«إن عبدًا أصاب ذنبًا، ورُبما قال: أذنب ذنبًا، فقال: ربِّ أذنبت، ورُبَّما قال: أصبْتُ، فاغفر لي، فقال ربه: أَعَلِمَ عبدي أنَّ له ربًّا يغفر الذَّنب، ويأخذ به؟ غفرت لعبدي، ثم مكث ما شاء الله، ثم أصاب ذنبًا، أو أذنب ذنبًا، فقال: ربِّ أذنبت أو أصبْتُ آخر فاغفره، فقال: أَعَلِمَ عبدي أن له ربًّا يغفر الذَّنب ويأخذ به؟ غفرت لعبدي، ثم مَكَث ما شاء الله، ثم أذنب ذنبًا، ورُبما قال: أصاب ذنبًا، قال: قال: ربِّ أصبْتُ أو أذنبت آخر فاغفره لي، فقال: أَعَلِمَ عبدي أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ به؟ غفرت لعبدي، ثلاثًا، فليعمل ما شاء».
رواه البخاري برقم: (7507) واللفظ له، ومسلم برقم: (2758)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
شرح الحديث
قوله: «إن عبدًا أصاب ذنبًا، وربما قال: أذنب ذنبًا»:
قال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«إن عبدًا» أي: فيمن سلف. تحفة الباري (10/ 402).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«إن عبدًا» أي: من هذه الأمة، أو من غيرهم. مرقاة المفاتيح (4/ 1617).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
«إنَّ عبدًا أذنب ذنبًا» حكاية عن الله، وعن رجل مضى، وهكذا هو في الصحاح. الأزهار، مخطوط، لوح (237).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
تنكير العبد في هذا أبلغ من تعريفه؛ لأن النكرة فيها من الشياع ما ليس في المعرفة، من جهة أن قوله: «أذنب عبد» أي: عبد أذنب، فقال: اللهم اغفر لي ذنبي. الإفصاح (6/ 260).
وقال ابن عاشور -رحمه الله-:
تعيَّن أن يكون هذا العبد المخبر عنه من الذين لم تجِئْهم الرسل، وقد اهتدى إلى معرفة الله بأدلة النظر فكان منفردًا بالإيمان من بين أمته، كما يقتضيه قول الله تعالى: «علم عبدي أن له ربًّا يغفر الذنب» فإنه لو كان ذلك أمرًا معروفًا لم يكن لقوله: «علم عبدي أن له ربًّا» موقع، ثم إنه اهتدى إلى صفات الله التي منها أنه يغفر الذنب، ثم اهتدى إلى معرفة الأعمال التي لا يرضى بها الله تعالى، فاستغفر من اقترافها؛ فلذلك كان أفضل أمته وجازاه الله على ذلك بالمغفرة، ثم بأن يعمل ما شاء، أي: فكلما عمل ما يستحق أن يكون ذنبًا غفره الله له، وفي هذا بيان لفضل الإيمان، وفضل النظر، وفضل الاستغفار، وقد تحيَّر شارحو الحديث في تأويله، وقد كشف لك قناعه. النظر الفسيح (ص: 282-283).
وقال الدماميني -رحمه الله-:
«أصاب ذنبًا» ذكر في هذا الحديث مُوَاقعة العبد للذنب واستغفاره، ومغفرة الله له. مصابيح الجامع (10/ 243).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث من الفقه: أن قوله: «أذنب عبد ذنبًا» أن نطقه نطق الماضي، إلا أنه يحتمل أنه يراد به: المستقبل، ولم يذكره النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا مبشرًا به لِمنِّهِ، وشارعًا لهم فقهه. الإفصاح (6/ 260).
وقال الشيخ الغنيمان -حفظه الله-:
قوله: «إن عبدًا أصاب ذنبًا» هذا جنس يعم كل من كان بهذه الصفة، أي: من أذنب، ثم رجع إلى ربه هاربًا من عذابه، طالبًا المغفرة تائبًا. شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (2/ 396).
