الأحد 6 شعبان 1447 | 2026-01-25

A a

خرجْنَا مع رسولِ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-، فقال: «مَن أرادَ منكم أنْ يُهِلَّ بحَجٍّ وعمرةٍ، فَلْيَفْعَلْ، ومَن أرادَ أنْ يُهِلَّ بحَجٍّ فَلْيُهِلَّ، ومَن أرادَ أنْ يُهِلَّ بعمرةٍ، فَلْيُهِلَّ»، قالت عائشةُ -رضي الله عنها-: «فأَهَلَّ رسولُ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- بحَجٍّ، وأَهَلَّ به نَاسٌ معه، وأَهَلَّ نَاسٌ بالعمرةِ والحَجِّ، وأَهَلَّ نَاسٌ بعمرةٍ، وكنتُ فيمنْ أهَلَّ بالعمرةِ».


رواه البخاري برقم: (317) (1562) ومسلم برقم: (1211) واللفظ له، من حديث عائشة -رضي الله عنها-.


غريب الحديث


«يُهِلَّ»:
أهلَّ الرَّجُل واسْتَهَلَّ إذا رفع صوته، وأهلَّ المعتمر إذا رفع صوته بالتلبية. لسان العرب، لابن منظور (11/ 701).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
الإهلال: هو رفع الصوت بالتلبية، يقال: أَهَلَّ المحْرِم بالحج يُهِلُّ إِهْلَالًا إذا لبَّى ورفع صوته، (و) المُهَلُّ بضم الميم: موضع الإهلال، وهو الميقات الذي يُحْرِمُون منه، ويقع على الزمان والمصدر. النهاية (5/ 271).


شرح الحديث


قولها: «خرجْنَا مع رسولِ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم-»:
قال الشيخ محمد الخضر الشنقيطي -رحمه الله-:
قولها: «خرجنا» أي: من المدينة. كوثر المعاني الدراري (6/ 120).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«خرجنا مع رسول الله...» أي: خرجنا من المدينة، قاصدين مكة لأداء النُّسُك. فتح المنعم (5/ 200).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله- أيضًا:
«خرجنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» أي: عام حجة الوداع، تقصد نفسها وأمهات المؤمنين. فتح المنعم (5/ 200).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
أما قول عائشة في حديث أبي الأسود: «خرجنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» ففيه من الفقه: خروج النساء في شهر الحج مع أزواجهن، ولا خلاف في هذا بين العلماء. الاستذكار (11/ 126).

قولها: «فقال: «مَن أرادَ منكم أنْ يُهِلَّ بحَجٍّ وعمرةٍ فَلْيَفْعَلْ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«من أراد منكم أن يُهِلَّ بحج وعمرة» قارنًا بينهما «فليفعل» أي: فليُحْرِم بهما. الكوكب الوهاج (13/ 408).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قوله: «مَن أراد منكم أن يُهِلَّ بحج وعمرة فليفعل...» إلخ، فيه: دليل على جواز الأنواع الثلاثة، وقد أجمع المسلمون على ذلك، وإنما اختلفوا في أفضلها، والأرجح أنَّ القِران أفضل لمن ساق الهدي؛ اقتداءً بالنبي -صلى الله عليه وسلم-. البحر المحيط الثجاج (22/ 522).
وقال الشيخ الألباني -رحمه الله-:
كان هذا التخيير في أول إحرامهم عند الشجرة (أي: عند ذي الحُلَيْفة) كما في رواية لأحمد (6/245)، ولكن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يستمر على هذا التخيير، بل نقلهم إلى ما هو أفضل وهو التمتع، دون أنْ يعزم بذلك عليهم، أو يأمرهم به؛ وذلك في مناسبات شتى في طريقهم إلى مكة، فمِن ذلك حينما وصلوا إلى (سَرِف) وهو موضع قريب من التنعيم وهو من مكة على نحو عشرة أميال، فقالت عائشة في رواية عنها: «... فنزلنا سَرِفَ فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه: من لم يكن معه هدي فأَحَبَّ أن يجعلها عمرة فليفعل، ومن كان معه هدي فلا، قالت: فالآخذ بها والتارك لها من أصحابه ممن لم يكن معه هدي...» الحديث متفق عليه، والزيادة لمسلم.
ومن ذلك: لما وصل -صلى الله عليه وسلم- إلى (ذي طُوى) وهو موضع قريب من مكة، وبات بها، فلما صلى الصبح قال لهم: «مَن شاء أن يجعلها عمرة فليجعلها عمرة» أخرجه الشيخان من حديث ابن عباس، ولكنا رأيناه -صلى الله عليه وسلم- لما دخل مكة وطاف هو وأصحابه طواف القدوم لم يدعهم على الحُكم السابق وهو الأفضلية، بل نقلهم إلى حكم جديد وهو الوجوب؛ فإنه أَمَرَ من كان لم يَسُقِ الهدي منهم أن يفسخ الحج إلى عمرة، ويتحلل، فقالت عائشة -رضي الله عنها-: «خرجنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا نرى إلا أنه الحج، فلما قدمنا مكة تطوفنا بالبيت، فأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- من لم يكن ساق الهدي أن يُحِلَّ قالت: فَحَلَّ من لم يكن ساق الهدي، ونساؤه لم يَسُقْنَ فأَحْلَلْنَ...» الحديث متفق عليه، وعن ابن عباس نحوه بلفظ: «فأمرهم أن يجعلوها عمرة فتعاظم ذلك عندهم فقالوا: يا رسول الله، أيُّ الحِلِّ؟ قال: الحِلُّ كُلُّه» متفق عليه. وفي حديث جابر نحوه وأوضح منه ...
قلتُ: فمَن تأمل في هذه الأحاديث الصحيحة تبين له بيانًا لا يشوبه رَيب أنَّ التخيير الوارد فيها إنما كان منه -صلى الله عليه وسلم- لإعداد النفوس وتهيئتها لتقبُّل حكم جديد قد يصعب ولو على البعض تَقَبُّله بسهولة لأول وهلة، ألا وهو الأمر بفسخ الحج إلى العمرة، لا سيما وقد كانوا في الجاهلية -كما هو ثابت في الصحيحين- يرون أن العمرة لا تجوز في أشهر الحج، وهذا الرأي وإن كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد أبطله باعتباره -صلى الله عليه وسلم- ثلاث مرات في ثلاث سنوات كلها في شهر ذي القعدة، فهذا وحده وإن كان كافيًا في إبطال تلك البدعة الجاهلية، فإنه ولا قرينة هنا بل لا يكفي -والله أعلم- لإعداد النفوس لتقبُّل الحكم الجديد، فلذلك مهَّد له -صلى الله عليه وسلم- بتخييرهم بين الحج والعمرة، مع بيان ما هو الأفضل لهم، ثم أَتْبَعَ ذلك بالأمر الجازم بفسخ الحج إلى العمرة كما تقدم. حجة النبي (ص: 10-12).

قوله: «ومَن أرادَ أنْ يُهِلَّ بحَجٍ فليُهِلَّ»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «فليُهِلَّ» بتشديد اللام في رواية الأكثرين، (و) في رواية الأصيلي: «فليُهْلِلْ» بفك الإدغام، أي: فليُحْرِم بها. عمدة القاري (3/ 291).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
«ومن أراد أن يُهِلَّ بحج» وحده «فليُهِلَّ» فيكون مفرِدًا. منة المنعم (2/ 244).

قوله: «ومَن أرادَ أنْ يُهِلَّ بعمرةٍ فليُهِلَّ»:
قال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
«ومن أراد أن يُهِلَّ بعمرة» مفرَدة مستقلة «فليُهِلَّ» فيكون متمتعًا، يتمتع بمحظورات الإحرام بعد الفراغ والتحلل من العمرة، ويستمر حلالًا حتى يُحْرِم للحج يوم التروية، أي: في اليوم الثامن من ذي الحجة حين يقصد منى. منة المنعم (2/ 244).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
فإنْ قلتَ: هذا القول يدل على أنَّه قال هذا القول في الطريق، وسيأتي أنه قال لهم بعد الطواف؟
قلتُ: تكرر منه القول بذلك، فكان آخره بعد الطواف.
فإنْ قلتَ: «مَن أَحَبَّ» يدل على أنه خيَّرهم، وأمره كان إيجابًا؟
قلتُ: لوَّح لهم أولًا أنه يريد منهم العمرة؛ رفعًا للسُّنة الجاهلية، فلما كرهوا ذلك، ولم يبادروا إلى ما أَمَر به، أمرهم حقًّا، وسلَّاهم، بقوله: «لولا أني سُقْتُ الهدي لأهللتُ بالعمرة»، وبقوله: «لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لما سُقْتُ الهدي». الكوثر الجاري (1/ 471).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
في حديث ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة من الفقه: أنَّ التمتُّع جائز، وأنَّ الإفراد جائز، وأنَّ القران جائز، وهذا لا خلاف فيه بين أَهْل العِلْم. التمهيد (5/ 504).
وقال الشيرازي -رحمه الله-:
ويجوز إفراد الحج عن العمرة والتمتع ‌بالعمرة ‌إلى ‌الحج ‌والقِران بينهما؛ لما روت عائشة -رضي الله عنها- قالت: «خرجنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فمِنَّا مَن أهلَّ بالحج، ومنَّا مَن أهلَّ بالعمرة، ومنَّا مَن أهلَّ بالحج والعمرة». المهذب في فقه الإمام الشافعي (1/ 368).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
الإحرام يقع بالنسك من وجوه ثلاثة: تمتع، وإفراد، وقِران.
فالتمتع أن يُهِلَّ بعمرة مفرَدة من الميقات في أشهر الحج، فإذا فرغ منها أحرم بالحج مِن عامه.
والإفراد أن يُهِلَّ بالحج مفردًا.
والقِران أن يجمع بينهما في الإحرام بهما، أو يحرم بالعمرة، ثم يدخل عليها الحج قبل الطواف، فأيّ ذلك أحرم به جاز؛ قالت عائشة: «خرجنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فمِنَّا مَن أهلَّ بعمرة، ومنَّا مَن أهلَّ بحج وعمرة، ومنَّا مَن أهلَّ بحج». المغني (5/ 82).

قوله: «قالت عائشةُ -رضي الله عنها-: فأَهَلَّ رسولُ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- بحَجٍّ»:
قال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
«فأهلَّ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بحجٍّ» مفرد وحده بغير عُمرة؛ لأنها تَذكر بعد ذلك قِسْمًا آخر من الناس أحرموا بحج وعمرة. منة المنعم (2/ 244).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
قولها: «وأهلَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالحج» احتج به من قال: كان حجه -صلى الله عليه وسلم- مفردًا.
وأُجيب: بأنه لا يلزم من إهلاله بالحج ألا يكون أدخل عليه العمرة. نيل الأوطار (4/ 366).
وقال المازري -رحمه الله-:
قول عائشة: «إنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- أهلَّ بحج» فيه: حُجة لمالك على أنَّ الإِفراد أفضل؛ لأن عائشة تَعلم مِن حَال النبي -صلى الله عليه وسلم- في حلّه وحَرَمِه ما تعرف المرأة مِن زوجها، فكانت روايتها أرجح؛ ولمالك أيضًا حديث جابر -رحمه الله- : وهو قد استقصى فيه ما جرى في حَجَّته -عليه السلام-، وذكر فيه الإِفراد، ومما يُرجح به الإِفراد: أنَّ الخلفاء بعده -صلى الله عليه وسلم- ورضي عنهم- أفردوا، ولو لم يكن -عليه السلام- مفرِدًا لم يواظبوا على ذلك، ويتفقوا على اختيار الإِفراد؛ إذ لا يتركون فعله -عليه السلام-، ويفعلون خلافه؛ ولأنَّ الإِفراد لا جُبران فيه، فكان أفضل مما يُجبر بالدم. المعلم (2/ 81-82).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
هذا الحديث صريح الدلالة في إفراد الحج، وأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- اختاره لنفسه من بين الجائزات الثلاثة، وما اختار لنفسه إلا ما هو الأول عنده، والأحب إليه، وخيَّر الناس في الثلاثة؛ ليبين لهم جوازها وصحتها، وقد سبق فيما تقدم بيان اختيار الشافعي ومن وافقه من الأئمة وخالفه، فلا حاجة إلى إعادته. الشافي (3/ 444).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
قولها: «فأهلَّ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بحجٍ» مفرَد وحده بغير عمرة؛ لأنها تَذكُر بعد ذلك قِسْمًا آخر من الناس أحرموا بحج وعمرة، ثم الصحيح الثابت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه كان قارنًا قد أحرم بالحج والعمرة جميعًا، وهو يعارض هذا الحديث، وقالوا في الجمع بينهما: إنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كان في ابتداء أمره مُحْرِمًا بالحج فقط، ثم أدخل العمرة على الحج حين أمر الصحابة أن يفسخوا حجهم بالعمرة؛ ليكون في فعله -صلى الله عليه وسلم- مواساةً وتأنيسًا لهم، وإنما لم يمكنه -صلى الله عليه وسلم- التحلل معهم بسبب الهدي، فاعتذر إليهم بذلك، وصار بذلك قارنًا في آخر أمره، بعدما كان مفردًا في أول أمره.
وجنح آخرون إلى أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كان قارنًا من ابتداء أمره، وللقارن أنْ يكتفي في تلبيته على الحج، أو على العمرة، أو يلبي بهما معًا، فكان النبي -صلى الله عليه وسلم- ربما اكتفى في تلبيته على الحج، وسمعَته عائشة -رضي الله عنها- فرَوَت أنه أهلَّ بالحج بناءً على ما سمعتْ. منة المنعم (2/ 244-245).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قولها: «بالحج» يُحمل على أنه بالحج من حيث الأفعال، لا من حيث الأحكام؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- كان قارنًا.
وقيل: أحرم بالحج أولًا، ثم أردفه بالعمرة. الشرح الممتع (7/ 76).
وقال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم -رحمه الله-:
«وأَهَلَّ» يعني: رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «بالحج» وأدخل العمرة على الحج، أو لبَّى بهما معًا رواه عنه جماعة من الصحابة، والأكثر أنه حجَّ قارنًا؛ فقد جاء في بضعة وعشرين حديثًا صحيحة أنه حجَّ قارنًا.
ومَن ذَكَرَ أنه متمتع فالمراد مُتعة القِران، وهو لغة القِرآن مِن قَرَنْتُ بين الشيئين فصار قارنًا. الإحكام شرح أصول الأحكام (2/ 367- 368).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
قولها: «فَأَهَلَّ رسول اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بِحَجٍّ» هذا وهمٌ منها -رضي الله عنها-، والصواب: أنه أهل بالحج والعمرة جميعًا؛ لأنه ثبت أنه -صلى الله عليه وسلم- أهلَّ بالعمرة والحج معًا في بضعة عشرة حديثًا.
أو أنه أهلَّ بالحج أولًا، ثُمَّ أدخل العمرة عليها. توفيق الرب المنعم (3/ 438-439).
وقال ابن حزم -رحمه الله-:
صح ‌في ‌سائر ‌الأخبار ‌من ‌رواية ‌البراء، وعائشة، وحفصة أمَّي المؤمنين، وأنس، وغيرهم: أنه -عليه السلام- كان قارنًا. المحلى بالآثار (5/ 171).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
الذي تجتمع به الروايات أنه -صلى الله عليه وسلم- كان قارنًا، بمعنى: أنه أَدْخَل العمرة على الحج بعد أنْ أهلَّ به مفردًا، لا أنه أول ما أهلَّ أحرم بالحج والعمرة معًا. فتح الباري (3/ 427).
وقال ابن حجر -رحمه الله- أيضًا:
روى القِران عنه جماعة من الصحابة لم يُختَلَفْ عليهم فيه... وأيضًا فإنَّ مَن رَوَى عنه القِرانَ لا يَحْتَمل حديثُه التأويلَ إلَّا بتعسُّف. فتح الباري (3/429).
وقال ابن حجر -رحمه الله- أيضًا:
فإنَّ رواية القِران جاءت عن بضعة عشر صحابيًّا بأسانيد جياد؛ بخلاف روايتَي الإفرادِ والتمتع، وهذا يقتضي رفع الشَّك عن ذلك، والمصير إلى أنَّه كان قارنًا. فتح الباري (3/429).
وقال ابن حجر -رحمه الله- أيضًا:
والذي يظهر لي أنَّ مَن أنكر القِران من الصحابة نفى أن يكون أهلَّ بهما جميعًا في أول الحال، ولا ينفي أن يكون أهلَّ بالحج مفردًا، ثم أدخل عليه العمرة، فيجتمع القولان كما تقدم، والله أعلم. فتح الباري (3/ 430).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
الصواب: أنَّه أَحْرَمَ بالحج والعمرة معًا من حين أنشأ الإحرام، ولم يحلَّ حتى حَلَّ منهما جميعًا، فطاف لهما طوافًا واحدًا، وسعى لهما سعيًا واحدًا، وساق الهدي، كما دلت عليه النصوص المستفيضة التي تواترت تواترًا يعلمه أهل الحديث، والله أعلم. زاد المعاد (2/ 118).
وقال النووي -رحمه الله-:
الصواب الذي نعتقده: أنَّه -صلى الله عليه وسلم- أحرم أوَّلًا بالحج مُفرِدًا، ثم أدخل عليه العمرة فصار قارنًا. المجموع (7/ 159).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
أمَّا حجُّ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- فالصحيح أنَّه كان قارنًا، قَرَنَ بين الحج والعمرة، وساق الهدي، ولم يَطُفْ بالبيت وبين الصَّفا والمروة إلَّا طوافًا واحدًا حين قَدِمَ، لكنَّه طاف طواف الإفاضة مع هذين الطَّوافينِ.
وهذا الذي ذكرناه هو الصواب المحَقَّق عند أهل المعرفة بالأحاديثِ الذين جمعوا طُرُقَها، وعرفوا مَقْصِدَها، وقد جمع أبو محمد ابن حزم في حَجَّة الوداع كتابًا جيدًا في هذا الباب. مجموع الفتاوى (26/80).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
اعلمْ أنَّ حَجَّه -صلى الله عليه وسلم- وإن اختلفت الأحاديث في بيان نوعه فقد تواتر أنَّه حج قِرَانًا وبلغت الأحاديث في ذلك زيادة على عشرين حديثًا من طريق سبعة عشر صحابيًّا. السيل الجرار (ص: 346).
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله-:
لا شكَّ عند من جَمَعَ بين العلم والإنصاف أنَّ أحاديث القِران أرجَح من جهاتٍ متعدِّدة، منها: كثرة من رواها من الصَّحابة...
ومنها: أن من رُوِيَ عنهم الإفراد، رُوِيَ عنهم القِران أيضًا، ويكفي في أرجحيَّة أحاديث القِران أنَّ الذين قالوا بأفضليَّة الإفراد معترفون بأنَّ مَن رَوَوُا القِران صادقون في ذلك، وأنَّه -صلى الله عليه وسلم- كان قارنًا باتِّفاق الطائفتين، إلَّا أنَّ بعضهم يقولون: إنَّه لم يكن قارنًا في أوَّل الأمر، وإنما صار قارنًا في آخره، وقد ذكر ابن القَيِّم -رحمه الله- في زاد المعاد أنَّ أحاديث القِران أرجحُ من خمسة عشر وجْهًا، فلْيَنْظُره من أراد الوقوف عليها. أضواء البيان (4/372).

قولها: «وأهلَّ به ناسٌ معَهُ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«وأهلَّ به» أي: بالحج «ناس معه» -صلى الله عليه وسلم-، وهو المسمى بالإفراد. الكوكب الوهاج (13/ 408).
وقال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم -رحمه الله-:
«وأَهَلَّ به ناس معه» أي: مع النبي -صلى الله عليه وسلم- بالحج مفردين. الإحكام شرح أصول الأحكام (2/ 368).

قولها: «وأَهَلَّ نَاسٌ بالعمرةِ والحَجِّ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«وأهلَّ ناس» آخرون «بالعمرة والحج» جميعًا، وهو المسمى بالقران. الكوكب الوهاج (13/ 408).
وقال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم -رحمه الله-:
«وأَهَلَّ ناس بالعمرة والحج» معًا مُتَمَتِّعِين بالعمرة إلى الحج، أو قارنين. الإحكام شرح أصول الأحكام (2/ 368).

قولها: «وأَهَلَّ نَاسٌ بعمرةٍ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«وأهلَّ ناسٌ» غيرهم «بعمرةٍ» فقط، وهو المسمى بالتمتع. الكوكب الوهاج (13/ 409).
وقال الشيخ عبد القادر شيبة الحمد -رحمه الله-:
«أهل بعمرة» أي: لبَّى بالعمرة وحدها، فقال: لبيك عمرة، وأراد أنْ يكون متمتعًا. فقه الإسلام شرح بلوغ المرام (4/ 37).

