». فتح الباري (12/ 93).
قوله: «فأُتِيَ بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فكلَّمه فيها أسامة بن زيد»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
«فكلَّمه أسامة» وفي الكلام شيء مطوي، تقديره: فجاؤوا إلى أسامة فكلموه في ذلك، فجاء أسامة إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فكلمه، ووقع في رواية يونس: «فأتي بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فكلمه فيها» فأفادت هذه الرواية أن الشافع يشفع بحضرة المشفوع له؛ ليكون أعذر له عنده إذا لم تقبل شفاعته. فتح الباري (12/ 93).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فكلمه أسامة» أي: فكلموا أسامة فكلمه أسامة؛ ظنًا منه أن كل شفاعة حسنة مقبولة، وذهولًا عن قوله تعالى: {مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا} النساء: 85. مرقاة المفاتيح (6/ 2366).
قوله: «فتَلوَّن وجه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«فتلون» أي: تغير غيظًا. دليل الفالحين (8/ 578).
قوله: «أتشفع في حدٍّ من حدود الله؟»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
«أتشفع» بهمزة الاستفهام الإنكاري؛ لأنه كان سبق له منع الشفاعة في الحد قبل ذلك. فتح الباري (12/ 94).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«أتشفع» بهمزة الاستفهام للتوبيخ. شرح المصابيح (4/ 214).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«تشفع» من الشفاعة، وهي التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة. فتح ذي الجلال والإكرام (5/ 387).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
إنما أنكر عليه الشفاعة في الحد؛ لأنه إنما تشفَّع إليه بعد أن بَلَغَ ذلك رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- وارتفعوا إليه فيه، فأما قبل أن يَبْلُغَ الإمام فإن الشفاعة جائزة، والستر على المذنبين مندوب إليه، وقد روي ذلك عن الزبير بن العوام، وابن عباس -رضي الله عنهما- وهو مذهب الأوزاعي.
وقال أحمد بن حنبل: تشفع في الحد ما لم يبلغ السلطان.
وقال مالك بن أنس: من لم يُعرف بأذى الناس وإنما كانت تلك منه زلَّة فلا بأس أن يشفع له ما لم يبلغ الإمام. معالم السنن (3/ 300).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«من حدود الله؟» الحد يطلق على ثلاثة معان:
الأول: الأوامر، والثاني: النواهي، والثالث: العقوبات المقدرة شرعًا في المعاصي، والمراد هنا الثالث، وهو العقوبات التي قدَّرها الشرع في فعل المعصية، والمعنى: أتشفع في عقوبة فرضها الله -عزَّ وجلَّ-؟ فتح ذي الجلال والإكرام (5/ 387).
وقال الخطابي –رحمه الله-:
فيه: دليلٌ على أنَّ القطعَ لا يزول عن السارقِ بأن يُوهَبَ له المتاع، ولو كان ذلك مُسقِطًا عنه الحدَّ لأَشْبَهَ أن يطلب أُسامةُ إلى المسروقِ منه أن يهبَه منها، فيكون ذلك أعودَ عليها من الشفاعة. معالم السنن (3/ 300).
قوله: «فقال له أسامة: استغفر لي يا رسول الله!»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«فقال أسامة» لما رأى إنكار النبي -صلى الله عليه وسلم- وغضبه مما أتاه: «استغفر لي يا رسول الله» أي: لتُمحَى تلك الخطيئة. دليل الفالحين (8/ 578).
وقال حسن أبو الأشبال -حفظه الله-:
وفي هذا بيان أن الصحابة -رضي الله عنهم- كانوا أسرع الخلق توبة واستغفارًا، وكانوا يطلبون ذلك من النبي -عليه الصلاة والسلام-؛ لعلمهم أن دعاءه مستجاب. شرح صحيح مسلم (61/ 5).
قوله: «فلما كان العشي قام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاختطب»:
قال حسن أبو الأشبال -حفظه الله-:
«فلما كان العشي» أي: لما كان وقت المساء. شرح صحيح مسلم (61/ 5).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«ثم قام فاختطب» افتعل فيها معنى المعالجة، وبذل الجهد. فتح المنعم شرح صحيح مسلم (6/ 570).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
وكان من عادة النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يخطب عند النوازل، وخطبه -عليه الصلاة والسلام- قسمان: قسم رَاتِبٌ كخطبة الجمعة، وقسم عارض كخطبة الكسوف. فتح ذي الجلال والإكرام (5/ 388).
