السبت 5 شعبان 1447 | 2026-01-24

A a

«من أحبَّ لله، ‌وأَبْغَضَ ‌لله، وأعطى لله، ومَنَعَ لله؛ فقد استكمل الإيمان».


رواه أبو داود برقم: (4681)، والطبراني في الكبير برقم: (7613) من حديث أبي أمامة -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (5965)، صحيح الترغيب والترهيب برقم: (3029).


شرح الحديث


قوله: «مَن أَحَبَّ لله»:
قال المظهري -رحمه الله-:
«من أحبَّ» أحدًا يحبُّه «لله» لا لحظِّ نفسه. المفاتيح (1/ 129).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«من أحب لله» أجمعت الأمَّة على أن الحب للَّه تعالى ولرسوله فرض، ولا يفسد الحب بالطاعة؛ لأن الطاعة تبع الحب وثمرته، فلا بد أن يتقدم الحب للَّه، ثم بعد ذلك يطيع المحبوب. شرح سنن أبي داود (18/ 212).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«من أحبَّ» أي: شيئًا أو شخصًا، فحذف المفعول؛ ليذهب الوهم كل مذهب، «لله» لا لغرض سواه، ولا لشهوة طبعه وهواه. مرقاة المفاتيح (1/ 106).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«من أحب لله» بأنْ قَصَرَ محبته على كل موصوف بما يقربه إلى الله تعالى. فتح الإله (1/337).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
«من أحبَّ لله» أي: في طلب رضا الله، أو في طريق الله، أو في حق الله. الأزهار مخطوط لوح (22).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«من أحب لله» أي: لأجله ولوجهه مخلِصًا، لا لميلِ قلبِه، ولا لهواه. التيسير (2/ 387).
وقال المناوي -رحمه الله- أيضًا:
قال (يحيى) ابن معاذ: وعلامة الحب في الله: ألَّا يزيد بالبر، ولا ينقص بالجفاء، قال القاضي (البيضاوي): المحبة مَيل النفس إلى الشيء؛ لكمال فيه، والعبد إذا علم أن الكمال الحقيقي ليس إلا لله، وأن كُلَّ مَا يراه كمالًا في نفسه أو غيره فهو من الله وإلى الله وبالله، لم يكن حبه إلا لله وفي الله؛ وذلك يقتضي إرادة طاعته، فلذا فُسِّرت المحبة بإرادة الطاعة، واستلزمت اتباع رسوله، انتهى، وقال ابن عطاء الله: الحبُّ في الله يوجب الحب من الله، وهنا مراتب أربع: الحب لله، والحب في الله، والحب بالله، والحب من الله، فالحب لله ابتداءً، والحب من الله انتهاء، والحب في الله وبالله واسطة بينهما، والحب لله أن تؤثره ولا تؤثر عليه سواه، والحب في الله أن تحب فيه من ولَّاه، والحب بالله أن تحب العبد ما أحبه، وما أحبه منقطعًا عن نفسه وهواه، والحب من الله أن يأخذك من كل شيء فلا تحب إلا إياه، وعلامة الحب لله دوام ذكره، والحب في الله أن تحب من لم يحسن إليك بدنيا من أهل الطاعات، والحب بالله أن يكون باعث الحظ بنور الله مقهورًا، والحبُّ من الله أن يجذبك إليه، فيجعل ما سواه عنك مستورًا. فيض القدير (1/ 167).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«من أحبَّ لله» أي: لوجهه، وابتغاء مرضاته، أيَّ محبوبٍ كان من عمل أو ترك أو شخص أو قول، أو أيَّ محبوب قصد بحبه وجه الله؛ لأجل أنه تعالى يحبه ويريده ويرضاه. التحبير (1/ 189).
وقال الصنعاني -رحمه الله- أيضًا:
«من أحب لله» أحب إنسانًا لأجل أن الله أمر بحبه؛ لكونه من صالحي عباده لم يحبه إلا لذلك، لا لطمع، ولا رغبة، ولا رهبة. التنوير (10/ 33).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
