عَثَرَ أسامةُ بعَتبةِ البابِ، فشُجَّ في وجْهِهِ، فقالَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «أَميطي عنه الأَذى»، فتَقَذَّرْتُهُ، فجَعَلَ يمُصُّ عنهُ الدمَ، ويمُجُّهُ عن وجْهِهِ، ثم قالَ: «لو كانَ أسامةُ جاريةً لحَلَّيْتُهُ وكسوتُهُ حتى أُنَفِّقَهُ».
رواه أحمد برقم: (25861)، وابن ماجه برقم: (1976) واللفظ له، وابن حبان برقم: (7056)، وأبو يعلى في مسنده برقم: (4597) والبيهقي في شُعب الإيمان برقم: (10505) وابن أبي شيبة برقم: (32306)، من حديث عائشة -رضي الله عنها-.
صحيح الجامع برقم: (5279)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (1019).
غريب الحديث
«فشُجَّ»:
الشَّجُّ في الرأس خاصة في الأصل، وهو أن يضربه بشيء فيجرحه فيه ويشقَّه، ثم استُعمل في غيره من الأعضاء، يقال: شجّه يشجّه شجًّا. النهاية، لابن الأثير (2/ 445).
«ويمُجُّهُ»:
مَجَّ الشرابَ والشيءَ مِن فِيهِ يَمُجُّه مَجًّا ومَجَّ بِهِ: رَماه. لسان العرب، لابن منظور (2/ 361).
«أُنَفِّقَهُ»:
مِن نَفَّقَ بالتشديد: إذا زوَّجَ، وأنفق لغة فيه، حتى تميل إليها قلوب الرجال. كفاية الحاجة، للسندي (1/ 609).
شرح الحديث
قولها: «عَثَرَ أسامةُ بعَتبةِ البابِ، فشُجَّ في وجْهِهِ»:
قال السندي -رحمه الله-:
قوله: «عثر» من العَثْرَةِ، وهي الزَّلَّة، أي: زَلَّت قدمه فسقط، ووقع على عتب الباب «فشُجّ» على بناء المفعول، وشجة الرأس والوجه معروفة. كفاية الحاجة (1/ 609).
وقال محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«عثر أسامة» أي: ابن زيد؛ مِن العَثْرَةِ؛ وهي الزلَّة؛ أي: زلَّت وصدمت قدمه «بعتبة الباب» أي: باب عائشة، وسقط على الأرض «فشُجّ» أي: جُرح «في وجهه» وجرى منه الدم. مرشد ذوي الحجا والحاجة (11/ 385- 386).
قولها: «فقالَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: أميطي عنه الأذى، فتَقَذَّرْتُهُ»:
قال السندي -رحمه الله-:
«أميطي» أَزِيْلِي «الأذى» الدم «فتَقَذَّرتُه» كرهتُه. كفاية الحاجة (1/ 609).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قالت عائشة: «فقال» لي «رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أميطي» وامسحي وأزيلي «عنه الأذى» أي: الوسخ؛ أي: الدم، قالت عائشة: «فتَقَذَّرتُه» أي: حسبتُ ذلك الأذى والدم قَذَرًا، وكرهتُ إزالته عنه. مرشد ذوي الحجا والحاجة (11/ 386).
قولها: «فجَعَلَ يمُصُّ عنهُ الدمَ، ويمُجُّهُ عن وجْهِهِ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فجعل» رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «يمصّ عنه» أي: عن أسامة «الدم» بفمه الشريف «ويمجّه» أي: يمجّ ويبصق ذلك الدم على الأرض، وقوله: «عن وجهه» أي: عن وجه أسامة متعلق بـ«يمصّ» ففي الكلام تقديم وتأخير، والأصل: فجعل يمصّ عن وجهه الدم، ويمجّه على الأرض. مرشد ذوي الحجا والحاجة (11/ 386).
وقال الساعاتي -رحمه الله-:
«يمصّه» أي: بفمه الشريف ثم «يمجّه» حتى لم يبقَ من أثر الدم شيء، وهذا من تواضعه، وكرم أخلاقه -صلى الله عليه وسلم-. الفتح الرباني (22/ 201).