قوله: «فأثنى على الله بما هو أهله»:
قال حسن أبو الأشبال -حفظه الله-:
وهذه سنن لمن أراد أن يبدأ بحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأن يُثني على الله خيرًا. شرح صحيح مسلم (61/ 5).
قوله: «ثم قال: أما بعد»:
قال حسن أبو الأشبال -حفظه الله-:
«ثم قال: أما بعد» وفي هذا استحباب إذا فرغ الخطيب من مقدمة كلامه أن يفصل بينها وبين الموضوع بكلمة: أمَّا بعد. شرح صحيح مسلم (61/ 5).
قوله: «فإنما أهلك الذين من قبلكم»:
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
المراد بالهلاك هنا: يحتمل: الهلاك الحسي، يهلكهم الله بسبب المعاصي، أو أنه الهلاك المعنوي، وهو هلاك المجتمع. فتح ذي الجلال والإكرام (5/ 388).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «إنما أهلك الذين قبلكم» تهديد ووعيد شديد على ترك القيام بالحدود، وعلى ترك التسوية فيما بين الدنيء والشريف، والقوي والضعيف، ولا خلاف في وجوب ذلك. المفهم (5/ 79).
وقال العراقي -رحمه الله-:
قوله: «إنما هلك من كان قبلكم...» مخالف بظاهره لقوله -عليه الصلاة والسلام- في الحديث الآخر: «إنما أهلك من كان قبلكم الشُّح»، وفي حديث معاوية: «إنما هلك من كان قبلكم حين اتخذ نساؤهم مثل هذا، يعني: وَصْلَ الشَّعْر»، وأحاديث أخر، والجمع بينهما: أن مَن كان قبلنا أمم وطوائف كثيرة، فبعض الأمم كان هلاكها بترك تعميم إقامة الحدود، وبعضهم بكثرة السؤال والاختلاف، وبعضهم بالشح، فحاصل ذلك أن الحصر في هذه الأحاديث ليس على عمومه، بل هو مخصوص للجمع بين مختلف الأحاديث. طرح التثريب (8/ 35).
قوله: «أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه»:
قال ابن منظور –رحمه الله-:
الشرف: الحسب بالآباء، ... والجمع أشراف...، والشرف والمجد لا يكونان إلا بالآباء، ويقال: رجل شريف، ورجل ماجد: له آباء متقدمون في الشرف، قال: والحسب والكرم يكونان وإن لم يكن له آباء لهم شرف. لسان العرب (9/ 169)
وقال الشيخ عبد القادر شيبة الحمد -رحمه الله-:
«الشريف» أي: العزيز في قومه الرفيع القوي. فقه الإسلام شرح بلوغ المرام (9/ 24).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«تركوه» لوجاهته وشرفه. دليل الفالحين (5/ 112).
قوله: «وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«وإذا سرق فيهم الضعيف» أي: الوضيع الذي لا شرف له، ولا أَتْبَاع، ولا مَنَعَة. التنوير (4/ 183).
وقال المناوي-رحمه الله-:
(أقاموا عليه الحد) أي قطعوه. التيسير (1/ 360)
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
حذَّرَنا -صلى الله عليه وسلم- من مشابهة مَن قبلنا في أنهم كانوا يفرِّقون في الحدود بين الأشراف والضعفاء، وأَمَرَ أن يُسوَّى بين الناس في ذلك، وإن كان كثير من ذوي الرأي والسياسة قد يظنُّ أن إعفاء الرؤساء أجود في السياسة. اقتضاء الصراط المستقيم (1/ 329).
