«أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رأى رجلًا يصلِّي خلف الصف وحده، فأمره أن يعيد الصلاة».
رواه أحمد برقم: (18002)، وأبو داود برقم: (682) واللفظ له، والترمذي برقم: (231)، وابن ماجه برقم: (1004)، وابن خزيمة برقم: (1570)، وابن حبان برقم: (2199)، من حديث وابِصَة بن مَعْبد -رضي الله عنه-.
وعند أحمد برقم: (75)، وابن ماجه برقم: (1003)، وابن خزيمة برقم: (1569)، وابن حبان برقم: (2202)، من حديث علي بن شيبان -رضي الله عنه- بلفظ: «استقبلْ صلاتَكَ فلا صلاةَ لفَرْدٍ خلفَ الصَّفِ».
حديث وابصة في:
مشكاة المصابيح برقم: (1105)، والتعليقات الحسان برقم: (2195).
وإرواء الغليل برقم: (541).
وحديث علي بن شيبان في:
صحيح الجامع برقم: (949)، والتعليقات الحسان برقم: (2199).
غريب الحديث
«استقبل صلاتك»:
استقبل الصلاة: يعني: من أولها، ولم يَبْنِ على ما مضى منها، والاستقبال: يطلق على ابتداء الشيء، كهذا. الدر النقي، لابن المبرد (2/ 125).
قال أحمد مختار -رحمه الله-:
استقبل الأمر: استأنفه. معجم اللغة العربية المعاصرة (3/ 1769).
«لفَرْدٍ»:
الفَرْدُ: الذي لا يختلط به غيره...، وجمعُهُ: فُرَادَى، قال تعالى: {لَا تَذَرْنِي فَرْدًا} الأنبياء: 89، أي: وحيدًا. المفردات، للراغب (ص: 629).
قال ابن فارس -رحمه الله-:
الفاء والراء والدال، أصل صحيح يدل على وحدة. مقاييس اللغة (4/ 500).
شرح الحديث
«أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رأى رجلًا يصلِّي خلف الصفِّ وَحده»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«رجلًا يصلي خلف الصف وحده» أي: منفردًا عن الصف مع سعة المكان. مرقاة المفاتيح (3/ 855).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«خلف الصف» منفردًا «وحده» ناويًا الجماعة «فأمره» أي: فأمر ذلك الرجل. مرشد ذوي الحجا والحاجة (6/ 353).
قوله: «فأمره أن يعيد الصلاة»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «فأمره أنْ يُعيد الصلاة» إنما أمره بإعادة الصلاة تغليظًا وتشديدًا، ويؤيِّدُهُ حديث أبي بكرة (عندما ركع خارج الصف، ثم دخل فيه، فلم يأمره الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالإعادة). الكاشف عن حقائق السنن (4/ 1147).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فأمره أن يعيد الصلاة» استحبابًا؛ لارتكابه الكراهة. مرقاة المفاتيح (3/ 855).
وقال الشافعي -رحمه الله-:
ولم يأمره (أي: أبي بكرة) بالإعادة، بل فيه دلالة على أنه رأى ركوعه منفردًا مجزئًا عنه، ومن حديثنا حديث ثابت أنَّ صلاة المنفرد خلف الإمام تجزئه، فلو ثبت الحديث الذي يُروى عن وابصة كان حديثنا أولى أن يُؤْخَذَ به؛ لأن معه القياس وقول العامة.
فإن قال قائل: وما القياس وقول العامة؟ قيل: أرأيت صلاة الرجل منفردًا أتجزئ عنه؟ فإن قال: نعم، قلتُ: وصلاة الإمام أمام الصف وهو في صلاة جماعة، فإن قال: نعم، قيل: فهل يعدو المنفرد خلف المصلي أن يكون كالإمام المنفرد أمامه، أو يكون كرجل منفرد يصلي لنفسه منفردًا؟ فإنْ قيل: فهكذا سنة موقف الإمام والمنفرد، قيل: فسنة موقفهما تدل على أن ليس في الانفراد شيء يُفسد الصلاة، فإن قال بالحديث فيه، قيل في الحديث ما ذكرنا، فإن قيل: فاذكر حديثك، قيل: أخبرنا مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك: «أن جدته مليكة دعت النبي إلى طعام صنعته، فأكل منه، ثم قال: «قوموا فَلِأُصَلِّي لكم» قال أنس: فقمتُ إلى حصير لنا قدِ اسْوَدَّ من طول ما لُبِسَ، فنضحْتُهُ بالماء، فقام عليه رسول الله، وصففْتُ أنا واليتيم وراءه والعجوز من ورائنا، فصلى لنا ركعتين ثم انصرف»...
قال الشافعي: فأنس يحكي أنَّ امرأة صلَّت منفردة مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولا فرق في هذا بين امرأة ورجل، فإذا أجزأت المرأة صلاتها مع الإمام منفردة، أجزأ الرجل صلاته مع الإمام منفردًا كما تجزئها هي صلاتها. اختلاف الحديث (ص: 131-132).
وقال محمد عابد السندي -رحمه الله-:
أمْرُهُ -صلى الله عليه وسلم- إِيَّاهُ بإعادة الصلاة ليس لبطلانها، وإنما لمخالفة الأولى؛ ليحافظوا على مَلْءِ الصفوف، وليشعرهم -صلى الله عليه وسلم- بأهمية ذلك، هذا رأي الجمهور، وبعض الأئمة أخذ بظاهر الحديث، وقال ببطلان صلاة هذا المنفرد، ويؤيده حديث: «لا صلاة لمنفرد خلف الصف»، والجمهور أوَّلُوه: بلا صلاة كاملة؛ لأنها خلاف الأولى، وأخذ الجمهور بحديث آخر في البخاري وأبي داود. مسند الشافعي ترتيب السندي (1/ 107).
وقال ابن حزم -رحمه الله-:
مسألة: وأيما رجل صلى خلف الصف بطلت صلاته، ولا يضر ذلك المرأة شيئًا...، ومن صلى وأمامه في الصف فُرْجَة يمكنه سدُّها بنفسه فلم يفعل، بطلت صلاته؛ فإن لم يجد في الصف مدخلًا؛ فليجتذب إلى نفسه رجلًا يصلي معه؛ فإن لم يقدر، فليرجع، ولا يُصَلِّ وحده خلف الصف، إلا أن يكون ممنوعًا فيصلي وتجزئه ... ، وروينا من طريق جرير بن عبد الحميد... عن وابصة بن معبد: «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمر رجلًا صلى خلف الصفِّ وحده أن يعيد الصلاة»؛ فقال قوم بآرائهم: لعله أمره بالإعادة لأمرٍ غير ذلك لا نعرفه، وهذا باطل؛ لأنه -عليه السلام- لم يكن ليدع بيان ذلك لو كان كما ادَّعوا، وإذا جوَّزوا مثل هذا، لم يعجز أحد لا يتقي الله -عز وجل- أن يقول إذا ذكر له حديث: لعله نقص منه شيء يُبْطِلُ هذا الحكم الوارد فيه، فكيف وقد حدثنا أحمد بن محمد بن الجسور... عن عبد الله بن بدر حدثني عبد الرحمن بن علي بن شيبان عن أبيه قال: «قدِمْنَا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فبايعناه وصلَّينا خلفه، فقضى الصلاة، فرأى رجلًا فردًا يصلي خلف الصف؛ فوقف عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى انصرف، فقال له: استقبل صلاتك، فإنه لا صلاة للذي خلف الصف». المحلى بالآثار (2/ 372-374).
وقال البيهقي -رحمه الله-:
روينا عن إبراهيم النخعي أنه قال: صلاته تامَّة، وليس له تضعيف، وكأنه أراد: لا يكون له تضعيف الأجر بالجماعة، فكأن النبي -صلى الله عليه وسلم- إن صحَّ الحديث نفى عنه فضل الجماعة، وأمره بالإعادة ليحصل له زيادة، ولا يعود إلى ترك السُّنة -والله أعلم-. معرفة السنن والآثار (4/ 184).
وقال أبو يعلى الفراء -رحمه الله-:
فمن هذه الأخبار دليلان:
أحدهما: أنه أمره بالإعادة، والأمر بذلك يدل على الفساد، ووجوب الإعادة.
والثاني: أنه علَّل في حديث علي بن شيبان، فقال: «لا صلاة لفرد خلف الصف».
فإن قيل: فقد روى الأثرم بإسناده عن علي بن شيبان عن أبيه -رضي الله عنهما-: «أنه صلى مع النبي -صلى الله عليه وسلم-، فانصرفَ ورجلٌ يصلي خلف الصف، فوقف النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى انصرف الرجل، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: «استقبل صلاتك، فلا صلاة لفَذٍّ خلف الصف» قالوا: فلولا أنَّ الصلاة صحيحة، لم يقف عليه حتى يُتِمَّها.
قيل له: يحتمل أن يكون وقوفه عليه حتى يفرغ القوم من ركوعهم، فيقع البيان لهم عامًّا، لا لأن صلاته صحيحة، ويحتمل أن يكون انتظر حتى يفرغ؛ خوفًا أن لا يجيبه؛ كما رُوي أنه -عليه السلام- نادى أبا سعيد بن المعلى وهو يصلي، فلم يجبه.
فإن قيل: يحتمل أن يكون أَمَرَهُ بالإعادة في الوقت الذي كان يُعَادُ فيه الفرض مرتين.
قيل له: قوله -عليه السلام-: «فلا صلاة لفرد خلف الصف» تعليلٌ يقتضي أنَّ الإعادة وجبت لكونك فَذًّا، وعلى ما قالوه وجبت الإعادة؛ لأن الفرض كان يُعَادُ.
فإن قيل: يحمل قوله: «لا صلاة» كاملة.
قيل: يجب أنْ يُحْمَل النفيُ على أصل الصلاة، لا على وصفها. التعليقة الكبيرة (2/ 444-446).
وقال الروياني الشافعي -رحمه الله-:
لو دخل المسجد ولم يجد في الصف فُرْجة، يُصَلِّي خلف الصفِّ وحده، وذكر أبو حامد (الإسفراييني): أنه يُستحبُّ له أنْ يجذب رجلًا من القوم؛ ليقف معه خلف الصفِّ، فإن لم يفعل هذا، كُرِهَ وأجزأه، وبه قال جماعة من أصحابنا، وقالوا: لا نص فيه، وذكر القاضي الطبري: أن الشافعي -رحمه الله- نصَّ في البويطي: أنه يقف وحده، ولا يجذب رجلًا، وهو أصح؛ لأن في جذبه رجلًا يُحْدِثُ خللًا في الصف الأول، ويَحْرِمُه فضيلة الصف الأول، وليس له ذلك...
لو وُجِدَ في الأول فرجة فدخل رجل، له أن يتقدَّم ويسُدَّ الفرجة وإن احتاج إلى المرور بين يدي آخر؛ لأن الذي ترك الفُرجة بين يديه في الصف الأول منع حق نفسه حين لم يتصل بالصف الأول. بحر المذهب (2/ 273).
وقال الشاشي الشافعي -رحمه الله-:
فإن وقف خلف الصفِّ وحده مقتديًا بالإِمام، كُرِهَ وأجزأه، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ومالك، وقال أحمد: تبطل صلاته، فإن دخل المسجد فلم يجد في الصف فرجة؛ فإنه يصلي وحده، وذكر الشيخ أبو حامد -رحمه اللَّه-: أنه يجذب رجلًا من الصفِّ ليُصلِّي معه، فإن لم يفعل كُرِهَ، وحكى القاضي أبو الطيب (الطبري) -رحمه اللَّه-: أن الشافعي -رحمه اللَّه- نصَّ أنه لا يجذب رجلًا ويقف حيث شاء. حلية العلماء (2/ 212-213).
وقال المازري -رحمه الله-:
صلاة المنفرد خلف الصف مع وجود الفُرَج بين يديه يُكْرَهُ عندنا (المالكية)، ويقع بها الإجزاء، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة، وقال ابن حنبل: إنِ انضاف إليه آخر قبل الركوع، صحَّت صلاته، وإن ركع وحده، بطلت صلاته، ثم إذا انضاف إليه آخر، كان كالفذِّ أيضًا، وقال النخعي والحكم والحسن بن صالح وإسحاق وابن المنذر: تبطل صلاته، ونقل بعضهم عن ابن حنبل هذا المذهب مطلقًا، وقال ابن وهب في المجموعة: إذا خرج أحد عن الصف بطلت صلاته.
ودليلنا (المالكية): أن أبا بكرة -رضي الله عنه- جاء والنبي -صلى الله عليه وسلم- راكع فركع دون الصف، ومشى إلى الصف وهو راكع، فلما قضى النبي -صلى الله عليه وسلم- صلاته قال: «أيُّكم الذي ركع دون الصف ومشى إلى الصف وهو راكع؟» فقال أبو بكرة: أنا، فقال: «زادك الله حرصًا ولا تعد»، ولم يأمره بالإعادة، فإن قيل: قوله: «لا تعد» نهي، وركوب ما نُهِيَ عنه يبطل الصلاة، قيل: إنما نهاه عن السعي والإسراع، وهو المراد بقوله: «ولا تعد» مع أن تركه -صلى الله عليه وسلم- أمره بالإعادة يبطل قولهم بوجوب الإعادة، وأيضًا فإنه -صلى الله عليه وسلم- صلى بأنس واليتيم، والعجوز من ورائهم وحدها ولم تبطل صلاتها؛ ولأن مخالفة الموقف المختار لا يفسد الصلاة.
ويحتج المخالف بما رُوِي أنه -صلى الله عليه وسلم- صلى فأبصر رجلًا صلى خلف الصفوف وحده، فأمره أن يعيد الصلاة، روي عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «لا صلاة لمنفرد خلف الصف».
والجواب عن هذا: أنَّ أمْره بالإعادة إن ثبت حملناه على الاستحباب، وأشار بعض أصحابنا إلى أنه لا يثبت، وقوله: «لا صلاة» يحمل على نفي الكمال، مع تسليم صحته أيضًا. شرح التلقين (1/696-697).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
قد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا صلاة لمن صلى خلف الصف»، ورأى رجلًا يصلي وحده خلف الصف فأمره أن يعيد الصلاة، ومع هذا صلى بأنسٍ مرَّةً والصبي اليتيم، والمرأة خلفهما، فجعل المرأة وحدها صفًّا لأجل الحاجة؛ إذ كانت السنة في حقها أن لا تقف مع الرجال، والإمام يقف وحده لأجل الإمامة؛ فمن سوى بين الإمام والمرأة وبين الرجل المؤتم في الانفراد فقد خالف السنة، ومن جعل وقوف الفذِّ لا يجوز بحالٍ فقد خالف السنة، فعُلم أنَّ الاصطفاف أمر به -ونهى عن وقوف الرجل وحده- مع القُدرة، وأما مع الحاجة فوقوف الإنسان وحده خير له من أن يدع الجماعة، ونظائر هذا كثيرة -والله أعلم-. المسائل والأجوبة (ص: 154-155).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
روى وابصة بن معبد: «أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رأى رجلًا يصلِّي خلف الصَّفِّ وحده، فأمَرَه أن يعيد الصَّلاة» ... وعن علي بن شيبان قال: خرجنا حتى قدمنا على النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- فبايعناه، وصلَّينا خلْفَه، قال: ثمَّ صلَّينا وراءَهُ صلاةً أخرى، فقضى الصَّلاة، فرأى رجلًا فرْدًا خلف الصَّفِّ، فوقف عليه حتى انصرف، وقال: «اسْتَقْبِل صلاتَك؛ لا صلاة للَّذي خلف الصَّفِّ» رواه الإمام أحمد وابن حبَّان.
وفي رواية الإمام أحمد: صلَّيْتُ خلف النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فانْصَرَف فرأى رجلًا يصلِّي فرْدًا خلف الصَّفِّ، فوقف نبيُّ الله -صلى الله عليه وسلم- حتى انصرف الرجل، فقال له: «استقبل صلاتك، فلا صلاة لفردٍ خلف الصَّفِّ» ... فوجه الدلالة: أنَّه أبْطَل صلاة المنفرد عن الصَّفِّ وهو في جماعةٍ، وأَمَرَه بإعادة صلاته، مع أنَّه لم ينفرد إلَّا في المكان خاصَّةً، فصلاة المنفرد عن الجماعة والمكان أولى بالبُطلان. الصلاة (1/ 230-231).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
استدل الشافعي وغيره بحديث أبي بكرة على أنَّ الأمر في حديث وابصة للاستحباب؛ لكون أبي بكرة أتى بجزء من الصلاة خلف الصف، ولم يؤمر بالإعادة؛ لكن نُهِيَ عن العود إلى ذلك، فكأنه أرشد إلى ما هو الأفضل، وروى البيهقي من طريق المغيرة عن إبراهيم فيمن صلى خلف الصف وحده فقال: صلاته تامة، وليس له تضعيف.
وجمع أحمد وغيره بين الحديثين بوجه آخر، وهو أن حديث أبي بكرة مخصص لعموم حديث وابصة، فمن ابتدأ الصلاة منفردًا خلف الصف، ثم دخل في الصف قبل القيام من الركوع لم تجب عليه الإعادة، كما في حديث أبي بكرة، وإلا فتجب على عموم حديث وابصة وعلي بن شيبان. فتح الباري (2/ 268-269).
وقال العيني -رحمه الله-:
في هذا الحديث (حديث أبي بكرة) أنه أمره أن يعيد، وقال: «لا صلاة لفرد خلف الصف» فيحتمل أن يكون أَمْرُهُ إيَّاه بإعادة الصلاة كان للمعنى الذي وصفنا في حديث وابصة، وأما قوله: «لا صلاة لفرد خلف الصف» فيحتمل أن يكون ذلك كقوله: «لا وضوء لمن لم يُسَمِّ الله» وكالحديث الآخر: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد»، وليس ذلك على أنه إذا صلى كذلك كان في حكم من لم يصل، ولكنه قد صلى صلاةً مجزئةً، ولكنها ليست متكاملة الأسباب في الفرائض والسنن؛ لأن من سنة الصلاة مع الإِمام اتصال الصفوف، وسد الفرج، هكذا ينبغي للمصلي خلف الإِمام أن يفعل، فإن قصر عن ذلك، فقد أساء، وصلاته مجزئة؛ ولكنها ليست بالصلاة المتكاملة في فرائضها وسننها، فقيل لذلك: لا صلاة له، أي: لا صلاة له متكاملةً، كما قال -عليه السلام-: «ليس المسكين بالذي تردُّه التمرة والتمرتان، ولكن المسكين الذي لا يُعرف فيُتَصدق عليه، ولا يَسْأل الناس»؛ فكان معنى قوله: «ليس المسكين بالذي تردُّهُ التمرة والتمرتان» إنما معناه: ليس هو بالمسكين المتكامل في المسكنة؛ إذ هو يَسْأل فُيْعطى ما يقوته ويواري عورته، ولكن المسكين: الذي لا يسأل الناس ولا يعرفونه فيتصدقون عليه، فنفى في هذا الحديث: من كان مسكينًا غير متكامل أسباب المسكنة أن يكون مسكينًا، فيحتمل أن يكون أيضًا إنما نفى بقوله: «لا صلاة لمن صلّى خلف الصف وحده» أن يكون مصلِّيًا؛ لأنه غير متكامل أسباب الصلاة، وهو مُصَلٍّ صلاةً تُجزئه. نخب الأفكار (6/ 193-194).
وقال المغربي -رحمه الله-:
في الحديث: دلالة على بطلان صلاة من صلى خلف الصف وحده لغير عذر، وقد قال ببطلانها: النخعي وحماد بن أبي سليمان وابن أبي ليلى ووكيع وأحمد، وكان الشافعي يضعِّف هذا الحديث، ويقول في القديم: لو ثبت لقلتُ به، وقال البيهقي: الاختيار: أن يتوقَّى ذلك؛ لثبوت الخبر المذكور، وقال من قال بعدم البطلان: عارضه حديث أبي بكرة، ولم يأمره بالإعادة، مع أنه أتى ببعض الصلاة خلف الصف، فيحمل الأمر بالإعادة على جهة الندب؛ مبالغة في المحافظة على الأولى...، والأولى الجمع بين الحديثيْن: بأنَّ حديث أبي بكرة فيما فعل لعذر، وهو خشية الفوات مع انضمامه بقدر الإمكان، وهذا لغير عذر وفي جميع الصلاة -واللَّه أعلم-. البدر التمام (3/ 350).