قولها: «ثم قالَ: لو كانَ أسامةُ جاريةً لحَلَّيْتُهُ وكسوتُهُ حتى أُنَفِّقَهُ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«ثم قال» رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لو كان أسامة» بن زيد بن حارثة حِبِّي ومولاي «جارية» أي: بنتًا «لحَلَّيْتُه» أي: لزيَّنْتُه بحُلِيِّ الذهب والفضة «وكَسَوْتُه» أي: أَلْبَسْتُه بالكسوة الفاخرة الغالية «حتى أنفِّقه» -بضم الهمزة، وتشديد الفاء المكسورة- مِن نَفَّقَ المتاع؛ إذا زيَّنَه وجعله رايجًا، ورَوَّجه؛ إذا جعله زائدًا على مثله في القيمة؛ أي: حتى أجعله بنتًا فائقة على أمثالها، يتنافس فيها كل الناس؛ لحُلِيِّها وكسوتها؛ كأنه يتعرض لعائشة بأنك إنما أبيتِ إزالة الأذى عنه؛ لكونه ولدًا ذكرًا، ولو كان بنتًا لما قذرته، وأبيتِ من إزالة الدم عنه. مرشد ذوي الحجا والحاجة (11/ 386.
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«لو كان أسامة» بضم الهمزة، هو ابن زيد، مولاه -صلى الله عليه وسلم- وابن مولاه، «جارية لكسوته» مِن محاسن ثياب النساء، كما يدل له قرينة آخره «وحَلَّيْتُه» خير حِلْية النساء «حتى أُنفِّقه»...، من التنفيق: هو بيان علة ما ذكر، وهو أنه يكسوه ويحليه؛ لينفق بالزواج. التنوير (9/ 164).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«لو كان أسامة» بالضم مخففًا «جارية» أي: أنثى «لكسوتُه وحَلَّيْتُه» بحاء مهملة: اتخذتُ له حُليًّا، وألبستُه إياه، وزينتُه به «حتى أنفِّقَه» بشد الفاء وكسرها بضبط المؤلف (السيوطي). التيسير (2/ 310).
وقال المناوي -رحمه الله- أيضًا:
قال الحكيم: التحلية التزيُّن؛ لأنه إذا زيَّنه فقد حلَّاه وحسَّنه، فذلك العضو أحْلَى في أعين الناظرين وقلوبهم، وأفاد بالخبر أن أصل الزينة حق، وإنما يفسدها الإرادة والقصد، فإذا كانت الإرادة لله فقد أقام حقًّا من حقوق الله، وإذا كان لغيره فهو وبال وضلال.
ثم فيه إيذان بأن التزيُّن إنما يُطلب للمرأة لإنفاقها عند زوجها ولو توقعًا، وإلا فالتخلي عن التحلي أولى كما بيَّنه بعض المتقدمين، ومنه أخذ الولي العراقي أن للولي أن يحلِّي محجورته بما ينفّقها، ويصرف على ذلك من مالها. فيض القدير (5/ 325).
وقال الساعاتي -رحمه الله-:
«لكَسَوْتُه وحَلَّيْتُه حتى أنفِّقه» أي: حتى يرغب الناس خطبته، والزواج به؛ لأن أسامة كان أسود لا يُرغب فيه إذ كان جارية إلا بالكسوة الجميلة، والحِلية العظيمة، ويؤيد ذلك التفسير ما رواه أبو يعلى وابن عساكر عن عائشة قالت: أمرني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن أغسل وجه أسامة بن زيد وهو صبي وما ولدتُ ولا أعرف كيف يغسل الصبيان، فأخذتُه فغسلتُه غسلًا ليس بذلك، فأخذه فجعل يغسل وجهه ويقول: «لقد أُحسن بنا إذ لم تكن جارية، ولو كنتَ جارية لحليتُك وأعطيتُك». الفتح الرباني (22/ 201).
وقال الدكتور مهران نوري -حفظه الله-:
لم يكن -صلى الله عليه وسلم - بالعنيف عليهنّ (أي: أزواجه، وذَكَرَ هذا الحديث وقال)...والشاهد: مُراعاته لها، وعدم تعنيفه؛ إذ لم تطق فعل ذلك. أحوال النبي -صلى الله عليه وسلم- (ص: 88- 89).
وقال سبط ابن الجوزي -رحمه الله-:
قالت عائشة: كان النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يمسحُ الرَّمَصَ (القذى الأبيض الذي تقذفه العين) من عينيه (أي: أسامة). مرآة الزمان (7/ 447).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قد ورد أنَّه أراد -عليه الصلاة والسلام- أنْ يُنحي مخاط أسامة، فقالت عائشة -رضي الله تعالى عنها-: «دعني حتى أنا الذي أفعل، قال: يا عائشة، أحِبِّيْهِ؛ فإني أُحبه». شرح الشفا (2/ 50).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
فيه: أنَّ زواج الحريم ينبغي أنْ يكون مقصودًا للأولياء، وأنْ يُرغِّبوا الناس في طلبهن، بتحسين الهيئة، وتجميل الملبوس. التنوير (9/ 164).
ومن مظاهر رحمة النبي ﷺ: رحمته بالصغار.