الأحد 28 ربيع الآخر 1448 | 2026-10-11

A a

«المؤمنُ يموتُ ‌بعَرَقِ ‌الجَبينِ».


رواه أحمد برقم: (22964)، والترمذي برقم: (982)، والنسائي برقم: (1829)، وابن ماجه برقم: (1452) من حديث بريدة -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (6665)، صحيح سنن النسائي برقم: (1725).


غريب الحديث


«بعَرَقِ»:
العَرَقُ: ما جرى من أصول الشَّعر، عَرَقَ يَعْرَقُ عَرَقًا، وعَرَّقَ فرسه تَعْرِيقًا: أجراه حتى عرق. غريب الحديث، للحربي (3/ 1010).
وقال ابن فارس -رحمه الله-:
عرق: العين والراء والقاف أربعة أصول صحيحة، أحدها: الشيء يتولد من شيء كالندى والرشح، وما أشبهه. مقاييس اللغة(4/ 283).

«‌الجَبينِ»:
فوق الصُّدْغِ، وهما جبينان عن يمين الجبهة وشمالها. مختار الصحاح، للرازي (ص: 53).
وقال ابن قتيبة -رحمه الله-:
الجبهة: موضع السجود، والجبينان: يكتنفانها من كل جانب، ثم الصُّدْغَان: مَنْبتُ الشَّعر مع الجبين، ثم الخد: أسفل من ذلك إلى الأنف، والوجنة: وسط الخد، وهي ما يحمرُّ من الخد، فإنْ كانت غليظةً فهي جهمة، وإن كانت قليلة اللحم قيل: أسيل الخد. الجراثيم (1/ 159).