وقال الصنعاني -رحمه الله- معقبًا على كلام المغربي:
قلتُ: وأحسن منه أنْ يُقال: هذا لا يعارض حديث أبي بكرة بل يوافقه، وإنما لم يأمر -صلى الله عليه وسلم- أبا بكرة بالإعادة؛ لأنه كان معذورًا بجهله، ويحمل أمره بالإعادة لمن صلى خلف الصف بأنه كان عالمًا بالحكم، ويدل على البطلان أيضًا ما تضمنه قوله... «لا صلاة لمنفرد خلف الصف». سبل السلام (1/ 378).
وقال الشيخ ابن عثيمين-رحمه الله-:
فإن قال قائل: لماذا لا تأمرونه أن يبقى، فإن جاء معه أحد، وإلا صلى وحده منفردًا، قلنا: في هذا محذوران:
المحذور الأول: أنه ربما ينتظر فتفوته الركعة، وربما تكون هذه الركعة هي الأخيرة فتفوته الجماعة.
المحذور الثاني: أنه إذا بقي وفاتته الجماعة فإنه حُرِمَ الجماعة في المكان وفي العمل، وإذا دخل مع الإمام وصلى وحده منفردًا، فإننا نقول: على أقل تقدير: حرم المكان فقط، أما العمل فقد أدرك الجماعة، فأيهما خير أن نحرمه الجماعة في العمل والمكان، أو في المكان فقط؟
الجواب: في المكان فقط، هذا لو قلنا: إنه في هذه الحال يكون مرتكبًا لمحذور، مع أن الراجح عندي: أنه إذا تعذَّر الوقوف في الصف، فإنه إذا صف وحده لم يرتكب محظورًا.
مسألة: ما هو الانفراد المبطل للصلاة؟
الجواب: الانفراد المبطل للصلاة أن يرفع الإمام من الركوع ولم يدخل مع المسبوق أحد، فإن دخل معه أحد قبل أن يرفع الإمام رأسه من الركوع، أو انفتح مكان في الصف فدخل فيه قبل أن يرفع الإمام من الركوع، فإنه في هذه الحال يزول عن الفردية. الشرح الممتع (4/ 268-274).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
سمعتُ شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- ينكره أيضًا (جذب الغير) ويقول: يصلي خلف الصف فذًّا ولا يجذب غيره، قال: وتصح صلاته في هذه الحالة فذًّا؛ لأن غاية المُصافَّة أن تكون واجبة، فتسقط بالعذر. بدائع الفوائد (3/ 87).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
أما حديث وابصة عند الطبراني في الكبير فهو من طريق السَّرِيِّ بن إسماعيل عن الشعبي، عن وابصة قال: رأى رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- رجلًا يصلي خلف الصفوف وحده، فقال: «أيها المصلي وحده، ألا تكون وصلت صفًّا فدخلت معهم، أو اجتررت رجلًا إليك إن ضاق بك المكان، أعد صلاتك، فإنه لا صلاة لك».
وهذا إسناد ضعيف جدًّا؛ لأنه فيه السري بن إسماعيل، قال عنه الحافظ في التقريب: متروك، وقد تفرّد بهذه الزيادة: «أو اجتررت رجلًا إليك» فتكون زيادة منكرة.
قال ابن عدي: أحاديثه التي يرويها لا يتابعه أحد عليها، وخاصة عن الشعبي، فإن أحاديثه عنه منكرات، لا يرويها عن الشعبي غيره، وهو إلى الضعف أقرب، ونُقِل عن الإمام أحمد أنه قال: تَرَكَ الناس حديثه، وقال يحيى بن سعيد: استبان لي كذبه في مجلس، وعلى هذا: فمثله لا يحتج بحديثه. منحة العلام (3/ 425).
ينظر رأي الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- فيمن صلى منفردًا خلف الصف لعدم وجود فرجة في الصف.
وينظر فتوى الشيخ ابن باز -رحمه الله- في حكم اجتذاب المسبوق رجلا من الصف الأول ليصف معه.