«إنّ للهِ عِبادًا اختَصَّهُم بالنِّعمِ؛ لمَنافعِ العِبادِ، يُقِرّهم فيها ما بذلُوهَا، فإذا منَعُوها نزعَها منهم، فحوَّلها إلى غيرِهم».
رواه الطبراني في المعجم الكبير برقم: (13925)، والمعجم الأوسط برقم: (5162)، والبيهقي في شُعب الإيمان برقم: (7256)، وتمّام في الفوائد برقم: (162)، وأبو نعيم في حلية الأولياء برقم: (6/ 115)، وابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج برقم: (5)، والخطيب في تاريخ بغداد برقم: (3237) من حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-.
سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (1692)، وصحيح الترغيب والترهيب برقم: (2617).
شرح الحديث
قال تمام البجلي الرازي -رحمه الله-:
قال معاوية بن يحيى (الشامي أحد رواة هذا الحديث): فحدَّثتُ بهذا الحديث يزيد بن هارون، فقال: لو ذهب إنسانٌ في هذا الحديث إلى خراسان لكان قليلًا. فوائد تمام (1/ 74).
قوله: «إنّ للهِ عِبادًا اختَصَّهُم بالنِّعمِ؛ لمَنافعِ العِبادِ»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«إنّ لله -تعالى- أقوامًا يختصّهم بالنعم؛ لمنافعِ العِبادِ» أي: لأجل منافِعهم. التيسير (1/ 328).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«إن للهِ -تعالى- أقوامًا يختصُّهم بالنِّعم» من نعِمة المال أو الجاه أو العلم، ولا تنحصر نعمة الله، «لمنافعِ العباد» لأجل نفع العبادِ على أيديهم. التنوير (4/ 36).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
الحوائج: ما يحتاجه الإنسان؛ لِيُكمل به أموره، وأما الضروريات فهي ما يضطر إليه الإنسان؛ ليدفع به ضرره، ودفع الضرورات واجب؛ فإنه يجب على الإنسان إذا رأى أخاه في ضرورة أن يدفع ضرورته؛ فإذا رآه في ضرورة إلى الطعام أو إلى الشراب أو إلى التدفئة أو إلى التَّبردة وجب عليه أن يقضي حاجته، ووجب عليه أن يزيل ضرورته ويرفعها، حتى إن أهل العلم يقولون: لو اضطرّ الإنسان إلى طعام في يد شخص، أو إلى شرابه، والشخص الذي بيده الطعام أو الشراب لم يضطر إليه، ومَنَعَه بعد طلبه، ومات فإنه يضمنه؛ لأنه فرّط في إنقاذ أخيه مِن هلكة، أما إذا كان الأمر حاجيًّا وليس ضروريًّا فإن الأفضل أن تُعِيْنَ أخاك على حاجته، وأن تيسرها له. شرح رياض الصالحين (3/ 23).
قوله: «يُقِرّهم فيها ما بذلُوهَا»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«يُقرّها فيهم ما بذلوهَا» أي: مُدّة دوامِ إعطائهم منها للمستحقِّ. فيض القدير (2/ 478).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«ويقرها» يبقّيها «فيهم ما بذلُوها» مدة بذلهِم إيّاها. التنوير (4/ 36).
وقال المناوي -رحمه الله-:
فمَن أُنعم عليه بنعمة تهافتت عليه عوام الناس؛ لأهويتهم، وكذا نعمة الدِّين من العلوم الدينية والربانية، والحِكَم الإلهية؛ ومن ثمّ قال الفضيل: "أَمَا علمتم أن حاجة الناس إليكم نعمة من الله عليكم؟! فاحذروا أن تملُّوا وتضجروا من حوائج الناس، فتصير النعم نقمًا"، وأخرج البيهقي عن ابن الحنفية أنه كان يقول: "أيها الناس اعلموا أن حوائج الناس إليكم من نِعم الله عليكم، فلا تملّوها فتتحوّل نقمًا، واعلموا أن أفضل المال ما أفاد ذخرًا، وأَوْرَث ذِكرًا، وأوجب أجرًا، ولو رأيتم المعروف رجلًا لرأيتموه حَسَنًا جميلًا يسرُّ الناظرين، ويفوق العالمين، فمَن لم يحتمل تلك المؤنة للناس فقد عرَّض تلك النعمة للزوال. فيض القدير (5/ 456).
