«كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا سافر يَتعوَّذ من وَعْثاء السَّفَر، وكَآبَة المُنْقَلَب، والحَوْر بَعد الكَوْن، ودعوة المظلوم، وسوء المَنْظَر في الأهل والمال».
رواه مسلم برقم: (1343)، من حديث عبد الله بن سَرْجِس -رضي الله عنه-.
وفي لفظ عند مسلم: «...والحَوْر بعدَ الكَوْرِ».
وزاد النسائي برقم: (5499) «والولد».
وعند ابن ماجه: وزاد أبو معاوية: «فإذا رجع قال مِثلها».
غريب الحديث
«وَعْثاء السَّفَر»:
الوَعْثَاء: شدَّة النَّصَب وَالْمَشَقَّة. غريب الحديث، لأبي عبيد (1/ 219).
قال الفراهيدي -رحمه الله-:
وعث: الوَعْثُ من الرَّمْل: ما غابتْ فيه القوائم، ومنه اشتُقَّ وعثاء السَّفر، يعني: المشقَّة، وأوعَث القومُ: وقعوا في الوَعْثِ. العين، للفراهيدي (2/ 231).
«وكَآبَة المُنْقَلَب»:
كَئِبَ الرجل يَكْأَبُ كآبةً: إذا حَزِنَ. جمهرة اللغة، لابن دريد (2/ 1103).
قال الأزهري -رحمه الله-:
قال الليث: كَئِبَ يَكْأَبُ كآبةً، وكأْبةً وكأْبًا، فهو كَئِبٌ وكَئيبٌ، واكتأب اكتئابًا، ويقال: ما الذي أكأبَك؟ والكَأْباءُ: الحُزن الشديدُ على فَعْلَاءَ. تهذيب اللغة (10/ 217).
«الحَوْر»:
الحَور: الرجوع. التقفية في اللغة، للبندنيجي (ص: 364).
قال الفراهيدي -رحمه الله-:
الحَوْرُ: الرجوع إلى الشيء، وعنه...، وفي الحديث: «نَعوذُ باللهِ من الحور بعد الكور» أي: النُّقصان بعد الزِّيادة. العين (3/ 287).
«الكَوْن»:
بالنون، من قولهم: حار بعد ما كان، أي: كان على حالة جميلة فحار عنها. الإبانة، للصحاري (2/ 421).
شرح الحديث
قوله: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا سافر يَتعوَّذ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا سافر يتعوذ» أي: بالله. مرقاة المفاتيح (4/ 1681).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
«يتعوذ» أي: يقول: أعوذ بالله من وعثاء السفر، إلخ. الأزهار مخطوط لوح (242).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«اللهم إني أعوذ» أي: أستجير، وأتحصن «بك من وعثاء السفر». البحر المحيط الثجاج (24/ 328).
قوله: «من وَعْثاء السَّفَر»:
قال السيوطي -رحمه الله-:
«وعثاء...» بفتح الواو، وسكون العين المهملة، وبالثاء المثلثة، والمد: المشقة والشدة. الديباج شرح صحيح مسلم (3/ 390).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
قوله: «وعْثَاء السفر» معناه: المشقة والشدة، وأصله: من الوَعْث، وهو أرض فيها رمل تَسُوخُ فيها الأرجل. معالم السنن (2/ 258).
وقال المازري -رحمه الله-:
«من وَعْثَاء السفر» (ذكر قول الخطابي ثم قال:) فجُعل مثلًا لكل ما يَشُق على صاحبه. المعلم (2/ 112).
وقال القنازعي -رحمه الله-:
«الوعثاء» أصله: الشدة، وهو الطريق الوعث الخشن. تفسير الموطأ (2/ 776).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«من وعثاء السفر» أي: مشقته الشاغلة عن الذِّكر والفكر، وشدته المانعة من حضور القلب مع الرب، قيل: السفر قطعة من سقر...، وفي الحديث: «السفر قطعة من العذاب» أي: نوع من عذاب النار. مرقاة المفاتيح (4/ 1681).
قوله: «وكَآبَة المُنْقَلَب»:
قال الخطابي -رحمه الله-:
معنى «كآبة المنقلب» أن ينقلب من سفره إلى أهله كئيبًا حزينًا؛ غير مقضيّ الحاجة، أو منكوبًا ذهب ماله، أو أصابته آفة في سفره، أو أن يُردَّ على أهله فيجدهم مرضى، أو يفقد بعضهم، وما أشبه ذلك من المكروه. معالم السنن (2/ 258).
وقال الباجي -رحمه الله-:
الكآبة: ظهور الحزن. المنتقى (7/ 303).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
«كآبة المنقلب» هي: تغير النفس بالانكسار من شدة الحزن والهم...، ويقال: كآبة وكأبة، بتخفيف الهمزة، وإسكان الألف، مثل رآفة ورأفة، و«المنقلب»: المرجع. كشف المشكل (4/ 237).
