«بينَا نحن نسير مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالعَرْجِ، إذ عَرَضَ شاعرٌ يُنْشِدُ، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: خذوا الشيطان أو أَمْسِكُوا الشيطانَ، لأَنْ يمْتَلِئَ جوفُ رجلٍ قِيْحًا خيرٌ له مِن أنْ يَمْتلِئَ شِعْرًا».
رواه مسلم برقم: (2259)، من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-.
ورواه البخاري برقم: (6155) ومسلم برقم: (2257) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- مختصرًا، وفيه: «لأَن يمْتَلِئَ جوف رَجُل قَيْحًا يَرِيهِ...».
غريب الحديث
«بِالْعَرْجِ»:
بفتح المهملة، وإسكان الراء، وبالجيم، وهي قرية جامعة مِن عمل الفَرْع، على نحو ثمانية وسبعين ميلًا من المدينة. شرح مسلم، للنووي (15/ 15).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وهو غير العَرَج، بفتح الراء الذي من الطائف. فتح الباري (6/ 171).
«جَوفُ»:
الجَوْفُ: المطمئنُّ من الأرض، وجَوْفُ الإنسان: بطنُه. الصحاح، للجوهري (4/ 1339).
«قَيْحًا»:
القَيْحُ: المِدَّةُ لا يخالطها دمٌ. الصحاح، للجوهري (1/ 398).
وقال الفتني -رحمه الله-:
القَيْحُ: صَدِيد يسيل من الجرح. مجمع بحار الأنوار (4/ 349).
شرح الحديث
قوله: «بينَا نحن نسير مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالعَرْجِ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«قال: بينا نحن» أي: معشر الصحابة «نسير مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم– بالعَرْجِ» بفتح فسكون، في القاموس: العَرْجُ بالفتح بلد باليمن، ووادٍ بالحجاز ذو نخيل، وموضع ببلاد هُذيل، ومنزل بطريق مكة. مرقاة المفاتيح (7/ 3023).
وقال محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قال: «بينا» تقدَّم غير مرة أن أصلها "بين" الظرفية، أُشبعت فتحتها، فتولدت منها الألف، وهي مضافة إلى جملة «نحن نسير...» إلخ، وتحتاج إلى جواب، وهو هنا قوله: «إذ عرض...» إلخ. البحر المحيط الثجاج (36/ 646).
قوله: «إذ عَرَضَ شاعرٌ يُنْشِدُ»:
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«إذ عرض» أي: ظهر «شاعر يُنشد» بضم أوله، أي: يقرأ شِعره أو شِعر غيره. مرقاة المفاتيح (7/ 3024).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«إذ عَرَض» بفتحتين، من باب ضرب؛ أي: ظهر «شاعر» لا يُعرف اسمه. البحر المحيط الثجاج (36/ 646).
قوله: «فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: خذوا الشيطان، أو أمسكوا الشيطانَ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«خذوا الشيطان» يعني: الرجل الشاعر. البحر المحيط الثجاج (36/ 646).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «خذوا الشيطان» أي: امنعوه عن إنشاده، ولعله -صلى الله عليه وسلم- لما رآه ينشد الشِّعر معرضًا غير ملتفت إليهم، ومبالٍ بهم مُستهزئ بإنشاده الشعر، عرف أن الغالب عليه هو قَرْضُ الشِّعر، وأنه مسلوب الحياء، ومعزول عن الأدب؛ ولذلك أَطلق عليه اسم الشيطان. الكاشف عن حقائق السنن (10/ 3110).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «أَمْسِكُوا الشيطان» هذا الحديث وشبيهه مما يَحتج به مَن نهى عن الشِّعر، ومَنَعَه جملة، قليله وكثيره، واحتج بهذا وشِبهه، وإليه ذهب الحسن (البصري) ومسروق وعبد الله بن عمرو بن العاص في آخرين، والكافة على خلافه، وأنه كالكلام فحسنه حسن، وقبيحه قبيح، كما روي عن الشافعي، وقد روينا هذا الكلام مرفوعًا للنبي -صلى الله عليه وسلم-، وقد أنشد النبي -عليه السلام- الشِّعر، وتمثَّل به، واستنشده، وقاله أصحابه، وحضَّهم على قوله في هجاء المشركين.
وقد رُوي عن الخلفاء، وأئمة الصحابة، وفضلاء السلف في استشهادهم به، وإنشادهم، وقولهم الجيِّد منه والرقيق والمثقف في ضروب أفانينه ما يغني عن جَلْبِ شاهد عليه لشهرته. إكمال المعلم (7/ 200).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم- للشاعر الذي عَرَضَ له بالعَرْج: «خذوا الشيطان» أو «أَمْسِكوا الشيطان» إنما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا الفعل مع الشاعر لِمَا علم من حاله، فلعل هذا الشاعر كان ممن قد عُرف مِن حاله: أنه قد اتخذ الشِّعر طريقًا للتكسُّب، فيُفْرِطُ في المدح إذا أُعطي، وفي الهجو والذم إذا مُنع، فيؤذي الناس في أموالهم وأعراضهم، ولا خلاف في أن كل من كان على مثل هذه الحالة فكل ما يكتسبه بالشعر حرام، وكل ما يقوله حرام عليه من ذلك، ولا يحل الإصغاء إليه، بل يجب الإنكار عليه، فإن لم يمكن ذلك فمَن خاف من لسانه تعيَّن عليه أن يداريه ما استطاع، ويدافعه بما أمكن، ولا يحل أن يعطي شيئًا ابتداء؛ لأن ذلك عون على المعصية، فإن لم يجد من ذلك بُدًّا أعطاه بنية وقاية العرض، فما وقى به المرء عرضه كُتب له به صدقة. المفهم (5/ 528- 529).
وقال النووي -رحمه الله-:
أما تسمية هذا الرجل الذي سمعه يُنشد شيطانًا فلعله كان كافرًا، أو كان الشِّعر هو الغالب عليه، أو كان شِعره هذا من المذموم، وبالجملة فتسميته شيطانًا إنما هو في قضية عين تتطرق إليها الاحتمالات المذكورة وغيرها ولا عموم لها فلا يحتج بها، والله أعلم المنهاج شرح صحيح مسلم (15/ 14- 15).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «أو أَمْسِكوا الشيطان» شكٌّ من الراوي، لعله كان ينشد من أشعار الجاهلية ما فيه فحش أو هجو أو شرك، أو نحو ذلك مما اشتملت عليه أشعار أهل الجاهلية من الغاوين. لمعات التنقيح (8/ 137).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
هذا الحديث قضية في عين، فيحتمل أنَّ ذاك المُنشد كان يطرب، أو يقول ما لا يجوز، أو يريد أنْ يُقاوم المسلمين أهل القرآن بإنشاده. كشف المشكل (3/ 176).
قوله: «لأن يمْتَلِئَ جوفُ رجلٍ قَيْحًا»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«لأنْ» بفتح الهمزة، واللام جواب قَسَم محذوف، تقديره: واللَّه لأنْ «يمتلئ» بهمزة آخره «جوف أحدكم قيحًا». شرح سنن أبي داود (19/ 178).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «لأن يمتلئ» اللام فيه للتأكيد، و"أنْ" مصدرية، وهو في محل الرفع على الابتداء، وخبره هو قوله: «خيرٌ له»، قوله: «قَيحًا» نصب على التمييز، وهو الصديد الذي يسيل من الدمل والجرح. عمدة القاري (22/ 188).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«لأنْ يمتلئ» بهمز في آخره «جوف رجل قيحًا» نصبه على التمييز، أي: صديدًا ودمًا، وما يسمى نجاسة. مرقاة المفاتيح (7/ 3017).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «لأنْ يمتلئ جوف أحدكم قيحًا»... يقال منه: قَاحَ الجرحُ يَقِيْحُ وتَقِيْحُ وقَيَّحَ، وصديد الجرح: ماؤه المختلط بالدم الرقيق قبل أن تغلظ الْمِدَّة. المفهم (5/ 529).
وقال ابن أبي جمرة -رحمه الله-:
معنى «جوفه» احتمل وجهين:
أحدهما: أنْ يعني به الذي في جوفه، وهو القلب.
واحتمل: أنْ يكون على ظاهره، فيعني به الجوف كُله، وما فيه من القلب وغيره، والأول أظهر، والله أعلم. جمع النهاية في بدء الخير والغاية (4/177).
وقال ابن حجر -رحمه الله- متعقبًا:
قلت: ويقوي الاحتمال الأول (الاحتمال الثاني عند ابن أبي جَمرة) رواية عوف بن مالك: «لأنْ يمتلئ جوفُ أحدكم مِن عانته إلى لهاته» وتظهر مناسبته للثاني؛ لأن مُقَابِلَه -وهو الشعر- محله القلب؛ لأنه ينشأ عن الفكر. فتح الباري (10/ 548- 549).
