الإثنين 21 شعبان 1447 | 2026-02-09

A a

أتى النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- رجلٌ فكلّمهُ، فجعلَ ترعُدُ فَرائصُهُ، فقالَ له: «هوِّن عليكَ؛ فإني لستُ بمَلِكٍ، إنّما أنا ابنُ امرأةٍ ‌تأكلُ ‌القَديدَ».


رواه ابن ماجه برقم: (3312) واللفظ له، والحاكم برقم: (4366)، من حديث أبي مسعود -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (7052)، سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم: (1876).


غريب الحديث


«تَرعُدُ»:
أُرعِدَ الرجلُ إرعادًا، إِذا أخَذتْه الرِّعدة، وأُرعدت ‌فرائصُه عِند الفَزعِ. جمهرة اللغة، لابن دريد (2/ 632).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
ترعد... أي: ‌ترجُف ‌وتضطرب من الخوف. النهاية (2/ 234).

«فرائصه»:
قال الأصمعيّ: الفَريصَةُ: اللّحمةُ بين الجَنبِ والكَتِف، التي لا تزال ترعدُ من الدابَّة، وجمعها فَريصٌ وفَرائِصُ. الصحاح، للجوهري (3/ 1048).
وقال البندنيجي -رحمه الله-:
الفريصة: مُضغةٌ دونَ الإبطِ، والجميع ‌فَرائص، وهي أول شيء يرعدُ من الإنسانِ إذا خافَ. التقفية في اللغة (ص:490)

«القَدِيد»:
اللّحم المَملوح المجفّفُ في الشمس، فعيلٌ بمعنى مفعول. النهاية، لابن الأثير (4/ 22).
وقال ابن منظور -رحمه الله-:
القَديدُ: اللحمُ ‌المقدَّدُ، والقَديدُ: ما قُطع من اللحمِ وشُرِّرَ، وقيل: هو ما قُطع منه طوالًا. لسان العرب (3/ 344).


شرح الحديث


قوله: «أتى النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- رجلٌ فكلّمهُ، فجعلَ ترعُدُ فَرائصُهُ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«قال» أبو مسعود: «أتى النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- رجلٌ» لم أر مَن ذكر اسمه، «فكلّمه» رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «فجعلَ» الرجلُ؛ أي: شرع «تُرعدُ» بضم التاء على صيغة المبني للمفعول؛ أي: تضطرب وتتحرك «فرائصُه» بالرفع نائب فاعل له، يقال: أرعد الرجل؛ أخذته الرِّعدة، والرِّعدة: الاضطراب، ويقال أيضًا: أرعَدت فرائصُه عند الفزع؛ الفرائص: واحدتها فريصة؛ وهي لحمة بين الجَنْبِ والكَتِفِ، لا تزال ترعدُ من الدابة، وهو كناية عن الفزع. مرشد ذوي الحجا والحاجة (19/ 321 - 322).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«تُرْعَد» -بضم التاء وفتح العين-؛ أي: تحرّك، الفرائص: جمع فريصة، وهي اللحم الذي تحت الكتف، ومَن خاف تحرّك ونبضَ ذلك اللحم؛ من الخوف. المفاتيح (2/ 248).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وكان -صلى الله عليه وسلم- قد رُزق من الحِشمةِ والمكانة في القلوب، والعظمة قبل النبوة عند الجاهلية وبعدها...، وقد كان يبهتُ ويَفْرَقُ لرؤيته مَن لم يره، كما روي عن قَيْلة أنها لما رأته أُرعدَت من الفَرقِ، فقال: «يا مسكينة عليك السكينة»...، فأما عظيم قدره بالنبوّة، وشريف منزلته بالرسالة، وإنافة (ارتفاع) رتبته بالاصطفاء، والكرامة في الدنيا، فأمرٌ هو مَبْلَغُ النهاية، ثم هو في الآخرة سيد ولد آدم. الشفا (1/ 92).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
ألقى الله -سبحانه- عليه المهابةَ، ولم يؤثِّر فيه مزاحُه ولا مداعبتُه، فقد قام رجلٌ من بين يديه، فأخذته رِعدة شديدة، ومهابة. جمع الوسائل (2/ 27).