قوله: «وإنِّي -والذي نفسي بيده- لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها»:
قال النووي -رحمه الله-:
فيه: دليل لجواز الحلف من غير استحلاف، وهو مستحب إذا كان فيه تفخيم لأمر مطلوب كما في الحديث. شرح صحيح مسلم (11/ 187-188).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
حلف وإن لم يستحلف؛ لتأكيد هذا الحكم، وبيان أهميته. شرح رياض الصالحين (3/ 129).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «لو أن فاطمة سرقت لقطعت يدها» إخبار عن مقدَّر يفيد القطع بأمر محقَّق، وهو وجوب إقامة الحد على البعيد والقريب، والبغيض والحبيب، لا تنفع في ذريةٍ شفاعة، ولا تحول دونه قرابة ولا جماعة. المفهم (5/ 79).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
أخبر أن فاطمة ابنته -التي هي أشرف النساء- لو سرقَت -وقد أعاذها الله من ذلك- لقطع يدها؛ ليبين أن وجوب العدل والتعميم في الحدود، لا يُستثنى منه بنت الرسول، فضلًا عن بنت غيره. اقتضاء الصراط المستقيم (1/ 330).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «لقطعت» يحتمل لقطعت يدها مباشرة، ويحتمل أَمَرْتُ بقطع يدها، والأول أبلغ في كونه يقطع يد ابنته إذا سرقت.
فالحاصل أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- يضع للحُكَّام منهجًا لو ساروا عليه لأفلحوا، وهو أن يكون أقاربهم وحاشيتهم عندهم كسائر الناس. الشرح الممتع (7/٢٨٨).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- أيضًا:
وهذا العدل غاية في عدل البشر، لا يوجد عدل يصدر من أي بشر كان مثل هذا العدل من النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ ليقطع كل الحجج والوساطات والشفاعات، وهذا يدل على كمال عَدْلِه -صلى الله عليه وسلم-. شرح رياض الصالحين (3/ 129-130).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت» هذا من الأمثلة التي صح فيها أن "لو" حرف امتناع لامتناع. فتح الباري (12/ 95).
وقال ابن حجر -رحمه الله- أيضًا:
إنما خصَّ -صلى الله عليه وسلم- فاطمة ابنته بالذِّكر؛ لأنها أَعزَّ أهله عنده، ولأنه لم يبقَ من بناته حينئذٍ غيرها، فأراد المبالغة في إثبات إقامة الحد على كُلِّ مُكلَّف، وترك المُحاباة في ذلك، ولأن اسم السارقة وافق اسمها -عليها السلام- فناسب أن يضرب المثل بها. فتح الباري (12/ 95).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
وذكر فاطمة -رضي الله عنها- دون غيرها؛ لأن القضية في امرأة. الشرح الممتع (15/٢٦٢).
قوله: «ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقُطعت يدها»:
قال حسن أبو الأشبال -حفظه الله-:
«ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقُطعت يدها» بعد أن بين النبي -عليه الصلاة والسلام- أن الناس في الحدود سواء قَطَعَ يدها. شرح صحيح مسلم (61/ 5).
قوله: «قالت عائشة: فحَسُنَتْ توبتُها بَعْدُ، وتزوجت، وكانت تأتيني بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قولها: «فحسنت توبتها، وتزوجت» يدل على صحة توبة السارق، وأنها ماحية لإثم السرقة، وللمَعَرَّة اللاحقة، فيحرم تعييره بذلك، أو يُعاب عليه شيء مما كان هنالك، وهكذا حُكم أهل الكبائر إذا تابوا منها، وحسنت أحوالهم بعدها، تُسمع أقوالهم، وتُقبل شهادتهم، وهذا مذهب الجمهور، غير أن أبا حنيفة قال: لا تُقبل شهادة القاذف المحدود مطلقًا وإن تاب، وقال مالك: لا تُقبل شهادة المحدود فيما حُدَّ فيه، وتُقبل في غيره. المفهم (5/ 79-80).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
(و) فيه: توبة السارق، وأن التوبة ماحية حال أصحاب الذنوب، قيل: في الدنيا والآخرة. إكمال المعلم (5/ 503).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
وفيه: تعظيم أمر المحاباة للأشراف في حقوق الله تعالى، ولفظة: «إنما» ها هنا دالة على الحصر، والظاهر: أنه ليس للحصر المطلق مع احتمال ذلك، فإن بني إسرائيل كانت فيهم أمور كثيرة تقتضي الإهلاك، فيحمل ذلك على حصرٍ مخصوص، وهو الإهلاك بسبب المحاباة في حدود الله، فلا ينحصر ذلك في هذا الحد المخصوص. إحكام الأحكام (2/ 248).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
فيه: أن شرف الجاني لا يُسقط الحد عنه، وأن أحكام المولى سبحانه يستوي فيها الشريف والوضيع. دليل الفالحين (5/ 112).