قوله: «فقال: رب أذنبت، وربما قال: أصبتُ، فاغفر لي»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فقال» ظاهره أنه عطف على «أذنب». مرقاة المفاتيح (4/ 1617).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «فقال» خبر «إن» إذ كان اسمها نكرة موصوفة بفعل، فالفاء في «فاغفره» سببية، جعل اعترافه بالذنب سببًا للمغفرة، حيث أوجب الله تعالى المغفرة للتائبين المعترفين بالسيئات على سبيل الوعد. الكاشف عن حقائق السنن (6/ 1843).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
يصح الأخذ بظاهره أنه سأل المغفرة من غير توبة، وهذا أبلغ في سعة رحمته. مرقاة المفاتيح (4/ 1617).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- أيضًا:
«رب» أي: يا رب «أذنبت» أي: ذنبًا. مرقاة المفاتيح (4/ 1617).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«ربِّ» بكسر الموحدة الدالة على الياء المضاف إليها المحذوفة، ويحتمل أن يكون بفتحها دلالة على الألف المحذوفة المنقلبة إليها الياء تخفيفًا، ويحتمل أن يكون بضمها وهذه الوجوه الثلاث من جملة اللغات الست الجائزة في المضاف للياء من مثله، وكان النداء للفظ الربّ توسلًا إلى التكميل والتخليص من نقص المخالفة، فإنَّ الربَّ هو الذي يُربي الشيء، ويبلغه إلى كماله. دليل الفالحين (4/ 325).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«وربما قال: أصبت» أي: ذنبًا «فاغفر». إرشاد الساري (10/ 438).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
«فاغفره لي» أي: الذنب، وفي بعض نسخ المصابيح: «فاغفر لي» من غير ضمير المفعول، وليس بذلك. الأزهار، مخطوط، لوح (237).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
الفاء تعطف بغير مهلة، ويعني: «اغفر لي ذنبي» أي: استره؛ إذ الغفر أصله: الستر، ثم اعترف بأنه ذنب، وهذا يدل على أن هذا الذنب لم يكن بدعة؛ فإن المبتدع لا يعرف أنه على ذنب، فلا يستغفر من بدعته. الإفصاح (6/ 260).
قوله: «فقال ربه: أَعَلِمَ عبدي؟»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فقال ربه» أي: للملائكة. مرقاة المفاتيح (4/ 1617).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «أَعَلِمَ؟» بهمزة استفهام، والفعل الماضي. فتح الباري (13/ 471).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «أَعَلِمَ عبدي؟» يجوز أن يكون استخبارًا من الملائكة، وهو أعلم به للمباهاة، وأن يكون استفهامًا للتقرير والتعجيب والتفاتًا عدل من الخطاب، وهو قوله: «أَعَلِمَ عبدي؟» إلى الغيبة شكرًا لصنيعه إلى غيره، وإحمادًا له على فعله. الكاشف عن حقائق السنن (6/ 1843).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
«علم عبدي» بلا همزة، وفي بعض نسخ المصابيح مع الهمزة، وليس كذلك. الأزهار، مخطوط، لوح (237).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
الهمزة في «أَعَلِمَ» للتقرير، والمعنى: أنه لما علم بي، وتيقَّن أني غافر للذنب، وقابل للتوب، شديد العقاب، ذو الطول، وندم على ما فعل، فاستغفر عنه وتاب، قَبِلْتُ توبته، وغفرتُ له ذنوبه. تحفة الأبرار (2/ 72-73).
وقال الشيخ الغنيمان -حفظه الله-:
قوله: «أَعَلِمَ عبدي أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ به؟» أي: أنه حقق هذا العلم باعترافه بالذنب، وإنابته إلى ربه، راغبًا في مغفرته، خائفًا من عقوبته؛ فلذلك غفر له. شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (2/ 396).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
«علم أن له ربًّا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب» يدل على عظيم فائدة الاستغفار، وعلى عظيم فضل الله وسعة رحمته، وحلمه وكرمه، ولا شك في أن هذا الاستغفار ليس هو الذي ينطق به اللسان، بل الذي يثبت معناه في الجنان، فيُحَل به عُقَد الإصرار، ويندم معه على ما سلف من الأوزار، فإذا الاستغفار ترجمة التوبة، وعبارة عنها؛ ولذلك قال: «خياركم كل مُفْتَن تواب» قيل: هو الذي يتكرر منه الذنب والتوبة، فكلما وقع في الذنب عاد إلى التوبة، وأما من قال بلسانه: أستغفر الله، وقلبه مُصِرٌّ على معصيته، فاستغفاره ذلك يحتاج إلى استغفار، وصغيرته لاحقة بالكبار؛ إذ لا صغيرة مع إصرار، ولا كبيرة مع استغفار. المفهم (7/ 85-86).
