«دُعِيَ رسولُ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- إلى جَنَازَةِ صبيٍّ مِن الأنصارِ، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ طُوبَى لهذا، عصفورٌ مِن عصافيرِ الجنَّةِ لم يعملِ السُّوءَ ولم يُدْرِكْهُ، قال: أَوَ غير ذلك يا عائشةُ؟ إنَّ اللهَ خَلَقَ للجنَّةِ أهلًا، خَلَقَهُمْ لها وهم في أَصْلَابِ آبائِهِمْ، وخَلَقَ للنَّارِ أهلًا، خَلَقَهُمْ لها وهم في أصلابِ آبائِهِمْ».
رواه مسلم برقم: (2662)، من حديث عائشة -رضي الله عنها-.
غريب الحديث
«أَصْلَاب»:
جمع صُلْب، وهو الظَّهر. النهاية، لابن الأثير (3/ 44).
والصُّلْبُ والصُّلُبُ والصَّلَبُ: عَظْمُ الظهر. المحيط، للصاحب ابن عباد (2/ 224).
وقال ابن فارس -رحمه الله-:
الصاد واللام والباء أصلان: أحدهما يدل على الشدة والقوة...، فالأول: الصُّلْبُ، وهو الشيء الشديد، وكذلك سُمي الظَّهْر صُلْبًا لقوَّته. مقاييس اللغة(3/ 301).
شرح الحديث
قولها: «دُعي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى جنازة صبي من الأنصار»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قولها: «دُعي» مجهول «رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» أي للصلاة «إلى جَنازة صبي» بفتح الجيم، وتُكسر. مرقاة المفاتيح (1/ 155).
قولها: «فقلتُ: يا رسول الله، طُوبى لهذا»:
قال البيضاوي -رحمه الله-:
قولها: «طُوبى» فُعلى، تأنيث: أطيب، وطوبى له، معناه: أطيب المعيشة له. تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة (1/ 93).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قولها: «طُوبى لهذا» وزْنُه: فُعلى، مِن طاب يطيب؛ أي: الراحة وطيب العيش حاصل لهذا الصبي. المفاتيح في شرح المصابيح (1/ 182).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قولها: «طُوبى...» معناه: أطيب خيرًا على الكناية؛ لأن إصابة الخير مستلزم لطيب العيش له، فأَطلق اللازم وأراد الملزوم. الكاشف عن حقائق السنن (2/ 536).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
قولها: «طوبى» اسم الجنة، وقيل: شجرة فيها، وأصلها فُعلى من الطِّيب، فلما ضُمت الطاء انقلبت الياء واوًا، «لهذا» الصبي. شرح سنن أبي داود (18/ 278).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قولها: «طُوبى لهذا»...واختلفوا في معناه، فقال ابن عباس في قوله تعالى: {طُوبَى لَهُمْ} الرعد: 29، معناه: فَرَح وقُرة عين لهم، وقيل: الحسن، وقيل: خير وكرامة لهم، وقيل: اسم الجنة بالحبشية، وقيل: اسمها بالهندية، وقيل: اسم شجر في الجنة...، وقيل: طوبى تأنيث أطيب أي: الراحة وطيب العيش حاصل لهذا الصبي. مرقاة المفاتيح (1/ 155).
قولها: «عُصْفُورٌ من عَصافير الجنة»:
قال المظهري -رحمه الله-:
قولها: «عصفور من عصافير الجنة» العصفور: الطير المعروف، سمَّته عصفورًا لعلَّتين:
أحدهما: كونه صغيرًا، كما أن العصفور صغير بالنسبة إلى ما هو أكبر منه من الطير.
والعلة الثانية: كونه خاليًا من الذنوب من عدم كونه مكلَّفًا، كما أن العصفور ليس له ذنب؛ لكونه غير مكلف. المفاتيح في شرح المصابيح (1/ 182).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قولها: «عصفور من عصافير الجنة» فيه إشكال؛ لأنه ليس من باب التشبيه، كما تقول: هذا كعصفور من عصافير الجنة؛ إذ ليس المراد أن ثمة عصفورًا، وهذا مشابه به، ولا من باب الاستعارة؛ لأن المشبه والمشبه به مذكوران؛ لأن التقدير هو عصفور، والمقدر كالملفوظ.
قلتُ: هو من باب الادعاء، كقولهم: تحية بينهم ضربٌ وجيع، وقولهم: القلم أحد اللسانين، جعل بالادعاء التحية والقلم ضربين، أحدهما: المتعارف من الضرب واللسان، والآخر غير المتعارف من الضرب واللسان، فبين في الأول بقوله: ضرب وجيع، أن المراد غير المتعارف، كما بيَّن في الثاني بقوله: أحد اللسانين، أن المراد منه غير المتعارف، جَعَلت -رضي الله عنها- العصفور صنفين أحدهما: المتعارف، وثانيهما: الأطفال من أهل الجنة، وعنيت بقولها: «من عصافير الجنة» أن المراد الثاني. الكاشف عن حقائق السنن (2/ 536).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قولها: «عصفور من عصافير الجنة» إنما قالت هذا عائشة؛ لأنَّها بنت على أن كل مولود يولد على فطرة الإسلام، وأن الله تعالى لا يعذِّب حتى يبعث رسولًا، فحكمت بذلك، فأجابها النبي -صلى الله عليه وسلم- بما ذكر. المفهم (6/ 679).
قولها: «لم يعمل السُّوء ولم يُدركه»:
قال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قولها: «لم يعمل السوء» إشارة إلى سبب كونه من أهل الجنة. لمعات التنقيح (1/ 353).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«لم يعمل السوء» أي: الذنب، وضمان مُتلفه في ماله، من باب خطاب الوضع، لا لكونه ارتكب إثمًا. فتح الإله في شرح المشكاة (1/438).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قولها: «لم يعمل سوءًا» أي: لم يعمل ذنبًا، وإن عمل الصبي ذنبًا لم يُكتب عليه قبل البلوغ، هذا إذا كان الذنب من حقوق الله تعالى، أما إذا كان إتلاف مال أحد يؤخذ به الغُرم، وإن قتل أحدًا لم يُقْتَصَّ منه، ولكن يؤخذ منه الدية، وإن سرق مالًا يؤخذ منه المال ولم تُقطع يده؛ لأن قطع يد السارق من حقوق الله تعالى. المفاتيح في شرح المصابيح (1/ 182) (1/ 183).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قولها: «ولم يُدْرِك» أي: ولم يلحقه السوء فيكون تأكيدًا، أو لم يدرك هو السوء أي: وقته لموته، قيل: التكليف فضلًا عن عمله، والتأسيس أولى ومع إفادة المبالغة أحرى. مرقاة المفاتيح (1/ 155-156).
وقال السندي -رحمه الله-:
قولها: «ولم يدركه» أي: لم يدرك أوانه بالبلوغ. كفاية الحاجة في شرح سنن ابن ماجه (1/ 43).
قوله: «أَوَ غير ذلك يا عائشة؟»:
قال ابن الجوزي -رحمه الله-:
قوله: «أوَ غير ذلك؟» إنما نهاها أن تقطع للأطفال بالجنة؛ لأن القطع على علم الغيب ليس إليها. كشف المشكل (4/ 419).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «أوَ غير ذلك؟» بسكون الواو، يعني: قال رسول الله -عليه السلام: يا عائشة بأي شيء علمتِ أن هذا الصبي من أهل الجنة؟ فلعله لم يكن كذلك حكمُ الله تعالى ما قلتِ أو غير ذلك. المفاتيح في شرح المصابيح (1/ 183).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «أوْ غيرُ ذلك؟»... يجوز أن يكون «أو» بمعنى: بل... (كـ) قوله تعالى: {وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} الصافات: 147، بل يزيدون، كأنه -عليه الصلاة والسلام- لم يرتض قولها -رضي الله عنها- فأضرب عنه، وأثبت ما يخالفه؛ لما فيه من الحُكم بالغيب، والجزم بتعيُّن إيمان أبويِّ الصبي أو أحدهما؛ إذ هو تبع لهما، ومرجع معنى الاستفهام إلى هذا؛ لأنه لإنكار الجزم، وتقرير لعدم التعيين، ولعل الرد كان قبل إنزال ما أنزل عليه في وِلْدَان المؤمنين. الكاشف عن حقائق السنن (2/ 536).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«أوَ غير ذلك؟» الذي هو كُفْرُه يحتمل وقوعه، ويحتمل أنَّ الواو ساكنة، فتكون (أوْ) للتشكيك، أي: الواقع هذا أو غير ذلك؟ أو بمعنى (بل) أي: بل الواقع غير ذلك كذا، لكن قيل: وفي هذا الأخير نظر؛ لأنه يلزم عليه الجزم بأنَّ ذلك الصبي غير مسلم، أو ليس من أهل الجنة، وليس كذلك، بدليل تقريره -صلى الله عليه وسلم- الناس على الصلاة عليه، ومعاملته معاملة المسلمين. فتح الإله في شرح المشكاة (1/438).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
قوله: «أو غير ذلك؟»...لعله -صلى الله عليه وسلم- نهاها عن المسارعة إلى القطع من غير أن يكون عندها دليل قاطع، أو أنه -صلى الله عليه وسلم- قال هذا قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين في الجنة. إرشاد الساري (9/ 349).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
قوله: «أو غير ذلك؟» بتحريك الواو، ورفع «غير» وهو المشهور رواية، فالهمزة للاستفهام، والواو للحال؛ أي: أتعتقدين ما قلتِ والحق غير ذلك؟ «يا عائشة» وهو عدم الجزم بكونه من أهل الجنة، وإنما نهاها -عليه الصلاة والسلام- عن ذلك مع أن أطفال المؤمنين أتْبَاع لآبائهم؛ لأنها إشارة إلى طفل معين، فالحكم على شخص معين بأنه من أهل الجنة لا يجوز من غير ورود النص؛ لأنه مِن علم الغيب، ويحتمل أن يكون نهاها قبل نزول ما نزل في حق وِلْدَان المؤمنين بأنهم تبع لآبائهم، والتبعية في الدنيا من الإيمان والكفر، وحكمها من أمور الآخرة. شرح المصابيح (1/ 102).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «أوْ غير ذلك؟» أي: أوْ يكون غير ما ذكرتِ «يا عائشة»، وأراد -عليه السلام- بذلك أن أحدًا لا يُجزم عليه بأنه من أهل الجنة، وإن كان صغيرًا لم يعمل سوءًا قط إلا الأنبياء -عليهم السلام-؛ فإنهم مقطوع لهم بالجنة، وكذلك من شهد له النبي -عليه السلام- بالجنة. نخب الأفكار (7/ 414).
وقال ابن حبان -رحمه الله-:
أراد النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله هذا ترك التزكية لأحد مات على الإسلام؛ ولئلا يُشهد بالجنة لأحد وإن عُرف منه إتيان الطاعات والانتهاء عن المزجورات؛ ليكون القوم أحرص على الخير، وأخوف من الرب، لا أن الصبي الطفل من المسلمين يُخاف عليه النار. صحيح ابن حبان (5/ 45).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
قوله: «أوْ» بإسكان الواو للإضراب عن الأول، أو التقسيم، يعني: إما له (طوبى) أو «غيرُ» بالرفع «ذلكِ» بكسر الكاف؛ لأن المخاطب مؤنث، قيل: إنه لم ينكر عليها بأن حكمت له بطوبى، بل أنكر لمبادرتها إلى الجواب والجزم بأنه من أهل الجنة دون تعليق بالمشيئة...، ومنه إرشاد الأمة إلى التوقف عند الأمور المبهمة، والسكوت عنها إلى أن يرد الحكم. شرح سنن أبي داود (18/ 278-279).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
وإنما ردَّ على عائشة -رضي الله عنها-؛ لأنها تكلمت بما ليس لها علم به، وإن كانت مصيبة فيما قالت. بذل المجهود في حل سنن أبي داود (13/ 129).
قوله: «إنَّ اللهَ خلق للجنة أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قوله: «يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلًا» يدخلونها، ويتنعمون بها، «خلقهم» كرره لإناطة أمر زائد به، وهو قوله: «وهم في أصلاب آبائهم» وإنما يظهر منهم من الأعمال ما قُدِّر في الأزل. مرقاة المفاتيح (1/ 156).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
قوله: «يا عائشة، إن الله خلق الجنة، وخلق لها أهلًا، وخلقها» أي: الجنة «لهم وهم في أَصْلابِ آبائهم» أي: قبل وِلادتِهم. بذل المجهود في حل سنن أبي داود (13/ 131-132).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
«وهم في أصلاب آبائهم» احتمل آدم، أي: حين كانوا في صلبه، واحتمل أبناءه، أي: حين كانوا في أصلاب آبائهم المنزلة منهم. الأزهار شرح مصابيح السنة مخطوط لوح (46).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
قوله: «يا عائشة، إنَّ الله تعالى خلق الجنة وخلق لها أهلًا، وخلقها لهم وهم في أصلاب آبائهم» لا يعارِض هذا ما تقدم أنه يُكتب وهو في بطن أمه شقي أو سعيد؛ لما تقرر مِن أن قضاء الله وقدره راجع إلى علمه وقدرته، وهما أزليان لا أوَّل لهما، ومقصود هذه الأحاديث كلها أنَّ قَدَر الله سابق على حدوث المخلوقات، وأنَّ الله يُظهر من ذلك ما شاء لمن شاء متى شاء قبل وجود الأشياء. شرح سنن أبي داود (18/ 279).
قوله: «وخلق للنار أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم»:
قال السهارنفوري -رحمه الله-:
قوله: «وخلق النارَ، وخلق لها» أي: للنار «أهلًا، وخلقها لهم وهم في أصلاب آبائهم» فهم في النار بِحكم القدَر من قَبل ولادتهم. بذل المجهود في حل سنن أبي داود (13/ 132).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قوله: «وخلق للنار أهلًا» فيه إيماء إلى أنه لا اعتراض، فإنهم أهل لها أهليةً لا يعلمها إلا خالقها، «خلقهم لها، وهم في أصلاب آبائهم» وإنما يظهر منهم من الأعمال ما قُدِّر في الأزل. مرقاة المفاتيح (1/ 156).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
قوله: «وخلق النار» ظاهره أنه خلقها والجنة قبل خلق الموجودات، «وخلق لها» أي: لأجل دخولهم فيها «أهلًا» معيَّنين عند الله تعالى، «وخلقها لهم وهم» هذه الواو واو الحال، أي: خلقها لهم في حال كونهم «في أصلاب آبائهم» وآباء آبائهم، وإن علوا. شرح سنن أبي داود (18/ 279).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «وهُم في أصلاب آبائهم» كلام مجمل يحتمل أنهم مع الآباء والأمهات وإن لم يعملوا عملًا يستوجبون بذلك؛ إذ خُلقوا له، وكتب عليهم، ويحتمل أنهم وهذه الحال وإن خالفوا حال آبائهم، وليس في قوله: «وهم في أصلاب آبائهم» معارضة لقوله: «ثم يكتب شقي أو سعيد» في الأحاديث الأُخَر، وهو في بطن أمه؛ إذ قد قدَّمنا أن قَدَرَ الله بذلك أزلي لا أوَّل له، وإنما الكتاب هو الذي يكون وهو في بطن أمه، وهذا الحديث إشارة إلى أنَّ هذه صفاتهم، مِن أنَّ القَدَر قد مضى فيهم وسبق وهم بعد لم يوجَدوا خَلقًا، ولا حصلوا في بطون الأمهات، ولا حصل لهم اسم الأولاد. إكمال المعلم (8/ 152).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «وهُم في أصلاب آبائهم»...ومقصود هذه الأحاديث كلها أنَّ قَدَر الله سابق على حدوث المخلوقات، وأن الله تعالى يُظهر من ذلك ما شاء لمن شاء متى شاء قبل وجود الأشياء. المفهم (6/ 680).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «وهم في أصلاب آبائهم»... قدَّر لهم السعادة والشقاوة في الأزل، ثم كتب في اللوح، ثم أخرج الذرية من صلب آدم -عليه السلام-، وحكم لبعضهم بالجنة، ولبعضهم بالنار، ثم أمر ملك الأرحام ليكتب السعادة والشقاوة على جبهة الولد في الرحم قبل أن ينفخ فيه الروح، فيحتمل أن يشير بقوله: «وهم في أصلاب آبائهم» إلى استخراج الله تعالى الذرية من ظهر آدم -عليه السلام- ويحتمل أن يشير إلى صلب أبِ كل مولود، والتقدير: قد جرى في الأزل، وأشار رسول الله -عليه السلام- إلى وقت كون النُّطف في أصلاب الآباء للتفهيم؛ ولأن هذا الأوان أقرب إلى الناس. المفاتيح في شرح المصابيح (1/ 183).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قوله: «وهم في أصلاب آبائهم» والجملة حال اهتمامًا...، قيل: عَيَّن في الأزل من سيكون من أهل الجنة، ومَن سيكون من أهل النار، فعبَّر عن الأزل بأصلاب الآباء تقريبًا لأفهام العامة. مرقاة المفاتيح (1/ 156).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
قوله: «خلقها لهم وهم في أصلاب آبائهم» ليس فيه تصريح بأنهم في النار أو في الجنة، فنقول: إنما كَتب قبل خلقهم أنهم في الجنة من غير عملٍ عملوه. بذل المجهود في حل سنن أبي داود (13/ 129).
وقال النووي -رحمه الله-:
في حديث عائشة توفي صبي من الأنصار فقالت: «طوبى له عصفور من عصافير الجنة...» أجمعَ مَن يُعتد به من علماء المسلمين على أنَّ من مات من أطفال المسلمين فهو من أهل الجنة؛ لأنه ليس مكلَّفًا، وتوقف فيه بعض من لا يُعتد به؛ لحديث عائشة هذا...، ويحتمل أنه -صلى الله عليه وسلم- قال هذا قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين في الجنة، فلما علم قال ذلك في قوله -صلى الله عليه وسلم-: «ما من مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم»... وأما أطفال المشركين ففيهم ثلاثة مذاهب: قال الأكثرون: هم في النار تبعًا لآبائهم، وتوقفت طائفة فيهم، والثالث: وهو الصحيح الذي ذهب إليه المحققون: أنهم من أهل الجنة، ويستدل له بأشياء، منها حديث إبراهيم الخليل -صلى الله عليه وسلم- حين رآه النبي -صلى الله عليه وسلم- في الجنة وحوله أولاد الناس قالوا: يا رسول الله وأولاد المشركين؟ قال: «وأولاد المشركين» رواه البخاري في صحيحه، ومنها قوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} الإسراء: 15. شرح مسلم (16/ 207-208).
وقال المازري -رحمه الله-:
أمّا أطفَال المؤمنين الذين لم يبلغوا الحلم فأولاد الأنبياء -صلوات الله عليهم- منهم، قد تقرر الإجماع على أنهم في الجنة، وكذلك جمهور العلماء على أن أولادَ مَن سواهم من المؤمِنِين في الجنة، وبعضهم ينكر الخلاف في ذلك...، وبعض المتكلمين يقف فيهم ولا يرى نصًّا قاطعًا مقطوعًا به، ورد بكونهم في الجنة، ولم يَثبت عنده الإجماع فيقول به. المعلم بفوائد مسلم (3/ 307).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
أقول -والعلم عند الله-: والحق الأول؛ يعني التوقف؛ لما ورد في مسند أحمد بن حنبل عن علي في حديث خديجة في أولادها...وحديث «الوائدة والموءودة في النار» مخالف لحديث إبراهيم -عليه السلام- فالوجه أن يُبنى الكلام على حديث عائشة -رضي الله عنها-، وقولها: «عصفور من عصافير الجنة» في شأن ولد من أولاد المسلمين. الكاشف عن حقائق السنن (2/ 574).
وقال العراقي -رحمه الله-:
استدل بتعليله -عليه الصلاة والسلام- دخول الآباء الجنة برحمة الأولاد، وشفاعتهم في آبائهم، على أن أولاد المسلمين في الجنة، وهو قول جمهور العلماء، وشذت الجبرية، فجعلوهم تحت المشيئة، وهذه السُّنة تردُّ عليهم، وأجمع على ذلك من يعتد به، وعليه يدل قوله تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ} الطور: 21 الآية، ويستحيل أن يكون الله تعالى يغفر لآبائهم بفضل رحمته إياهم، وهم غير مرحومين. طرح التثريب (3/ 252).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
وأما حديث عائشة في قصة الصبي من الأنصار، فردَّه الإمام أحمد وطعن فيه، وقال: من يشك أن أولاد المسلمين في الجنة؟ وقال أيضًا: إنهم لا اختلاف فيهم، وأما مسلم فأورده في صحيحه كما تقدم، ومن انتصر للحديث وصححه، يقول: الإنكار من النبي -صلى الله عليه وسلم- على عائشة إنما كان لشهادتها للطفل المعيَّن بأنه في الجنة كالشهادة للمسلم المعيَّن؛ فإن الطفل تبع لأبويه، فإذا كان أبواه لا يُشهد لهما بالجنة فكيف يشهد للطفل التابع لهما، والإجماع إنما هو على أن أطفال المسلمين من حيث الجملة مع آبائهم، فيجب الفرق بين المعين والمطلق. حاشيته على سنن أبي داود (12/ 318-319).
وقال ابن القيم -رحمه الله- أيضًا:
وقد اختلف العلماء في الأطفال على ثمانية أقوال:
أحدها: الوقف فيهم، وترك الكلام في مستقرهم، ويوكل علمهم إلى الله تعالى، قال هؤلاء: وظواهر السنن وأجوبة النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث ابن عباس وأبي هريرة -رضي الله عنهم- يدل على ذلك؛ إذ وكل علمهم إلى الله، وقال: «الله أعلم بما كانوا عاملين»...، وفيما استدلت به هذه الطائفة نظر، والنبي -صلى الله عليه وسلم- لم يُجب فيهم بالوقف، وإنما وكل علم ما كانوا يعملونه لو عاشوا إلى الله...
القول الثاني: أن أطفال المشركين في النار، وهذا مذهب طائفة، وحكاه القاضي أبو يعلى روايةً عن أحمد، قال شيخنا (ابن تيمية): وهو غلط منه على أحمد...
والقول الثالث: أنَّهم في الجنة، واحتج هؤلاء بحديث سمرة الذي رواه البخاري، واحتجوا بقوله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} الإسراء: 15، وبقوله {كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ} الملك: 8، 9، فهذا دليل على أن كل فوج يلقى في النار لا بد وأن يكونوا قد جاءهم النذير، وكذبوه، وهذا ممتنع في حق الأطفال...
والقول الرابع: أنَّهم بين الجنة والنار؛ إذ لا معصية لهم توجب دخول النار، ولا إسلام يوجب لهم دخول الجنة، وهذا أيضًا ليس بشيء؛ فإنه لا دار للقرار إلا الجنة والنار، وأما الأعراف فإن مآل أصحابها إلى الجنة كما قاله الصحابة.
والقول الخامس: أنَّهم تحت المشيئة، يجوز أن يعذبهم، وأن ينعمهم، وأن يعذب بعضًا، وهذا قول كثير من المثبتين للقدر، وقول الجبرية ونفاة التعليل والحكم.
والقول السادس: أنَّهم ولدان أهل الجنة وخدمهم، وقد روي في ذلك حديث لا يثبت.
والقول السابع: أنَّ حكمهم حكم الآباء في الدنيا والآخرة، فلا حكم لهم غير حكم آبائهم، فكما هم تبع لآبائهم في الدنيا، كذلك هم لهم تبع في الآخرة.
والقول الثامن: أنَّهم يُمتَحَنُون في الآخرة، فمن أطاع منهم أدخله الله الجنة، ومن عصى عذبه، وقد روي في هذا من حديث الأسود بن سريع وأبي هريرة وغيرهما، وهي أحاديث يشدُّ بعضها بعضًا، وهذا أعدل الأقوال، وبه يجتمع شمل الأدلة، وتتفق الأحاديث في هذا الباب، وعلى هذا فيكون بعضهم في الجنة، كما في حديث سمرة، وبعضهم في النار، كما دل عليه حديث عائشة، وجواب النبي -صلى الله عليه وسلم- يدل على هذا، فإنه قال: «الله أعلم بما كانوا عاملين إذ خلقهم» ومعلوم أن الله لا يعذبهم بعلمه فيهم ما لم يقع معلُومهِ، فهو إنما يعذب من يستحق العذاب على معلومه، وهو متعلق علمه السابق فيه لا على علمه المجدد، وهذا العلم يظهر معلومه في الدار الآخرة، وفي قوله: «الله أعلم بما كانوا عاملين» إشارة إلى أنه سبحانه كان يعلم ما كانوا عاملين لو عاشوا، وأن من يطيعه وقت الامتحان كان ممن يطيعه لو عاش في الدنيا، ومن يعصيه حينئذٍ كان ممن يعصيه لو عاش في الدنيا؛ فهو دليل على تعلق علمه بما لم يكن لو كان كيف كان يكون، وقيل: إنما قاله النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل أن يُعلمه الله بمصيرهم ومستقرهم، وليس بشيء؛ فإنه لا تعرض في هذا المستقر كما تقدم، وقيل: معناه: الله أعلم على أي دين يميتهم لو عاشوا وبلغوا العمل، فأما إذا عُدم فيهم العمل فهم في رحمة الله، وهذا بعيد من دلالة اللفظ عليه، والله أعلم. حاشيته على سنن أبي داود (12/ 320- 323).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
قلتُ: الصواب أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال ذلك قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين في الجنة، وقد أجمع من يُعتد به من علماء المسلمين أن من مات من أطفال المسلمين فهو في الجنة، ودل عليه الكتاب والسنة الصحيحة الثابتة، فلا معنى للتوقف فيه، وإنما نهى عائشة عن المسارعة إلى القطع من غير أن يكون عندها دليل قاطع. مرعاة المفاتيح (1/ 168).
وقال السندي -رحمه الله-:
قد صرح كثير من أهل التحقيق: أن التوقف في مثله أحوط؛ إذ ليست المسألة مما يتعلق بها العمل، ولا عليها إجماع، وهي خارجة عن محل الإجماع على قول الأصول؛ إذ محل الإجماع ما يُدرك بالاجتهاد دون الأمور المغيبة، فلا اعتداد بالإجماع في مثله لو تم على قواعدهم، فالتوقف أسلم، على أن الإجماع لو تم وثبت لا يصح الجزم في مخصوص؛ لأن إيمان الأبوين تحقيقًا غيب، وهو المناط عند الله تعالى. كفاية الحاجة في شرح سنن ابن ماجه (1/ 43).
وقال المناوي -رحمه الله-:
وفيه: أنَّ الجنة موجودة الآن، وهو ما عليه أهل الحق، وأنها ذات جبال، ولا ينافيه خبر: «أنها قيعان»؛ لأن المراد أن أعظمها كذلك. فيض القدير (1/ 538).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
قولها: «دُعي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى جنازة»...
فيه: أنَّ الصبي يُصلَّى عليه، كما يُصلى على البالغ. شرح سنن أبي داود (18/ 278).
وللمزيد من الفائدة يُنظر:
* فتوى الشيخ ابن باز -رحمه الله- في حكم أطفال المشرين إذا ماتوا قبل البلوغ.
* فتوى الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- في حكم دفن الميت بجانب الطفل من باب التفاؤل.
* فضل ثناء الناس على الميت ودلالته على المصير: «أنتم شهداء الله في أرضه».