«أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رأى خاتمًا مِن ذهبٍ في يدِ رجلٍ فَنَزعه، فَطَرَحَه، وقال: يَعمِدُ أَحدكم إلى جَمرة من نار فيجعلها في يدهِ، فقيل للرجل بعدما ذهب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: خُذ خاتمك؛ اِنْتَفِعْ به، قال: لا والله، لا آخذه أبدًا؛ وقد طَرحه رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-».
رواه مسلم برقم: (2090)، من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-.
غريب الحديث
«فَنَزعه»:
نزعْت الشيء من مكانه أَنْزِعُهُ نَزْعًا: قَلَعْتُه، وقولهم: فلانٌ في النَّزْعِ، أي: في قَلْعِ الحياةِ. الصحاح، للجوهري (3/ 1289).
وقال ابن فارس -رحمه الله-:
النون والزاء والعين: أصل صحيح، يدل على قلع شيء، ونزعتُ الشيء من مكانه نزعًا. مقاييس اللغة (5/ 415).
«فَطَرَحَه»:
طرحتُ الشيء، وبالشيء طرحًا: إذا رميته. الصحاح، للجوهري (1/ 386).
وقال ابن فارس -رحمه الله-:
الطاء والراء والحاء: أصل صحيح، يدل على نبذ الشيء وإلقائه، يقال: طرح الشيء يطرحه طرحًا، ومن ذلك: الطرح، وهو المكان البعيد، وطرحَت النوى (البُعْد: مؤنثة) بفلان كل مطرح، إذا نأت به، ورمت به. مقاييس اللغة (3/ 455).
شرح الحديث
قوله: «أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رأى خاتمًا مِن ذهب في يد رجل فَنَزعه»:
قال النووي -رحمه الله-:
الخاتَم والخاتِم بفتح التاء وكسرها، والخيتام والخاتام كله بمعنى، والجمع: خواتيم هذه اللغات الأربع مشهورة. تهذيب الأسماء واللغات (3/ 88).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رأى» أي: أبصر «خاتمًا» فيه لغات، جمَعَهَا الحافظ ابن حجر (في الفتح) في قوله:
خذْ نظمَ عدِّ لغاتِ الخاتمِ انتظمت *** ثمانيًا ما حواها قطُّ نَظَّامُ
خاتام خاتَم ختم خاتِم وختا ** م خاتيام وخيتوم وخيتام
والهمز مع فتح تاء تاسع (أي: خأتَم) وإذا ** ساغ القياس أتم العشر خأتام
«مِن ذَهَبٍ في يد رجل» لم أقف على اسمه، وراجعت المبهمات للمصنف (النووي) فما تعرض له، ولا في شرح مسلم. دليل الفالحين (2/ 479).
وقال الزبيدي -رحمه الله-:
ولم يذكر النَّاظِم (أي: الزين العراقي، وابن حجر نسبها لنفسه) "خَتَمًا" مُحَرَّكة، وقد ذَكَره المصنِّف (الفيروز) وابنُ سِيده وابنُ هِشام في شَرْح الكَعْبِيَّة. تاج العروس (32/ 44).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- معلقًا:
أي: فتصير اللغات مع ما قاله الناظم إحدى عشرة لغة. ذخيرة العقبى (7/ 177).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رأى خاتمًا من ذهب في يد رجل» أي: أصبعه «فنزعه» أي: فأخرجه. مرقاة المفاتيح (7/ 2797).
وقال سبط ابن العجمي -رحمه الله-:
قوله: «رأى خاتمًا من ذهب في يد رجل» عن الدمياطي أنَّه طلحة بن عبيد الله. تنبيه المعلم (ص:362).
قوله: «فطرحه»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فطرحه» وهذا أبلغ في باب الإنكار؛ ولذا قدمه -صلى الله عليه وسلم- في قوله: «إذا رأى أحد منكم منكرًا فليغيره بيده» الحديث. مرقاة المفاتيح (7/ 2797).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«فطرحه» أي: أخرجه من إصبع يد الرجل فرماه. فتح المنعم (8/ 350).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فطرحه»؛ لكونه محرمًا، ولعل الرجل لم يبلغه التحريم. البحر المحيط الثجاج (34/ 721).