قوله: «فقالَ له: «هوِّن عليكَ، فإني لستُ بمَلِكٍ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فقالَ له» رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «هوِّن» أي: سهِّل «عليك» أمري وكلامي ومصاحبتي؛ «فإني لستُ بملِك» بكسر اللام، أي: بملِكٍ جبَّارٍ، فلا تخف مني الجَور، والظلم لك. مرشد ذوي الحجا والحاجة (19/ 322).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
فقال له: «هوّن عليكّ؛ فإني لستُ بملِك...» فنطق الرجل بحاجته، فقام -صلى الله عليه وسلم-، فقال: «يا أيّها الناس، إني أوحيَ إلي أن تواضعوا، ألا فتواضعُوا حتى لا يبغي أحدٌ على أحد، ولا يفخر أحدٌ على أحد، وكونوا عباد الله إخوانًا» فسكّن -صلى الله عليه وسلم- روعه شفقةً؛ لأنه بالمؤمنين رؤوفٌ رحيمٌ، وسلبَ عنه وصف المُلوكية بقوله: «فإني لستُ بملِك»؛ لما يلزمها من الجبروتيّة. المواهب اللدنية (2/ 123 - 1124).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فقال له: هوّن» أي سهل أمرك «عليكَ؛ فإنّي لست بملِك» بكسر اللام، قيل: وتُسكَّن، أي: بسُلطان من السلاطين الظلمة، حتى تفزع مني. شرح الشفا (1/ 223).
وقال الزرقاني -رحمه الله-:
«فقال له: هوّن عليكَ» خَفِّف عن نفسك هذا الخوف، وأزِله منك، ولا تجزع مني؛ «فإني لست بملِك» أي: متصور بصورة الملوك، بل أنا عبد الله. شرح المواهب اللدنية (6/ 71).
وقال عبد القادر عودة -رحمه الله-:
رويَ عن الرسولِ من أنه قال لرجل قامَ بين يديه فأخذته رِعدة: «هوّن عليك؛ فإني لست بملِك...» فإن نفي الْمُلْكِ والتجبر عن الرسول لا يستلزم نفي صفة الحكم، ورئاسة الدولة، وكل ما يعنيه الحديث: أن الرسول ليس فيه ما يُخيف ويُرهب، فما هو بالملِك الذي يستطيل بالملك، ولا بالجبّار الذي يأخذ الناس بلا حق. الإسلام وأوضاعنا السياسية (ص: 112).

قوله: «إنّما أنا ابنُ امرأةٍ تأكلُ القَديدَ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«إنما أنا ابنُ امرأةٍ» مِسكينةٍ «تأكلُ القَديدَ» بفتح القاف، وهو اللحم المملّح، المجفّف في الشمس؛ فعيلٌ بمعنى مفعول. مرشد ذوي الحجا والحاجة (19/ 322).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
قال: «إنما أنا ابن امرأةٍ تأكلُ القديد» تواضعًا؛ لأن القديد مفضولٌ، وهو مأكول المتمسكِنة. المواهب اللدنية (2/ 124).
وقال الزرقاني -رحمه الله-:
«تأكلُ القديدَ» اللحم المقدّد...، فنطق الرجل بحاجته... «أنا ابنُ امرأة» فنسب نفسه إليها، ولم يقل: رجل، زيادة في شدّة التواضع، وتسكين الرّوع، لِمَا عُلم من ضعف النساء، ووصفَها بأنها «تأكلُ القديدَ» تواضعًا؛ لأنَّ القديد مفضول، وهو مأكول المتمسكنة، فكأنه قال: إنما أنا ابن امرأة مسكينة، تأكل مفضولَ الأكل، فكيف تخاف مني؟ ولما رأته -عليه الصلاة والسلام- قَيلة -بفتح القاف، وسكون التحتية، ولام- بنت مخرمة... رواه أبو داود والترمذي والبخاري في التاريخ، عنها في حديثها الطويل... «لما رأيتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- متخشّعًا في الجلسة، وهو قاعد القرفصاء، أرعَدْتُ من الفَرقِ، فقال جليسه: يا رسول الله، أرعَدت المسكينة، فقال -صلى الله عليه وسلم-: ولم ينظر إليّ، وأنا عند ظهره: يا مسكينة عليكِ السكينة» فلما قالها أذهب الله ما كان دخل قلبي من الرُّعب. شرح المواهب اللدنية (6/ 71 - 72).
وقال الماوردي -رحمه الله-:
«... فإنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد» وإنما قال ذلك -صلى الله عليه وسلم- حسمًا لموادّ الكِبر، وقطعًا لذرائع الإعجاب، وكسرًا لأشرِ النفس، وتذليلًا لسطوة الاستعلاء. أدب الدنيا والدين (ص: 239).
وقال محمود محمد الخزندار -رحمه الله-:
«كانت تأكل القَدِيد» وإقراره بما كانت عليه أمُّه من الفقر أو خشونة العيش يزيد من إكباره في نفس سامعه، ولا يَضِيره شيئًا، ويدرب أصحابه بذلك على عدم التعالي على الخلق؛ باستحضار جوانب من بشريّتهم، أو سابق حالهم، وبتذكُّر أنهم جميعًا بنو آدم، وآدم من تراب، وأن الكرم عند الله بالتقوى، وأن المتفاخر بالقيم الجاهليّة أهون على الله من الجُعْلَان (دابة من هوام الأرض). هذه أخلاقنا حين نكون مؤمنين حقًّا (ص 345 - 346).
وقال نجم الدين الغزي -رحمه الله-:
«فإنما أنا ابن امرأة من قريش، كانت تأكلُ القديد في هذه البطحاء»...، وكذلك ينبغي للعلماء الذين هم ورثة الأنبياء التواضع، والتنزّه عن التكبّر والتجبّر؛ فإن منشأهما الجهل بالأمور، وخصوصًا الجهل بمعرفة النفس. حسن التنبه (7/ 37).
وقال الكتاني -رحمه الله-:
وكان نبينا -عليه الصلاة والسلام- يُنصر بالرُعب مسيرة شهر، من الجهات الست: شرقًا وغربًا، وشمالًا وجنوبًا، ومن الأطراف، فقد كان إذا سمع به الأعداء من فارس والروم والأحباش وغيرهم، ترتعد فرائصُهم منه ويخافونه، وكان إذا رئي -صلى الله عليه وسلم- ترتعدُ فرائصُ مَن يراه ممّن لم يكن مؤمنًا به؛ ولذلك جاءه رجل وطلب منه شيئًا وأخذ يرتعد، فقال له النبي -عليه الصلاة والسلام-: «إنما أنا ابن امرأة تأكل القديد» يعني: لمَ تنزعج؟ هكذا يقول النبي -عليه الصلاة والسلام- تسليةً له، وإزالةً لخوفه واضطرابه، وهو في هذا -عليه الصلاة والسلام- لم يصنع شيئًا مما يجعله الملوك؛ من جيوش وحُراس من الأمام والخلف، ومِن أسلحة تحرسه عن اليمين والشمال، ومن مظاهر الملك والسلطان، بل كان النبي -عليه الصلاة والسلام- نبيًّا عبدًا، وإنْ كان قائد جيش، ولكن ذلك كان أصغر ألقابه، وأصغر أوصافه، والوصف الذي يوصف به هو رسول الله، ونبيّ الله؛ وإن كان قد قاد الجيوش، وأسس الدولة، وأقام النظام، وولّى وعزل من المدنيين والعسكريين، وجنّد الجيوش، وخرجت تكتسح العالمَ، ابتدأها فأتم ذلك خلفاؤه الراشدون من بعده. تفسيره (148/ 6).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
روى مسلم عن عمرو بن العاص: «صحبتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما ملأتُ عيني قط؛ حياءً منه، وتعظيمًا، ولو قيل لي: صفه؛ لما قدرت»، فإذا كان هذا حاله وهو من أجلاء أصحابه، فما ظنك بغيرهم؟! ومن ثمة لولا مزيد تألفه ومباسطته لهم لما قدر أحد منهم أن يجتمع به هيبةً وفَرَقًا منه، سيما عقب ما كان يتجلَّى عليه من مواهب القُرَب، وعوائد الفضل، لكن كان لا يخرج إليهم بعد ركعتي الفجر إلا بعد الكلام مع عائشة، أو الاضطجاع بالأرض؛ إذ لو خرج إليهم على حالته التي تجلَّى بها من القُرَب في مناجاته، وسماع كلام ربه، وغير ذلك مما يكلُّ اللسان عن وصف بعضه؛ لما استطاع بشر أن يراه، فكان يتحدَّث معها، أو يضطجع بالأرض؛ ليستأنس بجنسهم، أو بجنس أصل خلقهم، وهي الأرض، ثم يخرج إليهم بحالة يقدرون على مشاهدتها رفقًا بهم، ورحمةً لهم. أشرف الوسائل (ص: 331-332).
وقال ابن ماجه -رحمه الله- بعد ذكر هذا الحديث:
إسماعيل وحده، وصله. سننه (2/ 1101).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
قال أبو الحسن القطان: "قال" لنا "أبو عبد الله" محمد بن ماجه: "إسماعيل" بن أسد شيخي "وَحْدَه وَصَله" أي: جعل سنده موصولًا مرفوعًا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- دون غيره، ويحتمل كونه إسماعيل بن أبي خالد، والمحفوظ عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس مرسلًا من غير ذكر أبي مسعود الأنصاري. مرشد ذوي الحجا والحاجة (19/ 322).
وقال ابن عساكر -رحمه الله- عن هذا الحديث:
أخرجه محمد بن يزيد بن ماجه، عن إسماعيل بن أبي الحارث، وهو معدود في أفراده موصولًا، وقد استغربه حجاج بن يوسف بن الشاعر، وأشار على إسماعيل أنْ لا يُحدِّث به، أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن منصور...، نا الحسن بن عبيد، قال: سمعتُ إسماعيل بن أبي الحارث يقول: بعث إليَّ حجاج بن الشاعر، فقال: لا تُحدِّث بهذا الحديث إلا من سَنة إلى سَنة، فقلتُ للرسول: أقرئه السلام، وقل له: ربما حدَّثتُ به في اليوم مرات، وقد تابع إسماعيل عليه محمد بن إسماعيل بن علية، قاضي دمشق، وسرقه محمد بن الوليد بن أبان. تاريخ دمشق (4/ 83).
وقال ابن عدي -رحمه الله- عن هذا الحديث:
هذا الحديث سرقه ابن أَبَان من إسماعيل بن أبي خالد، وسرقه منه أيضًا عُبَيد بن الهيثم الحلبي، ورواه زهير وابن عُيَينة ويحيى القطان عنِ ابن أبي خالد مرسلًا. الكامل (7/ 545).
وقال ابن عساكر -رحمه الله- معلقًا:
والمحفوظ عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس مرسلًا، من غير ذكر أبي مسعود، وكذلك رواه أبو خيثمة زهير بن معاوية الجعفي، وأبو خالد سليمان بن حيان الكوفيان، وأبو سعيد يحيى بن سعيد القطان البصري، وأبو معاوية هشيم بن بشير الواسطي. تاريخ دمشق (4/ 84).
وقال الشيخ مقبل الوادعي -رحمه الله-:
هذا الحديث إذا نظرتَ إلى سنده وجدتهم رجال الصحيح، إلا إسماعيل بن أسد، وقد قال ابن أبي حاتم: كتبتُ عنه مع أبي وهو ثقة صدوق كما في تهذيب التهذيب...، وقال الإمام البيهقي في دلائل النبوة (ج5ص69) بعد ذكره موصولًا، قال: وقد أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق المزكي، قال: أنبأنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، قال: حدثنا محمد بن عبد الوهاب، قال: أنبأنا جعفر بن عون، قال: أنبأنا إسماعيل، عن قيس، قال: جاء رجل إلى النبي -صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وسلَّم- يكلمه فأرعد الرجل، فقال له: «هوِّن عليك؛ فإني لست بملِك، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد» هذا مرسل وهو المحفوظ...، فأنت ترى أن زهير بن معاوية، ويحيى بن سعيد القطان، وابن عيينة، ويزيد بن هارون، وعبد الله بن نمير، يرسلونه ولم يخالفهم من هو مماثل لهم، فعلى هذا فالوصل شاذٌّ، والله أعلم.
وقد خالف الجميع عباد بن العوام عند الحاكم (ج2ص466) فرواه عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس عن جرير بن عبد الله به سلك الجادة، وهو يعتبر شاذًّا، والله أعلم. أحاديث معلة ظاهرها الصحة (ص: 305-306).

وللمزيد من الفائدة يُنظر:

التواضع سبب الرفعة عند الله.


إبلاغ عن خطأ