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «المؤمنُ يموتُ ‌بعَرَقِ ‌الجَبينِ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قال: «بعرق ‌الجبين» العرق -بفتحتين-: ما جرى من أصول الشعر، من ماء الجلد، اسم جنس، لا يجمع، قاله في اللسان.
والجبين -بفتح فكسر- ناحية الجبهة، من محاذاة النزعة إلى الصدغ، وهما جبينان عن يمين الجبهة وشمالها، قاله الأزهري وابن فارس وغيرهما، فتكون الجبهة بين جبينين، وجمعه جُبُن -بضمتين، مثل بريد وبُرُد، وأجبنة، مثل أسلحة، قاله في المصباح. ذخيرة العقبى(18/ 228).
قال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «المؤمن يموت بعَرَق» بفتح العين المهملة والراء «الجبين» أي: متلبسًا ‌بعرق ‌الجبين. مرعاة المفاتيح (5/ 301).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
أراد بـ«عرق الجبين» ما يكابده من شدة السياق التي يعرق دونها الجبين؛ وفي حديث ابن مسعود -رضي الله عنه-: «موت المؤمن بعرق الجبين؛ تبقى عليه البقية من الذنوب، فيُحَارَفُ بها عند الموت» أي: يشدَّد عليه لتُمَحَّصَ عنه ذُنوبه، من قولهم: حُوْرِفَ كسبُ فلان: إذا شُدِّد في معاشه؛ كأنه ميل برزقه عنه...، ونقل عن ابن سيرين؛ أنه قال: عَلَمٌ بيِّنٌ من المؤمن عرق الجبين.
وقد ذهب بعض أهل الفهم: إلى أن المراد من عرق الجبين: كدُّ المؤمن في طلب الحلال، وتضييقه على النفس بالصوم والصلاة حتى يلقي الله، وهذا وإن كان وجهًا لا بأس به، فإن التأويل هو الأول. الميسر (2/ 383).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «المؤمن يموت ‌بعرق ‌الجبين» رواه بريدة، يعني: يشتد الموت على المؤمن، وتكون سكرة موته شديدة بحيث يخرج منه العرق من الشدة؛ وذلك ليتخلص ويتطهر من ذنوبه الباقية عليه، ويزيد درجته. المفاتيح (2/ 418).
وقال أبو عبد الله القرطبي -رحمه الله-:
روي عن سلمان الفارسي -رضي الله عنه- قال: سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «ارقبوا للميت عند موته ثلاثًا: إنْ رَشَحَ جبينه، وذرفت عيناه، وانتشر منخراه، فهي رحمة من الله قد نزلت به، وإن غطَّ غطيط البَكْر (الفتي من الإبل) المخنوق، وخمد لونه، ‌وأَزْبَدَ ‌شِدْقَاه (خرج منه الزَّبَد)، فهو عذاب من الله تعالى قد حل به»... وقال بعض العلماء: إنما ‌يعرق ‌جبينه ‌حياء ‌من ‌ربه لما اقترف من مخالفته؛ لأن ما سفل منه قد مات، وإنما بقيت قوى الحياة وحركاتها فيما علا، والحياء في العينين؛ وذلك وقت الحياء، والكافر في عمى عن هذا كله، والموحِّد المعذَّب في شغل عن هذا بالعذاب الذي قد حل به.
وإنما العرق الذي يظهر لمن حلَّت به الرحمة، فإنه ليس من ولي ولا صدِّيق ولا بر إلا وهو مستحي من ربه، مع البشرى والتحف والكرامات.
قلتُ: وقد تظهر العلامات الثلاث، وقد تظهر واحدة، وتظهر اثنتان، وقد شاهدنا عرق الجبين وحده؛ وذلك بحسب تفاوت الناس في الأعمال، والله أعلم. التذكرة (ص: 147).
وقال السيوطي -رحمه الله-:
«المؤمن يموت ‌بعرق ‌الجبين» قال العراقي في شرح الترمذي (أغلبه ما زال مخطوطًا): اختُلف في معنى هذا الحديث: فقيل: إن عرق الجبين يكون لِمَا يعالج من شدة الموت، وعليه يدل حديث ابن مسعود...، وقيل: إن عرق الجبين يكون من الحياء؛ وذلك أن المؤمن إذا جاءته البشرى مع ما كان قد اقترف من الذنوب حصل له بذلك خَجَلٌ واستحياءٌ من الله تعالى، فيعرق بذلك جبينه...
قال العراقي: ويحتمل أن عرق الجبين علامة جعلت لموت المؤمن، وإن لم يعقل معناه. حاشية السيوطي على سنن النسائي (4/ 3).
وقال محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- معلقًا:
عندي أنَّ الاحتمال الأخير الذي ذكره العراقي -رحمه الله- هو الظاهر، والله تعالى أعلم بالصواب. ذخيرة العقبى (18/ 229).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
يعني به النبي -صلى الله عليه وسلم-... من هول الموت أنَّه لا يجد مِن شدته إلا بمقدار ما يفيض به جبينه، ويتفصد. عارضة الأحوذي (4/161).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«المؤمن يموت ‌بعرق ‌الجبين» أي: عرق جبينه حال موته علامة إيمانه. فيض القدير (6/ 253).
وقال المناوي -رحمه الله- معلقًا:
ويؤيد الأول (أي: كون عرق الجبين حال الموت علامة الإيمان) ما أخرج الحكيم (الترمذي) عن سلمان: أنه قال عند موته: سمعتُ النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «ارقب الميت عند موته ثلاثًا، فإن رشح جبينه، وذرفت عيناه، فهو رحمة نزلت به، وإنْ غطَّ غطيط البَكْرِ المخنوق، وخمد لونه، وأَزْبَدَ شدقه، فهو عذاب». فيض القدير (6/ 253).
وقال المغربي -رحمه الله-:
المعنى على الأول (أي: أنَّ ما يكابده من شدة السياق التي يعرق دونها جبينه أي يشدد عليه تمحيصًا لبقية ذنوبه): أن حالة الموت وخروج الروح شديدة عليه، فهو صفة لكيفية الموت وشدته على المؤمن.
والمعنى على الثاني (أي: كناية عن كد المؤمن في طلب الحلال، وتضييقه على نفسه): أنه يدركه الموت في حال كونه على هذه الحال الشديدة التي يعرق منها الجبين، فهو صفة للحال الذي يفاجئه الموت عليها، والله أعلم. البدر التمام (4/ 127- 128).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«المؤمن يموت ‌بعَرَق ‌الجبين» يعرف موته بذلك، وهو علامة إيمانه؛ وذلك أنه لا يموت حتى تأتيه البشرى بحسن مُنْقَلبه، فعند ذلك يستحي من ربه تعالى ويخجل ويفرح، فيعرق جبينه، وقيل: معناه: أنَّ المؤمن يهون عليه شدة كرب الموت فلا يجد مِن شدته إلا قدر ما يعرق من جبينه، ويؤيد الأول ما أخرجه الحكيم (الترمذي) عن سلمان أنه قال عند موته: سمعتُ النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «ارقب المؤمن عند موته ثلاثًا: فإن رشح جبينه، وذرفت عيناه فهو رحمة نزلت به، وإن غط غطيط البَكْر المخنوق، وخمد لونه، وأزبد شدقه فهو عذاب» التنوير (10/ 450).
وقال الكنكوهي -رحمه الله-:
قوله: «المؤمن يموت ‌بعرق ‌الجبين» يعني: أن المؤمن يموت بشدائد وكروب يقاسيها في سكرات الموت، فإنَّ عرق الجبين يلزم الشدة، وكثرة الجد، فكنى به عنها، أو المعنى: أن المؤمن لا يزال في آلام ومحن وشدائد حتى الموت، والباء حينئذٍ للملابسة، يعني: أنه يلابس الشدائد ويباشرها من حين ولد، أو من حين أدرك وخوطب بأحكامه تعالى، وكُلِّف بتكاليف الشرع إلى أن يموت، فيتخلص من جميع ذلك، والفرق بينهما ظاهر، فإن مؤدى التوجيه الأول بيان الشدة على المؤمن وقت الموت فحسب، وفي الثاني مقاساته الشدائد في كل عمره، وقيل: معنى الحديث: أن المؤمن يموت حين يعرق جبهته، وينبغي أن ينضم إلى ذلك علامات أخرى، ومعنى تعرُّق الجبين حينئذٍ باقٍ على حقيقته الظاهرة، وليس كناية عن الشدة. الكوكب الدري (2/ 168- 169).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
قوله: «المؤمن يموت ‌بعرق ‌الجبين» في شرح حديث الباب أقوال:
قيل: إن عرق الجبين حسًّا عند الموت من علامات الخير.
وقيل: ليس العرق حسًّا، بل المراد أنه يكون في الشدة قبل النزع، وتكون الشدة كفارة للسيئات.
وإن قيل: إن هذا يخالف ما في المشكاة يدل على خروج روح المؤمن بالسهولة، فقال العلماء القائلون بالشرح الثاني: إن المؤمن تحمَّل الغمرات قبل النزع، وأما حالة النزع فيخرج روحه سهلًا، والطالح لا يخرج روحه إلا بالتشديد...
وقيل في شرح حديث الباب: إن المراد: تحمَّل الشدة في حالة الحياة حين كسب رزقه الحلال، والله أعلم، وهو كذلك في التوراة. العرف الشذي (2/ 306).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قال -عليه الصلاة والسلام-: «المؤمن يموت» «المؤمن» مبتدأ، وجملة «يموت» خبرها، وقوله: «بعرق الجبين» الباء هذه للملابسة والمصاحبة؛ أي: يموت وجبينه في عرق، ما معنى هذا؟ قيل: معناها: أن المؤمن يشدَّد عليه النزع حتى يعرق جبينه.
وقيل: معناه: أن المؤمن يعمل ويكدح، ويتطوع لله -عز وجل- حتى يأتيه الموت وهو لا يزال في عناء العمل ومشقته، فهذان قولان، والحديث يحتملهما، وهما لا يتعارضان، وقد بيّنا مرارًا أن النص إذا كان يحتمل المعنيين ولا معارضة بينهما فإنه يحمل عليهما، فإن تعارضا طلب المرجح.
وعلى هذا فنقول: إن الحديث له معنيان، وربما يكون له معنى ثالث أيضًا وهو أن المؤمن يموت وهو في حياء وخجل من الله -عز وجل-، والعادة أن الإنسان إذا صار عنده خجل وحياء تعرَّق جبينه، والكافر -والعياذ بالله- قلبه قاسٍ ليس عنده خجل ولا حياء من الله -سبحانه وتعالى-. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 502- 503).
وقال الغزالي -رحمه الله-:
أعلم أنَّ المحبوب عند الموت مِن صورة المحتضر هو الهدوء والسكون، ومِن لسانه أنْ يكون ناطقًا بالشهادة، ومِن قلبه أنْ يكون حسن الظن بالله تعالى. إحياء علوم الدين (4/ 465).
وقال الترمذي -رحمه الله- بعد ذكر هذا الحديث:
هذا حديث حسن، وقد قال بعض أهل الحديث: لا نعرف لقتادة سماعًا من عبد الله بن بريدة (أي: أنه منقطع). سننه (3/ 302).
وقال محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- متعقبًا:
فإنْ قلتَ: قتادة مدلس، ولم يصرح بالسماع من ابن بريدة، وقال الإمام الترمذي -رحمه الله-: قال بعض أهل الحديث: لا نعرف لقتادة سماعًا من عبد الله بن بريدة، وأيضًا تكلم بعضهم في سماع عبد الله بن بريدة من أبيه، فكيف يصح؟
أُجيب: بأنَّ قتادة لم ينفرد به، بل رواه معه كهمس بن الحسن، كما في الإسناد التالي، وأما سماع عبد الله من أبيه، فالجمهور على صحته، وقد أخرج الشيخان له من روايته عن أبيه، وكفى بذلك صحة، والله تعالى أعلم. ذخيرة العقبى (18/ 229).
وقال الشيخ عبد القادر شيبة الحمد -رحمه الله-:
ولعل الترمذي يعني ببعض أهل الحديث الذين نفوا سماع قتادة من ابن بريدة: الإمام البخاري -رحمه اللَّه-، فقد جاء في تهذيب التهذيب: وقال البخاري: لا يشبه أنَّ قتادة سمع من بشر بن عائذ؛ لأنه قديم الموت، ولا نعرف له سماعًا من ابن بريدة، اهـ. فقه الإسلام شرح بلوغ المرام (3/ 4).

ولمزيد من الفائدة يُنظر:

- حكم من مات إلى غير القبلة.

حديث: «نَفْسُ المؤمن تخرج رشْحًا»


إبلاغ عن خطأ