قوله: «وقال: يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده!»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فقال» أي: ناصحًا «يعمِد» بكسر الميم، ويُفتح، وهمزة الاستفهام الإنكاري مقدرة... أي: أيقصد؟. مرقاة المفاتيح (7/ 2797).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- متعقبًا:
قوله: وتفتح، فيه نظر، فإني لم أره في كتب اللغة "عَمَد" بمعنى: قصد إلا بكسر عين مضارعه، من باب: ضرب يضرب، فليُتَنَبَّه -والله تعالى أعلم-. البحر المحيط الثجاج (34/ 721).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «إلى جمرة» كذا في صحيح مسلم بالتاء، وضمير مؤنث في «فيجعلها» وفي نسخ المصابيح بغير التاء، والضمير مذكر. الكاشف (9/ 2913).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
إنما جعل الخاتم جمرة؛ لأنه محرَّم اللبس، والحرام يؤول بصاحبه إلى النار، فهو كقوله تعالى: {إِنَّمَاْ يأكُلُوْنَ فِيْ بُطُوْنِهِمْ نَارًا} النساء: 10، وقوله -عليه السلام-: «من شرب في آنية الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم». كشف المشكل (2/ 450).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
«يعمِد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده» يدل على تغليظ التحريم، وأن لباس خاتم الذهب من المنكر الذي يجب تغييره. المفهم (5/ 409).
وقال النووي -رحمه الله-:
«يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده» فيه: تصريحٌ بأن النهي عن خاتم الذهب للتحريم. شرح صحيح مسلم (14/ 65).
وقال ابن علان -رحمه الله- متعقبًا:
قلتُ: قد يؤخذ منه: أنه من الكبائر؛ لشدة الوعيد فيه، وكذلك معيارها على الصحيح. دليل الفالحين (2/ 480).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «يعمد أحدكم» فيه من التأكيد: أنه أخرج الإنكاري مخرج الإخباري، وعمم الخطاب بعد نزْع الخاتم من يده وطرْحه، فدل على غضب عظيم، وتهديد شديد، ومِن ثَم لما قيل لصاحبه: «خذه انتفع به، قال: لا والله». الكاشف (9/ 2913).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«وقال» محذرًا من ذلك، معيِّنًا لعظم إثمه «يعمد أحدكم إلى جمرة من نار» الأَولى حمْل مثله مما ورد في الكتاب أو السنة ولا يحيله العقل على ظاهره، أي: أن هذا الخاتم قطعة نار في الآخرة، أو أنه محمول على المجاز، أي: يؤول بلابسه لعظيم إثمه على أن يجعل النار في محله؛ لأن الجزاء يكون على قدر الذنب وحسبه «فيجعلها في يده» أي: في أصبعه، مجاز مرسل من إطلاق الكل وإرادة الجزء، كقوله تعالى: {يَجْعَلُوْنَ أَصَابِعَهُمْ فِيْ آذَانِهِمْ} البقرة: 19، والمجعول الأنملة لا الأصبع كله؛ ولما كانت زينتها زينة لليد عبَّر به. دليل الفالحين (2/479، 480).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«يعمد أحدكم إلى جمرة من نار، فيجعلها في يده» في الكلام مجاز مرسل من إطلاق المسبب وإرادة السبب، أو استعارة تصريحية، بتشبيه الخاتم بجمرة من النار، بجامع إيذاء كلٍّ. فتح المنعم (8/ 350).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«يعمد أحدكم» بتقدير همزة الاستفهام الإنكاري...، أي: أيقصد أحدكم أيها المسلمون «إلى جمرة» وشعلة «من نار فيجعلها» أي: فيلبس تلك الشعلة «في يده». الكوكب الوهاج (21/ 390).
