السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-: أنَّه عادَ المُقَنَّعَ ثم قال: لا أبرحُ حتى تَحتجمَ، فإنِّي سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «إنَّ فيه شفاءً».


رواه البخاري برقم: (5697) ومسلم برقم: (2205).


غريب الحديث


«لا أَبْرَحُ»:
أي: لا أخرج من عندك. تحفة الباري، للأنصاري (9/ 16).
(يُقال): ما بَرِحَ مكانه لم يفارقه، وما برح يفعل كذا بمعنى: المواظبة والملازمة. المصباح المنير، للفيومي (1/ 42).


شرح الحديث


قوله: «عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما-: أنَّه عادَ المُقَنَّعَ»:
قال البرماوي -رحمه الله-:
«المُقنَّع» بصيغة مفعول التقنيع، بالقاف والنون والمهملة: ابن سنان -بنونين- التابعي. اللامع الصبيح (14/ 301).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «عاد المُقنَّع»...، يعني: زارَهُ في مرضه. عمدة القاري (21/ 242).
وقال الساعاتي -رحمه الله-:
«المُقنَّع» بضم الميم، وفتح القاف، وتشديد النون مفتوحة: اسم رجل جاء غير منسوب، والظاهر أنه كان مريضًا. الفتح الرباني (17/ 163).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «عاد المقنَّع»... تابعي، لا أعرفه إلا في هذا الحديث. فتح الباري (10/151، 152).

قوله: «ثم قال: لا أبرحُ حتى تَحتجمَ»:
قال العيني -رحمه الله-:
«ثم قال: لا أبرح» أي: لا أخرج من عندك ‌حتى ‌تحتجم. عمدة القاري (21/ 242).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«‌حتَّى ‌تحتجم» أي: حتَّى تُخرج دمك الفاسد بالمحجم. الكوكب الوهاج (22/ 233).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
«حتى ‌تحتجم» من الحجامة، وهي: علاج معروف، يؤخذ فيه الدم وبعض المواد الفاسدة من أماكن من الجسد بواسطة قارورة أو قرن، فيُخفف ويذهب بكثير من الألم. منة المنعم (3/ 457).
وقال الشيخ محمد علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«حتى ‌تحتجم» أي: حتى تعمل الحجامة على خراجك. البحر المحيط الثجاج (36/ 153).