«من أحب لله» حذف فيه المفعول وهو متعلق بـ"من" وبـ"ما"، والمعنى: أحب لله من يحبه الله، وأحب لله ما يحبه الله، والمراد: من يحبه الله من الأشخاص، وما يحبه الله من الأعمال والأقوال، إذًا فالحب يكون للأشخاص وللأقوال وللأفعال التي يحبها الله، ويرضى بها. شرح سنن أبي داود (525/ 9).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
في الحديث: «من ‌أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله ومنع لله، ‌فقد ‌استكمل ‌الإيمان» وكثير ممن يدّعي المحبة هو أبعد من غيره عن اتباع السنة، وعن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله، ويدَّعي مع هذا أن ذلك أكمل لطريق المحبة من غيره؛ لزعمه أن طريق المحبة لله ليس فيه غَيرة ولا غضب لله! وهذا خلاف ما دل عليه الكتاب والسنة؛ ولهذا في الحديث المأثور: «يقول الله تعالى يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي» فقوله: «أين المتحابون بجلالي؟» تنبيه على ما في قلوبهم من إجلال الله وتعظيمه مع التحاب فيه، وبذلك يكونون حافظين لحدوده، دون الذين لا يحفظون حدوده؛ لضعف الإيمان في قلوبهم، وهؤلاء الذين جاء فيهم الحديث: «حقَّت محبتي للمتحابين فيّ، وحقَّت محبتي للمتجالسين فيّ، وحقت محبتي للمتزاورين فيّ، وحقت محبتي للمتباذلين فيّ» والأحاديث في المتحابين في الله كثيرة. مجموع الفتاوى (10/ 83).
وقال ابن تيمية -رحمه الله- أيضًا:
والمقصود هنا: أن المحبة التامة لله ورسوله تستلزم وجود محبوباته؛ ولهذا جاء في الحديث الذي في الترمذي: «من ‌أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، ‌فقد ‌استكمل ‌الإيمان»؛ فإنه إذا كان حبُّه لله وبغضُه لله وهما عملُ قلبه، وعطاؤه لله، ومنعه لله وهما عمل بدنه؛ دلَّ على كمالِ محبته لله، ودل ذلك على كمال الإيمان؛ وذلك أن كمال الإيمان: أن يكون الدِّين كلُّه لله؛ وذلك عبادة الله وحده لا شريك له، والعبادة تتضمن كمالَ الحب وكمال الذل، والحب مبدأ جميع الحركات الإرادية، ولا بد لكل حيٍّ مِن حبٍّ وبغض، فإذا كانت محبَّته لمن يحبه الله، وبغضه لمن يبغضه الله؛ دل ذلك على صحة الإيمان في قلبه، لكن قد يقوى ذلك وقد يضعف بما يعارضه من شهوات النفس وأهوائها الذي يظهر في بذل المال الذي هو مادة النفس، فإذا كان حبُّه لله، وعطاؤه لله، ومنعه لله؛ دل على كمال الإيمان باطنًا وظاهرًا، وأصل الشرك في المشركين -الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا- إنما هو اتخاذ أنداد يحبونهم كحب الله، كما قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} البقرة: 165 ومن كان حبُّه لله، وبغضه لله، لا يحب إلا لله، ولا يبغض إلا لله، ولا يعطي إلا لله، ولا يمنع إلا لله؛ فهذه حال السابقين من أولياء الله. مجموع الفتاوى (10/ 754).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
فإن هذه المحبة من لوازم محبة الله تعالى وموجباتها، وكلما كانت أقوى كان أصلها كذلك. الداء والدواء (ص: 189).
وقال ابن أبي العز -رحمه الله-:
ومعناه -والله أعلم- أن الحب والبغض أصلُ حركة القلب، وبذلُ المال ومنعُه هو كمال ذلك، فإن المال آخر المتعلقات بالنفس، والبدن متوسط بين القلب والمال، فمن كان أوّل أمرِه وآخرُه كلُّه لله؛ كان اللهُ إلهه في كل شيء، فلم يكن فيه شيء من الشرك، وهو إرادةُ غير الله وقصده ورجاؤه، فيكون مستكملًا الإيمان، إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على قوة الإيمان وضعفه بحسب العمل. شرح العقيدة الطحاوية (ص: 340).