وقال ابن حجر -رحمه الله- معلقًا:
قلتُ: ويشهد له ما أخرجه ابن أبي الدنيا من حديث ابن عباس مرفوعًا: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له، والمستغفر من الذنب وهو مقيم عليه كالمستهزئ بربه» والراجح أن قوله: «والمستغفر» إلى آخره موقوف، وأوله عند ابن ماجه والطبراني من حديث ابن مسعود، وسنده حسن، وحديث: «خياركم كل مُفْتَن تواب» ذكره في مسند الفردوس عن علي. فتح الباري (13/ 471).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وفائدة هذا الحديث: أن العود إلى الذنب -وإن كان أقبح من ابتدائه؛ لأنه انضاف إلى الذنب نقض التوبة- فالعود إلى التوبة أحسن من ابتدائها؛ لأنها انضاف إليها ملازمة الإلحاح بباب الكريم، وأنه لا غافر للذنوب سواه. المفهم (7/86).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«أذنب عبدي» (في لفظ مسلم) إضافة تشريف، هذا من كمال الكرم، ومزيد الفضل، أنَّه من فضله عليه بعفوه عنه، أضافه إليه إضافة تشريف وتكريم. دليل الفالحين (4/ 324).
قوله: «أن له ربًّا يغفر الذنب»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أن له ربًّا يغفر الذنب» أي: إذا شاء لمن شاء. مرقاة المفاتيح (4/ 1617).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«أنَّ له ربًّا يغفر الذنب» أي: إنْ شاء، "أل" فيه للجنس، فيساوي -لكونه مفردًا محلى بـ"أل" الجنسية- الذنوب في العموم والشمول. دليل الفالحين (4/ 325).
قوله: «ويأخذ به؟»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «ويأخذ به» أي: يعاقب فاعله. فتح الباري (13/ 471).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ويأخذ به؟» أي: يؤاخذ ويعاقب فاعله إذا شاء لمن شاء. مرقاة المفاتيح (4/ 1617).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«ويأخذ به؟» أي: يعاقب عليه، وللأصيلي: «يغفر الذنوب، ويأخذ بها؟». إرشاد الساري (10/ 438).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
(في رواية مسلم) «ويأخذ» أي: يعاقب «بالذنب؟» وأتى به مظهرًا؛ تقبيحًا له، وتنبيهًا على داعي الأخذ، وهو المخالفة. دليل الفالحين (4/ 325).
قوله: «غفرت لعبدي»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«غفرت لعبدي» ذنبه، أو قال: ذنوبه. إرشاد الساري (10/ 438).
قوله: «ثم مكث ما شاء الله»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ثم مَكَث» بفتح الكاف وضمها. مرقاة المفاتيح (4/ 1617).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «ثم مَكَث ما شاء» أي: من الزمان. فتح الباري (13/ 471).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ما شاء الله» أي: لبث مطيعًا مدة مشيئة الله. مرقاة المفاتيح (4/ 1617).
قوله: «ثم أصاب ذنبًا، أو أذنب ذنبًا»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أذنبت ذنبًا» أي: آخر. مرقاة المفاتيح (4/ 1617).
قوله: «فقال: رب أذنبت، أو أصبت آخر فاغفره؟»:
قال القسطلاني -رحمه الله-:
كذا بالشك في هذه المواضع المذكورة كلها في هذا الحديث من هذا الوجه، ورواه حماد بن سلمة عن إسحاق عند مسلم بلفظ: «عن النبي -صلَّى اللَّه عليه وسلَّم- فيما يروي عن ربه -عز وجل- قال: أذنب عبدي ذنبًا» ولم يشك، وكذا في بقية المواضع. إرشاد الساري (10/ 438).
وقال البرماوي -رحمه الله-:
«فاغفره» أي: الذَّنب. اللامع الصبيح (17/ 460).
قوله: «فقال: أَعَلِمَ عبدي أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ به؟»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فقال: أَعَلِمَ عبدي أن له ربًّا» أي: عظيمًا «يغفر الذنب؟». مرقاة المفاتيح (4/ 1617).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
قوله: «أَعَلِمَ عبدي؟» ليس الاستفهام على أَصله؛ لأنه مُحال في حقِّه تعالى، بل للتقرير والإثبات. الكوثر الجاري (11/ 279).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
قوله: «علم أن له ربًّا» أي: دعا دعاء مؤمن قد آمن أن الله يغفر الذنوب على أن له أن يؤاخذ بها، وإنما قدم المغفرة على المؤاخذة لكرمه سبحانه، فلما راجع العبد الذنب وراجع التوبة روجع العفو، فلما عاد فبلغ الثلاث وهي أول الجمع غلب كرم الله تعالى ذنوب هذا العبد، فعم الماضي وما يستقبل، وكأن الله تعالى قال: يا محمد، أَعْلِمْ هذا العبد، وكل عبد مثله، أني قد غفرت له، فليعمل ما شاء؛ لأن تكريره الطلب بحسن الأدب اقتضى من كرمي الإطلاق، فليكن الآن ناظرًا إلى أني استحييت من كثرة سؤاله فتركته؛ ليرده استحياؤه. الإفصاح (6/ 260).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«يغفر الذنب» أي: العظيم، أو جنس الذنب تارة «ويأخذ به؟» أي: أخرى. مرقاة المفاتيح (4/ 1617).
وقال البرماوي -رحمه الله-:
«ويأخذ به» أي: يعاقبه، وفيه: قبول التوبة، وإن تكررت الذنوب. اللامع الصبيح (17/ 460).
قوله: «غفرتُ لعبدي»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«غفرت لعبدي» أي: لتوبته، أو لعلمه بذلك، وهو الأقرب. مرقاة المفاتيح (4/ 1617).
قوله: «ثم مكث ما شاء الله، ثم أذنب ذنبًا، وربما قال: أصاب ذنبًا»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ثم مكث ما شاء الله» أي: من الزمان، «ثم أذنب ذنبًا» تفيد «ثم» تراخي الذنب، والثانية يؤكدها، هذا يدل على عظمة المذنب، وأن طاعته تغلب معصيته، وأنه سريع الرجوع إلى طلب مغفرته. مرقاة المفاتيح (4/ 1617).
قوله: «قال: قال: رب أصبْتُ، أو أذنبت آخر، فاغفره لي»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أذنبت ذنبًا آخر» أي: من جنسه أو من غير جنسه «فاغفره لي». مرقاة المفاتيح (4/ 1617).
وقال المظهري -رحمه الله-:
هذا وما تكرر من هذا الجنس في هذا الحديث وأشباهه: توبة من ذلك العبد، ومعنى التوبة: الندامة على ما فعل، والعزم على أن لا يعود إلى مثل ما فعل، فإذا كان نية المذنب هذا فقد صحَّت توبته، وغفر ذنبه، إن لم يكن من حقوق الآدميين، فإن تاب أحد على هذه الصفة، ثم اتفق وقوعه في الذنب ثم تاب غفر له، وإن فعل ذلك ألف مرة وأكثر، بشرط أن تكون نيَّته في التوبة أن لا يعود إلى الذنب. المفاتيح (3/ 181).
قوله: «فقال: أَعَلِمَ عبدي أن له ربًّا، يغفر الذنب، ويأخذ به؟»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ويأخذ به؟» أي: على الإصرار. مرقاة المفاتيح (4/ 1617).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
هذا يجوز أن يكون عبدًا من عباد الله وقع له هذا، أو أن كُل عبدٍ يكون هذا شأنه يكون شأن الله معه ما ذكروه، وهذا هو الظاهر. الكوثر الجاري (11/ 279).