وقال ابن قرقول -رحمه الله-:
«المنقلب» الرجوع من السفر إلى الوطن. مطالع الأنوار (3/ 325).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«المنقلب» بفتح اللام مصدر ميمي. شرح المصابيح (3/ 191).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وكآبة المنقلب»... فيه إيماء إلى رجوعه من سفر الدنيا إلى وطن الأخرى، وهو بالاستعاذة أولى وأحرى، ومنه قوله تعالى: {وَسَيَعْلَمُ الَّذِيْنَ ظَلَمُوْا أَيّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُوْنَ} الشعراء: 227. مرقاة المفاتيح (4/ 1681).
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
و«المنقلب» بصيغة اسم المفعول، أي: الرجوع، أو مكان الرجوع، والله تعالى أعلم بالصواب. ذخيرة العقبى (40/ 57).
قوله: «والحَوْر بَعد الكَوْن»:
قال النووي -رحمه الله-:
قوله: «والحور بعد الكون» هكذا هو في معظم النسخ من صحيح مسلم «بعد الكون» بالنون، بل لا يكاد يوجد في نسخ بلادنا إلا بالنون، وكذا ضبَطَه الحفاظ المتقنون في صحيح مسلم، قال القاضي (عياض): وهكذا رواه الفارسي وغيره من رواة صحيح مسلم، قال: ورواه العذري: «بعد الكور» بالراء، قال: والمعروف في رواية عاصم (الأحول) الذي رواه مسلم عنه بالنون، قال القاضي: قال إبراهيم الحربي: يقال: إن عاصمًا وَهِمَ فيه، وأن صوابه: «الكور» بالراء، قلت: وليس كما قال الحربي، بل كلاهما روايتان، ومِمَّن ذَكَر الروايتين جميعًا الترمذي في جامعه، وخلائق من المحدثين، وذَكَرهما أبو عبيد، وخلائق من أهل اللغة وغريب الحديث، قال الترمذي بعد أن رواه بالنون: ويروى بالراء أيضًا، ثم قال: وكلاهما له وجه، قال: ويقال: هو الرجوع من الإيمان إلى الكفر، أو من الطاعة إلى المعصية، ومعناه: الرجوع من شيء إلى شيء من الشر، هذا كلام الترمذي، وكذا قال غيره من العلماء، معناه بالراء والنون جميعًا: الرجوع من الاستقامة أو الزيادة إلى النقص، قالوا: ورواية الراء مأخوذة من تكوير العمامة، وهو: لفُّها وجَمْعُها، ورواية النون مأخوذة من الكَون، مصدر كان يكون كونًا: إذا وُجِد واستقر. المنهاج شرح صحيح مسلم (9/111، 112).
وقال أبو عبيد -رحمه الله-:
قوله: «الحور بعد الكون» هكذا يروى بالنون، وسئل عاصم (الأحول) عن هذا فقال: ألم تسمع إلى قوله: حار بعد ما كان؟ يقول: إنه كان على حالة جميلَة، فحار عن ذلك، أي: رجع، وهو في غير هذا الحديث الكور. غريب الحديث (1/ 220).
وقال ابن قرقول -رحمه الله-:
قوله: «الحَوْرِ بعدَ الكَوْرِ» كذا للعذري، و«الكَونِ» للفارسي والسجزي وابن ماهان، وقول عاصم (الأحول) في تفسيره: "حارَ بعدما كانَ" وهي روايته، ويقال: إنَّ عاصمًا أوهم فيه. مطالع الأنوار (3/ 394).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
«الحور بعد الكور» بالراء، هكذا رواية العذري وابن الحذَّاء...، ورواه الفارسي وابن سعيد، وهو المعروف من رواية عاصم الأحول: «بعد الكون» بالنون...، قال أبو إسحاق الحربي: يُقال إنَّ عاصمًا وَهِمَ فيه، وصوابه الكور بالراء، والله أعلم. المفهم (3/ 455).
وقال النووي -رحمه الله-:
ورواية النون أكثر، وهي التي في أكثر أصول صحيح مسلم، بل هي المشهورة فيها. الأذكار (ص: 221).
وقال ابن علان -رحمه الله- معلقًا:
قوله: "إنه كذلك في صحيح مسلم" هو باعتبار أكثر أصوله، والمشهور منها. دليل الفالحين (6/ 291).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
في حديث ابن سرجس: «والحور بعد الكور» أي: النقصان بعد الزيادة، واستعمال هذا القول على هذا الوجه مستفيض في كلامهم، وهو مشتمل على سائر ما يُراد ويُتَّقى من أمر الدين والدنيا...، وقد روي: «من الحور بعد الكون» بالنون، ومعناه: الرجوع عن الحالة المستحسنة بعد أن كان عليها، وفي كلامهم: حار بعد ما كان. الميسر (2/ 564-565).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
هكذا هو في صحيح مسلم «الحور بعد الكون» بالنون، وكذا رواه الترمذي والنسائي. شرح رياض الصالحين (4/ 604).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
قوله: «والحور بعد الكون» بالنون، ومعناها: الاستقرار. توفيق الرب المنعم (3/ 619).
