«عن عبد الله بن أبي ربيعة، أنَّ النَّبيَّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- استسلفَ منه حين غزا حُنَينًا ثلاثين أو أربعين ألفًا، فلمَّا قدم قضاها إيَّاه، ثمَّ قال له النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: «باركَ الله لك في أهلِكَ ومالِكَ، إنَّما جزاءُ السَّلفِ الوفاءُ والحمدُ».
رواه أحمد برقم: (16410) وابن ماجه برقم: (2424) واللفظ له، ورواه النسائي برقم: (4683)، من حديث عبد الله بن أبي ربيعة -رضي الله عنه- بلفظ: «... إنَّما جزاء السَّلفِ الحمدُ والأداءُ».
صحيح الجامع برقم: (2353)، صحيح سنن النسائي برقم: (4366).
غريب الحديث
«السَّلفِ»:
سَلَفَ: أسلفته مالًا: أقرضته، والسَّلَف من القَرْض. العين، للخليل (7/ 258).
وقال نشوان الحميري -رحمه الله-:
والسَّلَف: القرض، بلغة أهل الحجاز. شمس العلوم (5/ 3153).
«والحمدُ»:
هو الثناء باللسان على الجميل، سواء تعلق بالفضائل كالعلم، أم بالفواضل كالبر. الفروق اللغوية، للعسكري (ص: 201).
وقال البركتي -رحمه الله-:
الحَمْد: هو الثَّناء على الجميل من جهة التَّعظيم من نِعمة وغيرها. التعريفات الفقهية (ص: 81).
شرح الحديث
قوله: «عن عبد الله بن أبي ربيعة»:
قال الفيومي -رحمه الله-:
قوله: «عبد الله بن أبي ربيعة» واسمه: عمرو بن المغيرة بن عبد الله المخزومي أبو عبد الرحمن القرشي، أخو عياش بن أبي ربيعة، ليس له في الكتب الستة سوى هذا الحديث، وكان يقال له في الجاهلية: العدل؛ لأنه كان يكسو الكعبة سنة، وجميع أهل مكة يكسوها سنة، وكان يعادلهم في ذلك، فسمي عدلًا. فتح القريب المجيب (8/ 148).
قوله: «أنَّ النَّبيَّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- استسلفَ منه حين غزا حُنَينًا ثلاثين أو أربعين ألفًا»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«أن النبي -صلى الله عليه وسلم- استسلف» أي: استقرض «منه» أي: من عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي «حين غزا» رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «حنينًا» وأخرج إليها من مكة لغزوتها «ثلاثين» ألف درهم «أو أربعين ألفًا» من الدراهم -بالشك من الراوي- لمؤنة الجيش. مرشد ذوي الحجا والحاجة (14/ 152).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «استسلف» أي: أخذ منه قرضًا. حاشيته على المسند (4/57).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
«أن النبي -صلى الله عليه وسلم- استسلف من عبد الله بن ربيعة حين غزا حنينًا ثلاثين أو أربعين ألفًا» حنين كانت في السنة الثامنة من الهجرة، فلما قدم قضاها إياه...
فائدة: جملة ما استسلفه النبي -صلى الله عليه وسلم- عام الفتح مائة وثمانين ألفًا، استسلف من صفوان بن أمية خمسين ألف درهم، ومن عبد الله بن أبي ربيعة أربعين ألفًا، ومن حويطب عبد العزى أربعين ألفًا، قسم النبي -صلى الله عليه وسلم- جميع ذلك بين أصحابه من أهل الضعف، فكان يصيب الرجل الخمسين الدرهم أو أقل من ذلك. فتح القريب المجيب (8/ 148).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«قال: استقرض» أي: أخد قرضًا واستدان «مني النبي -صلى الله عليه وسلم- أربعين ألفًا» والظاهر: أنه دراهم. مرقاة المفاتيح (5/ 1963).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«قال: استقرض مني النبي -صلى الله عليه وسلم- أربعين ألفًا» أي: طلب أن أعطيه قرضًا حتى يرد عليَّ بدله. ذخيرة العقبى (35/ 276).
وقال أبو عبيد -رحمه الله-:
والسلف في المعاملات له معينان:
أحدهما: القرض الذي لا منفعة فيه للمقرض، وعلى المقرض رده كما أخذه، والعرب تسميه سلفًا، والمعنى الثاني في السلف: السلم، وهو اسم من أسلمت. الغريبين في القرآن والحديث (3/ 918).
قوله: «فلمَّا قدم قضاها إيَّاه»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«فلما قدم» رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حنينًا «قضاها» أي: قضى تلك الدراهم وأدَّاها «إياه» أي: لعبد الله بن أبي ربيعة؛ أي: رد له بدل ما استقرض منه. مرشد ذوي الحجا والحاجة (14/ 152).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فجاءه مال» أي: كثير «فدفعه» أي: المال جميعًا، أو المبلغ المذكور منه «إليَّ». مرقاة المفاتيح (5/ 1963).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فجاءه مال، فدفعه إليَّ» هذا معطوف على محذوف، أي: فأعطيته ما طلبه مني، فجاءه بعد ذلك مال، فدفعه إليَّ بدل قرضي. ذخيرة العقبى (35/ 276).
قوله: «ثمَّ قال له النَّبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: باركَ الله لك في أهلِكَ ومالِكَ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«ثم قال له» أي: لعبد الله بن أبي ربيعة «النبي -صلى الله عليه وسلم-: بارك الله لك في أهلك» وعيالك بإكثارهم لك «و» بارك لك في «مالك» بكثرته. مرشد ذوي الحجا والحاجة (14/ 152).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
كان (-صلى الله عليه وسلم-) أحسن الناس معاملة، وكان إذا استسلف سلفًا قضى خيرًا منه، وكان إذا استسلف من رجل سلفًا قضاه إياه، ودعا له، فقال: «بارك الله لك في أهلك ومالك، إنما جزاء السلف الحمد والأداء». زاد المعاد (1/ 171).
وقال الفيروز آبادي -رحمه الله-:
كان من العادة النبوية أنه يفي أحسن مما أخذ وأرجح، وأن يدعو له، ويقول: «بارك الله لك في أهلك ومالك». سفر السعادة (ص: 262).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وقال» وفي نسخة: «فقال: بارك الله تعالى في أهلك ومالك» زيادة الأهل زيادة في الدعاء. مرقاة المفاتيح (5/ 1963).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«وقال» -صلى الله عليه وسلم-: «بارك الله لك في أهلك ومالك» إنما دعا له مكافأة على إحسانه؛ لأن القرض إحسان يستحق المكافأة بالدعاء. ذخيرة العقبى (35/ 276).
قوله: «إنَّما جزاءُ السَّلفِ الوفاءُ والحمدُ»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«إنما جزاء السلف» والقرض «الوفاء» أي: رد بدل المقرض وافيًا كاملًا «والحمد» للمقرض، والشكر له على قضائه حاجة المقترض بالإقراض له. مرشد ذوي الحجا والحاجة (14/ 152).
وقال المنذري -رحمه الله-:
«السلف» القرض «الوفاء» حسن قضاء الدين. الترغيب والترهيب (2/ 158).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «إنما جزاء السلف» فإن قلتَ: هذا يوهم أنَّ الزيادة على الدين غير جائزة؛ لأن «إنما» تثبت الحكم للمذكور، وتنفيه عما سواه؟
قلتُ: هو على سبيل الوجوب؛ لأن شكر المنعم وأداء حقه واجبان، والزيادة فضل. الكاشف عن حقائق السنن (7/ 2182).