قوله: «غفرتُ لعبدي، ثلاثًا»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«غفرتُ لعبدي» أي: لأنه عبدي بقوله في كل ذنب: ربي. مرقاة المفاتيح (4/ 1617).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«غفرت لعبدي ثلاثًا» أي: الذنوب الثلاثة. إرشاد الساري (10/ 439).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قوله: «ثلاثًا» ليس ظرفًا لقوله: «غفرتُ» كما يتبادر إلى وهم من لا فهم له، بل بيان لما وقع من تكرار السؤال والجواب في الحديث بين العبد والرب. الحرز الثمين (ص: 1382).
قوله: «فليعمل ما شاء»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فليعمل ما شاء» أي: إذا كان على هذا الحال بهذا المنوال. مرقاة المفاتيح (4/ 1618).
وقال الشيخ الغنيمان -حفظه الله-:
«فليعمل ما شاء» يعني: ما دام يذنب ثم يستغفر ويتوب، فإن ربه تعالى يغفر ذنبه. شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (2/ 396).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
«فليعمل ما شاء» أي: ثم يستغفر الله منه تائبًا. تحفة الباري (10/ 402).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
ليس هذا أمرًا بفعل المعاصي، بل معناه: أنه كلما أذنب وتاب فإن الله يتوب عليه. الكوثر الجاري (11/ 279).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
ليس في هذا إطلاق وإذن منه سبحانه له في المحرمات والجرائم، وإنما يدل على أنه يغفر له ما دام كذلك إذا أذنب تاب.
واختصاص هذا العبد بهذا؛ لأنه قد علم أنه لا يصر على ذنب، وأنه كلما أذنب تاب، حكم يعم كل من كانت حاله حاله، لكن ذلك العبد مقطوع له بذلك، كما قطع به لأهل بدر، وكذلك كل من بشره رسول الله بالجنة، أو أخبره بأنه مغفور له لم يفهم منه هو ولا غيره من الصحابة إطلاق الذنوب والمعاصي له، ومسامحته بترك الواجبات، بل كان هؤلاء أشد اجتهادًا وحذرًا وخوفًا بعد البشارة منهم قبلها. الفوائد (ص: 16-17).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- معلقًا على كلام ابن القيم -رحمه الله-:
وهو تحقيق نفيس جدًّا. البحر المحيط الثجاج (42/ 680).
وقال المنذري -رحمه الله-:
قوله: «فليعمل ما شاء» معناه -والله أعلم-: أنه ما دامَ كلما أذنب ذنبًا اسْتغْفر وتَابَ منه، ولم يعد إليه، بدليل قوله: «ثمَّ أصَاب ذَنبًا آخر» فليفعل إذا كان هذا دأبه ما شاء؛ لأنَّه كلما أذنب كانت تَوْبَته واستغفاره كَفَّارَة لذنبه، فلا يضرّهُ، لا أنه يُذنب الذَّنب فيستغفر منه بلسانِهِ من غير إقلاع، ثمَّ يعاوده، فإن هذه توبة الكَذَّابين. الترغيب والترهيب (4/ 47).