قوله: «ودعوة المظلوم»:
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
إنما استعاذ مِن دعوة المظلوم؛ لأنها مستجابة؛ كما جاء في الصحيح؛ ولِمَا تضمنته (أي الاستعاذة) من كفاية الظلم ودفعه. المفهم (3/ 455).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «ودعوة المظلوم» أي: أعوذ بك من الظلم؛ فإنه يترتب عليه دعاء المظلوم، ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب.
ففيه: التحذير من الظلم، ومن التعرُّض لأسبابه. المنهاج شرح صحيح مسلم (9/ 112).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
فإن قلتَ: دعوة المظلوم محترز عنها سواء كانت في السفر أو الحضر، قلتُ: كذلك «الحَور بعد الكور»، لكن السفر مَظَنَّة البلايا والمصائب، والمشقة فيه أكثر، فخُصت به. الكاشف (6/ 1894).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- موضحًا ومؤكدًا:
ويريد أنه حينئذٍ مظنة للنقصان في الدِّين والدنيا، وباعث على التعدي في حق الرفقة، وغيرهم، لا سيما في مضيق الماء كما هو مشاهد في سفر الحج، فضلًا من غيره...، أو يقال: إن المظلوم إذا كان مسافرًا يكون دعاؤه أقرب إلى الإجابة؛ لاجتماع الكربة والغربة. مرقاة المفاتيح (4/ 1681).
وقال ابن علان -رحمه الله- بعد أنْ ذَكَرَ كلام الطيبي السابق:
أو لأنَّ دعوة المظلوم المسافر الذي لا يَلْقَى الإعانة ولا الإغاثة أقرب إلى الإجابة. الفتوحات الربانية (5/ 133).
قوله: «وسوء المَنْظَر في الأهل والمال»:
قال الباجي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «وسوء المنظر في الأهل والمال» يحتمل -والله أعلم- أن يريد الاستعاذة من أن يكون في أهله وماله ما يسوؤه النظر إليه، يقال: منظر حسن، ومنظر قبيح. المنتقى (7/ 303).
وقال اليفرني -رحمه الله-:
«وسوء المنظر في المال والأهل» أن يرى فيهما أو يسمع ما يسوؤه. الاقتضاب (2/ 518).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«في الأهل والمال» أي: من أن يطمع ظالم أو فاجر في المال والأهل. مرقاة المفاتيح (4/ 1681).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«في المال والأهل» المراد بالأهل: أهل البيت؛ من الزوجة والخدم والحَشَم. دليل الفالحين (6/ 459).
وقال الشيخ ابن سعدي -رحمه الله-:
«وسُوء المُنقلب في المال والأهل والولد» أي: يا رب نسألك أن تحفظ علينا كل ما خلّفناه وراءنا، وفارقناه بسفرنا مِن أهلٍ وولدٍ ومالٍ، وأن ننقلب إليهم مسرورين بالسلامة، والنعم المتواترة علينا وعليهم؛ فبذلك تتم النعمة، ويكمل السرور. بهجة قلوب الأبرار (ص: 197).
قوله في اللفظ الآخر: «والحَوْرِ بعد الكَوْرِ».
قال ابن السكيت -رحمه الله-:
«الحَوْرُ بعدَ الكَوْر» أي: القِلّةُ بعدَ الكثرة. الألفاظ (ص: 21).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
«الحور بعد الكور»... أي: رجع عن الاستقامة؛ وذلك مأخوذ عندهم من كور العمامة. التمهيد (16/ 300).
وقال المازري -رحمه الله-:
قوله: «ومن الحور بعد الكور» معناه: من النقصان بعد الزيادة، وقيل معناه: أعوذ بك من الرجوع عن الجماعة بعد الكور، أي: بعد أن كنا في الكور، أي: في الجماعة، يقال: كارَ عمامته إذا لفّها، وحارها إذا نقضها، وقيل: يجوز أن يكون أراد بذلك: أعوذ بك أن تفسُد أمورنا، وتنتقض بعد صلاحها، كتنقُّض العِمامة بعد استقامتها على الرأس. المعلم (2/ 112).
وقال اليفرني -رحمه الله-:
ويتصرف ذلك في معان كثيرة، كالضلال بعد الهدى، والفقر بعد الغنى، وكالشر بعد الخير، والنقصان بعد الزيادة، ونحوه من الأحوال المتنقلة إلى أضدادها. الاقتضاب في غريب الموطأ (2/ 519).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث من الفقه: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يكن ليغفل عن ربه في حال سفره، ولا في حال قدومه، ولا مقامه ولا ظعنه، ولا ليله ولا نهاره، وكان في كل حال من حاله له ذِكْرٌ يخصُّه، وهكذا ينبغي لكل مسلم، فإن الله تعالى هو الصاحب في السفر، وهو الخليفة في الأهل، والسلامة في السفر منه سبحانه. الإفصاح (4/ 284).
وللمزيد من الفائدة يُنظر: