«لا تقوم الساعةُ حتى يقاتل المسلمون اليهودَ فيقتُلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهوديُّ مِن وراء الحَجَر والشجَر، فيقول الحَجر أو الشجر: يا مسلمُ يا عبدَ الله، هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله، إلا الغَرقَد؛ فإنه مِن شجر اليهود».
رواه البخاري برقم: (2926)، ومسلم برقم: (2922)، واللفظ له، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
غريب الحديث
«الغَرْقَد»:
شجر مِن العِضَاه، والعِضَاهُ: كُل شجر له شوك مثل الطَّلْح والسَّلَم والسَّمُر والسِّدْر، وَبَلغنِي أَن الْغَرْقَد كبار العَوسَج، إِنَّمَا قيل لمدفن أهل المدينة: بَقِيع الغَرْقَد؛ لأنه كان فيه غَرقد. غريب الحديث، لابن قتيبة (1/ 273).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وقال أبو حنيفة (أحمد بن داود الدينوري من علماء اللغة): واحِد الغَرْقَد غرقدة، وهي شَجَرَة العَوسج إِذا عظمت صَارَت غرقدة، وقيل: هو غير العَوسج، وله ثَمَر أحمَر مدوَّر حُلْو يُؤكَل، كأنه حبُّ العقيق. مشارق الأنوار (2/ 132).
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيَقتُلهم المسلمون»:
قال ابن الملقن -رحمه الله-:
المراد بقوله: «تقاتلون اليهود» إذا نزل عيسى، فإن المسلمين معه، واليهود مع الدجال. التوضيح (17/ 663).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فيقتلهم» أي: غالبهم، أو فيغلبهم «المسلمون» مرقاة المفاتيح (8/ 3408).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فيقتلهم المسلمون» قتل استئصال. الكوكب الوهاج (26/ 198).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون...» الحديث، هذا إنما يكون -والله أعلم- بعد قتل الدجال؛ فإن اليهود هم أكثر أتباعه، وسيأتي منصوصًا عليه بعد هذا إن شاء الله تعالى. المفهم (7/ 251).
قوله: «حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر»:
قال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «حتى يختبئ» أي: حتى يختفي. المفاتيح (5/ 372).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
«حتى يختبئ اليهود» أي: يحتمي. الأزهار مخطوط لوح (444).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«حتى يختبئ» أي: يختفي «اليهودي من وراء الحجر والشجر». مرقاة المفاتيح (8/ 3408).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«حتى يختبئ» أي: يختفي «اليهودي» من المسلم «من وراء الحجر والشجر». دليل الفالحين (8/ 644).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«حتى يختبئ» ويستتر «اليهودي من وراء الحجر والشجر» من الاختباء وهو الاستتار بشيء، أي: حتى يستتر ويختفي اليهودي وراء الحجر. الكوكب الوهاج (26/ 198).
قوله: «فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم يا عبد الله، هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله»:
قال ابن الملقن -رحمه الله-:
«فيقول الحجر أو الشجر» وقول الحجر يحتمل أن يكون حقيقةً ويُنطقه الله بذلك، ويحتمل أن يكون مجازًا (والحمل على الحقيقة هو الأولى؛ لكونه غير ممتنع على قدرة الله)؛ لأنه لا يبقى منهم أحد، وهذا يكون عند نزول عيسى كما سلف. التوضيح (17/ 664).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فيقول الحجر والشجر» أي: كلاهما، أو أحدهما: «يا مسلم، يا عبد الله» جمعًا بين الوصفين؛ لزيادة التعظيم «هذا» أي: تنبَّه ذا «يهودي خلفي، فتعال فاقتله». مرقاة المفاتيح (8/ 3408).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«فيقول الحجر والشجر» أي: بلسان قالِه بأنْ يقدِّره الله على النطق: «يا مسلم، هذا يهودي خلفي تعال فاقتله». دليل الفالحين (8/ 644).
وقال الكنكوهي -رحمه الله-:
قوله: «حتى يقول الحجر» وكلُّ شيء سوى شجرة الغرقد؛ لمناسبته باليهود. الكوكب الدري (3/ 156).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
قوله: «هذا يهودي ورائي فاقتلْه» وهؤلاء هم الذين ينزل عيسى -عليه الصلاة والسلام- لقتالهم، دون يهود سائر الأرض، وهم الذين يتبعون الدجال، ثم إن المؤرخين قالوا: إن عشرة أسباط من بني إسرائيل قد دخلوا في الإسلام، وبقي اثنان فقط، فليقدّر قدرهما. فيض الباري (4/ 197).
وقال محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«هذا» الشخص الذي ورائي «يهودي» اختفى «خلفي» أي: ورائي «فتعال» أي: فأقبل إليه «فاقتله»؛ لأنه عدو الله. الكوكب الوهاج (26/ 198).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«حتى يقول الحجر» ولغير أبي ذر: «ثم يقول الحجر» حقيقة: «يا مسلم، هذا يهودي ورائي فاقتله» ففيه: ظهور الآيات قرب الساعة من كلام الجماد، ويحتمل المجاز بأن يكون المراد أنهم لا يفيدهم الاختباء، والأول أولى. إرشاد الساري (8/ 86).
وقال الساعاتي -رحمه الله-:
فإنْ قيل: كيف ينطق الحجر والشجر وأحدهما من الجمادات والثاني من النباتات؟
قلتُ: لا مانع من ذلك؛ لأن في نطقهما معجزة لسيدنا عيسى -عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام-، وكرامة لعباد الله المؤمنين الذين لم يتبعوا الدجال، وثبتوا أمام فتنِه المتنوعة، فهم خلاصة المؤمنين، وإنما قلنا: معجزة لسيدنا عيسى؛ لأنه ورد في بعض الروايات: «حتى إنَّ الشجرة والحجر ينادي: يا روح الله هذا يهودي، فلا يترك ممن كان يتبعه أحدًا إلا قتله» وسيأتي كل ذلك في بابه إن شاء الله تعالى، وإنما خصَّ اليهود بالذكر دون سائر الملل؛ لأنهم شيعته وأنصاره، وأهل عنصره، ويلوح لي أنَّ اليهود الآن يحشدون إلى بيت المقدس ليلقوا حتفهم مع رئيسهم الدجال في هذه الأرض، ولو بعد حين، مصداقًا لقول نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-، نسأل الله العصمة من الفتن، والثبات على دين الإسلام، والتمسك بسنة خير الأنام -صلى الله عليه وسلم-. الفتح الرباني (6/ 191-192).
قوله: «إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود»:
قال ابن هبيرة -رحمه الله-:
الغرقد: شجر له شوك. الإفصاح (7/ 284).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«إلا الغَرقد» بالمعجمة والقاف المفتوحتين والراء بينهما ساكنة آخره دال مهملة: شجر أضيف إليه البقيع مدفن المدينة. دليل الفالحين (8/ 644).
وقال النووي -رحمه الله-:
«إلا الغرقد» والغرقد نوع من شجر الشوك معروف ببلاد بيت المقدس، وهناك يكون قتل الدجال واليهود، وقال أبو حنيفة الدينوري: إذا عظُمت العوسجة صارت غرقدة. المنهاج شرح النووي على مسلم (18/ 45).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
وقد أكثر اليهود من غرس شجر الغرقد في فلسطين في هذه الأيام حسب الأخبار الواردة إلينا، وهذا يعني أنهم يعتقدون صحة معنى هذا الحديث، ويعرفون مصدرهم، ثم هم لا يؤمنون، فما أجرأهم على الله، لعنهم الله!. منة المنعم (4/ 366).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«إلا الغرقد» استثناء من الشجر، وهو نوعُ شجرٍ ذو شوك يقال له: العوسج... «فإنه من شجر اليهود» أضيف إليهم لأدنى ملابسة، قيل: هذا يكون بعد خروج الدجال حين يقاتل المسلمون مَن تبعه من اليهود. مرقاة المفاتيح (8/ 3408).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«إلا الغرقد؛ فإنه من شجرِ اليهود» وأما نسبة هذه الشجرة إلى اليهود فلم أعرف وجهها في شيء من الروايات. الكوكب الوهاج (26/ 198).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «فإنه من شجر اليهود» معناه: أن طبعه وخواصّه يناسبان طبع اليهود وخواصهم، فهو يستر مجرميهم كما أنهم هم كذلك، وكأن القتال المذكور في هذا الحديث قريب، فقد تهيأ الجو لذلك، والله أعلم. منة المنعم (4/ 366).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
وإنَّما كانت الغرقدة شجرهم التي يحبونها، قيل: لأن عصا موسى -عليه السلام- منها، وهذا كذب بحت؛ لأن عصا موسى من آس الجنة، هبطت من الجنة مع آدم -عليه السلام-، فتداولت عليها أيدي الأنبياء قبل موسى حتى وصلت إلى شعيب، فأعطاها لموسى -عليهما السلام-، أو لأنها أضاءت لموسى ليلة الحيرة مع أهله، أو لأن موسى أوقد منها الزند تلك الليلة، هذه أقوال كلها إسرائيلية لا دليل عليها. مرشد ذوي الحجا والحاجة (24/ 415).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
«إلا الغرقد؛ فإنه من شجر اليهود» والغرقد: نوع من شجر العوسج؛ لهذا فإن اليهود الآن يغرسون شجر الغرقد؛ لأنه يخون معهم، وما عدا الغرقد فإنه يتكلم، وقد يحصل هذا قبل نزول عيسى -عليه الصلاة والسلام-. توفيق الرب المنعم (8/ 307).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله- أيضًا:
في هذه الأحاديث من أشراط الساعة ما سيحصل بعد نزول عيسى ابن مريم -عليه الصلاة والسلام-، وقتل الدجال، حيث يسلَّط المسلمون على قتل اليهود، فيقتلونهم قتلًا ذريعًا. توفيق الرب المنعم (8/ 307).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال المهلب: في هذا الحديث دليل على ظهور الآيات بتكلم الجماد، وما شاكله عند نزول عيسى ابن مريم الذي يستأصل الدجال واليهود معه.
وفيه: دليل على بقاء دين محمد ودعوته بعد نزول عيسى ابن مريم؛ لقوله: «تقاتلوا» ولا يكونوا مخاطبين بالقتال إلا وهم على دينهم؛ لجواز علم النبي -صلى الله عليه وسلم- أن الذين يقاتلون الدجال غير من يخاطب بالحضرة، لكن خاطب من بالحضرة لمجيء مَن بعدهم على مذهبهم، وهذا في كتاب الله كثير، خاطب مَن بالحضرة ما يلزم الغائبين الذين لم يُخلقوا بعد.
وفيه: جواز مخاطبة مَن لا يسمع الخطاب، ومخاطبة مَن قد يجوز منه الاستماع يومًا ما. شرح صحيح البخاري (5/ 107).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
وفيه: ما يدل على أن اليهود عدوٌّ باقي العداوة، لا تُزيل البغضاءَ من قلبه كرُّ الليل والنهار، وأنهم سيقاتلون المسلمين، وأنَّ المسلمين يظهرون عليهم، فيقتلونهم حتى ينادي الحجرُ المسلمَ أن هذا يهودي ورائي فاقتله، وإنما يدل الحجر عليه؛ لأن الحجرَ خاف أن يكون وقايةً لعدو الله -عز وجل-. الإفصاح (7/ 154).
وقال الشيخ حمزة محمد قاسم -رحمه الله-:
فقه الحديث: دل هذا الحديث على ما يأتي:
أولًا: محاربة المسلمين لليهود في آخر الزمان، وانتصارهم عليهم، وتلك حقيقة ثابتة لا بد من وقوعها ما دام قد أخبر عنها الصادق المصدوق -صلى الله عليه وسلم-، وهو ما ترجم له البخاري.
ثانيًا: أن هؤلاء اليهود يُقضى عليهم في هذه الحرب، ولا تقوم لهم بعدها قائمة؛ بدليل قوله: «حتى يقول الحجر وراءه اليهودي: يا مسلم هذا يهودي ورائي فاقتله». منار القاري (4/ 109).
ولمزيد من الفائدة يُنظر حديث: «إنَّ مِن أشراطِ الساعةِ أنْ يُرْفَعَ العلمُ، ويظهرَ الجهلُ، ويفشُوَ الزِّنا...».
يُنظر فتوى الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- في حكم قول: من علامات الساعة أن تفعل كذا ؟