وقال الشيخ الغنيمان -حفظه الله-:
ولا يدل ذلك على أنه مُصِرٌّ على الذنب، فإن الإصرار على الذنب أعظم منه، ولكنه يتوب ويستغفر، ثم يغلبه الطبع، وهوى النفس، وتزيين الشياطين، فيواقع الذنب، ثم يفِرُّ بعد ذلك إلى ربه تائبًا نادمًا، راجيًا خائفًا، فشروط التوبة متحققة فيه، وهي الإقلاع عن الذنب، والندم على الوقوع فيه، والعزم على أن لا يعاوده. شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (2/ 396).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
ليس المراد منه (أي: الأمر في قوله: «فليفعل ما شاء»): الحث على ما شاء من المعاصي والإذن فيه، فإنه كما يطلق للإباحة والتخيير يطلق للتهديد، كقوله تعالى: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} فصلت: 40، والتلطف وإظهار العناية والشفقة، كما تقول لمن تراقبه وتتقرب إليه وهو يتباعد عنك، ويقصر في حقك: افعل ما شئت، فلست أعرض عنك، ولا أترك ودادك، وهو في الحديث بهذا المعنى، أي: إن فعلت أضعاف ما كنت تفعل واستغفرت عنها غفرت لك، فإني أغفر الذنوب جميعًا ما دمت تائبًا عنها، مستغفرًا إياها. تحفة الأبرار (2/ 73).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «فليعمل ما شاء» يعني: فليعمل ما شاء من الذنوب التي بينه وبيني، مما لا يتعلق بحقوق الآدميين، ثم ليتُبْ على الشرط المذكور، فإنه يغفر. المفاتيح (3/ 181-182).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
وهذه الصيغة للتلطف وإظهار العناية والشفقة؛ أي: إن فعلت أضعاف ما كنت تفعل واستغفرت منه، غفرت لك، فإني أغفر الذنوب جميعًا، ما دمت تتوب عنها وتستغفر، ولكن ذلك مشروط بأن تكون نيته أن لا يعود إلى الذنب. شرح المصابيح (3/ 140).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- متعقبًا:
وأغرب ابن الملك حيث قال هنا: أيْ: ما دمت تتوب وتستغفر عنها، ولكن ذلك مشروط بأن تكون نيته أن لا يعود إلى الذنب، ا. هـ؛ لأن هذا الذي ذكره شرطًا هو من أركان التوبة. مرقاة المفاتيح (4/ 1618).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
قوله: «فليفعل ما شاء» كلام يستعمل تارة في معرض السخط والنكر، وطورًا في صورة التلطُّف والحفاوة، وليس المراد منه في كلتا الصورتين الحث على الفعل، والترخص فيه، بل التعريض بالترك له، والتنبيه على الردع عنه، وأكثر ما يوجد ذلك في التهديد والإعراض عن المخاطب، وقلة الاحتفال به، وعلى هذا الوجه يؤول قوله سبحانه: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} فصلت: 40.
وأما في هذا الحديث فإنه ورد مورد الحفاوة بالمخاطب، وحسن العناية به، وذلك مثل قولك لمن توده، وترى منه الجفاء: اصنع ما شئت، فليس بتارك لك، وعلى هذا المعنى يُحْمَلُ قوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث حاطب بن أبي بلتعة: «لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم». الميسر (2/ 543).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
قال العلماء: قوله: «فليعمل ما شاء» معناه: ما دام يفعل هكذا، يذنب ويتوب، أغفرُ له ذنبه، فإنَّ التوبة تهدم ما قبلها، وقال بعض الشارحين: معناه: فليعمل ما شاء من الذنوب التي تتعلَّق بي، ولا تتعلَّق بحقوق الآدميين، فإني أغفره له، وقال بعضهم: معناه: فليعمل ما شاء من الذنوب، فإنه مغفور، ولا يضرُّهُ الذنب، وهذا أوهن من الثاني. الأزهار، مخطوط، لوح (237).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله (في لفظ مسلم): «اعمل ما شئت فقد غفرت لك» قد تقدم القول فيه، ونزيد هنا نُكْتَة، وهي: أن هذا الأمر يحتمل أن يكون معناه: الإكرام، فيكون من باب قوله تعالى: {ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ} الحجر: 46، وآخر الكلام خبر عن حال المخاطب؛ لأنه مغفور له ما سلف من ذنبه، ومحفوظ -إن شاء الله- فيما يستقبل من شأنه. المفهم (7/ 86).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
فيه: دليل على أن الْمُصِرَّ في مشيئة الله تعالى إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له، مغَلِّبًا لحسنته التي جاء بها وهي اعتقاده بأن له ربًّا خالقًا يعذبه ويغفر له، واستغفاره إياه على ذلك، يدل على ذلك قوله: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} الأنعام: 160، ولا حسنة أعظم من توحيد الله، والإقرار بوجوده، والتضرع إليه في المغفرة.
