الإثنين 22 ذو الحجة 1447 | 2026-06-08

A a

عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- قال: كانَ إذا سَمِعَ المؤذِّنَ قال مِثْلَ ما يقولُ، حتَّى إذا بَلَغَ حيَّ على الصَّلاةِ حيَّ على الفلاحِ قال: «لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ».


رواه أحمد برقم: (23866) ورقم: (27189) واللفظ له، والنسائي في الكبرى برقم: (9786)، والبزار برقم: (3868)، من حديث أبي رافع -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (4741)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (2075).


غريب الحديث


«المؤذِّن»:
كل من تكلَّم بشيءٍ ندَاءً فهو مُؤذن. الكليات، للكفوي (ص: 803).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
الأذان وهو الإعلام بالشيء، يقال: آذَنَ يُؤْذِن إيذانًا، وأذَّنَ يُؤذِّنُ تأذينًا، والمشدَّد مخصوص في الاستعمال بإعلام وقت الصلاة. النهاية في غريب الحديث، (1/ 34).

«حيَّ»:
أي: هلموا إليهما، وأَقْبِلوا ‌وتعالوا ‌مسرعين. النهاية، لابن الأثير (1/ 472).

«الفلاح»:
البقاء في الجنة الخلود. غريب الحديث، لابن قتيبة (1/ 172).
وقال نشوان الحميري -رحمه الله-:
الفلاح: البقاء في الخير، ومنه قولهم في الأذان: حيَّ على الفلاح، أي: هلم إلى البقاء في الخير الدائم. شمس العلوم(8/ 5248).

«لا حَوْلَ»:
أي: لا قُدْرة لي أنْ أُجيب ما دُعيتُ إليه إلا بالله. كشف المشكل، لابن الجوزي (4/ 97).
وقال الراغب -رحمه الله-:
الحالُ: لما ‌يختصّ ‌به ‌الإنسان وغيره من أموره المتغيّرة في نفسه وجسمه وقُنْيَتِه (كَسْبه)، والحول: ما له من القوّة في أحد هذه الأصول الثّلاثة، ومنه قيل: «لا حول ولا قوّة إلّا بالله»، وحَوْلُ الشيء: جانبه الذي يمكنه أن يحوّل إليه. المفردات(ص: 267).


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «كان إذا سمع المؤذن قال مثل ما يقول»:
قال ابن رجب -رحمه الله-:
إجابة المؤذن مستحبة عند الجمهور العلماء، وليست واجبة، وكان الحسن كثيرًا يسمع المؤذن وهو يتحدث فلا يقطع حديثه ولا يجيبه، وكذلك إسحاق بن راهويه، ونص أحمد على أن الإجابة غير واجبة، وحكى الطحاوي عن قوم أنهم أوجبوا إجابته، والظاهر: أنه قول بعض الظاهرية، وحكي عن بعض الحنفية أيضًا، وروي عن ابن مسعود أنه قال: من الجفاء ألا يقول مثل ما يقول المؤذن. فتح الباري (5/ 250- 251).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«كان إذا سمع المؤذِّن قال مثل ما يقول» فقوله عقيب قول المؤذن، لا أنه يسمعه ثم يقول، وهذا خفي أخذه من هنا لكنه دل له غيره. التنوير شرح الجامع الصغير (8/ 414).

قوله: «حتى إذا بلغ حي على الصلاة حي على الفلاح قال: «لا حول ولا قوة إلا بالله»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«حتى إذا بلغ حي على الصلاة، حي على الفلاح» أي: هلموا إليها، وأَقْبِلوا، وتعالوا مسرعين. فيض القدير (5/ 143).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
واختلف العلماء: هل يجيب المؤذن، فيقول كقوله في جميع ما يقول، أم لا؟
فقالت طائفة: يقول مثل ما يقول سواء في جميع أذانه؛ لظاهر حديث أبي سعيد. وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول»، وقد روي عن طائفة من السلف أنهم قالوا: يقول مثل قول المؤذن، ولم يستثنوا، منهم: النخعي، وروي عن ابن عمر أنه كان يقول مثل ما يقول المؤذن، وهو ظاهر قول الخرقي من أصحابنا.
وقالت طائفة: يقول كقوله، إلا في قوله: «حي على الصلاة، حي على الفلاح» فإنه يقول: «لا حول ولا قوة إلا بالله»، وهذا مروي عن الحسن، وهو منصوص عن أحمد، والشافعي، وهو قول طائفة من الحنفية والمالكية، وهؤلاء جعلوا حديث أبي سعيد وما في معناه عامًّا، وحديث عمر ومعاوية وما في معناهما خاصة، فتقضي على النصوص العامة.
ومن الحنفية من قال: يقول عند قوله: «حي على الصلاة»: «لا حول ولا قوة إلا بالله»، وعند: «حي على الفلاح»: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
وقالت طائفة: هو مخير بين أن يقول مثل قول المؤذن في الحيعلة، وبين أن يقول: «لا حول ولا قوة الا بالله» وجمعوا بين الأحاديث بذلك، وهذا قول أبي بكر الأثرم ومحمد بن جرير الطبري.
وقالت طائفة: بل يجمع بين أن يقول مثل قول المؤذن، وبين قوله: «لا حول ولا قوة الا بالله»، وهذا قول بعض أصحابنا، وهو ضعيف؛ لأن الجمع لم يرد.
وكان بعض شيوخنا يقول: يُجمع بين الأحاديث في هذا: بأن من سمع المؤذن وهو في المسجد قال مثل قوله، فإن سمعه خارج المسجد قال: «لا حول ولا قوة بالا بالله»؛ لأنه يحتاج إلى سعي فيستعين بالله عليه.
وقالت طائفة: يجيب المؤذن إلى آخر الشهادتين، ولا يجيبه فيما زاد على ذلك، وهو رواية عن مالك. فتح الباري (5/ 251- 253).
وقال ابن رشد القرطبي -رحمه الله-:
وأما قوله: حي على الصلاة، حي على الفلاح، فلا يقوله، إذ ليس بتكبير ولا تهليل ولا ذكر الله، وإنما هو دعاء إلى الصلاة، وهو ليس بمنادٍ للصلاة، ولا داعٍ إليها، وكان ميمون بن مهران يقول إذا قال المؤذن: حي على الصلاة حي على الفلاح: لا حول ولا قوة إلا بالله، وكانت عائشة تقول مثل ما يقول المؤذن، فإذا قال: حي على الصلاة كفَّت فلم تقل شيئًا، مثل ما ذهب إليه مالك، وقال ابن حبيب: قل: لا حول ولا قوة إلا بالله، عند حي على الصلاة حي على الفلاح، ثم الرجوع إلى أن يقول مثل ما يقول المؤذن في بقية أذانه أفضل؛ لمعنى الحديث: «إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن». البيان والتحصيل (17/ 587).
وقال السفاريني -رحمه الله-:
كونُ المشروع عندَ الحيعلة الحوقلةَ هو مذهبنا (الحنابلة) كالشافعية، وقال بعض الحنفية: يُحوقل عند حيَّ على الصلاة، ويقول عند حَيَّ على الفلاح: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وكأنهم استدلوا بما نقل عبد الرزاق عن ابن جريج: «أن الناس كانوا يُنصتون للمؤذن إنصاتَهم للقرآن، فلا يقول شيئًا إلا قالوا مثله، حتى إذا قال: حَيَّ على الصلاة، قالوا: لا حول ولا قوة إلا بالله، وإذا قال: حَيَّ على الفلاح، قالوا: ما شاء الله» انتهى، والأحاديثُ الصحيحة بما ذهب إليه علماؤنا صريحة. كشف اللثام شرح عمدة الأحكام (2/ 187).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
فتأوَّل علماؤنا في ذلك تأويلين:
الأول: أنه إنما كان يقول ذلك لأن «‌لا ‌حول ‌ولا ‌قوة ‌إلا ‌بالله» هي مفتاح من مفاتح الجنة.
والتأويل الثاني: أن معنى «حيَّ على الصلاة» أنه ليس في حولي ولا قوَّتي الإتيان إلى ما يدعو إليه هذا العبد، إلا بحولك وقوَّتك، وأن ذلك ليس من حولي ولا قوَّتي، وهذا بديع جدًّا. المسالك في شرح موطأ مالك (2/ 316).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
المراد من هذه الكلمة (أي: «لا حول ولا قوة إلا بالله»): إظهار الفقر إلى الله، بطلب المعونة منه على ما يحاول من الأمور، وهو حقيقة العبودية. النهاية (1/ 465).
وقال ابن مفلح -رحمه الله-:
وقال أبو الهيثم (وهو الرازي): أصل لا حول... من حالَ الشيء، إذا تحرك، يقول: لا حركة ولا استطاعة إلا بالله، وقال ابن مسعود: معناه: لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله، ولا قوة على طاعته إلا بمعونته. المبدع في شرح المقنع (1/ 292).
قال المناوي -رحمه الله-:
«قال: لا حول ولا قوة إلا بالله» المراد به: إظهار الفقر إلى الله بطلب المعونة. التيسير بشرح الجامع الصغير (2/ 252).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
«الحول» الحركة، يقال: حال الشخص: إذا تحرك، و«القوة» الاستطاعة، أي: لا حركة ولا استطاعة إلا بمشيئة الله تعالى وأقداره. تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة (2/ 64).
وقال النووي -رحمه الله-:
قال أصحابنا: وإنما استحب للمتابع أن يقول: مثل المؤذن في غير الحيعلتين؛ ‌ليدل ‌على ‌رضاه ‌به ‌وموافقته ‌في ذلك، وأما الحيعلة فدعاء إلى الصلاة وهذا لا يليق بغير المؤذن، فاستحب للمتابع ذكر آخر، فكان «لا حول ولا قوة إلا بالله»؛ لأنه تفويض محض إلى الله تعالى. المجموع شرح المهذب (3/ 118).
وقال المازري -رحمه الله-:
الحيعلة معناه: الدعاء إلى الصلاة، والأجر في الدعاء يحصل لمن يُسْمِع بها، فيصح أن يكون -عليه السلام- أمر من يحكي المؤذن أن يجعل الحوقلة موضع الحيعلة؛ ليكون له من الأجر نحو ما فاته من أجر الإِسماع؛ لأن الذكر الذي أمره أن يحكيه في الأذان يحصل لمعْلِنِه الأجر ولمخفيه الأجر. المعلم بفوائد مسلم (1/ 388).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
فإذا قال: «حي على الصلاة، حي على الفلاح» لم يحسن من غير المؤذن أن يرفع صوته كما يعمل المؤذن؛ لأنه هو المدعو، فإذا قال مثل قوله فمن يدعو؟ لأن المراد أن يجيب الداعي فيقول: «‌لا ‌حول ‌ولا ‌قوة ‌إلا ‌بالله» أي: إني مجيب لهذا الدعاء الكريم والنداء الشريف إلى عبادة ربي، ولا حول لي في ذلك ولا قوة إلا بتوفيق ربي -سبحانه وتعالى-؛ احترازًا من نوابض العُجب وخطرات الجهل. الإفصاح (1/ 222).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«حتى ‌إذا ‌بلغ ‌حي على الصلاة حي على الفلاح قال: لا حول ولا قوة إلا بالله» أي: عند كل واحد من اللفظين الأوليين والآخرين، وإنما اختصر الراوي، فيقول كلمة الحوقلة أربع مرات؛ وذلك أنه لما دعي إلى الصلاة والفلاح ناسب أن يأتي بكلمة التفويض واستدعاء الإعانة من الله، وظاهره أنه يُفردها ولا يقول كما قال المؤذن، وقيل: يجمع بين الحيعلة والحوقلة. التنوير شرح الجامع الصغير (8/ 414).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
إنَّ الرجل إذا دُعي بالحيعلتين كأنه قيل له: أَقْبِل بوجهك وسريرتك على الهدى عاجلًا، وعلى الفلاح آجلًا، أجاب: بأن هذا أمر عظيم، وخطب جسيم، وهي الأمانة التي عُرضت على السماوات والأرض، فأبين أن يحملنها، وأشفقن منها، فكيف أحملها مع ضعفي، وتشتت أحوالي؟ ولكن إذا وفقني الله بحوله وقوَّته لعلي أقوم بها. الكاشف عن حقائق السنن (3/ 912).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
الأذكار الزائدة على الحيعلة يشترك السامع والمؤذن في ثوابها، وأما الحيعلة فمقصودها الدعاء إلى الصلاة؛ وذلك يحصل من المؤذن، فُعوِّض السامع عما يفوته من ثواب الحيعلة بثواب الحوقلة؛ ولقائل أن يقول: يحصل للمجيب الثواب لامتثاله الأمر، ويمكن أن يزداد استيقاظًا وإسراعًا إلى القيام إلى الصلاة إذا تكرر على سمعه الدعاء إليها من المؤذن، ومن نفسه. فتح الباري (2/91- 92).

وللمزيد من الفائدة يُنظر:

فضل متابعة المؤذن.


إبلاغ عن خطأ