«اعْتَكَفَ رسولُ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- في المسجدِ، فسمعهم يجهرون بالقراءةِ وهو في قُبَّةٍ له، فكَشفَ السُّتُورَ، وقال: إنَّ كُلَّكُمْ مُنَاجٍ ربَّه، فلا يُؤْذِيَنَّ بعضُكُم بعضًا، ولا يَرْفَعَنَّ بعضُكم على بعضٍ بالقراءَةِ، أو قال: في الصَّلاةِ».
رواه أحمد برقم: (11896) واللفظ له، وأبو داود برقم: (1332)، والنسائي في الكبرى برقم: (8038) من حديث أبي سعيد الخُدْرِي -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (2639)، صحيح سنن أبي داود برقم: (1203).
غريب الحديث
«اعْتَكَفَ»:
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
الاعتكاف معلوم في الشرع: وهو ملازمة المسجد للصلاة، وذكر الله، وأصله في اللغة: اللزوم للشيء، والإقبال عليه. مشارق الأنوار (2/ 82).
«قُبَّةٍ»:
القُبَّة من الخيام: بيت صغير مستدير، وهو من بيوت العرب. النهاية، لابن الأثير (4/ 3).
«مُناجٍ»:
المناجي المخاطِب للإنسان، والمحدِّث له. النهاية، لابن الأثير (5/ 25).
شرح الحديث
قوله: «اعتكفَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- في المسجدِ»:
قال محمود السبكي -رحمه الله-:
قوله: «اعتكف رسول الله -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم-» أي: مكث في المسجد للعبادة. المنهل العذب المورود (7/ 262).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«قال: اعتكف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المسجد» فيه: فضيلة الاعتكاف في المسجد، واختصاصه به؛ لقوله تعالى: {وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} البقرة: 187. شرح سنن أبي داود (6/ 513- 514).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
كان أصل هذا الحديث في صلاة رمضان؛ لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يجمعهم لها إلا على ما قد مضى في باب ابن شهاب عن عروة «من أنه صلى بهم ليلة وثانية وثالثة، ثم امتنع من الخروج إليهم؛ خشية أن يفرض عليهم». التمهيد (15/ 267).
قوله: «فسمعَهُم يَجْهَرون بالقراءةِ وهو في قُبَّةٍ له، فكَشَفَ السُّتورَ»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فسمعهم يجهرون» أصواتهم زاد الطبراني في الأوسط ولفظه: «أنه اطلع من بيته والناس يصلون يجهرون بالقراءة» ظاهره أنهم جهروا عليه -صلى الله عليه وسلم- وهو في معتكفه، فلم يصرِّح لهم بأنهم شوشوا عليه، بل عرَّض لهم بلفظ يحصل به المقصود، وهذا من مكارم أخلاقه -صلى الله عليه وسلم-.
«فكشف الستر» وفيه: دليل على إسبال الستور على الحُجرة التي يعتكف فيها. شرح سنن أبي داود (6/ 514).
وقال الباجي -رحمه الله-:
قوله: «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خرج على الناس وهم يصلون وقد عَلَتْ أصواتهم بالقراءة» ظاهره أن صلاتهم كانت نافلة لمعانٍ:
أحدها: أنها لو كانت فريضة لأمَّهم فيها النبي -صلى الله عليه وسلم-.
والثاني: علو أصواتهم وقراءة جميعهم، ولو كانت فريضة لرفع صوته الإمام وحده؛ لأن المعهود أنهم كانوا يصلون الفريضة بصلاة النبي -صلى الله عليه وسلم- أو بصلاة إمام، وقد بين في حديث حماد بن زيد أن ذلك كان في رمضان؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يكن جمعهم على إمام في نوافل رمضان. المنتقى شرح الموطأ (1/ 150).
قوله: «وقال: «إنَّ كلَّكم مُناجٍ ربَّهُ»:
قال الباجي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّ المصلي يناجي ربه» تنبيه على معنى الصلاة، والمقصود بها: ليكثر معنى الاحتراز من الأمور المكروهة الْمُدْخَلة للنقص فيها، والإقبال على أمور الطاعة المتممة لها...
وقوله: «بما يناجيه به» وإن كان القرآن قراءة جميعهم، وقراءة كلٍّ طاعة وقُرْبة، فإنما أراد به -والله أعلم- أن لا يناجيه به على وجهٍ مكروه مِن رفع صوت بعضهم على بعض، وقد بيَّن ذلك بقوله -صلى الله عليه وسلم-: «ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن»؛ لأن في ذلك إيذاء بعضهم لبعض، ومنعًا من الإقبال على الصلاة، وتفريغَ السر لها، وتأمل ما يناجي به ربه من القرآن، وإذا كان رفع الصوت بقراءة القرآن ممنوعًا حينئذٍ لأذية المصلين، فبأنْ يُمنع رفع الصوت بالحديث وغيره أولى وأحرى لما ذكرناه؛ ولأنَّ في ذلك استخفافًا بالمساجد واطراحًا لتوقيرها وتنزيهها الواجب، وإفرادها لما بُنيت له من ذكر الله تعالى، قال الله العظيم: {وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا} الحج: 40. المنتقى شرح الموطأ (1/ 150).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «يناجي ربه» عبارة عن إخلاص القلب، وتفريغ السر لذكره وتمجيده، وتلاوة كتابه في صلاته. إكمال المعلم (2/ 486).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
في نسخة: «ما يناجي به» «ما» استفهامية أو موصولة، أي: ما يناجي الرب تعالى من الذكر والقرآن والحضور والخشوع والخضوع؛ إذ ليس للمرء من صلاته إلا ما عَقَلَ كما في الحديث، فليتفكر في معانيه، أو فليتأمل ما يناجيه في ذلك المقام. مرقاة المفاتيح (2/ 702).
قوله: «فلا يُؤْذِيَنَّ بعضُكم بعضًا»:
قال عبيد الله المباركفوري -رحمه الله-:
فإن ذلك يؤذي ويمنع من الإقبال على الصلاة، والنهي يتناول من هو داخل الصلاة وخارجها. مرعاة المفاتيح (3/ 168).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
إذا نُهي المسلم عن أذى أخيه المسلم في عمل البر، وتلاوة الكتاب، فأذاه في غير ذلك أشد تحريمًا، وقد نظر عبد الله بن عمر إلى الكعبة فقال: والله إنَّ لكِ لحرمة، ولكن المؤمن عند الله أعظم حرمة منك؛ حرم منه عرضه، ودمه، وماله، وألا يُظن به إلا خير.
وحسبك بالنهي عن أذى المسلم في المعنى الوارد في هذا الحديث، فكيف بما هو أشد من ذلك، والله المستعان. التمهيد (15/ 270).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«فلا يؤذينَّ بعضكم بعضًا» فجعل هذا أذية، ونهى عنه، والواقع شاهد بذلك؛ ولهذا نرى أنَّ الذين يفعلون هذا -يؤدون الصلاة عبر مكبر الصوت- نرى أنهم إذا كانوا يؤذون مَن حولهم فإنهم آثمون، فإذا كان هذا العمل يكون فيه الإنسان إما آثمًا وإما سالمًا فلا شك أن تركه أولى، وهو في الحقيقة لا فائدة منه؛ لأن الإنسان لا يصلي إلى من هم خارج المسجد، إنما يصلي لأهل المسجد، أما الذين في الخارج فلا عليك منهم. شرح رياض الصالحين (4/ 98).
قوله: «ولا يرفعَنَّ بعضُكم على بعضٍ بالقراءةِ، أو قال: في الصلاةِ»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«ولا يرفع بعضكم» صوته «على بعض في» حال «القراءة أو قال» شك من الراوي «لا يرفع بعضكم على بعض في الصلاة» ولفظ الطبراني: «لا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن»، فنهى أولًا بقوله: «لا يؤذِ» على العموم، ثم نهى على الخصوص بقوله: «لا يجهر» وفيه إنكار رفع الصوت في المسجد ولو بالقراءة إذا كان فيه تشويش على مصلٍّ آخر، أو قارئ آخر، فإنه مكروه. شرح سنن أبي داود (6/ 515).
قال ابن تيمية رحمه الله-:
ليس لأحد أنْ يؤذي أهل المسجد أهل الصلاة أو القراءة أو الذكر أو الدعاء ونحو ذلك مما بُنيت المساجد له، فليس لأحد أنْ يفعل في المسجد ولا على بابه قريبًا منه ما يشوش على هؤلاء، بل قد خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- على أصحابه وهم يصلون ويجهرون بالقراءة فقال: «يا أيها الناس، كلكم يناجي ربه، فلا يجهر بعضكم على بعض في القراءة»، فإذا كان قد نُهي المصلي أنْ يجهر على المصلي فكيف بغيره؟ ومَن فعل ما يشوش به على أهل المسجد أو فعل ما يُفضي إلى ذلك مُنع من ذلك، والله أعلم. الفتاوى الكبرى (2/ 423).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
هذا الحديث معناه: في صلاة النافلة، إذا كان كل أحد يصلي لنفسه، وأما صلاة الفريضة، فقد أَحْكَمت السُّنة سرها وجهرها، وأنها خلف إمام للجماعة أبدًا، هذه سُنتها. التمهيد (15/ 267).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله- أيضًا:
إذا لم يجز للتالي المصلي رفع صوته؛ لئلا يُغَلِّط ويخلط على مصلِّ إلى جنبه، فالحديث (أي: الكلام) في المسجد مما يخلط على المصلي أولى بذلك وألزم وأمنع وأحرم، والله أعلم. التمهيد (15/ 270).