وقال ابن أبي جمرة -رحمه الله-:
وتمثيله -عليه السلام- بالقَيح من أعظم الحذر عما مُثِّل به؛ وذلك أنَّ أهل صنعة الطب يزعمون أنَّه إذا وصل إلى القلب من الداء شيء إنْ كان يسيرًا فإنَّ صاحبه يموت لا محالة؛ لأنَّه عضو رئيس، لا يَحمل من الآلام شيئًا، وأنَّ غيره مما في الجوف مثل الكبد والرئة إلى غير ذلك أنَّ الآلام إذا كانت في بعضها أنَّ ذلك من الأمور المخوفة، والغالب على صاحبها الهلاك، فكيف إذا امتلأ الجميع بالقيح؟! لا شك في هلاك صاحب ذلك. جمع النهاية في بدء الخير والغاية (4/178).
وقال ابن أبي جمرة -رحمه الله- أيضًا:
أما قولنا: ما معنى يمتلئ شعرًا؟ هل المراد منه الذي يُكثر من حفظ هذا النوع من الشعر، أو المراد به من تعلَّق به خاطره حتى يكون به مشغوفًا؟
فالجواب: أنَّ هذا على وجهين:
إما مشغوفًا بترداده وذكره، والنظر فيه، أو مشغوفًا به وبنظمه وإنشائه واختراعه، ومعارضة مَن تقدَّم من أهل ذلك الشأن، احتمل الوجوه كلها، لكن الأظهر -والله أعلم- أنَّ المراد هو الذي تعلَّق خاطره به التعلَّق الكلي الذي يلهيه عن غيره، سواء كان ممن يخترعه وينشئه، أو ممن ينقله ويحفظه...، فالوجهان سيان. جمع النهاية في بدء الخير والغاية (4/173).
وقال ابن حجر -رحمه الله- مُعلِّقًا:
وأشار ابن أبي جمرة إلى عدم الفرق في امتلاء الجوف من الشِّعر بين من يُنْشِئه أو يتعانى حفظه من شِعر غيره، وهو ظاهر. فتح الباري (10/ 549).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «لأن يمتلئ» من الامتلاء، وهو الذي لا بقية لغيره معه، فدل على أن القليل من الشِّعر لا يدخله الذم، وقد استنبط منه الإمام البخاري أن المكروه أن يكون الغالب على الإنسان الشِّعر حتى يصده عن ذكر الله والعلم والقرآن، فقد عقد بهذا العنوان بابًا في كتاب الأدب. منة المنعم (4/ 10).
قوله: «خيرٌ له من أن يَمْتَلِئَ شِعرًا»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«خير له» أي: أسهل وأيسر عليه «من أن يمتلئ» جوفه «شِعرًا» كثيرًا يمنعه من تلاوة القرآن، وتكرار ذلك، وتعلم العلوم الشرعية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. مرشد ذوي الحجا والحاجة (22/ 183).
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام -رحمه الله-:
سمعتُ يزيد (أي: ابن هارون) يحدث بحديث أنَّ النَّبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «لأن يمتلئ جوف أحدكُم قَيْحًا حتَّى يرِيه، خير له من أن يمتلئ شِعرًا» يعني: من الشعر الذي هُجي به النبي -صلي الله عليه وسلم-.
والذي عندي في هذا الحديث غير هذا القول؛ لأن الذي هُجِيَ به النبي -صلى الله عليه وسلم- لو كان شطر بيت لكان كفرًا؛ فكأنه إذا حمل وجه الحديث على امتلاء القلب منه أنه قد رخص في القليل منه، ولكن وجهه عندي أن يمتلئ قلبه من الشِّعر حتى يغلب عليه، فيشغله عن القرآن وعن ذكر الله، فيكون الغالب عليه من أيِّ الشعر كان، فإذا كان القرآن والعلم الغالبين عليه فليس جوف هذا عندنا ممتلئًا من الشعر. غريب الحديث (1/ 36- 37).