قوله: «فإذا منَعُوها نزعَها منهم، فحوَّلها إلى غيرِهم»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«فإذا منعُوها، نزعَها منهم، فحوّلها إلى غيرِهم»؛ لمنعهم الإعطاء للمستحق {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} الرعد: 11، فالعاقل الحازم مَن يستديم النعمة، ويداوم على الشكر، والإفضال منها على عباده، واكتساب ما يفوز به في الآخرة {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} القصص: 77. فيض القدير (2/ 478)
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«فإذا منعُوها نزعَها منهم» سَلَبَها عنهم «فحوّلها إلى غيرهم» ليقوموا بنفع العباد بها؛ فـ{إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} الرعد: 11. التنوير (4/ 36).
وقال الزرقاني -رحمه الله-:
للطبراني والبيهقي عن ابن عمر رفعه: «إن لله أقوامًا اختصّهم بالنعم؛ لمنافع يقرهم فيها ما بذلوها، فإذا منعوها نزعها منهم، فحولها إلى غيرهم» وللبيهقي عن أبي هريرة رفعه: «ما من عبدٍ أنعم الله عليه نعمة فأسبغها عليه إلا جعل إليه شيئًا من حوائج الناس، فإن تبرَّم بهم فقد عرَّض تلك النعمة للزوال» قال السخاوي: وبعضها يؤكد بعضًا، وعن الفضيل بن عياض: "أما علمتم أن حاجة الناس إليكم نعمةً من الله عليكم؟! فاحذروا أن تملوا النعم فتصير نقمًا" أخرجه البيهقي. شرح المواهب اللدنية (9/ 349).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
لا ينبغي للإنسان المسؤول عن حوائج المسلمين أن يجعل على بيته بوَّابًا يمنع الناس إذا كان الناس يحتاجون إليه، إلا إذا كان الإنسان يخشى من كثرة الناس، وإرهاق الناس، وإشغال الناس عن شيء يمكنهم أن يتداركوا شغلهم في وقت آخر، فهذا لا بأس به. شرح رياض الصالحين (1/ 228).
وقال الغزالي -رحمه الله-:
العبد في حق سائر العباد له ثلاث درجات:
الأولى: أنْ ينزل في حقهم منزلة الكِرام البررة من الملائكة، وهو أن يسعى في أغراضهم؛ رفقًا بهم، وإدخالًا للسرور على قلوبهم.
الثانية: أنْ ينزل في حقهم منزلة البهائم والجمادات؛ فلا ينالهم خيره، ولكن يكفُّ عنهم شره.
الثالثة: أنْ ينزل في حقهم منزلة العقارب والحيات والسِّباع الضاريات، لا يُرجى خيره، ويُتّقى شرُّه.
فإن لم تقدر على أنْ تلتحق بأفقِ الملائكة، فاحذر أن تنزل عن درجة البهائم والجمادات إلى درجة العقارب والحيّات والسباع الضاريات.
فإنْ رضيت لنفسك النزول من أعلى علِّيِّين، فلا ترضَ لها من الهوي إلى أسفل سافلين؛ فلعلك تنجو كَفَافًا لا لك ولا عليك. بداية الهداية (ص: 39 - 40).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
إذا رأينا شخصًا يقضي حوائجَ الناس، ويُساعدُهم، ويتوجَّهُ في شؤونِهم إلى مَن لا يستطيعون الوصولَ إليهم، وينشرُ علمَه بين الناس، ويَبذلُ مالَه بينهم، هل نصفُ هذا بحُسنِ الخُلُق؟ نعم، نصفُه بحُسنِ الخُلُق؛ لأنَّه بَذلَ النَّدى. مكارم الأخلاق (ص: 25).
وقال ابن فرحون القيسي -رحمه الله- بعد أن ذكر هذا الحديث:
وهذه إشارة إلى قوله سبحانه: {وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} التوبة: 75- 77. الزاهر في بيان ما يجتنب من الخبائث الصغائر والكبائر (ص: 113).
ولمزيد من الفائدة يُنظر: