السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«هلكَ ‌المُتنطِّعونَ» قالها ثلاثًا.


رواه مسلم، برقم: (2670)، من حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-.


غريب الحديث


«المُتنَطِّعونَ»:
هُم المتعمّقون المُغالُون في الكلام، المتكلّمون بأقصى حُلوقهم، مأخوذٌ من النّطعِ، وهو الغارُ الأعلى من الفم، ثم استُعمل في كل تعمّقٍ، قولًا وفعلًا. النهاية، لابن الأثير (5/ 74).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
التنطّع: التعمُّق والغلوُ والتكلّفُ لمَا لم يُؤمر به. غريب الحديث، لابن الجوزي (2/ 418).


شرح الحديث


قوله: «هلكَ المُتنطِّعونَ»:
قال الخطابي -رحمه الله-:
المتَنَطِّع: المتعمّق في الشيء، المتكلّف البحث عنه، على مذاهب أهل الكلام الداخلين فيما لا يعنيهم، الخائضين فيما لا تبلغُه عقولُهم. معالم السنن (4/ 300).
وقال النووي -رحمه الله-:
«هلكَ المتنطّعون» أي: المتعمّقون الغالون، المجاوزونَ الحدود في أقوالهم وأفعالهم. شرح صحيح مسلم (16/ 220).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «هَلكَ المُتنطِّعونَ» هم المتعمِّقون في الكلام، الغالون فيه، ويعني بهم: الغالين في التأويل، العادلين عن ظواهر الشرع بغير دليل؛ كالباطنيّة، وغلاة الشيعة، وهلاكهم بأن صُرفوا عن الحق في الدنيا، وبأن يعذبوا في الآخرة. المفهم (6/ 700).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
«هلكَ المتنطّعونَ» أراد به المتعمّقين الغالين؛ في خوضهم فيما لا يعنيهم من الكلام...، وكم تحت هذه الكلمة من مصيبة تعود على أهل اللسان، والمتكلّفين في القول، الذين يرُومون بسبْك الكلام سَبي قلوب الرجال، نسأل الله العافية. الميسر (3/ 1046).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
المُتنطّع: هو المتعمّق البحّاث عمّا لا يعنيه، وهذا قد يتمسكُ به مَن يتعلق بظاهر اللفظ، وينفي المعاني والقياس كالظاهرية.
والتحقيق في هذا المقام -والله أعلم- أن البحث عمّا لم يوجد فيه نص خاصٌّ أو عام على قسمين:
أحدهما: أن يبحث عن دخوله في دلالات النصوص الصحيحة، من الفحوى والمفهوم والقياس الظاهر الصحيح، فهذا حقّ، وهو مما يتعيّن فعله على المجتهدين في معرفة الأحكام الشرعية.
والثاني: أن يدقِّق الناظر نظره وفكره في وجوه الفروق المُستبعدة، فيفرق بين متماثلين بمجرد فَرْقٍ لا يظهر له أثر في الشرع، مع وجود الأوصاف المقتضية للجمع، أو يجمع بين متفرقين بمجرد الأوصاف الطرديّة التي هي غير مناسبة، ولا يدل دليل على تأثيرها في الشرع، فهذا النظر والبحث غير مرضيّ ولا محمود، مع أنه قد وقع فيه طوائف من الفقهاء، وإنما المحمود: النظر الموافق لنظر الصحابة ومَن بعدهم من القرون المفضلة، كابن عباس ونحوه، ولعل هذا مراد ابن مسعود بقوله: «إياكم والتنطّع، إياكم والتعمّق، وعليكم بالعَتيقِ» يعني: بما كان عليه الصحابة -رضي الله عنهم-...، ومما يدخل في النهي عن التعمق والبحث عنه: أمور الغيب الخبريّة التي أمر بالإيمان بها، ولم يبيّن كيفيتها، وبعضها قد لا يكون له شاهد في هذا العالم المحسوس، فالبحث عن كيفية ذلك هو مما لا يعني، وهو مما ينهى عنه، وقد يوجب الحيرة والشك، ويرتقي إلى التكذيب...، قال إسحاق بن راهويه: لا يجوز التفكر في الخالق، ويجوز للعباد أن يتفكروا في المخلوقين بما سمعوا فيهم، ولا يزيدون على ذلك؛ لأنهم إن فعلوا تاهوا. جامع العلوم والحكم (ص: 636 - 637).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- معلقًا:
انتهى ما كتبه ابن رجب -رحمه الله- وهو بحثٌ مفيدٌ، وتحقيقٌ سديدٌ، والله -تعالى- أعلم. البحر المحيط الثجاج (41/ 615).
وقال ابن حجر -رحمه الله- بعد ذكر كلام ابن رجب:
ومثلُه الإكثار من التفريع على مسألة لا أصل لها في الكتاب ولا السنة ولا الإجماع، وهي نادرةُ الوقوع جدًّا، فيصرف فيها زمانًا كان صرفه في غيرها أولى، ولا سيّما إنْ لزم من ذلك إغفال التوسع في بيان ما يكثر وقوعه، وأشدّ من ذلك في كثرة السؤال، البحث عن أمور مغيّبة ورد الشرع بالإيمان بها مع ترك كيفيّتها، ومنها ما لا يكون له شاهد في عالم الحس، كالسؤال عن وقت الساعة، وعن الرُّوح، وعن مدّة هذه الأمَّة، إلى أمثال ذلك مما لا يُعرف إلا بالنقل الصّرف، والكثير منه لم يثبت فيه شيء، فيجب الإيمان به من غير بحث، وأشد من ذلك ما يوقع كثرة البحث عنه في الشك والحيرة...، وقال بعض الشراح: مثال التنطع في السؤال حتى يفضي بالمسؤول إلى الجواب بالمنع، بعد أن يفتي بالإذن: أن يسأل عن السِّلَع التي توجد في الأسواق، هل يكره شراؤها ممّن هي في يده، من قبل البحث عن مصيرها إليه أو لا؟ فيجيبه بالجواز، فإن عاد فقال: أخشى أن يكون من نهب أو غصب، ويكون ذلك الوقت قد وقع شيء من ذلك في الجملة، فيحتاج أن يجيبه بالمنع، ويقيّد ذلك إن ثبت شيء من ذلك حرُم، وإن تردد كُره، أو كان خلاف الأولى، ولو سكت السائل عن هذا التنطع لم يزد المفتي على جوابه بالجواز، وإذا تقرر ذلك، فمَن يسد باب المسائل حتى فاته معرفة كثير من الأحكام التي يكثر وقوعها، فإنه يقلُّ فهمه وعلمه، ومَن توسَّع في تفريع المسائل وتوليدها، ولا سيّما فيما يقل وقوعُه أو يندر، ولا سيّما إن كان الحامل على ذلك المباهاة والمغالبة، فإنه يذمّ فعله وهو عين الذي كرهه السلف. فتح الباري (13/ 267).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- معلقًا:
انتهى ما في الفتح، وهو بحث نفيسٌ، وتحقيق أنيسٌ، والله -تعالى- أعلم. البحر المحيط الثجاج (41/ 614).
وقال السفاريني -رحمه الله-:
«هلكَ المُتنطّعونَ» وهم المبالغون في الأمور، ومن التنطّع: الامتناع من المباحات كالذي يمتنع من أكل اللحم والخبز، أو لبس الكتّان، أو شرب الماء، ويمتنع من نكاح النساء، وما شاكل ذلك، ويزعم أن ذلك من الزهد المستحب، وذلك جهل منه، كما قاله شيخ الإسلام، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لكنّي أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وآكل اللحم، وأتزوج النساء، فمَن رغب عن سنتي فليس مني»... نعم التقليل من الطعام، ومن بعض المباحات، والاقتصاد في ذلك مع عدم الانهماك في اللذات، والطرح للتكلّف هو المطلوب المحمود، والله -تعالى- أعلم. غذاء الألباب (2/ 113).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
«هلك المتنطعون» قالها ثلاثًا، أي: المشددون في غير موضع التشديد؛ وقال أُبي بن كعب وابن مسعود: اقتصاد في سُنة، خير من اجتهاد في بدعة. مجموع الفتاوى (22/ 224).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
قد ذمَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- المتنطعين في الدين، وأخبر بهلكتهم، حيث يقول: «ألا هلك المتنطعون، ألا هلك المتنطعون، ألا هلك المتنطعون». إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان (1/ 158).
وقال النووي -رحمه الله-:
يُكره التقعيرُ في الكلام بالتشدُّق، وتكلُّف السجع والفَصاحة والتصنُّع بالمقدمات التي يَعتادُها المتفاصحون، وزخارف القول، فكلُّ ذلك من التكلُّف المذموم، وكذلك تكلّف السجع، وكذلك التحريّ في دقائق الإِعراب، ووحْشِي اللغة في حال مخاطبة العوامّ، بل ينبغي أن يقصدَ في مخاطبته لفظًا يفهمُه صاحبُه فهمًا جليًّا، ولا يستثقلُه. الأذكار (ص: 372).
وقال الغزالي -رحمه الله-:
أولئك قومٌ شدَّدوا، فشدَّد الله عليهم؛ ولذلك شدَّد على قوم موسى -عليه السلام- لما استقصوا في السؤال عن البقرة، ولو أخذوا أولًا بعموم لفظ البقرة، وكل ما ينطلق عليه الاسم لأجزأهم ذلك. إحياء علوم الدين (2/ 113).

قوله: «قَالَها ثلاثًا»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«قالها» أي: هذه الكلمة «ثلاثًا»؛ تهويلًا لشأن هذا الأمر، وتحريضًا على التيقّظ لما فيه من الغائلة العظيمة. شرح المصابيح (5/ 221).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«قالها» أي: هذه الجملة وكرّرها «ثلاثًا» تأكيدًا في النهي عنه، و«كان إذا تكلّم بكلمة أعادها ثلاثًا؛ لتُفهم عنه». دليل الفالحين (2/ 388).
وقال عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ -رحمه الله-:
قوله: «قالها ثلاثًا» أي: قال هذه الكلمة ثلاث مرات؛ مبالغة في التعليم والإبلاغ، فقد بلّغ البلاغ المبين -صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين-. فتح المجيد شرح كتاب التوحيد (ص: 229).
وقال محمد الخادمي -رحمه الله-:
«ثلاثًا» كرره ثلاثًا تهويلًا وتنبيهًا على ما فيه من الغائلة، وتحريضًا على التيقظ فيما دُونه، أو كرّره في ثلاثة من الأزمنة. بريقة محمودية (4/ 29).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
التكرار: تأكيدٌ وتفخيمٌ بعظيم هلاكهم. المفهم (6/ 700).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
فيه: دليلٌ على أن الحكم بظاهر الكلام، وأنه لا يترك الظاهر إلى غيره ما كان له مساغٌ، وأمكن فيه استعمالٌ. معالم السنن (4/ 300).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده:
- منها: ذمُّ التعمّق في الدين، بحيث يتجاوز الحد المطلوب فيه؛ فإن الشريعة سمحة...
ومنها: ذمُّ التعمق في البحث، ولا سيّما فيما لا نصَّ فيه؛ إذا كان مما لا حاجة إليه في الدين، وإلا فلا ذمّ. البحر المحيط الثجاج (41/ 611).
وقال مصطفى سعيد الخن وزملاؤه:
أفاد الحديث:
التنفير من المغالاة في القول أو الفعل، والحث على ترك الأمور تجري ببساطة دون تكلف. نزهة المتقين شرح رياض الصالحين (ص: 1182).


إبلاغ عن خطأ