قولها: «وكنتُ فيمنْ أهَلَّ بالعمرةِ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قالت عائشة: «وكنتُ» أنا «فيمن أهلَّ بالعمرة» ولم يَسُق الهدي. الكوكب الوهاج (13/ 409).
وقال المازري -رحمه الله-:
ذَكَرَتْ أنها أهلَّت بعمرة، وقالت في غير هذا: «خرجنا لا نَرَى إلا الحج»، فيحتمل: أن يكون قولها: «لا نَرى» أن ذلك كان اعتقادها مِن قبل أنْ تُهِلَّ، ثم أهَلَّت بالعمرة.
ويحتمل: أنْ تريد بقولها: «لا نَرى» حكاية عن فعل جُلِّ الصحابة، ولم تَرِدْ نفسها. المعلم (2/ 78-79).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
اختلفت الآثار عن عائشة فيما فعلته اختلافًا كثيرًا، فذكر منها مسلم ما تقدم (يعني: في كلام المازري)، وذكر أيضًا عنها في حديث القاسم: «لبَّيْنَا بالحج»، وعنها في حديثه أيضًا: «خرجنا مُهِلِّيْنَ بالحج» وفيه حين أمر الناس بالعمرة قولها: «سمعتُ كلامك فمنعتُ العمرة» وقوله لها: «عسى الله أن يَرْزُقَكِيْهَا» وفي حديث آخر عنها: «لا يُذْكَر إلا الحج» وكل هذا يصرح أنها أهلَّت بالحج، وذكر عنها من رواية الأسود: «نُلَبِّي لا نذكر حجًّا ولا عمرة».
فاختلف تأويل العلماء في الكلام على هذا، فقال مالك: ليس العمل على حديث عروة عن عائشة عندنا قديمًا ولا حديثًا، وذهب بعضهم إلى ترجيح الحديث بأنها كانت مُهِلَّةً بالحج، بدليل أنها رواية عَمْرَة والأسود والقاسم، وغلَّطُوا رواية عَمْرَة في العمرة، وإلى هذا ذهب إسماعيل القاضي.
ورجَّحوا أيضًا رواية غيره، بأن عروة قال في حديث حماد بن زيد عن هشام عنه: حدثني غير واحد «أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لها: دعي عُمْرَتَك» فقد أبان أنه لم يسمع الحديث منها، ولا بيان في هذا، فقد يحتمل أنها ممن حدثه ذلك.
قالوا: ولأنَّ رواية عَمْرَة والقاسم نسقت عمل عائشة في الحج من أوله إلى آخره؛ ولهذا قال القاسم في رواية عَمْرَة: «أنبأتك بالحديث على وجهه»، وقالوا في رواية عروة: إنما أخبر عن مآل حالها، وأنَّ الجمع بين ذلك ممكن، وكان إهلالها بالحج كما نص عليه أولئك أولًا، وكما أنه الأثبت، والصحيح عن النبي -عليه السلام- وأصحابه، ثم أهلَّت بالعمرة حين أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه بفسخ الحج في العمرة، وهذا فسره القاسم في حديثه، فأخبر عروة عنها باعتمارها الآخر، الذي جرى فيه الحكم في حيضها قبل تحلُّلِها منه، ولم يذكر أول أمرها.
وقد يعارَض هذا بما جاء مما أَخْبَرَت به عن فعل الناس واختلافهم في الإحرام مما سنذكره، وأنها هي إنما أهلَّت به بعمرة، فقد يتأول هذا على ثاني فعلها، أو استقرار أمر الناس على مفرد أو قارن ممن معه من الهدي، وتمتع بالعمرة إلى الحج كما سنذكره، ولم يكن معها هي هدي فلم تُقْرِن، وأهلَّت حين الفسخ بعمرة، بخلاف من كان معه هدي ممن أردف العمرة على حجه. إكمال المعلم (4/ 230-232).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- معلقًا:
هذا الذي قاله القاضي عياض -رحمه الله- تحقيق نفيس جدًّا، وحاصله: أنَّ رواية عروة أنها أهلَّت بالعمرة صحيحة؛ لأنها محمولة على آخر أمرها، بعد أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بفسخ الحج إلى العمرة، وأما أول أمرها، فإنها ممن أحرم بالحج، فلا تعارض بين الروايات، فتأمل، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (22/ 449).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
هذا (يعني: قولها: «كنتُ فيمن أهلَّ بعمرة») يعارضه قولها في الرواية الأخرى: «خرجنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مُهِلِّين بالحج» وفي أخرى: «لا نُرَى إلا الحج».
فاختلف العلماء في تأويل هذه الألفاظ المختلفة المضطربة؛ فمنهم من رجح الروايات التي فيها: أنها أهلت بالحج، وغلَّط مَن روى: أنها أهلت بعمرة، وإليه ذهب إسماعيل -أظنه ابن علية- (بل هو إسماعيل القاضي) ومنهم: من ذهب مذهب الجمع بين هذه الروايات، وهو الأولى؛ إذ الرواة لتلك الألفاظ المختلفة أئمة ثقات مشاهير، ولا سبيل إلى إطلاق لفظ الغلط على بعضهم بالوهم، فالجمع أولى من الترجيح إذا أمكن.
فمما ذُكر في ذلك: أنها كانت أَحرمت بالحج ولم تَسُقِ الهدي، فلما أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- من لم يسقِ الهدي بفسخ الحج في العمرة، فسخت فيمن فسخ، وجعلته عمرة، وأهلَّت بها، وهي التي حاضت فيها، ثم إنها لم تحل منها حتى حاضت، فأمرها النبي -صلى الله عليه وسلم- أن تحرم بالحج، وتكون حينئذٍ مُفْردة، فأحرمت بالحج، ووقفت بعرفة وهي حائض، ثم إنها طهرت يوم النحر فأفاضت، فلما كملت مناسك حجِّها اعتمرت عمرة أخرى مع أخيها من التنعيم، قال: فعن تلك العمرة التي دخلت فيها بعد الفسخ عبَّر بعض الرواة: بأنها أحرمت بعمرة، وعلى ذلك يحمل.
قولها: «أَهْلَلْتُ بعمرة» تعني: بعد فسخها الحج، فلما كان منها الأمران صدق كل قول من أقوالها، وكل راوٍ روى شيئًا من تلك الألفاظ.
