السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«كان رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- إذا صلَّى قام حتَّى تفَطَّرَ رجلاه، قالت عائشة: يا رسول الله، أتصنعُ هذا وقد غُفِرَ لك ما تقدَّم من ذنبِك وما تأخَّر؟ فقال: يا عائشةُ، أفلا ‌أكونُ ‌عبدًا ‌شكورًا؟».


رواه البخاري برقم: (4837)، ومسلم برقم: (2820) واللفظ له، من حديث عائشة -رضي الله عنها-.
زاد البخاري: «فلمَّا كَثُرَ لحمُه صلَّى جالسًا، فإذا أراد أن يركع، قام فقرأ ثُمَّ ركعَ».


غريب الحديث


«تفَطَّرَ»:
«‌تفطر» الشيء: تشقق. مختار الصحاح، للرازي (ص: 241).
وقال ابن منظور -رحمه الله-:
انفطر الثوب إذا انشق، وكذلك ‌تفطر، وتفطرت الأرض بالنبات إذا تصدَّعت. لسان العرب (5/ 56).

«شكورًا»:
رجل ‌شكور: كثير الشُّكْر. المحكم، لابن سيده (6/ 680).


شرح الحديث


قوله: «كان رسول الله -صلَّى الله عليه وسلم- إذا صلَّى قام حتَّى تفَطَّرَ رجلاه»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا صَلَّى» في الليل «قام» أي: استمر في القيام «حتَّى تفطر» أصله تتفطر، بحذف إحدى التاءين، أي: حتَّى تتشقق وتورم «رجلاه» أي: قدماه الشريفتان. الكوكب الوهاج (25/ 466).
قال القسطلاني -رحمه الله-:
«حتى تتفطر» تتشقق «قدماه» من كثرة القيام. إرشاد الساري (7/ 347).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
وعند النسائي: «حتى تزلع قدمَاه» بزاي وعين مهملة، وللبخاري في رواية: «حتى تورّمت قدماه» ولا مخالفة بين هذه الروايات، فإنه إذا حصل النفخ والورم حصل الزلع والتشقق. دليل الفالحين (2/ 314).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«حتى تتفطر»...وفي نسخة «تنفطر» بالنون الساكنة فالفاء «قدماه» وهذا غاية لما دل عليه ما قبله، أي: دأب في الطاعة إلى تفطر قدميه من طول القيام، واعتماده عليها. دليل الفالحين (6/ 631).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
قوله: «حتى تتفطر قدَمَاه»...والتشقق أبلغ من التورُّم؛ لأن التورُّم مبادئه. فتح القريب المجيب (4/ 260).
وقال العيني -رحمه الله-:
«حَتَّى تفطَّر» على وزن تفعَّل بالتَّشْدِيدِ بتاء واحدة، وهو على صِيغَة الماضي، فتكون الرَّاء مفتوحة، وفي رواية الأصيلِيّ «تتفطَّر» بتاءين، وقد يأتي فيما كان بتاءين حذف إحداهما، كما في قوله: {نَارًا تَلَظَّى} الليل: 14، أصله: تتلظى بتاءين، فلم تحذف ها هنا، فعلى هذا: تكون الرَّاء مضمومة، وعلى الأصل رواية الأصيلِيّ. عمدة القاري (7/ 179).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
فكان يقوم -عليه الصلاة والسلام- أحيانًا أكثر الليل، وأحيانًا نصف الليل، وأحيانًا ثلث الليل؛ لأنه -عليه الصلاة والسلام- يعطي نفسه حقها من الراحة مع القيام التَّامِّ بعبادة ربه -صلوات الله وسلامه عليه-، فكان يقوم أدنى من ثلثي الليل، يعني: فوق النصف، ودون الثلثين ونصفه وثلثه؛ حسب نشاطه -عليه الصلاة والسلام-، وكان يقوم حتى تتورَّم قدماه وتتفطَّر من طول القيام؛ أي: يتحجَّر الدم فيها وتنشق. شرح رياض الصالحين (2/ 69).

قوله: «قالت عائشة: يا رسول الله، أتصنعُ هذا وقد غُفِرَ لك ما تقدَّم من ذنبِك وما تأخَّر؟»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«قالت عائشة» -رضي الله عنها-: «يا رسول الله، أتصنع هذا» أي: التكلف في العبادة حتى تفطر رجلاك، «و» الحال أنه «قد غفر» بالبناء للمفعول؛ أي: غفر الله تعالى «لك ما تقدم من ذنبك، وما تأخر؟» معناه: أنه لو وقع لوقع مغفورًا، ففيه بشرى على أنه -سبحانه وتعالى- يعصمه من اقتراف الذنوب. البحر المحيط الثجاج (43/ 538).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«فقلتُ له: لم تصنع هذا» (لفظ رياض الصالحين) سؤال عن حكمة الدأب والتشمير في الطاعة «يا رسول الله، وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟» أتت به طبق الآية المكنى بها عن رفعة شأنه، وعلو مكانه، لا أن هناك ذنبًا فيغفر لوجوب العصمة له كسائر الأنبياء (قد أجمع العلماء أنَّ الأنبياء معصومون فيما يُبلِّغون، والجمهور على عصمتهم من الكبائر، لكن الصغائر تقع، فيُنبَّهُون عليها فيرجعون). دليل الفالحين (6/ 631).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
«لم تصنع هذا؟»...وفي رواية لمسلم من حديث المغيرة: «أتكلف هذا؟» والمعنى: أتُلْزِمُ نفسك بهذه الكلفة والمشقة، وفي حديث أبي هريرة عند البزار: «أتفعل هذا وقد جاءك من الله أن قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟»...وفي البخاري: «قد غفر الله لك» «ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟» أي: جميع ما فرط منك مما يصح أن تعاتب عليه. مرعاة المفاتيح (4/ 213).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«فقالت» له «عائشة: لِمَ تصنع هذا يا رسول الله، وقد غفر الله لك» ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: «وقد غُفر لك» بضم الغين مبنيًّا للمفعول «ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟» إرشاد الساري (7/ 347).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«لم تصنع هذا؟» أي: تتكلف كما في رواية، والمعنى: أتلزم نفسك بهذه الكلفة والمشقة التي لا تطاق، وفي رواية: «أتفعل هذا؟» قال عصام الدين (الإسفراييني): الاستفهام للتعجب. مرقاة المفاتيح (3/ 922).

قوله: «فقال: يا عائشةُ، أفلا ‌أكونُ ‌عبدًا ‌شكورًا؟»:
قال ابن بطال -رحمه الله-:
«أفلا ‌أكون ‌عبدًا ‌شكورًا؟» قال المهلب: فيه: أخذ الإنسان على نفسه بالشدة في العبادة، وإن أضر ذلك ببدنه؛ وذلك له حلال، وله أن يأخذ بالرخصة، ويكلف نفسه ما عفت له به وسمحت، إلا أن الأخذ بالشدة أفضل، ألا ترى قوله -صلى الله عليه وسلم-: «أفلا ‌أكون ‌عبدًا ‌شكورًا؟» فكيف من لم يعلم أنه استحق النار أم لا؟ فمن وُفِّقَ للأخذ بالشدة فله في النبي -صلى الله عليه وسلم- أفضل الأسوة، وإنما ألزم الأنبياء والصالحون أنفسهم شدة الخوف، وإن كانوا قد أَمِنُوا؛ لعلمهم بعظيم نعم الله عليهم، وأنه ابتدأهم بها قبل استحقاقها، فبذلوا مجهودهم في شكره تعالى بأكبر مما افترض عليهم، فاستقلوا ذلك؛ ولهذا المعنى قال طلق بن حبيب: «إن حقوق الله أعظم من أن يقوم بها العباد، ونعمه أكثر من أن تحصى ولكن أصبحوا قانتين، وأمسوا تائبين» وهذا كله مفهوم من قوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} فاطر: 28. شرح صحيح البخاري (3/ 121-122).
وقال ابن حجر -رحمه الله- معقبًا على هذا الكلام:
ومحل ذلك ما إذا لم يُفْضِ إلى الملال؛ لأن حال النبي -صلى الله عليه وسلم- كانت أكمل الأحوال، فكان لا يمل من عبادة ربه وإن أضر ذلك ببدنه؛ بل صح أنه قال: «وجُعِلَتْ قرة عيني في الصلاة» كما أخرجه النسائي من حديث أنس، فأما غيره -صلى الله عليه وسلم- فإذا خشي الملل لا ينبغي له أن يكره نفسه، وعليه يحمل قوله -صلى الله عليه وسلم-: «خذوا من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا». فتح الباري (3/ 15).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
«أفلا ‌أكون ‌عبدًا ‌شكورًا؟» فمن عظُمت عليه نعم الله وجب عليه أن يتلقاها بعظيم الشكر، لا سيما أنبياءه وصفوته من خلقه الذين اختارهم، وخشية العباد لله على قدر علمهم به. شرح صحيح البخاري (3/ 364- 365).
وقال ابن قرقول -رحمه الله-:
قوله: «أفلا ‌أكون ‌عبدًا ‌شكورًا؟» أي: مُثْنيًا على ربي بنعمته عليَّ، ومتقلِّدًا لها بالازدياد من طاعته، والشكر: الثناء على صنع يؤتى للعبد، والحمد: الثناء وإن لم يكن عارفه، ولا موجب للمكافأة على ذلك ...
والشُّكور -بضم الشين-: مصدر، ويكون أيضًا جمع شكر، وقيل: الشكر والحمد سواء، وقيل: الحمد أعم؛ لأن متعلقه الصفات والأفعال جميعًا، ومتعلق الشكر الفعل وحده. مطالع الأنوار (6/ 47-48).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «أفلا ‌أكون ‌عبدًا ‌شكورًا» أي: ليس عبادتي لله من خوف الذنوب، بل لشكر أنعمه الكثيرة عليَّ. المفاتيح (2/ 271).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «أفلا ‌أكون ‌عبدًا ‌شكورًا؟» الفاء في قوله: «أفلا أكون؟» مسبب عن محذوف، أي: أترك قيامي وتهجدي لما غفر لي، فلا ‌أكون ‌عبدًا ‌شكورًا؟ يعني: غفران الله إياي سبب لأن أقوم وأتهجد شكرًا له، فكيف أتركه؟ كأن المعنى: كيف لا أشكره وقد أنعم عليَّ، وخصني بخيري الدارين، فإن الشكور من أبنية المبالغة، يستدعي نعمة خطيرة.
وتخصيص العبد بالذكر مشعر بغاية الإكرام والقرب من الله تعالى؛ ومن ثم وصفه به في مقام الإسراء؛ ولأن العبودية تقتضي صحة النسبة، وليست إلا بالعبادة، والعبادة عين الشكر. الكاشف عن حقائق السنن (4/ 1201-1202).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
المعنى: أن المغفرة سبب لكون التهجُّد شكرًا فكيف أتركه؟. فتح الباري (3/ 15).
وقال العيني -رحمه الله-:
في «أفلا أكون عبدًا شكورًا؟» أن الشكر يكون بالعمل كما يكون باللسان، ومنه قوله تعالى: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا} سبأ: 13، فإذا وفَّقه الله تعالى لعمل صالح شكر ذلك بعمل آخر، ثم يكون شكر ذلك العمل الثاني بعمل آخر ثالث، فيتسلسل ذلك إلى غير نهاية. عمدة القاري (7/ 180).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
في قوله: «أفلا أكون عبدًا شكورًا؟» الإشعار بمزية قيام الليل على غيره من العبادات. حدائق الأولياء (2/122).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«فيقول: أفلا ‌أكون ‌عبدًا ‌شكورًا؟» فإن الثمن على قدر المثمن، الهمزة للإنكار، داخلة على مُقدَّر؛ أي: إذا كان الأمر كذلك يلزمني شكر تلك النعمة.
فإن قلتَ: قد نهى عن التشديد في الدين فكيف ارتكبه؟ قلتُ: علل ذلك بأنه يورث الملالة، وهو منزَّه عن عروض السَّآمة عليه في عبادة ربه؛ ومحصله أن حالته مستثناة. الكوثر الجاري (3/ 196).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«أفلا ‌أكون ‌عبدًا ‌شكورًا؟» وهو استفهام على طريق الإشفاق، قيل: وهو أولى من جعله للإنكار بلا شقاق، أي: إذا أكرمني مولاي بغفرانه أفلا أكون شكورًا لإحسانه؟ أو أنه عطف على محذوف، أي: أترك صلاتي لأجل تلك المغفرة فلا ‌أكون ‌عبدًا ‌شكورًا؟. فيض القدير (5/ 239).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«قال: أفلا ‌أكون ‌عبدًا ‌شكورًا» أي: أأترك صلاتي لأجل مغفرته فلا أكون عبدًا شكورًا؟ فالفاء عاطفة على مقدر بعد الهمزة، كما جرى عليه الكشاف، ظن السائل أن سبب تحمل مشاق الطاعة خوف الذنب، أو رجاء العفو، فبين أن له سببًا آخر هو أعلى وأكمل وهو الشكر على التأهل لها، مع المغفرة، وإجزال النعمة والشكر: الاعتراف بالنعمة والقيام بالخدمة، فمن أدام بذل الجهد في ذلك كان شكورًا، وقليل ما هم، ولم يوف أحد بعلي هذا المنصب إلا الأنبياء، وأعلاهم فيه نبينا، وإنما ألزموا أنفسهم الجهد في العبادة لكمال علمهم بعظيم نعمة ربهم من غير سابقة استحقاق. دليل الفالحين (6/ 631).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
قوله: «أفلا ‌أكون ‌عبدًا ‌شكورًا؟» قيل: إن الهمزة تقتضي الصدر، والفاء تقتضي الدرج، فكيف التوفيق بين مقتضاهما؟ فقدر له الزمخشري فعلًا، وقال: أصله: أأترك قيام الليل فلا ‌أكون ‌عبدًا ‌شكورًا، فيكون الفعل الأول سببًا، والثاني مسببًا.
وحاصله: أنه لو ترك الصلاة لم يكن عبدًا شكورًا، وخالفه جمهور النحاة، وقالوا: بترجيح حق الاستفهام على حق الفاء، فبقي الاستفهام على صدارته، والعطف وإن اقتضى الدرج لكنه ترك مقتضاه ها هنا، وحينئذٍ حاصله: أن المغفرة لا تقتضي ترك الاجتهاد والعبادة، فإن الاجتهاد قد يكون للتكفير، وقد يكون لأداء الشكر، وهذا هو الأصوب عندي، وإليه يشير قوله تعالى: {نَافِلَةً لَكَ} الإسراء: 79. فيض الباري (2/ 557).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
والعبادة لا تنحصر في مغفرة الذنوب، بل إنما هي وجبت شكرًا لنعم المولى تعالى. لمعات التنقيح (3/ 333).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
هذا وهو يحث الناس على التيسير إلا أنه كان يتحمل، ومع كونه يأمر الناس بالقصد إلا أنه -صلى الله عليه وسلم- لما أعطاه الله الصبر كان له قدرة على الطاعة. الحلل الإبريزية (4/ 242).

قوله: «فلمَّا كَثُرَ لحمُه صلَّى جالسًا، فإذا أراد أن يركع قام فقرأ ثُمَّ ركعَ»:
قال ابن الملقن -رحمه الله-:
أنكر الداودي قوله: «فلما كثر لحمه صلى جالسًا» وقال: إنما في الحديث: «فلما بدن» يعني: كبر، وهذا في رسم الخط يقع على أخذ اللحم وعلى الكبر، فرواه بعضهم على ما يحتمل من التأويل، ونقل غيره: لما كبر وسمِن مثل ما هنا، ومن صفاته أنه لما كبر سمن.
وقال ابن الجوزي: لم يصفه أحد بالسمن أصلًا، ولقد مات وما شبع من خبز الخمير في يوم مرتين، وأحسب أن بعض الرواة روى قولها: «بدن» ظنه كثر لحمه، وأن قومًا ظنوا ذلك، وليس كذلك، فإن أبا عبيد قال: بدن الرجل يبدن: إذا أسن، فيحتمل أن يكون المعنى: لما ثقل عليه حمل لحمه وإن كان قليلًا طعن في السن.
فائدة: صلاته -صلى الله عليه وسلم- جالسًا كصلاته قائمًا -كما ثبت في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو. التوضيح (23/ 254).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
وفي حديث مسلم عنها قالت: «لما بدن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وثقل» لكن يحتمل أن يكون معنى قوله: «ثقل» أي: ثقل عليه حمل لحمه وإن كان قليلًا لدخوله في السن «صلى جالسًا فإذا أراد أن يركع قام فقرأ» زاد في رواية هشام بن عروة عن أبيه وعند المؤلّف في آخر أبواب التقصير «نحوًا من ثلاثين آية أو أربعين آية ثم ركع».
فإن قلت: في حديث عائشة من طريق عبد الله بن شقيق عند مسلم «كان إذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ قاعدًا ركع وسجد وهو قاعد».
أجيب: بالحمل على حالته الأولى قبل أن يدخل في السن جمعًا بين الحديثين. إرشاد الساري (7/ 347).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
فيه: أنه كان يفعل من العبادة ما ينهى عنه أمته؛ لعلمه بقوة نفسه؛ ولما لا يخشى عليه من الملول في ذلك...
وفيه: أن السجود والصلاة شكر النعم. التوضيح (9/ 53).
وقال ابن الملقن -رحمه الله- أيضًا:
في الحديث: الأخذ بالشدة في العبادة، وإن أضر ذلك بدنه؛ وذلك له حلال مع جواز أخذه بالرخصة، ألا ترى إلى قوله: «أفلا أكون عبدًا شكورًا؟» نبه على ذلك المهلب.
وفيه: أيضًا أن لمطيق القيام أن يجلس، فإنه يجلس في بعض الركعة ويقوم في بعضها، ومذهب ابن القاسم: أن من ابتدأ قائمًا له الجلوس، وخالفه أشهب. التوضيح (23/ 254- 255).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
وفيه: مشروعية الصلاة للشكر.
وفيه: أن الشكر يكون بالعمل كما يكون باللسان، كما قال الله تعالى: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا} سبأ: 13...
وفيه: ما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- عليه من الاجتهاد في العبادة والخشية من ربه، قال العلماء: إنما ألزم الأنبياء أنفسهم بشدة الخوف لعلمهم بعظيم نعمة الله تعالى عليهم، وأنه ابتدأهم بها قبل استحقاقها، فبذلوا مجهودهم في عبادته ليؤدوا بعض شكره؛ مع أن حقوق الله أعظم من أن يقوم بها العباد -والله أعلم-. فتح الباري (3/ 15).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
وفي هذا: دليل على أن الشكر هو القيام بطاعة الله، وأن الإنسان كُلما ازاد في طاعة ربه -عز وجل- فقد ازداد شكرًا لله -عز وجل-، وليس الشكر بأن يقول الإنسان بلسانه: أشكر الله، أحمد الله؛ فهذا شكر باللسان، لكن الكلام هنا على الشكر الفعلي الذي يكون بالفعل بأن يقوم الإنسان بطاعة الله بقدر ما يستطيع.
وفي هذا: دليل على أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؛ كل ما تقدم من ذنبه فقد غفر الله له، كل ما تأخر فقد غفر الله له، وقد خرج من الدنيا -صلوات الله وسلامه عليه- سالمًا من كل ذنب؛ لأنه مغفور له...
ففي هذا: دليل على أن من خصائص الرسول -عليه الصلاة والسلام- أن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وهذا قد يقع -كما قلت- لبعض الصحابة كأهل بدر...
وفي هذا: دليل أيضًا على فضيلة قيام الليل، وطول القيام. شرح رياض الصالحين (2/ 71-73).
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده:
منها: بيان ما كان عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- من كثرة العبادة، والاجتهاد فيها، والخشية من ربه -عز وجل-، مع أنه غفر له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر؛ ليكون عبدًا شكورًا...
ومنها: أن فيه مشروعية الصلاة للشكر، وأن الشكر يكون بالعمل، كما يكون باللسان. البحر المحيط الثجاج (43/ 535-536).

وللفائدة ينظر في فضل قيام الليل:

قيام الليل.. عبادة الصالحين وطريق القرب من رب العالمين.


إبلاغ عن خطأ