«أنَّها أعْتَقَتْ وَلِيدةً، ولم تستأذنِ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم-، فلمَّا كان يومُهَا الذي يدورُ عليها فيهِ، قالت: أَشعرْتَ يا رسول اللهِ، أنِّي أعتقتُ وليدَتِي؟ قالَ: أَو فعلتِ؟ قالت: نعم، قال: أَمَا إنَّكِ لو أعطيْتِها أخوالَكِ كان أعظمَ لأجرِكِ».
رواه البخاري برقم: (2592) واللفظ له، ومسلم برقم (999)، من حديث ميمونة بنت الحارث -رضي الله عنها-.
غريب الحديث
«وَلِيدةً»:
أي: أَمَة. إرشاد الساري، للقسطلاني (4/ 347).
وقد تُطْلَق الْوَلِيدَةُ على الْجَارِيَةِ والأمَةِ، وإنْ كانت كَبِيرَةً. النهاية، لابن الأثير (5/ 225).
شرح الحديث
قوله: «أنَّها أعْتَقَتْ وَلِيدةً، ولم تستأذنِ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم-»:
قال ابن الجوزي -رحمه الله-:
«الوليدة» الجارية، وجمعها ولائد. كشف المشكل (4/ 433).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«أنَّها أعتقت وليدة» أصلها الطفلة، وقد يُطلق على الأمَة ولو كانت كبيرة كما هنا. فتح الإله (6/414).
وقال الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «أعتقت وليدة» الوليد: المولود والصبي والعبد، وأُنثاهما بهاء. لمعات التنقيح (4/ 378).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «أنها أعتقت وليدة» أي: جارية، في رواية النسائي من طريق عطاء بن يسار عن ميمونة أنها كانت لها جارية سوداء، ولم أقف على اسم هذه الجارية، وبيَّن النسائي من طريق أخرى عن الهلالية زوج النبي -صلى الله عليه وسلم-، وهي ميمونة في أصل هذه الحادثة، أنها كانت سألت النبي -صلى الله عليه وسلم- خادمًا، فأعطاها خادمًا فأعتقتها. فتح الباري (5/ 218).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«أعتقت وليدة ولم تستأذن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» هذا موضع الدلالة؛ فإنها أعتقت من غير إذن الزوج. الكوثر الجاري (5/ 223).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«ولم تستأذن النبيّ» فيؤخذ منه صحة تصرف الزوجة مطلقًا بغير إذن زوجها، خلافًا للإمام مالك؛ حيث منعه فيما زاد على الثلث إلا بإذنه. دليل الفالحين (3/ 160).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
وقولها: «ولم أستأذن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» هذا هو دليل حمل الحديث على أنه لا يجوز للزوجة تصرف في مالها إلا بإذن زوجها على أنه بحسن العشرة لا نهي تحريم. التحبير (6/ 441).
قوله: «فلمَّا كانَ يومُهَا الذي يدورُ عليها فيهِ قالتْ: أَشعرْتَ يا رسولَ اللهِ، أنِّي أعتقتُ وليدَتِي؟ قالَ: أَوَ فعلْتِ؟ قالَتْ: نَعَمْ»:
قال ابن علان -رحمه الله-:
«فلما كان يومُها» بالرفع، و«كان» تامة، «الذي يدور عليها فيه، قالت: أشعرتَ» بفتح العين، من باب قَتَلَ كما في المصباح، أي: أعلمتَ «يا رسول الله، أني أعتقتُ وليدة» كأنَّ التنكير فيه لتحقيرها، وتصغير شأنها؛ من حيث إنها من عملها، وفي نسخة: «وليدتي» بالإضافة للياء «قال: أوَ فعلتِ؟» أي: أعتقتِها وفعلتِ؟ فالواو عاطِفة على مقدر بعد الهمزة، هذا ما مشى عليه في مواضع كثيرة من الكشاف والبيضاوي، فالاستفهام داخل على المتعاطفين، وجعل ابن مالك الهمزة مقدمة من تأخير، وأن العاطف كان داخلًا عليها، وأن الأصل: أوَ فعلتِ؟ فصدرت الهمزة لصدارتها، وتقدم التنبيه على هذا في باب تغليظ عقوبة مَن أمر بمعروف وخالف قوله فعله، «قالت: نعم». دليل الفالحين (3/ 160).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «أشعرتَ؟» أي: أعلمتَ؟ قوله: «قال: أوَ فعلتِ؟» أي: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: أوَ فعلتِ العتق؟ عمدة القاري (13/ 152).
