«أنَّ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- كانَ يَخْطُبُ قائمًا، ثم يجلسُ، ثم يقومُ فيخطبُ قائمًا، فمَن نبَّأَكَ أنَّه كانَ يخطُبُ جالسًا فقد كذبَ، فقد -واللهِ- صليتُ معَهُ أكثرَ من ألفيْ صلاةٍ».
رواه مسلم برقم: (862)، من حديث جابر بن سمرة -رضي الله عنه-.
شرح الحديث
قوله: أنَّ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- «كانَ يَخْطُبُ قائمًا»:
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«كان يخطب قائمًا» يعني: الجمعة. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 325).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- أيضًا:
وقوله: «كان يخطب» سبق لنا أن «كان» تفيد الاستمرار غالبًا. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 330).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يخطب» يوم الجمعة «قائمًا» على الأرض قبل بناء المنبر، فلما بُني المنبر يخطب قائمًا عليه، وعليه العمل في جميع أمصار المسلمين. بذل المجهود (5/ 116).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يخطب قائمًا» هكذا سُنة الخطبة؛ ليكون أبلغ في الإسماع؛ كالمؤذن عند الجمهور، إلا أن تدعوه حاجة من ضعف أو غيره. المفهم (2/ 498).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
ثم اختلفوا في القيام فيها (أي: الخطبة)؛ فأجمعوا على أنه مشروع فيها، وأن الخطبة لا تكون إلا قائمًا لمن قدر على القيام، كذا حكى أبو عمر وحكى ابن القصَّار أن أبا حنيفة لا يراه مشروعًا ويراه مباحًا، إن شاء قام وإن شاء قعد، ثم اختلفوا في حكم القيام، هل هو مع كونه فرضًا شرط في صحتها أم لا؟ فذهبت طائفة أنه من شروطها، وأنه لا تجزئ الجمعة بالخطبة جالسًا، وهو قول الشافعي إلا مِن عذر، وأن أول مَن خطب جالسًا معاوية حين ثَقلَ، ومذهبنا أنه ليس من شروط صحة الصلاة والخطبة، ومَن تركه أساءَ ولا شيء عليه. إكمال المعلم (3/ 256).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
وأجمعوا أن الخطبة لا تكون إلا قائمًا لمن قدر على القيام، فإن أعيا وجلس للراحة لم يتكلم حتى يعود قائمًا، وقد كان عثمان ربما استراح في الخطبة ثم يقوم فيتكلم قائمًا، وأول مَن خطب جالسًا معاوية لا يختلفون في ذلك. الاستذكار (2/ 61).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
قوله: «كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يخطب يوم الجمعة قائمًا» فيه أن القيام حال الخطبة مشروع... واختلف في وجوبه؛ فذهب الجمهور إلى الوجوب، ونقل عن أبي حنيفة أن القيام سُنة وليس بواجب، وإلى ذلك ذهبت الهادوية، واستدل الجمهور على الوجوب بحديثَي الباب وبغيرهما من الأحاديث الصحيحة، وأخرج ابن أبي شيبة عن طاوس قال: «خطب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قائمًا وأبو بكر وعمر وعثمان، وأول مَن جلس على المنبر معاوية».
وروى ابن أبي شيبة أيضًا عن الشعبي أن معاوية إنما خطب قاعدًا لَمَّا كثر شحم بطنه ولحمه، ولا شك أن الثابت عنه -صلى الله عليه وسلم- وعن الخلفاء الراشدين هو القيام حال الخطبة، ولكن الفعل بمجرده لا يفيد الوجوب كما عرفت غير مرة. نيل الأوطار (3/ 318).
وقال المازري -رحمه الله-:
وقد ذكر مسلم بعد هذا أن كعب بن عُجْرَةَ دخل المسجد وعبد الرحمن بن أم الحكم يخطب قاعدًا فقال: انظروا إلى هذا الخبيث يخطب قاعدًا، وقال الله تعالى: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} الجمعة: 11، وهذا الذم وإطلاق الخبيث عليه يشير إلى أن القيام كان عندهم واجبًا، وأما ظاهر الآية فلا دليل فيها إلا من جهة إثبات القيام للنبي -صلى الله عليه وسلم-، ويحمل ذلك على أن المراد به أنه كان قائمًا يخطب وأن أفعاله على الوجوب. المعلم (1/ 474- 475).
وقال الكاساني -رحمه الله-:
ومنها (أي: سنن الخطبة): أن يخطب قائمًا، فالقيام سُنة وليس بشرط حتى لو خطب قاعدًا يجوز عندنا (الأحناف) لظاهر النص، وكذا روي عن عثمان أنه كان يخطب قاعدًا حين كبر وأسنّ ولم يُنكر عليه أحدٌ من الصحابة، إلا أنه مسنون في حال الاختيار؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يخطب قائمًا. بدائع الصنائع (1/ 263).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
والحديث يدل على مواظبته -صلى الله عليه وسلم- على القيام حال الخطبتين، واستدل به الشافعي ومالك ومَن وافقهما على وجوب القيام في خطبة الجمعة، وفيه أنه -صلى الله عليه وسلم- قد يواظب على الشيء الفاضل مع جواز تركه، ونحن نقول به، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (17/ 231).
قوله: «ثم يجلسُ، ثم يقومُ فيخطبُ قائمًا»:
قال السهارنفوري -رحمه الله-:
«ثم يجلس» بعد الخطبة الأولى على المنبر جلسة خفيفة «ثم يقوم» على المنبر «فيخطب قائمًا». بذل المجهود (5/ 116- 117).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
اختلف العلماء في الجلسة بين الخطبتين؛ فعند مالك هي سُنة، وعند الشافعي واجبة، فإن لم يخطب خطبتين يجلس بينهما صلى الظهر أربعًا، وعند أبي حنيفة إن شاء خطب قائمًا أو جالسًا، وروي عن المغيرة بن شعبة أنه كان لا يجلس في خطبته، وحُجة مَن قال: إنها سنة حديث ابن عمر: «أن النبي -عليه السلام- كان يجلس في خطبته»، ولم يقل: إنه لا تجزئه الخطبة إلا بالجلوس فيها؛ لأن عليه فرض البيان، ومَن قال: إنها فريضة فلا حجة له؛ لأن القعدة فصل بين الذِّكرين، واستراحة للخطيب، وليست من الخطبة في شيء، والمفهوم من لسان العرب أن الخطبة اسم للكلام الذى يُخطب به خاصة لا للجلوس، قال الطحاوي: ولم يقل بقول الشافعي أحد غيره، ولما كان لو خطب خطبتيه جميعًا قاعدًا جازت الخطبة، ولم يقع بينهما فصل، كذلك تجوز إذا قام موضع القعود، قال غيره: ولو كانت فريضة ما جهلها المغيرة بن شعبة، ولو جهلها ما ترك جماعة مَن بحضرته من الصحابة والتابعين تنبيهه عليها وإعلامه بوجوبها، وقد حُصِرَ عثمان عن الخطبة فتكلم ونزل ولم يجلس، ولم يخالفه أحد فصار كالإجماع، ذكره ابن القصار. شرح صحيح البخاري (2/ 512).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
قلتُ: الحجة في فعله، وكان فعله الجلوس، فلو كان سُنة لتركه ولو مرة. التوضيح (7/ 538- 539).
وقال المازري -رحمه الله-:
الخطبة من شرطها القيام والجلوس بين الخطبتين، وأجاز أبو حنيفة الخطبة جالسًا، وقال ابن القصار من أصحابنا: الذي يقوى في نفسي أن القيام فيها والجلوس سُنة. المعلم (1/ 474).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
واختلف الفقهاء في الجلوس بين الخطبتين؛ هل هو فرض أم سنة؟
فقال مالك وأصحابه وأبو حنيفة وأصحابه: الجلوس بين الخطبتين في الجمعة سُنة، فإن لم يجلس بينهما فقد أساء ولا شيء عليه، إلا أن مالكًا قال: يجلس جلستين إحداهما قبل الخطبة والأخرى بين الخطبتين، وقال أبو حنيفة: لا يجلس الإمام أول ما يخطب ويجلس بين الخطبتين، وقال الشافعي: يجلس حين يظهر على المنبر قبل أن يخطب؛ لأنه ينتظر الأذان ولا يفعل ذلك في العيدين؛ لأنه لا ينتظر أذانًا، فإنْ ترك الجلوس الأول كَرِهْتُه ولا إعادة عليه؛ لأنه ليس من الخطبتين ولا فصل بينهما، وأما الجلوس بين الخطبتين فلا بد منه، فإن خطب خطبتين لم يفصل بينهما أعاد ظهرًا أربعًا، وقال أبو ثور: يخطب خطبتين ويجلس جلستين. الاستذكار (2/ 59).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
فيه: مشروعية الجلوس بين الخطبتين؛ واختلف في وجوبه، فذهب الشافعي والإمام يحيى إلى وجوبه، وذهب الجمهور إلى أنه غير واجب، واستدل مَن أوجب ذلك بفعله -صلى الله عليه وسلم-، وقوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، وقد قدمنا الجواب عن مثل هذا الاستدلال، وأنه غير صالح لإثبات الوجوب. نيل الأوطار (3/ 316).
قوله: «فمَن نبَّأَكَ أنَّه كانَ يخطُبُ جالسًا فقد كذبَ، فقد -واللهِ- صليتُ معَهُ أكثرَ من ألفيْ صلاةٍ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فمَن نبَّأك» بتشديد الموحدة أي: أخبرك وحدثك «أنه كان يخطب جالسًا، فقد كذب» أي: افترى. مرقاة المفاتيح (3/ 1047).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
ثم قال جابر لسمَّاك: «فمَن نبَّأك» أي: فمَن أخبرك يا سماك «أنه» -صلى الله عليه وسلم- «كان يخطب جالسًا فقد كذب» على الرسول -صلى الله عليه وسلم- بما لم يفعله فليتب إلى الله تعالى، «فقد -والله- صليتُ» أي: والله قد صليتُ «معه» -صلى الله عليه وسلم-: «أكثر من ألفي» بصيغة التثنية «صلاة» مفروضة ما بين جمعة وغيرها. الكوكب الوهاج (10/ 325).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
وقوله: «فمَن أنبأك» يعني: أخبرك، يقال: نبأ، وأنبأ وأخبر معناهما واحد، وقيل: إن الإنباء أعظم يكون في الأمور التي هي أهم يقال: نبأ، ولكن الصحيح أنه لا فرق بينهما، وقوله: «أنه كان يخطب جالسًا فقد كذب» يعني: أخبر بخلاف الواقع. فتح ذي الجلال والإكرام (2/330).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فقد والله» فيه جواز القسم لتأكيد الكلام. شرح سنن أبي داود (5/ 579).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أكثر مِن ألفي صلاة» أي: من الجمعة وغيرها، أو أراد التكثير لا التحديد؛ لأنه -عليه الصلاة والسلام- لم يقم بالمدينة إلا عشر سنين، وأول جمعة صلاها هي الجمعة التي تلي قدومه المدينة، فلم يصلِّ ألفي جمعة بل نحو خمسمائة. مرقاة المفاتيح (3/ 1047).
وقال الدهلوي -رحمه الله-:
وقوله: «أكثر من ألفي صلاة» ليس المراد بها صلاة الجمعة؛ لأنه -صلى اللَّه عليه وسلم- صلى الجمعة يوم قدومه المدينة في عشر سنين، ولا يبلغ ذلك إلا نحو خمس مئة، بل المراد الصلوات الخمس، والمراد بيان كثرة صحبته. لمعات التنقيح (3/ 528).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
اختلف أئمة الفتوى في حكم الجلوس بين الخطبتين مع اتفاقهم على كونه مشروعًا، فقال مالك وأبو حنيفة وأصحابهما وجمهور العلماء: هو سنة، ومَن لم يجلس أساء ولا شيء عليه، وخطبة واحدة تجزئ، وتقام بها الجمعة، وقال الشافعي: هي فرضٌ، مَن لم يجلسها كأنه لم يخطب ولا جمعة له، وشَرَطَ للجمعة خطبتين، قال الطحاوي: لم يقل هذا أحدٌ غيرهُ، وحجته ظاهر الحديث المتقدم، وقد حكى غيره عن مالك مثل قول الشافعي، ورأى مالك والشافعي وأبو ثور الجلوس على المنبر قبل القيام إلى الخطبة، ومنعه أبو حنيفة، وروي عن مالك: والحجة للجلوس بينهما فِعْل النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكونه ليس بواجب: أنه ليس من الخطبة، وإنما هو للاستراحة، والحجة للجلسة الأولى حديث السائب بن يزيد: «كان الأذان يوم الجمعة إذا جلس الإمام على المنبر على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر وعمر». إكمال المعلم (3/ 257- 258).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
هذا يظهر -والله أعلم- أنه في عهد جابر بن سمرة كثر كلام الناس في الخُطبة هل يخطب قائمًا أو يخطب جالسًا؛ لأن كلمة «فمَن أنباك أنه كان يخطب جالسًا فقد كذب» هذه كلمة شديدة تدل على رد هذا الزعم. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 329).
وقال المازري -رحمه الله-:
يحمل هذا على المبالغة إن كان أراد صلوات الجمعة؛ لأن هذا القدر من الجُمَع إنما يكمل في نيف وأربعين عامًا، وهذا القدر لم يصله النبي -صلى الله عليه وسلم-، أو يكون أراد سائر الصلوات. المعلم (1/ 474).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
يستحبّ أن يجلس بين الخطبتين جلسة خفيفة؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يفعل ذلك، كما روينا في حديث ابن عمر، وجابر بن سمرة، وليست واجبة في قول أكثر أهل العلم، وقال الشافعي: هي واجبة؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يجلسها، ولنا (أي: دليلنا) أنها جلسة ليس فيها ذكر مشروع، فلم تكن واجبة كالأولى، وقد سرد الخطبة جماعة، منهم المغيرة بن شعبة وأبيّ بن كعب، قاله أحمد، وروي عن أبي إسحاق قال: رأيتُ عليًّا يخطب على المنبر، فلم يجلس حتى فرغ، وجلوس النبي -صلى الله عليه وسلم- كان للاستراحة، فلم تكن واجبة كالأولى، ولكن يستحب، فإن خطب جالسًا لعذر فصل بين الخطبتين بسكتة، وكذلك إن خطب قائمًا فلم يجلس. المغني (3/ 176- 177).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
واستدل به الشافعي في إيجاب الجلوس بين الخطبتين؛ لمواظبته -صلى الله عليه وسلم- على ذلك مع قوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي». فتح الباري (2/ 406).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
وأما القيام في الخطبتين والجلوس بينهما فسُنَّة عند أبي حنيفة ومالك وأحمد، وعند الشافعي أن ذلك شرط في صحتها فلا تجزئ مع القدرة على القيام، وإن ترك القعود بينهما لم تجز الخطبة، فإن كان مريضًا خطب جالسًا وفصل بين الخطبتين بسكته. كشف المشكل (1/ 460).
وقال النووي -رحمه الله-:
وفي هذه الرواية دليل لمذهب الشافعي والأكثرين أن خطبة الجمعة لا تصح من القادر على القيام إلا قائمًا في الخطبتين، ولا يصح حتى يجلس بينهما، وأن الجمعة لا تصح إلا بخطبتين. المنهاج شرح مسلم (6/ 149- 150).
وقال ابن المنذر -رحمه الله-:
والذي عليه عمل أهل العلم من علماء الأمصار ما يفعله الأئمة، وهو جلوس الإمام على المنبر أول ما يرقى إليه، ويؤذن المؤذن والإمام جالس، فإذا فرغ المؤذن من الأذان قام الإمام فخطب خطبة، ثم جلس وهو في حال جلوسه غير خاطب ولا يتكلم، ثم يقوم فيخطب الخطبة الثانية، ثم ينزل عند فراغه...
وأقل ما يقع عليه اسم خطبة من الخطبتين: أن يحمد الله، ويصلي على النبي -صلى الله عليه وسلم-، ويوصي بتقوى الله، ويقرأ شيئًا من القرآن في الأولى، ويحمد الله، ويصلي على النبي -صلى الله عليه وسلم-، ويوصي بتقوى الله ويدعو في الآخرة.
والقول الآخر قول النعمان: هو أن الإمام إن خطب يوم الجمعة بتسبيحة واحدة أجزأه، قال أبو بكر (ابن المنذر): فأما ما قال النعمان فلا معنى له، ولا أعلم أحدًا سبقه إليه، وغير معروف عند أهل المعرفة باللغة بأن يقال لمن قال: سبحان الله: قد خطب، وإذا كان المقول هذا سبيله، فلا معنى للاشتغال به. الأوسط (4/ 58- 63).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
جُلّ الروايات عن ابن عمر ليست فيها هذه الجلسة الأولى، وهي من رواية عبد الله العمري المضعف، فلم تثبت المواظبة عليها بخلاف التي بين الخطبتين. فتح الباري (2/ 406).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
في هذا الحديث: أنه لا تصح الجمعة إلا بالخطبتين، يذكِّر فيها الخطيب الناس، ويعظهم، ويتلو آيات من القرآن، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقرأ: {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ} ق: 1، ويأمر الإمام المصلين بتقوى الله.
وتشتمل الخطبة على الشهادتين: الشهادة لله بالوحدانية، والشهادة للنبي -صلى الله عليه وسلم- بالرسالة، والصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-، وبعض الآيات والأحاديث؛ ليتعظ الناس. توفيق الرب المنعم (2/ 604- 605).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
يستفاد من هذا الحديث: أن الرسول -عليه الصلاة والسلام- كان يخطب قائمًا ويجلس قبل الخطبة وبين الخطبتين.
ويستفاد منه: أن الأفضل أن يخطب الإنسان قائمًا في الجمعة، وقيل: إنه واجب لا يجوز أن يخطب جالسًا، ولكن لدينا قاعدة أن الفعل المجرد لا يدل على الوجوب إلا بقرينة، وليس هناك قرينة تدل على الوجوب فيحمل على أنه الأفضل والأكمل.
ويستفاد من هذا الحديث: أن بعض الناس كان يدعي في عصر الصحابة أن الرسول -عليه الصلاة والسلام- كان يخطب جالسًا، من أين يؤخذ؟ من قوله: «فمَن أنباك»؛ فإن هذا يدل على أن هناك من يقول: إنه كان يخطب جالسًا.
ومنها: تغليظ القول لمن قال بخلاف الحق، من أين تؤخذ؟ من قوله: «فقد كذب»، فهذه كلمة خشنة وعظيمة لكن يستحقها مَن كذب، ثم إن الكاذب قد يُلام على كذبه وقد لا يُلام، إن كان قال قولًا يظن أنه الصواب وليس هو الصواب فهو كاذب، لكنه غير آثم، وإن قاله متعمدًا فهو كاذب آثم، ويقال للأول: مخطئ، وللثاني خاطئ، أي: واقع في الخطأ عن عمد. فتح ذي الجلال والإكرام (2/ 330).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
ما يؤخذ من الحديث:
1-استحباب قيام الخطيب أثناء أداء الخطبتين يوم الجمعة؛ كما قال تعالى: {وَتَرَكُوكَ قَائِمًا} الجمعة: 11، وحكى ابن المنذر إجماع علماء الأمصار على هذا.
2-للقيام في الخطبة فوائد كثيرة؛ من إظهار القوة والنشاط، ومن الحماس في الإلقاء، ومن إسماع الحاضرين وإبلاغهم، ومن اتِّباع السنة، وامتثال القرآن.
3- يستحب أن يجلس بين الخطبتين جلسة خفيفة ليفصل بها بين الخطبتين، وليستريح، وليتبع السُّنة، قال جماعة من العلماء: الجلسة تكون بقدر قراءة سورة الإخلاص.
4-أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ما كان يخطب جالسًا أبدًا، فالصحابي الجليل جابر بن سمرة الملازم للجُمَع مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يُكذِّب مَن أخبر أنه كان -صلى الله عليه وسلم- يخطب جالسًا.
5-القيام في الخطبة سنة مؤكدة عند جمهور العلماء، ومنهم الحنفية والحنابلة، وذهب مالك إلى وجوبه، وأما الشافعي فقال: إنه شرط من شروط صحة الخطبة؛ للآية، ومواظبة النبي -صلى الله عليه وسلم- عليه، ولما جاء من الأخبار. توضيح الأحكام (2/ 573- 574).