وقال البغوي -رحمه الله-:
كذلك السُّنة في القراءة، وفي كل ذِكْرٍ يأتي به خلف الإمام، أنْ يُسمع نفسه، ولا يغلب جاره، قال الشعبي: إذا قرأتَ القرآن، فاقرأ قراءة تُسمع أُذنيك، وتفقه قلبك، فإنَّ الأذن عدل بين اللسان والقلب. شرح السنة (3/ 87).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
يُستحب أنْ يقرأ المتهجد جزءًا من القرآن في تهجده؛ فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يفعله، وهو مخير بين الجهر بالقراءة والإسرار بها، إلا أنه إن كان الجهر أنشط له في القراءة، أو كان بحضرته من يستمع قراءته، أو ينتفع بها، فالجهر أفضل، وإن كان قريبًا منه من يتهجد، أو من يستضِرُّ برفع صوته فالإسرار أولى، وإن لم يكن لا هذا ولا هذا، فليفعل ما شاء. المغني (2/ 562).
وقال ابن النجار الحنبلي -رحمه الله-:
أما رفع الصوت بحيث يُفضي إلى تغليط مَن بحضرته من المصلين فمكروه، ذكره في الترغيب (للفخر ابن تيمية) وغيره. معونة أولي النهى (2/ 306).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
رفع الأصوات في المسجد على وجهين:
أحدهما: أن يكون بذكر الله وقراءة القرآن والمواعظ وتعليم العلم وتعليمه، فما كان من ذلك لحاجة عموم أهل المسجد إليه، مثل الأذان والإقامة وقراءة الإمام في الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة، فهذا كله حَسَن مأمور به.
وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا خطب علا صوته، واشتد غضبه، كأنه منذر جيشٍ يقول: «صبَّحَكم ومسَّاكم» وكان إذا قرأ في الصلاة بالناس تسمع قراءته خارج المسجد، وكان بلال يؤذِّن بين يديه، ويقيم في يوم الجمعة في المسجد...
وما لا حاجة إلى الجهر فيه، فإن كان فيه أذى لغيره ممن يشتغل بالطاعات كمن يصلي لنفسه ويجهر بقراءته، حتى يُغَلِّط مَن يقرأ إلى جانبه أن يصلي، فإنه منهي عنه...، وكذلك رفع الصوت بالعلم زائدًا على الحاجة مكروه عند أكثر العلماء...
الوجه الثاني: رفع الصوت بالاختصام ونحوه من أمور الدنيا، فهذا هو الذي نهى عنه عمر وغيره من الصحابة، ويُشبه: إنشاد الضالة في المسجد، وفي صحيح مسلم عن النبي -صلى الله عليه وسلم- كراهته، والزجر عنه، من رواية أبي هريرة وبريدة.
وأشد منه: كراهة رفع الصوت بالخصام بالباطل في أمور الدِّين؛ فإن الله ذم الجدال في الله بغير علم، والجدال بالباطل، فإذا وقع ذلك في المسجد ورفعت الأصوات به تضاعف قبحه وتحريمه.
وقد كره مالك رفع الصوت في المسجد بالعلم وغيره.
ورخص أبو حنيفة ومحمد بن مسلمة من أصحاب مالك في رفع الصوت في المسجد بالعلم والخصومة وغير ذلك مما يحتاج إليه الناس؛ لأنه مجمعهم، ولا بد لهم منه، وهذا مبني على جواز القضاء في المساجد. فتح الباري (3/ 397- 399).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
فهذا الحديث دليل على أنه لا يجب الاستماع لقراءة القارئ؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- أقر الصحابة على قراءة كل واحد لنفسه، وعدم استماع بعضهم لبعض، وإنما أنكر عليهم رفع الصوت المؤدي لتشويش بعضهم على بعض، فصح تخصيص الآية بحالة الصلاة بحديث: «وإذا قرأ فأنصتوا» وبقي ما عداها على الاستحباب.
لكن لا بد من تقييد ذلك بالنسبة للمأموم بما عدا فاتحة الكتاب؛ جمعًا بين الأدلة، حيث صحت الأخبار بوجوبها عليه كما تقدم تحقيقه، فتبصر بإنصاف، ولا تتحير بالاعتساف. والله تعالى أعلم بالصواب. ذخيرة العقبى (11/ 669).
وللمزيد من الفائدة يُنظر:
أيهما أفضل الجهر بالقراءة في المسجد أو الإسرار بها ؟