قوله: «وأبغض ‌لله»:
قال المظهري -رحمه الله-:
«أبغض» أحدًا يبغضه «لله»؛ بأن يكون فيه كفر أو معصية وهو لا يقبل النصيحة، ولا يبغض أحدًا لأجل نفسه بأن يؤذيه ذلك الأحد. المفاتيح (1/ 129).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«وأبغض ‌لله» ليس المراد بالحب هنا حب الطبع، ولا بالبغض بغض الطبع، فإن طبع الإنسان حبُّ نفسه، فكما أن الحب هو: ميل الطبع إلى المحبوب، فإذا تأكد ذلك الميل وقوي سُمي عشقًا، فكذلك البغض هو: عبارة عن نفرة الطبع عن المبغوض، فإذا قوي سُمي مَقتًا، فكما يجب على الإنسان إذا رأى مَن هو ملازم على طاعة اللَّه تعالى أن يحبه للَّه، فكذا إذا رآه بعد ذلك مخالفًا للَّه تعالى في أوامره ونواهيه يجب عليه بغضه للَّه تعالى. شرح سنن أبي داود (18/ 212، 213).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«وأَبغَضَ لِلهِ» بأنْ قَصَرَ بغضه على كل موصوف بما يبعده من الله تعالى...
ومِن جُملة البغض لله: بغض النفس الأمارة بالسوء، وأخلاقها وأعدائها من الهوى والشيطان، ومجاهدتهم كسائر أعداء الله بالظاهر والباطن. فتح الإله (1/337-338).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«وأبغض ‌لله» لا لإيذاء مَن أبغضه له، بل لكفره وعصيانه. التيسير (2/ 387).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
«وأبغض لله» أي: أبغض من يبغضه الله، وأبغض ما يبغضه الله. شرح سنن أبي داود (525/ 9).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«وأبغض لله» ومن جملة البغض لله: النفس الأمّارة، وأعداء الدين، وقال بعضهم: وجه جعله ذلك استكمالًا للإيمان: أن مدار الدين على أربعة قواعد: قاعدتان باطنتان، وقاعدتان ظاهرتان، فالباطنتان: الحب والبغض، والظاهرتان: الفعل والترك، فمن استقامت نيَّتُه في حبِّه وبغضُه وفِعله وتركِه لله؛ فقد استكمل مراتب الإيمان. فيض القدير (6/ 29).
وقال الطوفي -رحمه الله-:
فإذًا عموم النهي عن التباغض مخصوص بالبغض في الله -عز وجل-، فهو محرم خُصَّ بواجب أو مندوب، فإذا تباغض اثنان في الله -عز وجل- أُثِيْبَا على غيرتهما لله، وتعظيم حقه، وإن كانا عند الله -عز وجل- مِن أهل السلامة أو الزلفة؛ وذلك بأن يؤدي كلٌّ منهما اجتهاده إلى اعتقادٍ أو عملٍ ينافي اجتهاد الآخر فيبغضه على ذلك، وهو معذور عند الله -عز وجل- بخروجه عن عُهدة التكليف بالاجتهاد. التعيين في شرح الأربعين (1/ 298).

قوله: «وأعطى لله»:
قال المظهري -رحمه الله-:
«وأعطى لله» يعني: يعطي ما يعطيه لرضا الله، وطلب ثوابه، ولا يعطي لميل نفسه والرياء. المفاتيح (1/ 129، 130).
وقال المناوي-رحمه الله-:
«وأعطى لله» أي: لثوابه ورضاه، لا لنحو رياء. التيسير (2/ 387).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«وأَعْطَى لِلهِ» بأنْ قَصَرَ إعطاءه على كل مَن ندب الشارع إلى إعطائه...
ومن جملة الإعطاء لله: ألا تبقي لك حظًّا ولا ملكًا. فتح الإله (1/337-338).
وقال الصنعاني-رحمه الله-:
«وأعطى لله» احتسابًا لما وعده من الإثابة. التنوير (10/ 33).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -رحمه الله-:
«وأعطى لله» أي: من أجل الله. شرح سنن أبي داود (525/ 9).

قوله: «ومنع لله»:
قال المظهري -رحمه الله-:
«ومنع لله» يعني: لو مُنع إعطاء المال إلى أَحد ينبغي أن يمنعه بأمر الله تعالى؛ بأن يكون ذلك الشخص ممن لم يأمر الله تعالى بإعطاء المال إياه، مثل ألا يجوز صرف الزكاة إلى كافر؛ لخسته، ولا إلى بني هاشم وبني عبد المطلب؛ لعزتهم، ولا يجوز الوقف على المرتدين وقُطَّاع الطريق والكفار المحاربين، ويحرم بيع السلاح من هؤلاء، ويحرم بيع العنب ممن يتخذ الخمر، فإن باع فالبيع صحيح. المفاتيح (1/ 130).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«ومنع» عطاءه «لله تعالى». شرح سنن أبي داود (18/ 212).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«ومنع لله» أي: لأمر لله؛ كأن لم يَصرف الزكاة لكافر؛ لخسته، ولا لهاشمي؛ لشرفه، بل لمنع الله لهما منها. فيض القدير (6/ 29).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«وَمَنَعَ لِلهِ» بأن قصر منعه على كل من ندب الشارع إلى منعه، ولم يكن لنفسه حظ من واحدة من هذه الأربعة...
ومن جملة المنع الله: أنْ تمنع نفسك من كل خُلق ذميم، وتتخلَّق بكل خُلق كريم، وحينئذٍ فقد تضمَّن هذا الحديث سائر طرق السلوك إلى الله تعالى، كما يعلم ذلك من تأمَّله وتحقَّقه. فتح الإله (1/337-338).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«ومنع لله» فلم يعط زكاته غنيًّا ولا هاشميًّا، ولا نحو ذلك. التنوير (10/ 33).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
«ومنع لله» أي: من أجل الله، فلا يريد بإعطائه الرياء، ولا غير ذلك، وإنما يعطي من أجل الله، ويرجو ثواب الله، ويخشى عقاب الله، وكذلك يمنع وفقًا لما جاء عن الله -سبحانه وتعالى-، فيكون إعطاؤه من أجل الله، ومنعه من أجل الله، وحبُّه من أجل الله، وبغضه من أجل الله، فيكون بذلك قد استكمل الإيمان...، فالحب والبغض من أعمال القلوب، والإعطاء والمنع من أعمال الجوارح، وكلها من الإيمان، وهي تكون نافعة إذا كانت من أجل الله، سواءً كانت من أعمال القلوب أو من أعمال الجوارح. شرح سنن أبي داود (525/ 9).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«من ‌أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله» أي: من فعل تلك الأفعال الصادرة من القلب والجوارح خالصًا لوجه الله تعالى. بذل المجهود (13/ 89).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«من أحب لله وأبغض لله...» وكذلك سائر الأعمال، فتكلَّم لله، وسكت لله، واختلط بالناس لله، واعتزل عن الخلق لله، كقوله تعالى حاكيًا: {إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} الأنعام: 162، وإنما خص الأفعال الأربعة لأنها حظوظ نفسانية؛ إذ قلَّما يمحضها الإنسان لله، فإذا محضها -مع صعوبة تمحيضها- كان تمحيض غيرها بالطريق الأولى؛ ولذا أشار إلى استكمال الدين بتمحيضها بقوله: «فقد استكمل الإيمان». مرقاة المفاتيح (1/ 106).