قوله: «فإنِّي سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: إنَّ فيه شفاءً»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «إن فيه شِفاء» الضمير يرجع إلى الحجم الذي يدل عليه قوله: ‌«حتى ‌تحتجم». عمدة القاري (21/ 242).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فإني سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: إن فيه» أي: إن في الاحتجام «شفاء» أي: عافية لمن زاد دمه، وقد ثبت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنَّه قال: «إن أفضل ما تداويتم به الحجامة». الكوكب الوهاج (22/ 233).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فإني» الفاء تعليلية؛ أي: إنما أمرتك بالاحتجام؛ لأني «سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: إن فيه شفاء». البحر المحيط الثجاج (36/ 153).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«شِفاء» أي: من ‌غالب ‌الأمراض، لغالب الناس، في قُطر مخصوص، في زمن مخصوص، هكذا فافهم كلام الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ولا عليك من ضعفاء العقول، فإن هذا وأشباهه يخرج جوابًا لسؤال معين يكون الحجم له من أنفع الأدوية، ولا يلزم من ذلك الاطراد. فيض القدير (2/ 471).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«فيه شفاء» أي: في الحجم شفاء، والحجم والحجامة بمعنى، وأصل الحجم المصُّ، والمراد هنا شَقُّ الجلد، واستخراج الدم بالمص، أما الفصد فهو قطع العرق، وقطع وريد؛ ليسيل منه الدم. فتح المنعم (8/ 583).
وقال ابن مفلح -رحمه الله-:
أما ‌الحجامة: ففيها أخبار كثيرة مشهورة... في فعلها، وفضلها، ووقتها، وفيها فعلًا منه -صلى الله عليه وسلم- وقولًا سبع عشرة، أو إحدى وعشرين. الآداب الشرعية (3/ 87).
وقال الدردير المالكي -رحمه الله-:
وتجوز ‌الحجامة، بمعنى تستحب عند الحاجة إليها، وقد تجب. الشرح الصغير (4/ 770).
وقال الأبهري المالكي -رحمه الله-:
الحجامة وغيرها من التداوي مباح في كل وقت. شرح المختصر الكبير (4/ 576).
وقال الكاساني الحنفي -رحمه الله-:
الحجامة ‌أمر ‌مباح، وما ورد من النهي عن كسب الحجَّام في الحديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «مِن السُّحت عَسْبُ التيس، وكسب الحجَّام» فهو محمول على الكراهة؛ لدناءة الفعل. بدائع الصنائع (4/ 190).
وقال ابن المنذر -رحمه الله-:
للمرء إذا احتاج إلى الحجامة أنْ يحتجم، بل تُستحب الحجامة؛ لقول النَّبِيّ -صلَّى اللَّه عليه وسلَّم-: «خير مَا تداويتم به الحجامة والقسط البحري» (وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم: 3324). الإقناع (1/ 364).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قال الموفق البغدادي: الحجامة تنقي ‌سطح ‌البدن أكثر من الفَصد، والفصد لأعماق البدن، والحجامة للصبيان، وفي البلاد الحارة أولى من الفصد، وآمن غائلة، وقد تغني عن كثير من الأدوية؛ ولهذا وردت الأحاديث بذكرها دون الفصد؛ ولأن العرب غالبًا ما كانت تعرف إلا الحجامة.
وقال صاحب الهدي: التحقيق في أمر الفصد والحجامة: أنهما يختلفان باختلاف الزمان والمكان والمزاج، فالحجامة في الأزمان الحارة والأمكنة الحارة والأبدان الحارة التي دم أصحابها في غاية النضج أنفع، والفصد بالعكس، ولهذا كانت الحجامة أنفع للصبيان، ولمن لا يقوى على الفصد...
قال ‌أهل ‌المعرفة: الخطاب بذلك لأهل الحجاز، ومن كان في معناهم من أهل البلاد الحارة؛ لأن دماءهم رقيقة، وتميل إلى ظاهر الأبدان؛ لجذب الحرارة الخارجة لها إلى سطح البدن، ويؤخذ من هذا أن الخطاب -أيضًا- لغير الشيوخ؛ لقلة الحرارة في أبدانهم، وقد أخرج الطبري بسند صحيح عن ابن سيرين قال: "إذا بلغ الرجل أربعين سنة لم يحتجم". فتح الباري (10/ 151).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال الطبري: فإن قال قائل: قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أَمْثَلُ ما تداويتم به الحجامة»، و«إن فيه الشفاء» هل هو على العموم أو الخصوص؟ فإن قلت: إنها على العموم، فما أنت قائل فيما روى ابن علية عن ابن عون، عن ابن سيرين، أنه قال: إذا بلغ الرجل أربعين لم يحتجم، قال ابن عون: فتركتُ الحجامة، وكانت نعمة من الله، وإن قلت: هي على الخصوص، فما الدليل على ذلك؟
قال الطبري: فالجواب: أن أمْر النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك أمَّته إنما هو ندب لا إيجاب، وهو عام فيما ندبهم إليه من معناه؛ وذلك أنه أمرهم بالحجامة؛ حضًّا منه لهم على ما فيه نفعهم، ودفعَ ما يخاف من غائلة الدم على أجسامهم إذا كثر وتبيَّغ (التبيغ: هيجان الدم)، فندبهم إلى استعمال ذلك في الحين الذى إخراجه فيه صلاح لأبدانهم، وقد بيَّن -عليه السلام- في خبر حميد عن أنس أنه قال -عليه السلام-: «إذا هاج بأحدكم الدم فليحتجم؛ فإن الدم إذا تبيَّغ بصاحبه قتله» (السلسلة الصحيحة: 2747)، وغير بعيد ما روي عن ابن سيرين مِن نهيه ابن أربعين سنة عن الحجامة؛ وذلك أنه في انتقاص من عمره، وانحلال من قوى جسمه، وفي ذلك غناء له عن معونته عليه بما يزيد وهنًا على وهن، إلا أن يتبيَّغ به الدم حتى يكون الأغلب من أمره خوف الضرر بتركه إخراجه، فيحق عليه حينئذٍ إخراجه، والأخذ بما ندبه إليه نبيه -عليه السلام-. شرح صحيح البخاري (9/400، 401).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
الحجامة تكون على حسب ما ينظر أهل الخبرة، تكون في نقرة القفا، أو تكون في مكان ما من الجسم، أو من الرأس على حسب نظر ما يراه المعالج؛ لأن هناك مختصين بمعرفة الحجامة وأسبابها ووقتها وزمانها. توفيق الرب المنعم (6/ 340).

وللمزيد من الفائدة يُنظر:

في شرطـة محجم شفاء ودواء.

هل الحجامة سنة ؟


إبلاغ عن خطأ