«لقَلَّمَا كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يَخْرُجُ إذا خرج في سفر إلا يوم الخميس».
رواه البخاري برقم: (2949) من حديث كعب بن مالك -رضي الله عنه-.
وفي لفظ له برقم: (2950) «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- خرج يوم الخميس في غزوة تبوك، وكان يحب أن يخرج يوم الخميس».
غريب الحديث
«لقَلَّمَا»:
بمعنى "ما" النافية؛ لأن لفظة "ما" الداخلة كافَّة عن العمل، فيكون لمجرد النفي. بريقة محمودية، للخادمي (2/ 282).
"قلَّمَا" أي: ما كان... وتُستعمل "قلَّما" لمعنيين:
أحدهما: النفي الصرف.
والثاني: إثبات الشيء القليل. تحفة الأحوذي، للمباركفوري (9/ 333).
قال بعض النحويين: «قلَّ» من قولك: «قلَّما» فعل لا فاعل له؛ لأن «ما» أزالته عن حكمه في تقاضيه الفاعل، وأصارته إلى حكم الحرف المتقاضي للفعل لا الاسم. المحكم، لابن سيده (6/ 130).
«سَفَر»:
السفر: قطع المسافة. الصحاح، للجوهري (2/ 685).
وقال ابن فارس -رحمه الله-:
السين والفاء والراء أصل واحد يدل على الانكشاف والجلاء، من ذلك السفر، سمي بذلك لأن الناس ينكشفون عن أماكنهم. مقاييس اللغة (3/ 82).
شرح الحديث
قوله: «لقَلَّمَا كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يخرج إذا خرج في سفر إلا يوم الخميس»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «لقَلَّمَا» اللام فيه للتأكيد، و«قلَّ» فعل ماضٍ، دخلت عليه كلمة: «ما» معناه: يكون خروجه -صلى الله عليه وسلم- في السفر قليلًا في الأيام «إلا يوم الخميس» فإن أكثر خروجه في السفر فيه، تقول: قلَّ رجل يفعل كذا إلا زيد، معناه: قليل من الناس يفعل هذا الفعل إلا زيد. عمدة القاري (14/ 217).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«لقلَّما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يخرج» في يوم من الأيام «إذا خرج في سفر إلا يوم الخميس» فإنَّ أكثر خروجه في السفر فيه، وقد وهم من زعم أن هذا الحديث معلق. إرشاد الساري (5/ 117).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«قلَّما» «ما» فيه كافَّة لـ"قلّ" عن طلب الفاعل، مهيِّئَة لدخولها على الجُمَل الفعلية، «كان رسول الله يخرج إلا يوم الخميس» ساقه المصنف (النووي) بعد ما قبله؛ ليُنَبِّه على أن ندب الخروج يوم الخميس مأخوذ من محبته لذلك وفعله. دليل الفالحين (6/ 440- 441).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
وخروجه يوم الخميس لمعنى يجب أن يُحمل عليه ويتبرك به؛ لأن لنا في رسول الله أسوة حسنة. شرح صحيح البخاري (5/ 123).
وقال النووي -رحمه الله-:
يستحب أن يكون سفره يوم الخميس، فإن فاته فيوم الاثنين، وأن يكون باكرًا، ودليل الخميس: حديث كعب بن مالك: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- خرج في غزوة تبوك يوم الخميس» رواه البخاري ومسلم، وفي رواية في الصحيحين: «كان يحب أن يخرج يوم الخميس» وفي رواية في الصحيحين (هذا لفظ أحمد): «أقلُّ ما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يخرج إلا يوم الخميس»، ودليل يوم الاثنين: عنه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- «هاجر من مكة يوم الاثنين». المجموع (4/ 387).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
أورد في سنن الهدى (سنن الهدى في متابعة المصطفى، للنعماني المتوفى: 990 هـ) حديثًا فيه التخيير بين يوم الاثنين أو يوم الخميس -واللَّه أعلم-.
لمعات التنقيح (6/ 622).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
السفر هو مفارقة الوطن، وهو أن يخرج الإنسان من وطنه إلى وطن آخر، وسمي سفرًا لأنه من الإسفار، وهو الخروج والظهور كما يقال: أسفر الصبح إذا ظهر وبان، وقيل في المعنى: سُمي السفر سفرًا؛ لأنه يسفر عن أخلاق الرجال، يعني يبيِّن ويوضح أحوالهم، فكم من إنسان لا تعرفه ولا تعرف سيرته إلا إذا سافرت معه وعندئذٍ تعرف أخلاقه وسيرته وإيثاره، إلخ، حتى كان عمر -رضي الله عنه- إذا زكَّى رجلٌ شخصًا عنده قال له: هل سافرت معه؟ هل عاملته؟ إن قال: نعم قَبِلَ ذلك، وإن قال: لا، قال: لا عِلْمَ لك به.
ثم إن السفر ينبغي للإنسان أن يتحرى فيه الأوقات التي تكون أسهل وأنسب، ومن ذلك: أن يكون في آخر الأسبوع، كما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- في أكثر أسفاره يخرج يوم الخميس، وربما خرج في غيره، فقد خرج -صلى الله عليه وسلم- في آخر سفرة سافرها، وهي حجة الوداع يوم السبت، لكن دائمًا كان إذا سافر ولا سيما إذا كان في غزو كان ذلك يوم الخميس، والحكمة من ذلك -والله أعلم-: أنه يومٌ ترفع فيه الأعمال، وتعرض على الله -عز وجل- فكان يحب -صلى الله عليه وسلم- أن يعرض على الله عمله في ذلك اليوم، وكان -صلى الله عليه وسلم- يحب أن يخرج من أول النهار؛ لما في ذلك من استقبال النهار؛ لأنه ربما يفاجأ الإنسان في سفره بأشياء في الليل وقد تجهز قريبًا، فيصعب عليه التخلص منها، وهذا في الأسفار التي كانت في عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- على الدواب والأرجل، أما اليوم فكما تشاهدون الناس لا يجدون صعوبة في أول النهار أو آخره، ثم إن السفر في الوقت الحاضر مرتبط بطائرات ومواعيد، وعلى كل حال إذا خرج في أول النهار، وفي يوم الخميس فهو أفضل، وإن لم يتيسر له ذلك فلا بأس، والحمد لله. شرح رياض الصالحين (4/ 581- 582)
قوله في الرواية الأخرى: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- خرج يوم الخميس في غزوة تبوك»:
قال البيضاوي -رحمه الله-:
«تبوك» من أدنى أرض الشام إلى الحجاز، قيل: سميت بذلك؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- وجدهم يَبُوكُون القَدَح في العين، أي: يحركونه ليملأ من الماء، فقال: «ما زلتم تَبُوكُونها» فسميت بذلك، واشتقاقه من البوك، وهو الجماع.
واختيار الخميس إما لأنه يوم مبارك، بورك فيه ولأمَّته؛ ولأنه تُرفع فيه أعمال الأسبوع؛ ولذلك سُنَّ الصوم فيه؛ ولأنه أتم أيام الأسبوع، أو لتفاؤله بالخميس على أنه ظَفَرَ على الخميس الذي هو الجيش، ويتمكن عليهم، أو أنه تعالى يحفظ جيشه، ويحيط بهم، وإنما سُمُّوا خميسًا؛ لأنهم يُحَزَّبُون خمسة أحزاب، المقدمة والقلب والميمنة والميسرة والساقة. تحفة الأبرار (3/ 5- 6).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله- متعقبًا:
ما ذكره القاضي البيضاوي: أن ذلك لتفاؤله بالخميس على أنه يظفر على الخميس الذي هو جيش العدو، ويتمكَّن عليهم، هذا والظاهر أن هذه مناسبة تَخَيُّلِهِ أن في ذلك سرًّا موكولًا إلى علم الشارع، نعم لو وقع التصريح في الحديث بالتفاؤل المذكور لجزم به كما في موضع آخر من هذا الباب، وبدونه مجرد احتمال، وأقرب من ذلك ما ذكروا أن يوم الخميس يوم مبارك، ترفع فيه أعمال العباد إلى اللَّه تعالى، فتوقع -صلى اللَّه عليه وسلم- أن يرفع جهاده الذي هو من أفضل الأعمال إليه تعالى، أو أنه أتم أيام الأسبوع عددًا واللَّه أعلم. لمعات التنقيح (6/ 622).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «تبوك» «مخيم اليرموك» التبوك تثوير الماء بعُوْدٍ ونحوه ليخرج من الأرض، وبه سميت غزوة تبوك. الكاشف عن حقائق السنن (8/ 2678).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
تبوك مكان معروف هو نصف طريق المدينة إلى دمشق، ويقال: بين المدينة وبينه أربع عشرة مرحلة، وذكرها (ابن سيده) في المحكم في الثلاثي الصحيح، وكلام ابن قتيبة يقتضي أنها من المعتل، فإنه قال: جاءها النبي -صلى الله عليه وسلم- وهم يبكون مكان مائها بقدح، فقال: «ما زلتم تَبُوكُونها؟» فسميت حينئذٍ. فتح الباري (8/ 111).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«أن النبي -صلى الله عليه وسلم- خرج يوم الخميس» من المدينة «في غزوة تبوك». إرشاد الساري (5/ 117).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «في غزوة تبوك»... وهي آخر غزواته -صلى اللَّه عليه وسلم-. لمعات التنقيح (6/ 621).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
وكانت غزوة تبوك في السنة التاسعة من الهجرة، غزا النبي -صلي الله عليه وسلم- الروم وهم على دين النصارى حين بلغه أنهم يجمعون له، فغزاهم النبي -عليه الصلاة والسلام-، وقام بتبوك عشرين ليلة، ولكنه لم ير كيدًا ولم ير عدوًا فرجع، وكانت هذه الغزوة في أيام الحرِّ حين طابت الثمار، وصار المنافقون يحبون الدنيا على الآخرة، فتخلف المنافقون عن هذه الغزوة، ولجأوا إلى الظل والرُّطَب والتمر، وبعدت عليهم الشُّقَّة، والعياذ بالله. شرح رياض الصالحين (1/126- 127).
قوله: «وكان يُحب أن يخرج يوم الخميس»:
قال التوربشتي -رحمه الله-:
«وكان يحب أن يخرج يوم الخميس» قلتُ: اختياره يوم الخميس للخروج محتمل لوجوه:
أحدها: أنه يوم مبارك، ترفع فيه أعمال العباد إلى الله، وقد كانت سفراته لله، وفي الله، وإلى الله، فأحب أن يرفع فيه عمل صالح، فأنشأ سفرته في الخميس. والثاني: أنه أتم أيام الأسبوع عددًا.
والثالث: أنه كان يتفاءل بالخميس في خروجه، وكان من سنته أن يتفاءل بالاسم الحسن، والخميس: الجيش؛ لأنهم خمس فرق: المقدمة والقلب والميمنة والميسرة والساقة، فيرى في ذلك من الفأل الحسن: حِفْظ الله له؛ وإحاطة جنوده به حفظًا وحماية. الميسر (3/ 891).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
أما الخروج يوم الخميس فلعل سببه: ما روي من قوله -صلى الله عليه وسلم-: «بورك لأمتي في بكورها يوم الخميس» وهو حديث ضعيف، أخرجه الطبراني من حديث نبيط بنون وموحدة مصغر ابن شَريط بفتح المعجمة أوله، وكونه -صلى الله عليه وسلم- كان يحب الخروج يوم الخميس لا يستلزم المواظبة عليه؛ لقيام مانع منه. فتح الباري (6/ 113).
وقال العيني -رحمه الله- متعقبًا:
قلتُ: طلب الحكمة في ذلك بالحديث الضعيف لا وجه له، والحكمة فيه تُعلم من حديث الباب، فإنه صرح فيه أنه كان يحب أن يخرج يوم الخميس، ومحبته -صلى الله عليه وسلم- إياه لا تخلو عن حكمة، فإن قلتَ: روي أنه خرج في بعض أسفاره يوم السبت، قلتُ: هذا لا ينافي ترك محبته الخروج يوم الخميس، فلعل خروجه يوم السبت كان لمانع من خروجه يوم الخميس، ولئن سلمنا عدم المانع، فنقول: لعله كان يحب أيضًا الخروج يوم السبت، على ما روي: «بارك الله في سبتها وخميسها» (وهو ضعيف كما قال في التلخيص)، ولَمَّا لم يثبت عند البخاري إلا يوم الخميس، خصه بالذكر، فافهم فإنه من الدقائق. عمدة القاري (14/ 216).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«وكان يحب أن يخرج» في سفرِ جهادٍ أو غيره «يوم الخميس». إرشاد الساري (5/ 117).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
وزاد القاضي (البيضاوي): ولتفاؤله بالخميس على أنه يظفر على الخميس الذي هو جيش العدو، ويتمكن عليهم.
والأشرف (البقاعي): أو لأنه يُخمَّس فيه الغنيمة. الكاشف عن حقائق السنن (8/ 2678).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«وكان يحب أن يخرج يوم الخميس» جملة حالية؛ ولذا كان الأفضل الخروج يومه، فالاثنين فالسبت. دليل الفالحين (6/ 440).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
ففيه أنه ينبغي تحري خروج يوم الخميس؛ اقتداء به -صلى الله عليه وسلم-، قيل: إنما أحب الخروج فيه؛ لأنه وافق الفتح له فيه، أو لتفاؤل به على أنه يظفر بالخميس الذي هو الجيش. التنوير (8/ 547).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
وفي حديث أنس وعمرو بن مساور وهو ضعيف، وروي بلفظ: «اللهم بارك لأمَّتي في بكورها يوم سبتها ويوم خميسها» وسئل أبو زرعة عن هذه الزيادة فقال: هي مفتعلة. نيل الأوطار (7/ 284).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
قوله: «ومن أحب الخروج يوم الخميس» وورد في رواية: «يوم السبت» أيضًا؛ فدل على أنه لا نحوسة في الأيام، ولكنه -صلى الله عليه وسلم- لما كره الخروج يوم الجمعة خرج يومًا قبلها، أو يومًا بعدها، وليس وراء ذلك مطلوبية أخرى في هذين اليومين عندي، والله تعالى أعلم. فيض الباري (4/ 204).
وقال ابن الهمام -رحمه الله-:
يُستحب أنْ يجعل خروجه يوم الخميس؛ اقتداء به -عليه الصلاة والسلام-، وإلا فيوم الاثنين في أول النهار، والشهر. فتح القدير (2/ 407).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
فيه: استحباب الخروج إلى السفر يوم الخميس. الأزهار مخطوط لوح (356).
وللمزيد من الفائدة ينظر:
فتوى الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- في حكم السفر يوم الجمعة