وقال الدماميني -رحمه الله-:
«قال: أوَ فعلتِ؟»: بفتح الواو والهمزة للاستفهام. مصابيح الجامع (5/ 463).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«قال: أَوَ فعلتِ؟» -بفتح الهمزة والواو- عطف على مقدر، أي: أقُلْتِ ذلك؟ وفي الاستفهام نوع إنكار. الكوثر الجاري (5/ 223).
قولها: «قالَ: أَمَا أنَّكِ لو أعطيْتِها أخوالَكِ كانَ أعظمَ لأجرِكِ»:
قال الدماميني -رحمه الله-:
«أما أنكِ» قال الزركشي: بفتح «أما» وتخفيفها، بمعنى: حقًّا، و«أنّ» مفتوحة، قلتُ: إن تثبت روايته بذلك فحسن، وإلا فيجوز أن تكون استفتاحية، «وإنّ» مكسورة، وقد رأيتُ كسرة الهمزة في «إنّ» في بعض النسخ المعتنى بها. مصابيح الجامع (5/ 463).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «أما» بتخفيف الميم «أنكِ» بفتح الهمزة «لو أعطيتِها أخوالك» أخوالها كانوا من بني هلال أيضًا، واسم أمها هند بنت عوف بن زهير بن الحارث، ذكرها ابن سعد. فتح الباري (5/ 219).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «أَمَا» بفتح الهمزة، وتخفيف الميم، وهو هنا بمعنى: حقًّا، أو أحقًّا؟ على خلاف فيه، وتفتح كلمة: "أنَّ" بعدها، وهي قوله: «أنكِ» وأمَّا: "أما" التي تكون حرف الاستفتاح التي بمعنى ألا، فكلمة: "أنَّ" بعدها مكسورة، كما تكسر بعد "ألا" الاستفتاحية. عمدة القاري (13/ 152).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«قال: أَمَا أنكِ» بفتح الهمزة، وتخفيف الميم: حرف تنبيه «لو أعطيتِ أخوالكِ كان أعظم لأجركِ»؛ لأنه صلة رحم وصدقة أيضًا، فإن قلتَ: هذا حجة على الشافعي في أن أقرب القربات العتق؟
قلتُ: هذه واقعة (عين) لا دلالة فيها على العموم، فربما كان أخوالها فقراء لا يقدرون على القيام بحالهم. الكوثر الجاري (5/ 223- 224).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «أخوالكِ» لصلة الرحم؛ ولأنهم كانوا محتاجين إلى خادم. لمعات التنقيح (4/ 378).
وقال الكرماني -رحمه الله-:
ولفظ «أعظم» فيه دليل على أن صلة الرحم سيما إذا كانت في ضمن الصدقة أفضل من العتق. الكواكب الدراري (11/ 127).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
ووجه الأعظمية: أنَّ العتق ليس فيه إلا ثواب واحد، بخلاف التصدُّق على الرحم، فإن فيه ثوابين عظيمين؛ لما في الخبر السابق آنفًا: «أجران: أجر القُربة، وأجر الصدقة». فتح الإله (6/414).
وقال المازري -رحمه الله-:
إن لم يكن لها قرابة إلا من قِبَل الأم فإن الوجه تخصيص الأخوال، وإن كان لها قرابة من الجهتين، فيحتمل أنه خص قرابة الأم بذلك ورآهم أولى؛ لأن الأم لما كانت أولى بالبر كانت قرابتها أولى بالصدقة. المعلم (2/ 20).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
يحتَملُ أنه خَصَّ قرابةَ الأمِّ بذلِكَ لأنهم كَانُوا أحوج.