فإن قيل: فإن استغفاره ربه توبة منه، ولم يكن مصرًّا، قيل له: ليس الاستغفار أكثر من طلب غفرانه، وقد يطلب الغفران الْمُصر والتائب، ولا دليل في الحديث على أنه قد كان تاب مما سأل الغفران منه؛ لأن التوبة الرجوع من الذنب، والعزم على ألا يعود إلى مثله، والاستغفار لا يفهم منه ذلك، وبالله التوفيق. شرح صحيح البخاري (10/ 503-504).
وقال ابن حجر -رحمه الله- معلقًا:
وقال غيره: شروط التوبة ثلاثة: الإقلاع، والندم، والعزم على أن لا يعود، والتعبير بالرجوع عن الذنب لا يفيد معنى الندم، بل هو إلى معنى الإقلاع أقرب، وقال بعضهم: يكفي في التوبة تحقق الندم على وقوعه منه، فإنه يستلزم الإقلاع عنه، والعزم على عدم العود، فهما ناشئان عن الندم لا أصلان معه، ومن ثم جاء الحديث: «الندم توبة» وهو حديث حسن من حديث ابن مسعود أخرجه ابن ماجه، وصححه الحاكم، وأخرجه ابن حبان من حديث أنس، وصححه. فتح الباري (13/ 471).
وقال النووي -رحمه الله-:
هذه الأحاديث ظاهرة في الدلالة لها (أي: لمسألة: قبول التوبة من الذنوب وإنْ تكررت الذنوب والتوبة)، وأنه لو تكرر الذَّنب مائة مرَّة، أو ألف مرَّة، أو أكثر، وتاب في كُل مرَّة، قُبِلَت توبته، وسقطت ذُنوبه، ولو تاب عن الجميع توبة واحدة بعد جميعها صحت توبته.
قوله -عزَّ وجلَّ- للذي تكرَّر ذنبه: «اعمل ما شئت فقد غفرت لك» معناه: ما دمت تذنب ثم تتوب غفرت لك، وهذا جارٍ على القاعدة التي ذكرناها. المنهاج شرح صحيح مسلم (17/ 75).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
واعلم أن أكثر الشراح هنا حملوا الاستغفار على التوبة، وظاهر الحديث يدل على أن اعتراف العبد بذلك سبب للغفران، ولا موجب للعدول عنه، بل في الحديث تعريض لمن قال: إنه تعالى لا يغفر إلا بالتوبة، كما ذهب إليه المعتزلي -والله تعالى أعلم-. مرقاة المفاتيح (4/ 1618).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
ففيه: أنَّ التوبة الصحيحة لا يضرّ فيها نقض بالذنب ثانيًا، بل مضت على صحتها، ويتوب من المعصية الثانية، وهكذا. دليل الفالحين (4/ 325).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
فوائده (أي: الحديث):
منها: بيان سعة رحمة الله -سبحانه وتعالى- وفضله وكرمه. البحر المحيط الثجاج، باختصار (42/ 681).
وقال الشيخ الغنيمان -حفظه الله-:
المقصود من الحديث (أي: من ترجمة البخاري: باب قول اللَّه تعالى: {يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلاَمَ اللَّهِ} الفتح: 15): وقوع كلام الله تعالى مخاطبًا هذا العبد المذنب، وإن كان العبد لا يسمع ذلك الخطاب، ولم يعلم به، فهو مما أوحاه الله تعالى إلى رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وهو واقع من الله تعالى، فهو دال على مراد الإمام البخاري -رحمه الله-، من أن الله يتكلم متى شاء، بما يشاء من أمره وشرعه، وتدبيره لخلقه، وتصريفه ملكه -جلَّ وعلا- وكلامه لا حصر له، ولا نَفَاد، وهو غير مخلوق؛ لأن الكلام صفة المتكلم متعلق به، وقائم به، وأما خلقه فهو مفعول له، ليس من صفاته، وإنما هو من مفعولاته -والله أعلم-. شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري (2/ 397).
وللمزيد من الفائدة يُنظر:
سعة رحمة الله ومغفرته للتائبين.
فتوى الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- في هل يكفي قول (أستغفر الله) للمغفرة؟