قلتُ: ويعتضد هذا التأويل بقولها في بعض رواياته: «فأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مَن لم يكن ساق الهدي أن يُحِلَّ، قالت: فَحَلَّ من لم يَسُقِ الهدي» ونساؤه لم يسُقن الهدي، فأحْلَلْنَ، وهذا فيما يبدو تأويل حسن، غير أنه يُبعده مساق قولها أيضًا في رواية أخرى قالت: «خرجنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: مَن أراد أن يُهِلَّ بحج وعمرة فليُهِلَّ، ومَن أراد أن يُهِلَّ بحج فليفعل، ومَن أراد أن يُهِلَّ بعمرة فليفعل، قالت: فأهلَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بحج، وكنتُ فيمن أهلَّ بعمرة» وظاهره: الإخبار عن مبدأ الإحرام للكُلِّ، وعلى هذا فيمكن التأويل على وجه آخر؛ وهو أن يبقى هذا الحديث على ظاهره، ويتأول قولها: «لبَّيْنَا بالحج» على أن ذلك كان إحرام أكثر الناس؛ لأنه لما أحرم النبي -صلى الله عليه وسلم- بالحج اقتدى به أكثر الناس في ذلك، وأما هي فإنما أحرمت كما نصَّت عليه، وناهيك من قولها: «ولم أهلَّ إلا بعمرة».
وقولها: «خرجنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولا نرى إلا أنه الحج» يمكن أن يقال: كان ذلك منها ومنهم قبل أن يخبرهم النبي -صلى الله عليه وسلم- في أنواع الإحرام، ويبينها لهم. المفهم (3/ 298-299).
وقال المازري -رحمه الله-:
وقدِ اعترضَ بعضُ المُلحِدةِ على هذا الاختلاف، وقالوا: هي فِعلةٌ واحدة، فكيفَ اختلَفوا فيها هذا الاختلافَ المتضادَّ؟
وهذا يُؤدِّي إلى الخُلْفِ في خبرِهم، وقِلَّةِ الثِّقةِ بنقلِهم.
وعن هذا الذي قالوه ثلاثةُ أجوبةٍ:
أحدُها: أنَّ الكذِبَ إنما يَدخُلُ فيما طريقُه النقلُ، ولم يقولوا: إنه -صلى الله عليه وسلم- قالَ لهم: «إني فعلتُ كذا»، بل إنما استدلُّوا على معتقدِه بما ظهرَ من أفعالِه -عليه الصلاةُ والسلام-، وهو موضعُ تأويلٍ، والتأويلُ يقعُ فيه الغلطُ، فإنما وقعَ لهم فيما طريقُه الاستدلالُ لا النقلُ.
والجوابُ الثاني: أنَّه يصِحُّ أن يكون -صلى الله عليه وسلم- لمَّا أمرَ بعضَ أصحابِه بالإفراد، وبعضَهم بالقِرانِ، وبعضهم بالتمتُّعِ، أضاف النَّقلةُ إليه -صلى الله عليه وسلم- ذلك فعلًا، وإن كان إنما وقعَ ذلك منه -عليه الصلاة والسلام- قولًا، فقالوا: فعلَ -صلى الله عليه وسلم- كذا، كما يُقال: «رجمَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- ماعزًا»، و«قتلَ السلطانُ اللِّصَّ»، أي: أمرَ -صلى الله عليه وسلم- برجمه، وأمرَ السلطانُ بقتلِه.
والجوابُ الثالث: أنَّه يصحُّ أن يكونَ -عليه الصلاة والسلام- قارنًا، وفرَّق بين زمانِ إحرامِه بالعمرةِ وإحرامِه بالحجِّ، فسمِعت طائفةٌ قولَه أوَّلًا: «لبيك بعمرة»، فقالوا: كانَ معتمرًا، وسمِعت طائفةٌ قولَه آخرًا: «لبيك بحجٍّ»، فقالوا: كان مفردًا، وسمِعت طائفةٌ القولين جميعًا، فقالوا: كان قارنًا.
وهذا التأويلُ يكونُ فيه حجَّةٌ لأبي حنيفةَ في قولِه: إنَّ القِرانَ أفضلُ إذا كان هو الذي فعله -عليه الصلاةُ والسلام-. المعلم بفوائد مسلم (2/ 79-80).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- معلقًا:
وهو بحث نفيس، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (22/ 451).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- أيضًا:
وقع في كلام القرطبي: وأظنه ابن علية، وهو ظن غير صحيح، بل هو إسماعيل القاضي، كما صرح به القاضي عياض في كلامه. البحر المحيط الثجاج (22/ 450).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
إنه -صلى الله عليه وسلم- خيرهم عند الإحرام بين الأنساك الثلاثة، ثم ندبهم عند دنوهم (أي: قربهم) من مكة إلى فسخ الحج والقِران إلى العمرة لمن لم يكن معه هدي، ثم حتَّم ذلك عليهم عند المروة. زاد المعاد (2/ 150).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
لم تختلف الأمَّة في أن الإفراد والقِران والتمتع بالعمرة إلى الحج كلها جائزة، غير أن طوائف العلماء اختلفوا في الأفضل منها، فقال مالك والشافعي: الإفراد أفضل، وقال أصحاب الرأي والثوري: القران أفضل، وقال أحمد بن حنبل: التمتع بالعمرة إلى الحج هو الأفضل، وكل من هذه الطوائف ذهب إلى حديث. معالم السنن (2/160).
وقال النووي -رحمه الله-:
اختلف العلماء في هذه الأنواع الثلاثة أيها أفضل:
فقال الشافعي ومالك وكثيرون: أفضلها الإفراد، ثم التمتع، ثم القران.
وقال أحمد وآخرون: أفضلها التمتع.
وقال أبو حنيفة وآخرون: أفضلها القران، وهذان المذهبان قولان آخران للشافعي، والصحيح: تفضيل الإفراد، ثم التمتع، ثم القران. شرح صحيح مسلم (8/ 134).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
من أراد النسك فهو مخيَّر بين التمتع والإفراد والقران، فإذا أراد أن يجمع بين النُّسكين في سفرة واحدة يمرُّ فيها على الميقات في أشهر الحج فالأفضل التمتع، ثم الإفراد، ثم القِران لمن لم يَسُقِ الهدي. شرح عمدة الفقه (4/ 282).
وقال ابن تيمية -رحمه الله- أيضًا:
قال أبو عبد الله (أحمد بن حنبل) -رحمه الله- في رواية المرُّوذي ما تقدم، حيث خيَّره بين الثلاثة، واختار له المتعة...، وأما إذا ساق الهدي ففيه روايتان:
إحداهما: القِران أفضل، قال في رواية المرُّوذي: إنْ ساق الهدي فالقران أفضل، وإن لم يَسُقْ فالتمتع، نقلها أبو حفص.
والثانية: التمتع أفضل بكل حال، وقد صرَّح بذلك في رواية حرب، قال: سمعتُ أبا عبد الله (أحمد بن حنبل) يقول: أنا أختار في الحج التمتع...؛ وذلك لِما اعتمده أحمد، وبنى مذهبه عليه، وهو أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- لما أحرم هو وأصحابه من ذي الحُلَيْفة قال: «مَن شاء أن يُهِلَّ بحج، ومَن شاء أن يُهِلَّ بعمرة، ومَن شاء أن يُهِلَّ بعمرة وحج» فلما قدِموا مكة أمرهم كلهم أن يحلُّوا من إحرامهم إذا طافوا بالبيت وبالصفا والمروة، ويجعلوها عمرة، ويتمتعوا بالعمرة إلى الحج إلا من ساق الهدي، فإنَّ سَوق الهدي يمنعه من التحلل، وكان دخولهم مكة يوم الأحد رابعَ ذي الحجة، فلما كان يوم التروية أمرهم أن يُهِلُّوا بالحج، فحج المسلمون كلهم مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأمره متمتعين حجة الوداع التي هي أكمل بها الدِّين، وأتمَّ بها النعمة، وقد كرهوا ذلك، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يأمرهم بالمتعة، ويغضب على من لم يفعلها، ويقول: «لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لما سقتُ الهدي، ولولا الهدي لأحللتُ»؛ لعلمه بفضل الإحلال.
فثبت بذلك أن المتعة أفضل من حجة مفرَدة، ومن القِران بين العمرة والحج، من وجوه:
أحدها: أنها آخر الأمرين من النبي -صلى الله عليه وسلم-، فإنه أمرهم بها عينًا بعد أن خيَّرهم عند الميقات بينها وبين غيرها، فعُلِم أنه لم يكن يعلم أولًا فضل المتعة حتى أمره الله بها، وحضَّه عليها، فأمر أصحابه بها وحضَّهم عليها، ولو كان -صلى الله عليه وسلم- يعلم أولًا مِن فضل المتعة ما عَلِمَهُ بعد قدومه مكة لكان قد أمرهم بالإهلال بها من الميقات، ولم يُخيِّرهم بينها وبين غيرها؛ ليستريح من كراهتهم لفسخ الحج ومشقته عليهم، فإنه ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا؛ ولهذا قال: «لو استقبلتُ مِن أمري ما استدبرتُ لما سُقتُ الهدي، ولجعلتها عمرة».
الثاني: أنَّ المسلمين حجوا معه متمتعين جميعهم إلا من ساق الهدي وكانوا قليلًا؛ وذلك بأمره، وأَمْرُه -صلى الله عليه وسلم- أبلغُ في الإيجاب والاستحباب من فعله، لو كان الفعل معارضًا له {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} الأحزاب: 36، ولا ينبغي لمؤمنٍ أن يختار لنفسه غير ما اختاره الله ورسوله.
الثالث: أنَّ هذه الحجة -حجة الوداع- لم يحج النبي -صلى الله عليه وسلم- بالمسلمين قبلها ولا بعدها، وفيها أكمل الله الدِّين، وأتمَّ النعمة، وأُحْيِيتْ مشاعرُ إبراهيم -عليه السلام-، وأُمِيتَ أمرُ الجاهلية، فلم يكن الله تعالى ليختار لرسوله وللمؤمنين من السُّبل إلا أقومَها، ومن الأعمال إلا أفضلها، وقد اختار لهم المتعة.
وهذه الجملة التي ذكرناها من حجة النبي -صلى الله عليه وسلم- وأمْرِه المسلمين بالمتعة مما أجمع عليه علماء الأثر، واستفاض بين أهل العلم، واشتهر حتى لعله قد تواتر عندهم. شرح عمدة الفقه (4/282- 287).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
قالت طائفة من العلماء: لا يجوز أن يقال في واحد من هذه الوجوه وهي الإفراد والتمتع والقران: إنه أفضل من غيره؛ لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد أباحها كلها، وأَذِنَ فيها ورضيها، ولم يخبر بأن واحدًا منها أفضل من غيره، ولا أمكن منها العمل بها كلها في حجته التي لم يحج غيرها، وبهذا نقول، وبالله التوفيق. الاستذكار (4/ 63).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
لا يترتب على هذا الخلاف حكم شرعي مهم، فالوجوه كلها جائزة شرعًا بإجماع المسلمين. فتح المنعم (5/ 200).
وقال النووي -رحمه الله-:
فيه: دليل لجواز الأنواع الثلاثة، وقد أجمع المسلمون على ذلك، وإنما اختلفوا في أفضلها. شرح صحيح مسلم (8/ 143).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
فيه: الإذن منه -صلى الله عليه وسلم- بالحج إفرادًا وقرانًا وتمتعًا، والإفراد: هو الإهلال بالحج وحده، والاعتمار بعد الفراغ من أعمال الحج لمن شاء، ولا خلاف في جوازه.
والقران: هو الإهلال بالحج والعمرة معًا، وهو أيضًا متفق على جوازه أو الإهلال بالعمرة، ثم يُدخل عليها الحج، أو عكسه وهذا مختلف فيه.
والتمتع: هو الاعتمار في أشهر الحج، ثم التحلل من تلك العمرة، والإهلال بالحج في تلك السَّنة، ويُطلق التمتع في عُرْف السَّلف على القران. نيل الأوطار (4/ 365).
وقال النووي -رحمه الله-:
وفي هذه الأحاديث: جواز حج الرَّجل بامرأته، وهو مشروع بالإجماع، وأجمعوا على أن الحج يجب على المرأة إذا استطاعته، واختلف السلف هل المحْرَم لها من شروط الاستطاعة، وأجمعوا على أن لزوجها أن يمنعها من حج التطوع، وأما حج الفرض فقال جمهور العلماء: ليس له منعها منه، وللشافعي فيه قولان:
أحدهما: لا يمنعها منه كما قال الجمهور، وأصحهما له منعها؛ لأن حقه على الفور، والحج على التراخي، قال أصحابنا: ويستحب له أن يحج بزوجته؛ للأحاديث الصحيحة فيه. المنهاج شرح صحيح مسلم (8/ 148).

وللمزيد من الفائدة ينظر:

تلبيـة النبي صلى الله عليه وسلم بالحج والعمرة معًا.

إهلال النبي صلى الله عليه وسلم بالحج والعمرة من ذي الحُليفة.


إبلاغ عن خطأ