قوله في رواية النسائي: «إِنَّما جزاء السَّلفِ الحمدُ والأداءُ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«إنما جزاء السلف» بفتحتين، أي: القرض «الحمد» أي: الشكر والثناء «والأداء» أي: القضاء بحسن الوفاء. مرقاة المفاتيح (5/ 1963).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«جزاء القرض الحمد والثناء» أي: لأنه صنيع جميل ومعروف، وقد ورد «من صنع معكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تستطيعوا أن تكافئوه فكافئوه بالدعاء».
قوله: «والأداء» أي: أداء ماله الذي أقرضه، ومعه الحمد؛ جبرًا لما صنعه من الجميل بقرضه، وعند ابن ماجه «الثناء» في محل الأداء، والمراد كما هو ظاهر: أنهما له في مقابلة صنعه الجميل مع وفائه بماله من الحق، وأدائه إليه. الفتوحات الربانية (6/ 227).
وقال السندي -رحمه الله-:
«والحمد» أي: الثناء له بالدعاء له -والله تعالى أعلم-. حاشيته على المسند (4/ 57).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
«الحمد» أي: ثناء المقترض على المقرض «والوفاء» أي: أداء حقه له من غير مطل ولا تسويف، وسببه: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- اقترض من عبد الله بن أبي ربيعة قرضًا فلما قضاه إياه، قال له: «بارك الله لك في أهلك ومالك، إنما جزاء السلف الحمد والوفاء». السراج المنير (2/ 163).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«إنما جزاء السلف» أي: الإقراض «الحمد» لمن أقرض، أي: الثناء عليه «والوفاء» بإعطاء ما أقرضه إياه وافيًا. التنوير (4/ 191).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«إنما جزاء السلف» أي: القرض «الحمد» أي: الثناء بجميل إحسانه «والأداء» أي: أداء بدله من غير مماطلة، ولا تغليظ. ذخيرة العقبى (35/ 276).
وقال محمود محمد الخزندار -رحمه الله-:
وحين اقترض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من عبد الله بن أبي رَبيعة المخزومي قبل حُنَين، ردَّ إليه القرض بعد الغزوة، وقال له: «بارَك الله لك في أهلك ومالك، إنما جزاء السلف الوفاء والحمد» وكلمة شكر، وعبارة حمد، لا يخسر قائلها شيئًا، ولا تُكلِّفه جهدًا، ولكنها تعود عليه بكسب ود المحسن، وائتلاف قلبه، وتحريضه على مزيد من الخير. هذه أخلاقنا (ص: 497).
وقال الغزالي -رحمه الله-:
وإذا قضيت الدين، فقل للمقضي له: بارك الله لك في أهلك ومالك، إذ قال -صلى الله عليه وسلم-: «وإنما جزاء السلف الحمد والأداء». إحياء علوم الدين (1/ 328).
وقال الساعاتي -رحمه الله-:
وفيه: وجوب الوفاء بالدين الموسر، واستحباب الدعاء للدائن. الفتح الرباني (15/ 84).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: هذا الحديث):
منها: ما ترجم له المصنف (النسائي) -رحمه الله تعالى-، وهو بيان حكم الاستقراض، وهو الجواز.
ومنها: ما كان عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- من الاهتمام بشأن صحابته، فإن هذا المبلغ الكثير إنما يقترضه ليعين به أهل الفاقة، ويجهز به في سبيل الله -عز وجل-، ونحو ذلك من وجوه الخير.
ومنها: استحباب الدعاء للمقرض ببركة أهله وماله، مكافأة على إحسانه.
ومنها: أن مما يتعين على المستقرض أن يقوم بالثناء على المقرض، ويشكره على معروفه، ويؤدي إليه بدل قرضه، من غير مماطلة، ولا تطاول، ولا تثاقل -والله تعالى أعلم-. ذخيرة العقبى (35/ 277).
وللمزيد من الفائدة يُنظر:
كيف علمنا النبي ﷺ الإحسان في قضاء الحقوق؟