الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لرجُلٍ وهو يَعِظَه: «اغْتَنِمْ خَمْسًا قبلَ خمسٍ: شبابَكَ قبلَ هَرَمِكَ، وصِحَّتَكَ قبلَ سَقمِكَ، وغِناكَ قبلَ فَقْرِكَ، وفَرَاغَكَ قبلَ شُغْلِكَ، وحَياتَكَ قبلَ موتِكَ».


رواه النسائي في الكبرى برقم: (11832)، من حديث عمرو بن ميمون الأَوْدِيِّ، تابعي.
ورواه الحاكم برقم: (7846)، والبيهقي في شُعب برقم: (9767)، من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-.
صحيح الجامع برقم: (1077)، صحيح الترغيب والترهيب برقم: (3355).


غريب الحديث


«اغْتَنِمْ»:
أصل الغُنْم: الربح والزيادة. شمس العلوم، للحميري (8/ 5019).
وقال الصاحب ابن عباد -رحمه الله-:
الغُنْمُ: الفوز بالشيء من غير مشقَّة. المحيط، للصاحب ابن عباد (1/ 414).

«هَرَمِكَ»:
الهَرَمُ كِبَر السن. مختار الصحاح (ص: 705).

«سَقَمِك»:
السَّقَمُ: ‌المرض. ورجُلٌ سَقِمٌ وسَقِيم.شمس العلوم، نشوان الحميري (5/ 3126).


شرح الحديث


قوله: «اغتنم»:
قال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «اغتنم» أي: اتخذ هذه الأشياء غنيمةً، واتخذها نعمة، يعني: اعمل في الشباب الأعمال الصالحة، وكذلك في الصحة، وفي الغنى، وفي حالة الفراغ والحياة. المفاتيح في شرح المصابيح (5/ 282).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
الأمر في قوله: «اغتنم» للندب والاستحباب. الأزهار شرح مصابيح السنة، مخطوط، لوح (432).
وقال الملا علي القاري-رحمه الله-:
قوله: «اغتنم» من الاغتنام، هو أخذ الغنيمة. مرقاة المفاتيح (8/ 3239).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «اغتنم» من الغنيمة، وهو الفيء، وهو المال الذي يحصل من حرب الكفار، وقد يجيء بمعنى: الفوز بالشيء بلا مشقة، واغتنمه: عدَّهُ غنيمة. لمعات التنقيح (8/ 414).

قوله: «خمسًا قبل خمس»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قوله: «خمسًا» أي: من الأحوال الموجودة في الحال «قبل خمس» أي: من العوارض المتوقَّعة في الاستقبال. مرقاة المفاتيح (8/ 3239).
وقال المناوي -رحمه الله-:
قوله: «اغتنم خمسًا قبل خمس» أي: افعل خمسة أشياء قبل حصول خمسة. التيسير بشرح الجامع الصغير (1/ 177).

قوله: «شبابَكَ قبل هَرَمِكَ»:
قال ابن الملك -رحمه الله-:
قوله: «شبابَكَ» أي: اغتنم حال شبابك الأعمال الصالحة. شرح المصابيح (5/ 393).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قوله: «شبابَكَ» أي: زمان قوَّتك على العبادة، «قبل هَرَمِكَ» بفتحتين، أي: قبل كِبَرِك وضعفك عن الطاعة. مرقاة المفاتيح (8/ 3239).
وقال المناوي -رحمه الله-:
قوله: «شبابَكَ قبل هَرَمِكَ» أي: اغتنم الطاعة حال قدرتك قبل هجوم عجز الكبر عليك، فتندم على ما فرطت في جنب الله. فيض القدير (2/ 16).

قوله: «وصحتَك قبل سَقمِك»:
قال المناوي -رحمه الله-:
قوله: «وصحتَك قبل سَقمِك» أي: اغتنم العمل حال الصحة، فقد يمنع مانع كمرض، فتقدم المعاد بغير زاد. فيض القدير (2/ 16).
وقال السمرقندي -رحمه الله-:
قوله: «صحتك قبل سقمك» لأن الصحيح نافذ الأمر في ماله ونفسه، فينبغي للصحيح أن يغتنم صحته، ويجتهد في الأعمال الصالحة في ماله وبدنه؛ لأنه إذا مرض ضعُف بدنه عن الطاعة، وقصُرت يده عن ماله، إلا في مقدار ثلثه. تنبيه الغافلين (ص: 37).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله (في لفظ): «وخذ من صحتك لمرضك» أي: أنَّ العمر لا يخلو عن صحة ومرض، فإذا كنتَ صحيحًا فسر سير القصد، وزد عليه بقدر قوتك، ما دامت فيك قوة، بحيث يكون ما بك من تلك الزيادة قائمًا مقام ما لعله يفوت حالة المرض والضعف...، والمعنى: اشتغل في الصحة بالطاعة، بحيث لو حصل تقصير في المرض لانجبر بذلك...، أي: اعمل...، وبادر أيام صحتك بالعمل الصالح، فإن المرض قد يطرأ فيمتنع من العمل فيخشى على من فرط في ذلك أن يصل إلى المعاد بغير زاد، ولا يعارض ذلك الحديث الماضي في الصحيح: «إذا مرض العبد أو سافر كتب الله له ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا» لأنه ورد في حق من يعمل. فتح الباري (11/ 234-235).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
قوله: «وصحتَك قبل سَقمِك» ... فيعمل... ويبادر أيام صحته بالعمل الصالح؛ فإن المرض قد يطرأ فيمنع من العمل، فيخشى على من فرط من ذلك أن يصل إلى المعاد بغير زاد، فمن لم ينتهز الفرصة يندم، وما أحسن قول من قال:
إذا هبَّت رياحك فاغتنمها *** فإن لكل خافقة سكون
ولا تغفل عن الإحسان فيها *** فما تدري السكون متى يكون
إذا ظفرت يداك فلا تُقصِّر *** فإن الدهر عادته يخون. إرشاد الساري (9/ 238).

قوله: «وغِناك قبل فَقْرك»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قوله: «وغِناك قبل فَقرك» أي: قدرتك على العبادات المالية والخيرات والْمَبرَّات الأخروية في مطلق الأحوال، ومن أعم الأموال «قبل فَقرك» أي: فقدك إياه بالحياة أو الممات، فإن المال في ضده الزوال. مرقاة المفاتيح (8/ 3239).
وقال المناوي -رحمه الله-:
قوله: «وغِناك قبل فَقرك» أي: التصدق بفضول مالك، قبل عروض جائحة تتلف مالك؛ فتصير فقيرًا في الدارين، فهذه الخمسة لا يُعرف قدرها إلا بعد زوالها. التيسير بشرح الجامع الصغير (1/ 177).

قوله: «وفراغك قبل شُغلك»:
قال المناوي -رحمه الله-:
قوله: «وفراغك قبل شُغلك» أي: اغتنم فراغك في هذه الدار قبل شغلك بأهوال القيامة التي أول منازلها القبر، فاغتنم فرصة الإمكان؛ لعلك تسلم من العذاب والهوان. فيض القدير (2/ 16).
وقال السمرقندي -رحمه الله-:
قوله: «وفراغك قبل شُغلك» يعني: في الليل يكون فارغًا وبالنهار مشغولًا، فينبغي أن يصلي بالليل في حال فراغه، ويصوم بالنهار في وقت شغله، سيما في أيام الشتاء. تنبيه الغافلين (ص: 37).
وقال الشيخ عطية سالم -رحمه الله-:
قوله: «وفراغك قبل شُغلك» هذه نصيحة نقدمها لطلبة العلم قبل كل شيء، عليه أن ينتهز فراغه للتحصيل قبل أن يخرج من الدراسة إلى الحياة، ويواجه المشاكل العملية، فهو في فترة الدراسة متفرغ لها، وبعدما يتخرج ويأخذ الشهادة، ويخرج إلى ميدان الحياة، يُشغَل، وأول شاغل يلقاه: الزوجة والأولاد؛ ولذا كان بعض السلف يقول: «ذبح العلم بين أفخاذ النساء» وقد تكون الزوجة تعين طالب العلم على دراسته، لكن مشاكل الأولاد ضريبة لا بد أن تؤديها في طريق الحياة، ويفرض عليك أن تشغل بما ليس من طلب العلم، وقد يكون عملك لطلب العلم، ولكن ليس كوقت التفرغ؛ ولهذا يروى عن أبي حنيفة -رحمه الله- أنه كان يقول: لا ينبغي لإنسان أن يتولى القضاء أكثر من سنتين، قالوا: لماذا؟ قال: مخافة أن ينسى العلم؛ لأن مشاكل الناس تنسي العلم، ولكنْ الآخرون يقولون: كلما زاول القضاء كلما تمكَّن فيه وتمرَّس، وعرف طرق الخصوم. شرح الأربعين النووية (82/ 7).

قوله: «وحياتَك قبل موتك»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قوله: «وحياتَك» ولو في الكبر المقرون بالمرض والفقر، الممكن فيه الإتيان بذكر الله «قبل موتك» أي: وقت إتيان أجلك وانقطاع عملك. مرقاة المفاتيح (8/ 3239).
وقال المناوي -رحمه الله-:
قوله: «حياتَك قبل موتِك» يعني: اغتنم ما تلقى نفعه بعد موتك، فإن من مات انقطع عمله، وفاته أمله، وحق ندمه، وتوالى همُّه، فاقترض منك لك. فيض القدير (2/ 16).
وقال الشيخ عطية سالم -رحمه الله-:
قوله: «حياتَك قبل موتِك»:
على العاقل أن يغتنم هذه الأمور الخمس، وقد جاء في الحديث الصحيح: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عُمره فيما أفناه، وعن جسمه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ما عمل به». شرح الأربعين النووية (82/ 7).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
قوله (في لفظ): «ومن حياتك لموتك» أي: اغتنم ما تلقى نفعه بعد موتك ما دمت حيًّا؛ فإن من مات انقطع عمله، وفات أمله، وحق ندمه، وتوالى حزنه وهمه، فاستسلفْ منك لك، واعلم: أنه سيأتي عليك زمانٌ طويلٌ، وأنت تحت الأرض، لا يمكنك أن تذكر اللَّه -عز وجل-، فبادر في زمن قوَّتك وحياتك، واغتنم فرصة الإمكان، لعل أن تسلم من العذاب والهوان. الفتح المبين بشرح الأربعين (ص: 616).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
قوله: «اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك...»... والمراد من هذا: أنَّ هذه الأشياء كلها تعوق عن الأعمال، فبعضها يشغل عنه، إما في خاصة الإنسان، كفقره وغناه ومرضه وهرمه وموته، وبعضها عام، كقيام الساعة، وخروج الدجال، وكذلك الفتن المزعجة، كما جاء في حديث آخر: «بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم»... فالواجب على المؤمن المبادرة بالأعمال الصالحة قبل ألا يقدر عليها، ويُحَال بينه وبينها، إما بمرض أو موت...، قال أبو حازم: إن بضاعة الآخرة كاسدة يوشك أن تنفق، فلا يوصل منها إلى قليل ولا كثير، ومتى حيل بين الإنسان والعمل لم يبق له إلا الحسرة والأسف عليه، ويتمنى الرجوع إلى حالة يتمكن فيها من العمل، فلا تنفعه الأمنية، قال تعالى: {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} الزمر: 54 -58، وقال تعالى: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} المؤمنون: 99-100، وقال -عز وجل-: {وَأَنْفِقُوا مِنْ مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} المنافقون: 10-11، وفي الترمذي عن أبي هريرة مرفوعًا: «ما من ميت يموت إلا ندم، قالوا: وما ندامته؟ قال: إن كان محسنًا ندم ألا يكون ازداد، وإن كان مسيئًا ندم ألا يكون استعتب» فإذا كان الأمر على هذا فيتعين على المؤمن اغتنام ما بقي من عمره؛ ولهذا قيل: إنَّ بقية عمر المؤمن لا قيمة له، وقال سعيد بن جبير: كل يوم يعيشه المؤمن غنيمة، وقال بكر المزني: ما من يوم أخرجه الله إلى الدنيا إلا يقول: يا ابن آدم، اغتنمني لعله لا يوم لك بعدي، ولا ليلة إلا تنادي: ابن آدم اغتنمني لعله لا ليلة لك بعدي. جامع العلوم والحكم (2/ 387-391).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
قوله: «اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك...» ... إن على المؤمن أن يبادر بفعل الطاعات، والاجتناب عن المعاصي، ولا يمهل، ولا يؤخر عمل اليوم إلى غد، ولا عمل الساعة إلى ما بعدها، فإنه لا يدري متى يموت؟ ... وليس المقصود من المبادرة بالأعمال: الاجتهاد والمبالغة والتشدد في الدين، فإن الْمُنْبَتَّ لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى، وإنما المقصود: التعجيل بفعل الطاعة الميسورة، فإن خير العمل أدومه وإن قل، ففي الحديث: «سددوا وقاربوا واغدوا وروحوا وشيئًا من الدلجة» أي: العمل ليلًا. فتح المنعم (1/ 388).

وللمزيد من الفائدة يُنظر حديث: بادروا بالأعمال فِتنا كقطع الليل المظلم ...


إبلاغ عن خطأ