قوله: «فقد استكمل الإيمان»:
قال المظهري -رحمه الله-:
«استكمل» بمعنى: كمَّل. المفاتيح (1/ 129).
وقال الطيبي -رحمه الله- متعقبًا:
أقول: هذا بحسب اللغة، ‌وأما ‌عند ‌علماء ‌البيان ‌ففيه ‌المبالغة؛ لأن الزيادة في اللفظ زيادة في المعنى، كأنه جرَّد من نفسه شخصًا وهو يطلب منه كمال الإيمان، ومنه قوله تعالى: {وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا} البقرة: 89، أي: يطلبون من أنفسهم الفتح عليهم. الكاشف عن حقائق السنن (2/ 489).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«فقد استكمل الإيمان» عدل إليه عن "أكمل" لأنَّ فيه من المبالغة ما ليس في "أكمل"؛ لزيادة السين المستدعية لتجريده من نفسه شخصًا آخر يطلب منه إكمال الإيمان، ونظيره: {وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا} البقرة: 89، أي: يطلبون من أنفسهم الفتح عليهم. فتح الإله (1/337).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
«فقد استكمل الإيمان» ومعنى هذا: أنَّ حركات القلب والجوارح إذا كانت كلُّها لله فقد كَمُلَ إيمانُ العبد بذلك ظاهرًا وباطنًا، ويلزمُ من صلاح حركات القلب صلاحُ حركات الجوارح، فإذا كان القلب صالحًا ليس فيه إلا إرادة الله، وإرادة ما يريده لم تنبعثِ الجوارحُ إلا فيما يُريده الله، فسارعت إلى ما فيه رضاه، وكَفَّتْ عما يكرهه، وعما يخشى أنْ يكونَ مما يكرهه وإنْ لم يتيقن ذلك.
قال الحسن (البصري): ما نظرتُ ببصري، ولا نطقتُ بلساني، ولا بطشتُ بيدي، ولا نهضتُ على قدمي حتّى أنظر على طاعةٍ أو على معصية، فإنْ كانت طاعةٌ تقدَّمتُ، وإنْ كانت معصية تأخَّرت.
وقال محمد بن الفضل البَلخي: ما خطوتُ منذ أربعين سنة خطوةً لغير الله -عز وجل-، وقيل لداود الطائي: لو تنحَّيتَ من الظلِّ إلى الشمس، فقال: هذه خُطى لا أدري كيف تكتب.
فهؤلاء القوم لما صلحت قلوبُهم فلم يبق فيها إرادةٌ لغير الله -عز وجل- صلحت جوارحُهم، فلم تتحرّك إلا لله -عز وجل-، وبما فيه رضاه. جامع العلوم والحكم (ص: 192).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«فقد استكمل الإيمان» يعني: من حصل فيه هذه الخصال المرضية، وزال منه الحظوظ النفسانية، وخلَّص أفعاله لله تعالى؛ فقد أكمل إيمانه. شرح المصابيح (1/ 67).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فقد استكمل الإيمان» بالنصب أي: أكمله... وقيل: بالرفع، أي: تكمل إيمانه. مرقاة المفاتيح شرح (1/ 107).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«فقد استكمل الإيمان» أحاط بأطرافه، وكمل لديه أوصافه. التنوير (10/ 33).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
يعني: من كان جميعُ أفعاله لوجه اللَّه لا لحظِّ نفسه، وميلٍ إلى ما سوى اللَّه ورضاه سبحانه؛ فقد جعل إيمانه كاملًا تامًّا، وهذا توحيد الإخلاص، وتجريده الذي لا يتيسر إلا للكُمَّلِ مِن الصِّدِّيقين. لمعات التنقيح (1/ 267).
وقال سليمان آل الشيخ -رحمه الله-:
ومن كان حبُّه وبغضُه وعطاؤه ومنعُه لهوى نفسه كان ذلك نقصًا في إيمانه الواجب، فتجب عليه التوبة من ذلك، والرجوع إلى اتباع ما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم-؛ مِن تقديم محبةِ الله ورسوله، وما فيه رضا الله ورسوله على هوى النفس ومرادِها. تيسير العزيز الحميد (ص: 494).
وقال المظهري -رحمه الله-:
يعني: من حصل فيه هذه الأربعة فقد زالت منه الخصال النفسانية، وظهرت فيه الخصال الرحمانية؛ أي: المرضية للرحمن، فمن كان بهذه فقد أكمل إيمانه. المفاتيح (1/ 129).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
هذا الحديث يدل على أن هذه الأعمال مكمِّلات للإيمان، وأجْزاء لكمالها. بذل المجهود (13/ 89).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
فإن الإيمان علم وعمل، والعمل ثمرة العلم، وهو نوعان: عمل القلب حبًّا وبغضًا، ويترتب عليهما عملُ الجوارح فعلًا وتركًا، وهما العطاء والمنع، فإذا كانت هذه الأصول الأربعة لله تعالى، كان صاحبها مستكمل الإيمان، وما نقص منها فكان لغير الله؛ نقص من إيمانه بحسبه. إغاثة اللهفان (2/ 124).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
هو (أي: هذا الحديث) من جوامع كَلِمه -صلى الله عليه وسلم-؛ لتضمنه للإحسان السابق تفسيره في حديث: «أنْ تعبد الله كأنك تراه» أي: إذا اشتغلت بالله، أو بمعاملة عباده، فليكن نظرك في كل الأمور العادية والعبادية إليه وحده، دون أحد سواه، وللإسلام والإيمان؛ لأنَّ مِن جُملة المحبة الله محبة رسوله ووارثيه، واجتناب كل ما نهى عنه، وإلا فالوقوع في مناهيه مكذِّب للواقع في محبته. فتح الإله (1/338).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
قال البيهقي: الحديث... يدلُّ على أنَّ الإيمان يزيد وينقص، ويكمل وينحطُّ. الأزهار مخطوط لوح (31).    


إبلاغ عن خطأ