«إنَّما مَثَلُ العَبدِ المُؤمنِ حِينَ يُصيبُهُ الوَعَكُ أو الحُمَّى كمَثَلِ حَديدَةٍ تدخُلُ النّارَ، فيذهبُ خَبثُها، ويَبقَى طِيبُها».
رواه الحاكم في المستدرك برقم: (1288)، والبيهقي في السنن الكبرى برقم: (6618)، وفي الآداب برقم: (738) والبزار في مسنده برقم: (3456)، والروياني برقم: (1539) وابن أبي الدنيا في المرض والكفارات برقم: (24) من حديث عبد الرحمن بن أزهر -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (2370)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (1714).
غريب الحديث
«الوَعَكُ»:
أذى الحمُّى ووجعُها في البدنِ، ووعَكَتْهُ وَعْكًا: دكَّتْهُ، والوَعَكُ الألمُ يجدهُ الإنسانُ؛ من شدة التعب. المحكم، لابن سيده (2/ 279).
قال الأزهري -رحمه الله-:
قال الليث: الوَعَكُ: مَغثُ المرضِ، تقول: وعَكَته الحُمَّى إذا دكَّته، ورجلٌ موعوكٌ، أي: محمومٌ. تهذيب اللغة (3/ 29).
شرح الحديث
قوله: «إنَّما مَثَلُ العَبدِ المُؤمنِ حِينَ يُصيبُهُ الوَعَكُ أو الحُمَّى»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«إنَّما مثلُ المؤمنِ حينَ يصيبُهُ الوَعَكُ» بالتحريك: مَغْثُ الحمى، كما في الصحاح وغيره، أي: شِدّتها «أو الحمّى» التي هي حرارة غريبة بين الجلد واللحم، فكأنه يقول: حين تصيبُه الحُمَّى شديدة، أو كانت خفيفة، فكما أن الشديدة مكفِّرة، فالخفيفة مكفِّرة أيضًا؛ كرمًا منه -تعالى- وفضلًا. فيض القدير (3/ 3).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«إنما مثلُ المؤمنِ» أي: صفته ونظيره؛ ولِضَرْبِ الأمثال موقع في القلوب، ويصوِّر الأمور المعقولة بالمحسوسة وغيرها، «حين يصيبُه الوَعَك» بفتح الواو والعين...، الحمّى، وقيل: ألمُها، وفي القاموس: شدة الحر، فعَطْف «أو الحمى» تفسيريّ، وهي حرارةٌ غريبة بين الجلد واللحم، وإنْ أريد به شدة الحمّى، فعَطْفها عليه من العام بعد الخاص؛ لإفادة أن حكم خفيف الحمّى في الأجر كَحُكْمِ شديدها. التنوير (4/ 197).
قوله: «كمَثَلِ حَديدَةٍ تدخُلُ النّارَ فيذهبُ خَبثُها، ويَبقَى طِيبُها»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«كمَثَلِ حَديدَةٍ تدخُلُ النّارَ فيذهبُ خَبثُها» بمعجمة فموحدة مفتوحتين ما تُبرزه النار من الوسخ والقذرِ، «ويبقى طِيبها» بكسر الطاء، وسكون التحتية، فكذا الوعكُ أو الحمى يذهب بالخطايا والذنوب.
وضرب المثل بذلك زيادة في التوضيح والتقرير؛ لأنه أوقع في القلب، ويريك المتخيَّل متحققًا، والمعقولَ محسوسًا؛ ولذلك أكثر الله -تعالى- في كتبه الأمثال، ولا يُضرب المثل إلا لما فيه غرابة. فيض القدير (3/ 3).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
«كمثلِ حديدةٍ تدخلُ النار» يحتمل بناؤه للفاعل، أو المفعول، «فيذهبُ خبثها» بفتح الموحدة. السراج المنير (2/ 165).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«كمثلِ حديدةٍ تدخلُ النارَ فتذهبُ» بحر النار «خبثها» أي: وسخها وقذرها، «ويبقى طِيبُها» بكسر الطاء وسكون المثناة التحتية، أي: فالحمّى تُذهبُ خبث المؤمن وأوساخه، وهي ذنوبه. التنوير (4/ 197).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
الحمى تُكفِّر ذنوب المؤمن، وتنقِّيه منها، كما ينقِّي الكير خبث الحديد. لطائف المعارف (ص: 325).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
قال مجاهد: الحمى حظ كل مؤمن من النار، ثم قرأ {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا} مريم: 71، وهذا لم يرد به مجاهد تفسير الورود الذي في القرآن؛ فإنَّ السياق يأبى حمله على الحمى قطعًا، وإنَّما مراده: أنَّ الله سبحانه وعد عباده كلهم بورود النار، فالحمى للمؤمن تكفِّر خطاياه، فيسهل عليه الورود يوم القيامة، فينجو منها سريعًا، والله أعلم. عدة الصابرين (ص: 89).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
الأجور على الأمراض، والمصائب لا تحصلُ إلا لمن صبرَ واحتسب. المفهم (6/ 549).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
المؤمن إذا ابتُلي بالبلاء الجسميّ أو النفسيّ، يقول: هذه نعمة من الله، يكفّر الله بها عني سيئاتي، فإذا أحسّ هذا الإحساس صار هذا الألم نعمة؛ لأن الإنسان خطّاء دائمًا؛ وهذه الأشياء لا شك أنها -والحمد لله- تكفير للسيئات، فإن صبر واحتسب صارت رفعة للدرجات، فالآلام والبلايا والهم والغم تكفير بكل حال؛ ولكن مع الصبر والاحتساب يكون عملًا صالحًا يثاب عليه، ويؤجر عليه. تفسير الفاتحة والبقرة (1/ 24).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
الأمراضُ مكفراتٌ للذنوب؛ وذلك مع الصبر والاحتساب، وأما إذا لم يكن هناك صبرٌ ولا احتسابٌ، بل ربما وُجد التسخط والتلوّم وغير ذلك فإن هذا فيه زيادة الضرر والبلاء والشر على الإنسان، والعياذ بالله. شرح سنن أبي داود (361/ 11).
وقال المناوي -رحمه الله-:
قال الزين العراقي: إنما جُعلت (الحمى) حظه (أي: المؤمن) من النار؛ لما فيها من الحر والبرد المغيِّر للجسم، وهذه صفة جهنم، فهي تكفِّر الذنوب، فتمنعه دخول النار.
قال المصنف (السيوطي): هي (أي: الحمى) طهور من الذنوب، وتذكرة للمؤمن بنار جهنم؛ كي يتوب، (و) لها منافع بدنية، ومآثر سَنِيَّة؛ فإنها تنقي البدن، وتنقي عنه العفن، رُبَّ سُقم أزلي، ومرض عولج منه زمانًا، وهو ممتلئ فلما طرأت عليه أبرأته، فإذا هو منجلي، وربما صحت الأجساد بالعِلل، وذكروا أنها تفتح كثيرًا من السدد، وتنضح من الأخلاط والمواد ما فَسَد، وتنفع من الفَالِجِ واللَّوْقَة (أي: في الوجه) والتشنج الامتلائي والرمد. فيض القدير (3/ 420).
وللمزيد من الفائدة يُنظر: