السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

ذُكِرَ عندَ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- هالكٌ بسوءٍ، فقال: «لا ‌تَذكُروا ‌هَلْكاكُم إلا بخَيرٍ».


رواه النسائي برقم: (1935)، من حديث عائشة -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (7271)، وصحيح سنن النسائي برقم: (1827).


شرح الحديث


قوله: «ذُكِرَ عندَ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- هالكٌ بسوءٍ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- أنها قالت: ذُكر عند النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- هَاِلكٌ، أي: شخصٌ ميّتٌ «بسوء» متعلق بـ«ذُكر» لا بـ«هالك». ذخيرة العقبى (19/ 126).

قوله: «فقال: لا تَذكُروا هَلكاكُم إلا بخَيرٍ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قوله: «هلكاكُم» كموتاكم وزنًا ومعنَى، ووقع في النسخة الهندية والكبرى بلفظ: «مَوتاكم» والله -تعالى- أعلم. ذخيرة العقبى (18/ 227).
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- أيضًا:
قال -صلى الله عليه وسلم-: «لا تذكُروا هلكاكُم» أي: أمواتكم، والهَلكى: بفتح الهاء، وسكون اللام، وفتح الكاف، بوزن فَعلى: جمع هالك، كما قال ابن مالك -رحمه الله تعالى- في الخلاصة (الألفية):
فَعْلَى لوصفٍ كقتيلٍ وزمِن *** وهالكٍ وميّتٍ به قمِن. ذخيرة العقبى (19/ 126).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«لا تذكروا هلكاكم» في رواية: «موتاكم إلا بخيرٍ» إلا أن تمسّ لذكره حاجة، كجرحه في شهادته وروايته، أو تحذير من بِدعته، وفساد طَويّته. فيض القدير (6/ 394).
وقال السندي -رحمه الله-:
«لا تذكُروا هلكاكُم إلا بخيرٍ» قيل: لعله ما نهى عن الثناء بالشر فيمَن قال في حقه: «وجبت...»؛ لخصوص النهي عن السب بغير المنافق والكافر، والمتظاهر بفسق وبدعة، وأما هؤلاء فلا يحرمُ ذكرهم بالشر؛ للتحذير عن طريقهم، والاقتداء بآثارهم والتخلق بأخلاقهم، فلعلّ الذي ما نهى عنه فيه كان من هؤلاء. حاشية السندي على سنن النسائي (4/ 52).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«لا تذكُروا هلكاكُم» أي: موتاكم «إلا بخيرٍ» سلف النهي عن سبّ الأموات، إلا أن تدعو حاجة دينيّة إلى جَرحه ونحوه، وتمام الحديث عند النسائي: «إن يكونوا من أهل الجنَّة تأثموا، وإن يكونوا من أهل النار فحسبُهم ما هم فيه». التنوير (11/ 95).
وقال النووي -رحمه الله-:
النهي عن سبّ الأموات هو في غير المنافق، وسائر الكفار، وفي غير المتظاهر بفسق أو بدعة، فأما هؤلاء فلا يحرمُ ذكرهم بشرّ؛ للتحذير من طريقتهم، ومن الاقتداء بآثارهم، والتخلق بأخلاقهم. المنهاج شرح صحيح مسلم (7/ 20).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
(النهي عن سب الأموات) مخصوصٌ بغير الكافر والمنافق والفاسق المتجاهر بفسقه، فهؤلاء ينبغي سبهم؛ إظهارًا لقبح ما كانوا عليه، وتحذيرًا من الاقتداء بهم في قولٍ أو عملٍ، ففي سبِّهم بهذا القصد فائدة أي فائدة؛ لأنَّ فيه نفع المسلمين، وتنبيه الغافلين.
وقد أَخذ من هذا الحديث (أي: حديث «لا تسبوا الأموات») أئمتنا قولهم: يحرم بلا غرض شرعي ذكر شيء من مساوئ الميت، بخلافه لغرض شرعي، وهو ما يبيح غيبة الحي، كتجاهره بفسقه، أو بدعته، حيث كان في الذِّكْر مصلحة. فتح الإله (6/88).
وقال ابن حزم -رحمه الله-:
لا يحل سبُّ الأموات على القصد بالأذى، وأما تحذيرٌ من كفرٍ أو بدعةٍ، أو من عمل فاسد فمباحٌ، ولعن الكفار مباح؛ لما روينا من طريق البخاري: نا آدم نا شعبة عن الأعمش عن مجاهد عن عائشة أم المؤمنين قالت: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا تسبوا الأموات؛ فإنهم قد أَفْضَوْا إلى ما قدَّموا» وقد سب الله تعالى أبا لهب، وفرعون؛ تحذيرًا من كفرهما، وقال تعالى: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائيل} المائدة: 78، وقال تعالى: {أَلَا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمينَ} هود: 18، وأخبر -عليه السلام-: «أنَّ الشَّمْلَة التي غلَّها مِدْعَم، تشتعل عليه نارًا» وذلك بعد موته. المحلى (3/ 383-384).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
وقيل: إن الأمر بالكفِّ عن مساوئ الميت خاص بغير الكافر والمنافق، فإنَّ المؤمن الفاسق، وإن جاز ذكر مساوئه حال حياته؛ ليبتعد عنها، ويَحْذَره الناس، لا يجوز ذكرها بعد وفاته؛ إذ لا فائدة فيه حينئذٍ، خصوصًا مع احتمال أنه مات تائبًا؛ ولذا قال الجمهور: لا يجوز لعن يزيد بن معاوية، والحجَّاج الثقفي، والميّت الذي ذكروه بالشر بحضرة النبي -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم- كان من المنافقين... في رواية الحاكم «أنه كان يبغض الله ورسوله». المنهل العذب المورود (9/ 91).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
الميِّت إذا كان أغلب أحواله الخير، لم يجز ذكر ما فيه من شر، ولا سبُّه به، وإن كان أغلب أحواله الشر فيباح ذكره منه، وليس ذلك مما نُهي عنه مِن سب الأموات، ويؤيد ذلك ما أجمع عليه أهل العلم من ذكر الكذابين وتجريح المجرَّحين. شرح صحيح البخاري (3/ 354).
وقال محمد بدر -رحمه الله-:
قد يخطر بالبال أنَّ النهي عن سبِّ الأموات من باب تهذيب الأخلاق، وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- بُعث ليُتمِّم مكارم الأخلاق، وليس السبُّ بعد الموت من الأخلاق الحسنة في شيء، وإذَنْ يشترك فيه المؤمن والكافر؛ فإن الرجل إذا أفضى إلى ما قدَّم، ولم تبقَ له معاملةٌ معنا، فحينئذٍ لا يناسب لنا أن نقع فيه، وحينئذٍ لا يكون في ذكر مساوئهم بأس إذا دعت إليه حاجة، فالتَّعميم فيه (أي: حديث «لا تسبوا الأموات») ليس مقصودًا ليشكلَ التخصيص، وإنما هو من الأمور التي لا يُقصد تعميمها في ذهن المتكلم من بدء الأمر، والله تعالى أعلم بالصواب. تحقيق فيض الباري (3/ 86).
وقال محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «مَن أَثْنَيْتُم شرًّا...» إلخ، قد يُشكل عليه النهي عن سب الأموات، فقد أخرج النسائي بإسناد صحيح عن عائشة -رضي الله عنهما- قالت: ذُكر عند النبي -صلى الله عليه وسلم- هالك بسوء، فقال: «لا تذكروا هلكاكم إلا بخير»، وأجيب عن هذا الإشكال بأوجه:
أحدها: أنَّ الذي تحدث عنه بالشر كان مستظهرًا له، ومشهورًا به.
الثاني: أنَّ محمل النهي إنَّما هو فيما بعد الدفن، وأما قبله، فيجوز؛ ليتعظ به الفساق، وهذا كما يكره لأهل الفضل الصلاة على المعلن بالبدع والكبائر.
الثالث: أنَّ الذي أثنى عليه الصحابة بالشر يحتمل أنْ يكون من المنافقين، ظهرت عليه دلائل النفاق، فشهدت الصحابة بما ظهر لهم؛ ولذلك قال -صلى الله عليه وسلم-: «وجبت له النار»، والمسلم لا تجب له النار، وهذا هو مختار القاضي عياض -رحمه الله-.
الرابع: أنَّ النهي عن سب الأموات متأخر عن هذا الحديث، فيكون ناسخًا، أفاده القرطبي -رحمه الله-.
(و) عندي أقربُ الأوجه هو الأول، وأبعدها آخرها؛ إذ النسخ يحتاج إلى معرفة التاريخ، ولم يُعرف هنا، فتبصَّر، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (18/ 416-417).

ولمزيد من الفائدة ينظر:

النهي عن سبِّ الأموات.

فتوى الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- في هل يجوز ذكر شر الميت للتحذير منه؟


إبلاغ عن خطأ