وقال حسن أبو الأشبال -حفظه الله-:
وفي هذا: إثبات القدوة والأسوة؛ إذ إنه -عليه الصلاة والسلام- يبدأ بنفسه أولًا، وليس هذا الأمر موجهًا للأمَّة فحسب، بل الأولى به نبينا -عليه الصلاة والسلام-، وهو في المكانة والمنزلة التي لا تخفى على أحد. شرح صحيح مسلم (61/ 4).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وفيه: ما يدل على أن فاطمة -عليها السلام- عند أبيها -صلى الله عليه وسلم- في أعظم المنازل؛ فإن في القصة إشارة إلى أنها الغاية في ذلك عنده، ذكره ابن هبيرة.
وفيه: جواز ضرب المثل بالكبير القدر؛ للمبالغة في الزجر عن الفعل، ومراتب ذلك مختلفة ولا يحق ندب الاحتراز من ذلك حيث لا يترجح التصريح بحسب المقام.
وفيه: أنَّ مَن حلف على أمر لا يتحقق أنه يفعله أو لا يفعله لا يحنث، كمن قال لمن خاصم أخاه: والله لو كنت حاضرًا لهشمتُ أنفك، خلافًا لمن قال يحنث مطلقًا.
وفيه: جواز التوجع لمن أقيم عليه الحد بعد إقامته عليه، وقد حكى ابن الكلبي في قصة أم عمرو بنت سفيان أن امرأة أسيد بن حضير آوتها بعد أن قطعت وصنعت لها طعامًا، وأن أسيدًا ذكر ذلك للنبي -صلى الله عليه وسلم- كالمنكِر على امرأته، فقال: «رَحِمَتْهَا رحمها الله».
وفيه: الاعتبار بأحوال من مضى من الأمم، ولا سيما من خالف أمر الشرع. فتح الباري، باختصار (12/ 96).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
هذا الحديث فيه فوائد عظيمة:
منها: الإنكار على من شفع في حد من الحدود، ولكن هذا بعد أن يصل الأمر إلى السلطان.
ومن فوائده: حكمة الشرع في تحديد العقوبات، وأنها مناسبة تمامًا للجرائم، ولهذا أضيفت إلى الله تعالى قال: «حد من حدود الله»، ومعلوم أن ما كان من حدود الله -عزَّ وجلَّ- فإنه في غاية الحكمة، وفي غاية الرحمة.
ومن فوائده: أنه ينبغي للإنسان القدوة أن يخطب في المناسبات التي تستدعي الخطبة، ولو كان ذلك في غير جمعة؛ لقوله: «ثم قام فخطب».
ومن فوائده: أن عقوبة الله -عزَّ وجلَّ- لا تختلف بالنسبة للأمم؛ لأنه ليس بين الله وبين الخلق نسب حتى يراعيهم.
ومن فوائده: جواز التوكيل في إقامة الحدود؛ لقوله: «فأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بقطع يدها».
ومن فوائده: ضرب الأمثال عند الوعظ ترغيبًا أو ترهيبًا؛ لقوله: «إنما أهلك الذين مِن قبلكم»، فهذا ضرب أمثال. فتح ذي الجلال والإكرام (5/ 389-395).
وقال الشيخ النجمي -رحمه الله-:
مفهوم هذا -أي: مفهوم الحديث-: أن الشفاعة في غير الحدود جائزة حتى لو بلغت إلى السلطان، لكن في الحدود غير جائزة إلا قبل بلوغ السلطان، وأيضًا في هذه الحالة إذا كان الذي حصلت منه الجريمة معروف بالشر وبأذية المسلمين فإنَّ الشفاعة في مثل هذا لا تجوز بحال، وبالله التوفيق. تأسيس الأحكام، باختصار (5/ 56-59).
ولمزيد من الفائدة يُنظر:
تحريم الشفاعة في الحدود الشرعية والتحذير من تعطيلها.