وقال ابن حجر رحمه الله- بعد ذكر كلام أبي عبيد:
قلت: وأخرج أبو عبيد التأويل المذكور من رواية مجالد عن الشعبي مرسلًا، فذكر الحديث، وقال في آخره: يعني: من الشِّعر الذي هُجي به النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقد وقع لنا ذلك موصولًا من وجهين آخرين، فعند أبي يعلى من حديث جابر في الحديث المذكور: «قَيْحًا أو دمًا خير له من أن يمتلئ شعرًا هُجِيتُ به» وفي سنده راوٍ لا يعرف، وأخرجه الطحاوي وابن عدي من رواية ابن الكلبي عن أبي صالح عن أبي هريرة مثل حديث الباب، قال: «فقالت عائشة: لم يحفظ؛ إنما قال: من أن يمتلئ شِعرًا هُجِيْتُ به» وابن الكلبي واهي الحديث، وأبو صالح شيخه ما هو الذي يقال له: السمان المتفق على تخريج حديثه في الصحيح عن أبي هريرة؛ بل هذا آخر ضعيف، يقال له: باذان، فلم تثبت هذه الزيادة، ويؤيد تأويل أبي عبيد ما أخرجه البغوي في معجم الصحابة، والحسن بن سفيان في مسنده، والطبراني في الأوسط من حديث مالك بن عمير السلمي أنه شهد مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الفتح وغيرها وكان شاعرًا، فقال: «يا رسول الله، أَفْتِنِي في الشعر؟ فذكر الحديث وزاد قلت: يا رسول الله، امسح على رأسي، قال: فوضع يده على رأسي، فما قلتُ بيت شِعر بعد» وفي رواية الحسن بن سفيان بعد قوله: «على رأسي، ثم أمرها على كبدي وبطني» وزاد البغوي في روايته: «فإنْ رابك منه شيء فاشْبُب بامرأتك، وامدح راحلتك» فلو كان المراد الامتلاء من الشعر لَمَا أذن له في شيء منه، بل دلت الزيادة الأخيرة على الإذن في المباح منه، وذكر السهيلي في غزوة ودان عن جامع ابن وهب أنه روي فيه أن عائشة -رضي الله عنها- تأولت هذا الحديث على ما هجي به النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-، وأنكرت على مَن حمله على العموم في جميع الشِّعر.
قال السهيلي: فإن قلنا بذلك فليس في الحديث إلا عيب امتلاء الجوف منه، فلا يدخل في النهي رواية اليسير على سبيل الحكاية ولا الاستشهاد به في اللغة، ثم ذكر استشكال أبي عبيد وقال: عائشة أعلم منه، فإن الذي يروي ذلك على سبيل الحكاية لا يكفر، ولا فرق بينه وبين الكلام الذي ذموا به النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهذا هو الجواب عن صنيع ابن إسحاق في إيراده بعض أشعار الكفرة في هجو المسلمين، والله أعلم.
واستدل بتأويل أبي عبيد على أن مفهوم الصفة ثابت باللغة؛ لأنه فهم منه أن غير الكثير من الشِّعر ليس كالكثير، فخص الذم بالكثير الذي دل عليه الامتلاء دون القليل منه، فلا يدخل في الذم، وأما من قال: إن أبا عبيد بنى هذا التأويل على اجتهاده فلا يكون ناقلًا للغة؛ فجوابه: أنه إنما فسر حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- في كتابه على ما تلقفه من لسان العرب، لا على ما يعرض في خاطره؛ لما عُرف من تحرزه في تفسير الحديث النبوي. فتح الباري (10/ 549- 550).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
«خير من أن يمتلئ شِعرًا» فأحسن ما قيل في تأويله -والله أعلم-: أنه الذي قد غلب الشِّعر عليه، وامتلأ صدره منه دون علم سواه، ولا شيء من الذكر غيره ممن يخوض به في الباطل، ويسلك به مسالك لا تحمد له، كالمكثر من الهذر واللغط والغيبة وقبيح القول، ولا يذكر الله كثيرًا، وهذا كله مما اجتمع العلماء على معنى ما قلت منه؛ ولهذا قلنا فيما روي عن ابن سيرين والشعبي ومن قال بقولهما من العلماء: الشعر كلام، فحسنه حسن، وقبيحه قبيح: إنه قول صحيح. التمهيد (14/ 167- 168).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
واختُلف في تأويل هذا الحديث، فقيل: يعني بذلك: الشعر الذي هجي به النبي -صلى الله عليه وسلم- أو غيره، وهذا ليس بشيء؛ لأن القليل من هجو النبي -صلى الله عليه وسلم- وكثيره سواء في أنه كفر ومذموم، وكذلك هجو غير النبي -صلى الله عليه وسلم- من المسلمين محرَّم؛ قليله وكثيره، وحينئذٍ لا يكون لتخصيص الذم بالكثير معنى. المفهم (5/ 530).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قلتُ: الظاهر الإطلاق، وهو (أي: الشعر الذي هُجي به النبي) يدخل فيه دخولًا أوليًا، ولعل وجه تخصيصه بالذكر: تنبيهًا على أنه أقبح أنواعه، أو إشعارًا بأن الشعر مذموم؛ لأنه قد يؤدي إلى ذلك، وإلا فلا يحتاج إلى قيد الامتلاء كما لا يخفى على أرباب الإملاء، فإنَّ هذا الشعر وما يلحق به من هجو مسلم أو افتراء مذموم، سواء امتلأ الجوف أم لا. مرقاة المفاتيح (7/ 3017).
