«لو أخطَأتُم حتّى تبلغَ خطاياكُم السماءَ، ثم تُبتم لتابَ اللهُ عليكُم».
رواه ابن ماجه برقم: (4248)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (5235)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (903).
غريب الحديث
«تُبتُم»:
التوبة: الرجوعُ من الذنب...، وتابَ إلى الله، يتوب توبًا وتوبة ومتابًا: أنابَ ورجعَ عن المعصيةِ إلى الطاعةِ. لسان العرب، لابن منظور (1/ 233).
وقال الجرجاني -رحمه الله-:
التوبة: الرجوعُ إلى اللهِ، بحلِّ عُقدة الإصرار عن القلب، ثم القيامُ بكل حقوقِ الرب...، وقيل: التوبة في اللغة: الرجوع عن الذنب...، والتوبة في الشرع: الرجوع عن الأفعال المذمومة إلى الممدوحة. التعريفات (ص: 70).
وقال الراغب -رحمه الله-:
التوبةُ في الشرعِ: تركُ الذنبِ لقُبحه، والندمُ على ما فَرَطَ منه، والعزيمةُ على ترك المعاودة، وتدارك ما أمكنه أن يتدارك من الأعمال. المفردات (ص: 169).
شرح الحديث
قوله: «لو أخطَأتُم حتّى تبلغَ خطاياكُم السّماءَ»:
قال مرتضى الزبيدي -رحمه الله-:
«لو أخطأتم حتى تبلغَ خطاياكم السماءَ...» قال المنذري: إسناده جيد، وأخرج ابن زنجويه في فوائده، عن الحسن بلاغًا: «لو أخطأ أحدُكم حتى تملأ خطيئته ما بين السماءِ والأرض، ثم تابَ، لتابَ اللهُ عليه»، وروى أحمد وأبو يعلى والضياء، من حديث أنس: «والذي نفسي بيده، لو أخطأتُم حتى تملأ خطاياكم ما بين السماءِ والأرض، ثم استغفرتم الله لغفرَ لكم»... ورواه ابن زنجويه من حديث أبي هريرة بلفظ: «والذي نفسي بيدِه، لو أنكم تخطئون حتى تبلغَ خطاياكم السماء، ثم تتوبون، لتابَ الله عليكم». تخريج أحاديث إحياء علوم الدين (5/ 2088).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«لو أخطأتُم» أي: لو أكثرتُم أيها المؤمنونَ الخطايا والذنوبَ «حتى تبلغَ خطاياكُم» في الارتفاع؛ لكثرتها «السماء». مرشد ذوي الحجا والحاجة (26/ 109).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«لو أخطأتُم حتى تبلغ خطاياكُم السماءَ» تنزيلٌ للمعلوم منزلة المحسوسِ، أي: تبلغ السماءَ مالئةً الآفاق. التنوير (9/ 137).
وقال الزبيدي -رحمه الله-:
«حتى تبلغ السماء» أي: لكثرتها، وتراكم بعضها على بعضٍ. إتحاف السادة المتقين (2/ 22).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«لو أخطأتم» أي: إن أذنبتم ذنوبًا كثيرةً «حتى تملأ خطاياكم» أي: سيئاتكم من كثرتها أو عظمتها «مما بين السماء والأرض» أي: كميّة أو كيفيّة. الحرز الثمين للحصن الحصين (3/ 1370).
قوله: «ثم تُبتم، لتابَ اللهُ عليكُم»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«ثم» بعد إكثارها «تُبتم» إلى الله من تلك الذنوب الكثيرة «لتابَ الله عليكم» أي: لقبِلَ اللهُ -عز وجل- توبتكُم منها، ولا يردّ عليكم توبتَكم منها؛ لأن قِلّتها وكثرتها سواءٌ عنده -تعالى-؛ يعني: أن كثرة الذنوب لا تمنع قبولَ التوبة؛ لسَعة رحمته -تعالى- لعباده، والله أعلم. مرشد ذوي الحجا والحاجة (26/ 109).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«ثم تبتُم لتابَ اللهُ عليكم»؛ لأن نارَ الندم تحرقُ جميع الخطايا، ونور الخشية يمحو عن القلب ظُلمة السيّئة، ولا طاقة لظلام الخطايا بنور الحسنات، كما لا طاقة لكدرِ الوسخ ببياض الصابون...، ورواه أحمد، وأبو يعلى، عن أنس يرفعه، وزاد في رواية في أوله القسم، فقال: «والذي نفسُ محمد بيده، لو أخطأتم حتى تملأ خطاياكم ما بين السماءِ والأرض، ثم استغفرتم لغُفر لكم». فيض القدير (5/ 312).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «لتابَ عليكٌم» يريد أن كثرة الذنوب لا تمنع عن التوبة. كفاية الحاجة (2/ 562).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
«ثم تبتُم لتابَ الله عليكُم...» قال العلماء: التوبة واجبة من كل ذنب، والتوبة قسمان: توبة من الله -تعالى- على العبد، وتوبة من العبد إلى الله -تعالى-، فتوبة الله -تعالى- على العبد أن يحبّبَ له الطاعة، ويكرّه إليه المعصيةَ، ويوفّقه للعمل بما حبّب الله إليه، قال الله -تعالى-: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ...} الحجرات: 7، فهذه هي التوبة من الله -تعالى- على العبد، وعن هذه التوبة تنشأُ توبة العبد، قال الله -تعالى-: {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا} التوبة: 118، أي: تاب عليهم لأجل أن يتوبوا، وما لم يتب الله على العبد لم تقع من العبد التوبة، وهذا معنى قولهم: العناية قبل الولاية، والسعادة قبل الولادة، واللواحق مبنية على السوابق. فتح القريب المجيب (12/ 404).
قال محمد الخادمي -رحمه الله-:
«ثم تبتُم لتابَ اللهُ -تعالى- عليكُم»؛ لعل هذا مختصّ بما بين العبدِ وبين الله، وغير الكفر (كذا قال، واستثناء الكُفْر إنما هو في حُكْم الآخرة، وإلا ففي الدنيا حتى الكفر يُتاب منه بالدخول في الإسلام الذي يجب ما قبله)؛ لما في الزينية عن سلمان وأنس -رضي الله تعالى عنهما- «ذنبٌ لا يُغفر، وذنبٌ لا يُترك، وذنبٌ عسى الله أن يغفره، فأما الذنب الذي لا يُترك: فمظالم العباد فيما بينهم، وأما الذنبُ الذي لا يغفر: فالشرك بالله -عز وجل-، وأما الذنب الذي يغفر: فذنب العباد فيما بينهم وبين الله -تعالى-»، وفي الجامع الصغير: قال الله -تعالى-: «يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني، غفرتُ لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبُك عنانَ السماء، ثم استغفرتني غفرتُ لك ولا أبالي، يا ابن آدم لو أنك لقيتني بقُراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقُرابها مغفرة». بريقة محمودية (3/ 143).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
إنَّ مَن له ذنوب فتاب من بعضها دون بعض، فإن التوبة إنما تقتضي مغفرة ما تاب منه، أما ما لم يتب منه فهو باقٍ فيه على حكم من لم يتب، لا على حكم من تاب، وما علمتُ في هذا نزاعًا إلا في الكافر إذا أسلم، فإنَّ إسلامه يتضمَّن التوبة من الكفر، فيُغفر له بالإسلام الكفر الذي تاب منه، وهل تغفر له الذنوب التي فعلها في حال الكفر ولم يتب منها في الإسلام؟ هذا فيه قولان معروفان:
أحدهما: يُغفر له الجميع؛ لإطلاق قوله -صلى الله عليه وسلم-: «الإسلام يهدم ما كان قبله» رواه مسلم، مع قوله تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} الأنفال: 38.
والقول الثاني: أنه لا يستحق أن يُغفر له بالإسلام إلا ما تاب منه، فإذا أسلم وهو مُصِرٌّ على كبائر دون الكفر فحكمه في ذلك حكم أمثاله من أهل الكبائر، وهذا القول هو الذي تدل عليه الأصول والنصوص. مجموع الفتاوى (159/ 90-91).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«ثم تبتُم» رجعتم إلى الله بالإقلاعِ والندم، والتدارك لما سلف «لتابَ الله عليكم» قَبِل توبتكم. التنوير (9/ 137).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
تابَ اللهُ عليه: غفرَ له، وأنقذه من المعاصي، فهو توّاب، مبالغة. المصباح المنير (1/ 78).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
ذنوبُ العباد وإن عظمتْ فإن عفو الله ومغفرته أعظمُ منها وأعظم، فهي صغيرة في جنب عفو الله ومغفرته... وقال آخر:
يا ربِّ إن عظمت ذنوبي كثرةً *** فلقد علمتُ بأن عفوكَ أعظمُ
إن كانَ لا يرجوكَ إلا محسنٌ *** فمَن الذي يرجو ويدعو المجرمُ
ما لي إليك وسيلةٌ إلا الرجا *** وجميلُ عفوكَ ثم إني مسلمُ
وقال آخر:
ولما قسا قَلبي وضاقت مَذاهبي *** جعلتُ رجائي نحو عفوك سُلَّما
تعاظمني ذنبي فلمّا قرنتُه *** بعفوك ربي كانَ عفوُك أعظَما. جامع العلوم والحكم (ص: 835).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
كثير من الناس إنما يفسِّر التوبة بالعزم على ألا يعاود الذنب، وبالإقلاع عنه في الحال، وبالندم عليه في الماضي، وإن كان في حق آدمي فلا بد من أمر رابع، وهو التحلل منه، وهذا الذي ذكروه بعض مسمّى التوبة بل شطرُها، وإلا فالتوبة في كلام الله ورسوله كما تتضمن ذلك، تتضمن العزم على فعل المأمور والتزامه، فلا يكون بمجرد الإقلاع والعزم والندم تائبًا، حتى يوجد منه العزمُ الجازمُ على فعل المأمور، والإتيان به...، فإنَّ حقيقة التوبة: الرجوع إلى الله بالتزام فعل ما يحبّ، وترك ما يكره، فهي رجوعٌ من مكروه إلى محبوب، فالرجوع إلى المحبوب جزء مسمّاها، والرجوع عن المكروه الجزء الآخر. مدارج السالكين (1/ 472 - 473).
وقال ابن القيم -رحمه الله- أيضًا:
المبادرةُ إلى التوبةِ من الذَّنبِ فرضٌ على الفَوْر، لا يجوزُ تأخيرُها؛ فمتى أخَّرها عصى بالتأخير، فإذا تاب من الذَّنبِ بقي عليه توبةٌ أُخرى، وهي توبتُه من تأخيرِ التوبة.
وقلَّ أن يَخطُرَ هذا ببالِ التائب، بل عنده: إذا تابَ من الذنبِ لم يَبقَ عليه شيءٌ آخر، وقد بقي عليه التوبةُ من تأخيرِ التوبة.
ولا يُنْجي من هذا إلا توبةٌ عامَّةٌ ممَّا يَعلمُ من ذنوبِه وممَّا لا يَعلم، فإنَّ ما لا يَعلمُه العبدُ من ذنوبِه أكثرُ ممَّا يَعلم. مدارج السالكين (1/ 422).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
مهما كثرت الذنوب والخطايا؛ فإن الله -تعالى- يغفرها، لكن يحتاج أن يستغفر الإنسان...، والاستغفار يكون على وجهين:
الوجه الأول: طلب المغفرة باللفظ، بأنْ يقول: اللهم اغفر لي، أو أستغفر الله.
الوجه الثاني: طلب المغفرة بالأعمال الصالحة التي تكون سببًا لذلك، كقوله: «من قالَ: سبحانَ الله وبحمدِه في اليوم مائة مرة، غُفرت خطاياه، وإن كانت مثلَ زبد البحر». شرح الأربعين النووية (ص: 248).
ولمزيد من الفائدة يُنظر: عفو الله أعظم من ذنوبك ولو بلغت عنان السماء.
وينظر فتوى الشيخ ابن باز -رحمه الله- في من ترك الصلاة حتى العشرين من عمره ثم تاب، هل يُحاسب على ما فات؟