السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«إنَّ في الَّليل لساعةً لا يوافقها رجلٌ مسلمٌ، يسألُ اللهَ خيرًا من أمر الدُّنيا والآخرة إلا أعطاه إياه، وذلك كلَّ ليلةٍ».


رواه مسلم برقم: (757)، من حديث جابر -رضي الله عنه-.


غريب الحديث


«لا يوافقها»:
أي: يصادفها. فيض القدير، للمناوي (2/ 472).


شرح الحديث


قوله: «إنَّ في الَّليل لساعةً»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«وعن جابر -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله يقول» مؤكِّدًا بمؤكدات: اسمية الجملةِ، وتصديرها بـ«إنَّ»، وتقديم خبرها، والإتيان باللام، وكأن الداعي إليه (أي: هذا التأكيد) استبعاد كون الليل محلّ التجليات؛ لكونه جُعل سكنًا، ومع ذلك الاستبعاد بان فيْض الله على حسب مشيئته، فيجعله فيما شاء من ليل أو نهار «إن في الليل لساعة». دليل الفالحين (6/ 645).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«إنَّ في الليل» كُله بدليل آخر الحديث «لساعة» لطيفة، كما دل عليه التنكير والتنوين. الكوكب الوهاج (10/ 9).
وقال الشيخ محمد علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«... لساعةً» منصوب؛ على أنه اسم إنَّ مؤخرًا، وخبرها الجار والمجرور مقدمًا، واللام للتأكيد، وأنها كساعة الجمعة، وليلة القدر؛ لأجل أن يجتهد الشخص جميع الليل، ولا يقتصر على العبادة في وقت دون وقت. البحر المحيط الثجاج (15/621، 622).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
قوله: «لساعةً» أي: ساعة شريفة خفية مخفية في الساعات. الأزهار مخطوط لوح(172).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«إنَّ في الليل لساعة» يحتمل أنْ يُراد بها الساعة النجومية، وأنْ يُراد جزء منها، ونكَّرها حثًّا على طلبها بإحياء الليالي. فيض القدير (2/ 471).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «إن في الليل لساعة...» الحديث؛ هذه الساعة هي: التي ينادي فيها المنادي: «من يسألني فأعطيه...» الحديث، وهي في الثلث الأخير من الليل إلى أن يطلع الفجر. المفهم (2/ 386).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
إنما سُترت هذه الساعة ولم تعيَّن؛ ليقوى الحرص في طلبها، فيكثر التعبد، كما أخفيت ساعة الجمعة وليلة القدر، ولو عُيِّنت لخصَّهَا الناس بالطلب، وتُرِك ما سواها. كشف المشكل (3/ 107).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
أبهم الساعة في جميعه؛ طلبًا لعمارته بالتوجه للمولى، وعدم الغفلة فيه بالنوم، وإراحة الجسم عنه، فإنَّ التوجه بالقلب، وهو لا ينافي النوم بالعين والجوارح، ويمكن أن تكون الساعة المطلقة في هذا الخبر محمولة على ما جاء من التقييد في روايةٍ بأنها بعد مضي الثلث من الليل، وفي أخرى أنها في الثلث الأخير، ولا منافاة بينها: إما بجعل الجميع على أنها في الثلث الأخير؛ لصدق جميع الروايات عليه، وإما بأنها تنتقل فتارة تكون قبل النصف الأخير، وأخرى في النصف الأخير قبل الثلث الأخير، وأخرى في الثلث الأخير، أو على أنه أُخْبِر أوّلًا أنها في الثلث الأخير فَأَخْبَر به، ثم أُخبر بأنها من نصف الليل فأَخبر به، ثم أُخبر بأنها من الثلث الأول فأَخبر به. دليل الفالحين (6/645، 646).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
قلت: أرجى هذه الساعات الثلث الأخير، كما سيأتي في الباب الذي بعد هذا، وروى الترمذي عن أبي أمامة -رضي الله عنه- قال: «قيل: يا رسول الله، أي الدعاء أسمع؟ قال: جوف الليل الآخر» قال الخطابي: المراد به: ثلث الليل الآخر، وهو الخامس من أسداس الليل. منة المنعم (1/ 476).
وقال الشيخ محمد علي الإتيوبي -رحمه الله-:
ظاهر الحديث يدل على أن تلك الساعة تَعُمُّ كل أجزاء الليل، ولكن الأَولى طلبها في النصف الثاني منه؛ لأنه أرجى أجزاء الليل؛ لقبول الدعاء؛ لما أخرجه الترمذي، وحسَّنه، عن أبي أمامة -رضي الله عنه- قال: «قيل: يا رسول الله، أي: الدعاء أسمع؟ قال: جوف الليل الآخر، ودبر الصلوات المكتوبات».
فإن تيسر طلبها في جميع النصف الثاني فذاك، وإلا فلتُطلب في الثلث الأخير منه؛ لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- مرفوعًا: «ينزل ربنا -تبارك وتعالى- كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير...» وفيه: «حتى ينفجر الفجر» متفق عليه، واللفظ لمسلم، والله تعالى أعلم بالصواب. البحر المحيط الثجاج (15/621، 622).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«إن في الليل لساعةً» يحتمل أنَّها آخر الليل؛ لما ورد فيه من الأحاديث، ويحتمل أنَّها منتشرة في الليل كله، وهو حثٌّ على تتبع الليل كله بالدعاء. التنوير (4/ 27-28).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
والحكمة في إبهام ساعة الليل، كساعة الجمعة، وليلة القدر، وصلاة الوسطى للمبالغة في الاجتهاد؛ لتحصيل المراد، وعدم اليأس من الفوت، وعدم الاقتصار على العبادة في وقت دون وقت، وتخليص القلب من العُجب والغرور، وكون العبد بين الرجاء والخوف. مرقاة المفاتيح (3/ 925).

قوله: «لا يوافقها رجلٌ مسلمٌ»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
«لا يوافقها...» إلى آخره، صفة لـ«ساعة» أي: لساعةً من شأنها أن يترقب لها، ويغتنم الفرصة لإدراكها؛ لأنها من نفحات رب رؤوف رحيم، وهي كالبرق ‌الخاطف. الكاشف (4/ 1205).
وقال الشيخ محمد علي الإتيوبي -رحمه الله- متعقبًا:
في تشبيهه بالبرق الخاطف نظر؛ إذ ليس في النص ما يفيد ذلك، وإنما غاية ما دل عليه مطلق القِلَّة، فتبصَّر، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (15/ 621).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«لا يوافقها رجل مسلم» التقييد به -لكونه جريًا على الغالب من قيام الرجل حينئذٍ- لا مفهوم له، فمن وافقها من النساء المسلمات كذلك. دليل الفالحين (6/ 645).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«لا يوافقها» أي: لا يصادفها بالدعاء. الكوكب الوهاج (10/ 8).

قوله: «يسألُ اللهَ خيرًا من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«‌يسأل ‌الله ‌خيرًا» مفعول مطلق، أي: سؤال خير، وأضافه إليه؛ لكونه أثره، وحاصلًا عنه، أو مفعول به... «من أمر الدنيا والآخرة» كالعافية فيهما، وحصول التوفيق في الدنيا، والجنة في العقبى «إلا أعطاه إياه». دليل الفالحين(6/ 645).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«يسأل الله» سبحانه وتعالى «خيرًا» وهو: كل ما له فيه منفعة عاجلة أو آجلة في الدين أو الدنيا، ولا يُلام عليه في الآخرة «من أمر الدنيا والآخرة» أي: حاجة من حوائج الدنيا والآخرة «إلا أعطاه» أي: أعطى ذلك السائل «إياه» أي: ذلك الخير. الكوكب الوهاج (10/ 9).
وقال الشيخ محمد علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قوله: «يسأل الله» أي: فيها، والجملة صفة ثانية لـ«رجل» أو حال منه، «خيرًا» نكَّره؛ لإفادة التعميم، أي: أيّ خير كان، كثيرًا أو قليلًا؛ ولذا قال: «من أمر الدنيا والآخرة، إلا أعطاه إياه» الظاهر أنه يعطيه عين ما سأل حقيقةً، فيكون هذا لخصوصية تلك الساعة، ويحتمل أن يكون يُعطى ما سأله حكمًا؛ وذلك بادخارها في الآخرة، أو بصرف السوء عنه؛ لما أخرجه الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح، عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن تُعَجَّل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها، قالوا: إذًا نُكثر، قال: الله أكثر». البحر المحيط الثجاج (15/ 622).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«إلا أعطاه إياه» أي: حقيقةً، أو حُكمًا (بادخاره إلى الآخرة). مرقاة المفاتيح (3/ 925).
وقال ابن المنذر -رحمه الله-:
«يسأل ‌الله ‌خيرًا إلا أعطاه» دليل على أن الذي يُستجاب من الدعاء في تلك الساعة الدعاء بالخير دون المأثم. الأوسط (4/ 6).

قوله: «وذلك كلَّ ليلة»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
«وذلك كلَّ ليلة» بنصب «كلَّ» بالظرفية، وهو خبر «ذلك» أي: ساعة الإجابة لا تختص ببعض الليالي دون بعض، بل هي في جميع الليالي، فليتهجد العبد في إحياء كل ليلة أو بعضها، لعله يصادف تلك الساعة. شرح المصابيح (2/ 165).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«وذلك» المذكور من الساعة كائن «كل ليلة» من ليالي الدهر. الكوكب الوهاج (10/ 9).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
قوله: «وذلكَ...» إلخ، أي: المذكور من إجابة الدعاء في تلك الساعة لا يتقيد بليلة مخصوصة، بل يحصل كل ليلة؛ مِن فضل الله ومنَّته على هذه الأمَّة، فينبغي تحري تلك الساعة ما أمكنه في كل ليلة. الفتوحات الربانية (3/ 199).
وقال الغزالي -رحمه الله-:
اعلم أن هذه النفحات (الربانية) بالليل أرجى؛ لما في قيام الليل من صفاء القلب، واندفاع الشواغل، وفي الخبر الصحيح عن جابر بن عبد الله عن رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «إنَّ من اللَّيل ساعةً...» الحديث، ومطلوب القائمين تلك الساعة، وهي مهمة في جملة الليل، كليلة القدر في شهر رمضان، وكساعة يوم الجمعة، وهي ساعة النفحات المذكورة، والله أعلم. إحياء علوم الدين (1/ 359).
وقال النووي -رحمه الله-:
فيه: إثبات ‌ساعة ‌الإجابة في كل ليلة، ويتضمن الحث على الدعاء في جميع ساعات الليل؛ رجاء مصادفتها. المنهاج شرح صحيح مسلم (6/ 36).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
فيه: إيماء إلى كمال كرم الله -سبحانه وتعالى- من عدم الوعد بإجابة السائل شرًّا حينئذٍ...
وفيه: حثٌّ على الدعاء في الليل وحض عليه...
وفيه: شرف الليل على النهار؛ لأن التجليات الإلهية لا تختص بليلة دون ليلة، بخلاف النهار فهي فيه مختصة بيوم الجمعة...
وفيه: على كل وجه: إيماء إلى اتساع زمنها، بخلاف ساعة الإجابة يوم الجمعة، ويؤيد ذلك أنه أشار لضيق ساعة الجمعة بقول الصحابي، وأشار: -أي: النبي- بيده يقلِّلها، ولم يقل مثل ذلك في الساعة التي في الليل، والله أعلم. دليل الفالحين (6/645، 646).
وقال الشيخ محمد علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده:...
منها: بيان ما مَنَّ الله -عز وجل- على عباده؛ حيث جعل لهم ساعة يستجيب فيها دعواتهم، ويعطيهم رغباتهم، فله الحمد والمنة، ومنه الفضل والنعمة. البحر المحيط الثجاج (15/ 623).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
في هذا الحديث: أنه من فضل الله تعالى وإحسانه أن جعل لنا ساعة استجابة، لا يسأل فيها عبدٌ اللهَ إلا أعطاه؛ وذلك إذا وُجدت شروط إجابة الدعاء، فلا يدعو بقطيعة رحم مثلًا. توفيق الرب المنعم (2/ 467).

وللمزيد من الفائدة ينظر:

فضل الدعاء في جوف الليل الآخر.

ساعة القرب الإلهي في آخر الليل.


إبلاغ عن خطأ