وقال المظهري -رحمه الله-:
والمراد بالشِّعر هنا: شعر به هجو لمسلم، أو كذب، أو غيرهما من المنهيات. المفاتيح (5/ 165).
وقال ابن حجر رحمه الله-:
قوله: «شِعرًا» ظاهره العموم في كل شِعر، لكنه مخصوص بما لم يكن مدحًا حقًّا كمدح الله ورسوله، وما اشتمل على الذكر والزهد وسائر المواعظ مما لا إفراط فيه...
وألحق ابن أبي جمرة بامتلاء الجوف بالشعر المذموم حتى يشغله عما عداه من الواجبات والمستحبات: الامتلاء من السجع مثلًا، ومِن كل عِلْمٍ مذموم كالسِّحر وغير ذلك من العلوم التي تقسِّي القلب، وتشغله عن الله تعالى، وتحدث الشكوك في الاعتقاد، وتفضي به إلى التباغض والتنافس.
تنبيه: مناسبة هذه المبالغة في ذم الشعر أن الذين خوطبوا بذلك كانوا في غاية الإقبال عليه، والاشتغال به، فزجرهم عنه؛ ليقبلوا على القرآن، وعلى ذكر الله تعالى وعبادته، فمن أخذ من ذلك ما أُمر به لم يضره ما بقي عنده مما سوى ذلك، والله أعلم. فتح الباري (10/ 549- 550).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
ومحصل الحديث: أن الإكثار من حفظ الأشعار مذموم، وأما شواهد الأشعار في العربية فلا بأس بالإكثار منها؛ لأنها دلائل العلوم، وقد سلف في الباب قبله أن بعضها كمدح الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، وهجاء المشركين نوع طاعة. الكوثر الجاري (9/ 500).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
والحاصل: أن إنشاد الشعر جائز بلا كراهة إن كان حقًّا، ومكروه كراهة تحريم إن كان باطلًا، ومكروه كراهة تنزيه إذا غلب عليه اشتغال به عن القرآن والذكر. تحفة الباري (2/ 163).
قوله في الرواية المتفق عليها: «قَيْحًا يَرِيهِ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«يَرِيْهِ» بفتح ياء، وكسر راء، وسكون ياء أخرى، صفة قَيح، أي: يفسده؛ مِن الوَرْيِ وهو داء يفسد الجوف، ومعناه: قيحًا يأكل جوفه ويفسده، وقيل: أي: يصل إلى الرئة ويفسدها، ورُدَّ بأن المشهور في الرئة الهمز. مرقاة المفاتيح (7/ 3017).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قيحًا» أي: صديدًا كثيرًا «حتى يَرِيْهِ» أي: حتى يصيب ذلك القيح رئته وجوفه...، وإصابة القيح الرئة مبالغة في كثرته؛ لأن الرئة عضو باطني؛ كالكبد، إذا أصابه المرض هلك صاحبه، لا علاج له...
وقوله: «حتى يَرِيْهِ» كلمة «حتى» ساقطة من رواية مسلم، وثابتة من رواية ابن ماجه...، وتقدير الكلام: لامتلاء جوف الرجل قيحًا إلى إصابة الرئة خير له من امتلائه شعرًا. انتهى من الفهم السقيم.
والرئة: هو عضو باطني يسرع الهلاك إلى صاحبه إذا أصابه الداء؛ لأنه منفاخ النَّفَس. مرشد ذوي الحجا والحاجة (22/ 180).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
حديث سعد فيه: «حتى يَرِيْهِ» وليس ها هنا «حتى» فنرى جماعة من المبتدئين ينصبون «يريَه» ها هنا جريًا على العادة في قراءة الحديث الذي فيه «حتى»، وليس ها هنا ما يُنصب، سمعتُه من عبد الله بن أحمد النحوي. كشف المشكل (3/ 456).
وقال العيني -رحمه الله-:
فعلى ثبوتها (أي: حتى) يقرأ: «يريَه»، بالنصب، وعلى حذفها بالرفع، ويريَه بفتح الياء آخر الحروف، وكسر الراء من الوَريِ، وهو الداء، يقال: وَرَى يَرِي فهو مُورِي إذا أصاب جوفه الداء...، وقال قوم: حتى يصيب رئته. عمدة القاري (22/ 189).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «قيحًا يَرِيْهِ» ويري: إذا ثَقَبَ القَيْحُ باطِنَ الجُرْحِ ووسَّعَهُ. المفاتيح (5/ 165).