وفيه: أن صلة الرّحِم أفضل من العتق، وقد قال مالك: الصدقة عَلى الأقارب أفضل من عتق الرقاب، وهكذا جاءت هذه اللفظة في كتاب مسلم: «أخوالك» باللام من غير خلاف، ووقع فيها في البخاري من رواية الأصيلي: «أخواتك» بالتاء، ولعله الأصح؛ بدليل رواية مالك في الموطأ: «أعطيها لأختكِ، وصِلِيْهَا بها، ترعى عليها، فهو خير لكِ». إكمال المعلم (3/ 519).
وقال النووي -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
قال القاضي: ولعله أصح، بدليل رواية مالك في الموطأ: «أعطيها أختك».
قلتُ: الجميع صحيح، ولا تعارض، وقد قال -صلى الله عليه وسلم- ذلك كله. المنهاج شرح مسلم (7/ 86).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «لو أعطيتِها أخوالك كان أعظم لأجرك» هذا يدل على أنَّ الصدقة على الأقارب أفضل من عتق الرقاب، وهو قول مالك، وتخصيص الأخوال؛ إما لأنهم من جهة الأم، وللأم ثلاثة أرباع البر، وإما لأنهم كانوا أحوج. المفهم (3/ 47).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
وقد وقع في رواية النسائي بيان وجه الأفضلية في إعطاء الأخوال، وهو احتياجهم إلى مَن يخدمهم، ولفظه: «أفلا فديتِ بها بنت أختكِ من رعاية الغنم» على أنه ليس في حديث الباب نص على أن صلة الرحم أفضل من العتق؛ لأنها واقعة عين، فالحق أنَّ ذلك يختلف باختلاف الأحوال كما قررنا. مرعاة المفاتيح (6/ 372).
وقال الشيخ ابن باز -رحمه الله-:
الصدقة على الأقارب أعظم من العتق؛ لأنها مُتعدية النَّفع صدَقة وصِلَة. الحلل الإبريزية (2/ 382).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «كان أعظم لأجرك»؛ لكونه صدقة وصلة رحم.
وفيه: أن صلة الأرحام والإحسان إلى الأقارب أفضل من العتق. منة المنعم (2/ 96).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
في هذا الحديث: أنَّ صلة الرَّحم تكون بالمال، أو بالعبد يدفعه إليهم لخدمتهم، ويكون هذا أفضل من عتق العبد. توفيق الرب المنعم (3/ 131).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
اختلف العلماء في المرأة المالكة لنفسها الرشيدة ذات الزوج؛ فقالت طائفة: لا فرق بينها وبين البالغ من الرجال، فما جاز من عطايا الرجل البالغ الرشيد، جاز من عطائها، هذا قول سفيان الثوري والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي، وروينا معنى ذلك عن عطاء، قال ابن المنذر: وبه نقول.
وقالت طائفة: لا يجوز لها أن تعطي من مالها شيئًا بغير إذن زوجها، روي هذا القول عن أنس بن مالك، وهو قول طاوس والحسن البصري، وقال مالك: لا يجوز عطاؤها بغير إذن زوجها إلا ثلث مالها خاصة، قياسًا على الوصية، وقال الليث: لا يجوز عتق المرأة ذات الزوج ولا صدقتها إلا في الشيء اليسير الذي لا بد لها منه في صلة الرحم أو غيره، مما يتقرب به إلى الله، وحجة القول الأول: أن الله تعالى سوى بين الرجال والنساء عند بلوغ الحلم، وظهور الرشد، فقال: {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} النساء: 6، فأمر بدفع أموالهم إليهم، ولم يخصّ رجلًا من امرأة، فثبت أن مَن صحّ رشده صحّ تصرفه في ماله بما شاء، وقال: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} النساء: 4 الآية، فأباح للزوج ما طابت له به نفس امرأته، وقال: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ} إلى: {إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ} البقرة: 237، فأجاز عفوها عن مالها بعد طلاق زوجها إياها بغير استئمار من أحد، فدل ذلك على جواز أمر المرأة في مالها، وعلى أنها فيه كالرجل سواء، واحتجوا بأمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- أسماء بالصدقة، ولم يأمرها باستئذان الزبير، وأن ميمونة أعتقت وليدة لها ولم تستأذن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وبحديث ابن عباس أنه -عليه السلام-، خطب النساء يوم عيد، وقال لهنّ: «تصدَّقنَ ولو مِن حُلِيِّكنّ»، وليس في شيء من الأخبار أنهن استأذَنَّ أزواجهنّ، ولا أنه -عليه السلام- أمرهنّ باستئذانهم، ولا يختلفون في أن وصاياها من ثلث مالها جائزة كوصايا الرجل، ولم يكن لزوجها عليها في ذلك سبيل ولا أمر، وبذلك نطق الكتاب، وهو قوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ} النساء: 12، فإذا كانت وصاياها في ثلث مالها جائزة بعد وفاتها، فأفعالها في مالها في حياتها أجوز، والحُجة لطاوس (ابن كيسان) حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي -عليه السلام- قال: «لا تجوز عطية امرأة في مالها إلا بإذن زوجها»، فأحاديث هذا الباب أصح من حديث عمرو بن شعيب، وتأول مالك في الأحاديث التي جاءت عن النبي -عليه السلام- أنه أمر النساء بالصدقة، إنما أمرهنّ بإعطاء ما ليس بالكثير المجحف بغير إذن أزواجهنّ؛ لقوله -عليه السلام-: «تُنكح المرأة لمالها ودِينها وجمالها» فسوى بين ذلك، فكان لزوجها في مالها حقًّا، فلم يكن لها أن تتلفه إلا بإذنه، وعلى هذا يصح الجمع بين حديث عمرو بن شعيب وسائر الأحاديث المعارضة له، فيكون حديث عمرو بن شعيب واردًا في النهي عن إعطاء الكثير المجحف، وتكون الأحاديث الواردة بحض النساء على الصدقة فيما ليس بالكثير المجحف، والله الموفق، وأما حديث هبة سودة يومها لعائشة، فليس من هذا الباب في شيء؛ لأن للمرأة الشفيقة أن تهب يومها لضرتها، وإنما السَّفَه في إفساد المال خاصة.
واختلفوا في البكر إذا تزوجت متى تكون في حال مَن تجوز لها العطاء؟
فقالت طائفة: ليس لها في مالها أمر حتى تلد، أو يحُول عليها الحول، روي هذا عن عمر بن الخطاب، وعن شريح والشعبي، وبه قال أحمد وإسحاق، وفرَّق أصحاب مالك بين البكر ذات الأب والوصي، وبين التي لا أب لها ولا وصي، قال ابن القاسم: أما البكر التي لا أب لها، فلا يجوز عطاؤها في مالها وإن عنست حتى تدخل بيتها، وترضى حالها، واختلفوا في حد تعنيس البكر، فقال ابن وهب: الثلاثين سنة إلى خمس وثلاثين، وقال ابن القاسم: الأربعين سنة إلى الخمس والأربعين، وقال ابن الماجشون، ومطرف في اليتيمة التي لا أب لها ولا وصي تختلع من زوجها بشيء تهب له: الخلع ماضٍ، ويردُّ الزوج ما أخذ؛ لأنه لا يجوز لها عطاء حتى تملك نفسها ومالها، وذلك بعد سنة من ابتناء زوجها بها، أو تلد ولدًا، وخالف هذا سحنون، فقال في البكر تعطي زوجها بعض مالها، وذلك قبل الدخول فيملكها أمرها، أو تباريه بشيء من مالها، فقال: إن كان لها أب أو وصي فلا يجوز ذلك، ويلزم الزوج الطلاق، ويردُّ عليها ما أخذ منها، وإن كانت لا أب لها ولا وصي جاز ذلك، وهي عندي بمنزلة السفيه الذى لا وصي له، أن أموره جائزة؛ بيوعه وصدقته وهبته، ما لم يحجر عليه الإمام. شرح صحيح البخاري (7/ 107- 110).
وقال ابن بطال -رحمه الله- أيضًا:
وفي حديث ميمونة أنَّ صِلَة الأقارب أفضل من العتق، على أن العتق قد جاء فيه أنَّ الله يعتق بكل عُضو منه عضوًا منها من النار، وأن بالعتق تُجَازُ العقبة يوم القيامة، وفي حديث عائشة أنَّ أقرب الجيران أولى بالصلة والبر والرعاية، وأن صِلة الأقرب منهم أفضل من صِلة الأبعد؛ إذ لا يقدر على عموم جميعهم بالهدية، وقد أكد الله تعالى ذلك في كتابه فقال: {وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ} النساء: 36، فدل هذا على تفضيل الأقرب، وقد تقدم معنى ذلك في باب أيُّ الجوار أقرب؟ في كتاب الشفعة، فأغنى عن تكراره. شرح صحيح البخاري (7/ 111).
وقال ابن حجر -رحمه الله- معلقًا:
ويؤيده ما رواه الترمذي والنسائي وأحمد وصححه ابن خزيمة وابن حبان من حديث سلمان بن عامر الضبي مرفوعًا: «الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذِي الرِّحم صدقة وصِلة»، لكن لا يلزم من ذلك أن تكون هبة ذي الرحم أفضل مطلقًا؛ لاحتمال أن يكون المسكين محتاجًا ونفعه بذلك متعديًا، والآخر بالعكس، وقد وقع في رواية النسائي المذكورة فقال: «أفلا فديتَ بها بنت أخيك من رعاية الغنم؟»، فبين الوجه في الأولوية المذكورة، وهو احتياج قرابتها إلى مَن يخدمها، وليس في الحديث أيضًا حجة على أن صلة الرحم أفضل من العتق؛ لأنها واقعة عين، والحق: أن ذلك يختلف باختلاف الأحوال كما قررتُه. فتح الباري (5/ 219).
وقال العيني -رحمه الله- معلقًا على ابن بطال أيضًا:
قلتُ: ينبغي أن يكون أفضلية هبة ذي الرحم من العتق إذا كان فقيرًا لا مطلقًا، كيف وقد جاء في العتق أنه: يعتق بكل عضو منه عضوًا منه من النار؟ وبه تُجَازُ العقبة يوم القيامة؟ ونُقل عن مالك: أن الصدقة على الأقارب أفضل من العتق، والحق: أن هذا يختلف باختلاف الأحوال. عمدة القاري (13/ 153).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
وقد دلّ هذا الحديث على أن صلة الأقارب وإغناء الفقراء أفضل من العتق والصدقة على الأجانب. كشف المشكل (4/ 433).
وقال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
وفي الحديث: فضيلة صِلة الأرحام والإحسان إلى الأقارب.
وفيه: الاعتناء بأقارب الأم إكرامًا لحقها، وهو زيادة في برها.
وفيه: جواز تبرع المرأة بمالها بغير إذن زوجها إذا كانت رشيدة. مرعاة المفاتيح (6/ 372).
وقال فيصل ابن المبارك -رحمه الله-:
في هذا الحديث: دليل على أن عطية القريب أفضل من العتق إذا كانوا محتاجين.
وفيه: صحة تصرف الزوجة في مالها بغير إذن زوجها. تطريز رياض الصالحين (ص:226).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: الحديث):
1. منها: الاعتناء بأقارب الأم؛ إكرامًا بحقها، وهو زيادة في برها.
2. ومنها: جواز تبرع المرأة بما لها بغير إذن زوجها.
3. ومنها: بيان أن المرأة ليس عليها استئمار زوجها في التبرع بمالها؛ إذا كانت رشيدة؛ لأن ميمونة -رضي الله عنها- أَعتقت قبل أن تستأمر النبي -صلى الله عليه وسلم-، فلم يستدرك ذلك عليها، بل أرشدها إلى ما هو الأولى، فلو كان لا ينفذ لها تصرف في مالها لأبطله.
4. ومنها: بيان فضيلة صلة الأرحام، والإحسان إلى الأقارب، وأنه أفضل من العتق. البحر المحيط الثجاج (19/ 277- 278).
ولمزيد من الفائدة يُنظر:
عطاء واحد يكتب لك أجرين: صدقة وصِلة.