قوله: «فقيل للرجل بعدما ذهب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: خذ خاتمك؛ اِنْتَفِعْ به»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«فقيل للرجل» أي: لصاحب الخاتم، أي: قال بعض الحاضرين له «بعدما ذهب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: خد خاتمك» المطروح من الأرض. الكوكب الوهاج (21/ 390).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فقيل للرجل بعدما ذهب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: خذ خاتمك انتفع به» أي: ببيعه، أو بإعطائه أحدًا من النساء. مرقاة المفاتيح (7/ 2797).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
«خذ خاتمك انتفع به» يدل على أنهم علموا أن المحرم إنما هو لباسه، لا اتخاذه، ولا الانتفاع به، وهذا لا يختلف فيه في الخاتم، فإن لباسه للنساء جائز، وهذا بخلاف أواني الذهب والفضة، فإن اتخاذها غير جائز؛ لأنه لا يجوز استعمالها لأحد. المفهم (5/ 409).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«فقيل: للرجل بعدما ذهب رسول الله» أي: انصرف من المجلس: «خذ خاتمك» وقوله: «انتفع به» استئناف لبيان علة الأخذ، أي: ببيع، أو هبة، أو جعله لمن يحل له استعماله من امرأة. دليل الفالحين (2/ 480).
قوله: «قال: لا والله، لا آخذه أبدًا؛ وقد طرحه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«قال» الرجل: «لا والله، لا آخذه» "لا" الثانية مؤكدة للأولى «أبدًا» أي: فيما يستقبل من الزمان، وقوله: «وقد طرحه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» جملة حالية من الفاعل. البحر المحيط الثجاج (34/ 722).
وقال النووي -رحمه الله-:
أما قول صاحب هذا الخاتم حين قالوا له: خذه: «لا آخذه؛ وقد طرحه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» فيه المبالغة في امتثال أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، واجتناب نهيه، وعدم الترخص فيه بالتأويلات الضعيفة، ثم إن هذا الرجل إنما ترك الخاتم على سبيل الإباحة لمن أراد أخذه من الفقراء وغيرهم، وحينئذٍ يجوز أخذه لمن شاء، فإذا أخذه جاز تصرفه فيه، ولو كان صاحبه أخذه لم يحرم عليه الأخذ والتصرف فيه بالبيع وغيره، ولكن تورَّع عن أخذه، وأراد الصدقة به على من يحتاج إليه؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم ينهه عن التصرف فيه بكل وجه، وإنما نهاه عن لبسه، وبقي ما سواه من تصرفه على الإباحة. شرح صحيح مسلم (14/65، 66).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قول الرجل: «لا والله، لا آخذه أبدًا» فيكون الرجل قد نوى أن يُدفع لمن يستحقه من المساكين، لا أنه أضاعه، فإنه -صلى الله عليه وسلم- قد نهى عن إضاعة المال. المفهم (5/ 409).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
ربما نسب هذا الرجل بعضُ الجهال إلى التفريط في ترك انتفاعه بالخاتم، وليس كذلك، فإنه لا يخفى: أنَّ المحرَّم لبسه، لا الانتفاع به، غير أنه قد يتعلق الإبعاد بعين الشيء، فخاف الرجل أن يكون هذا من ذاك الجنس، مثل ما تقدم من حديث عمران بن حصين: «أن امرأة لعنت ناقتها، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: خذوا ما عليها، ودعوها، فإنها ملعونة» وكذلك لمَّا ورد أرض ثمود، فعجنوا من بئارها أمرهم بإلقاء العجين، فلمَّا جاز أن يكون للشرع في صورة الأمر سر، كان الأولى التمسك بظاهر اللفظ. كشف المشكل (2/450، 451).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
إنَّما استجاز طرحه من مكان لا يعدم ملتقطًا ينتفع به؛ إذ لو كان رميه إياه في مضيعة، لا يراه آدمي، أو في بحر، لا يمكن استخلاصه، لم يجز؛ لأنَّه مال، وقد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن إضاعة المال. الإفصاح (3/ 232).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «وقد طرحه رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم-» فإنَّ ما طرحه وكرهه لا يكون فيه خير، مع أنَّ في تركه للفقراء كفارة لما مضى من التقصير. لمعات التنقيح (7/ 383).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«فقال: لا والله، لا آخذه أبدًا، وقد طرحه رسول الله»...، وفي مختصر إتحاف المهرة (للعلقمي) عن سالم عن رجل من قومه -من أشجع- قال: دخلتُ على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعليّ خاتم من ذهب، فأخذ جريدة فضرب بها في كفي، فقال: «اطرح هذا» فطرحته، ثم دخلت عليه بعدما ألقيته، فقال لي: «ما فعل الخاتم؟» قلت: طرحته، قال: «لم آمرك أن تطرحه، إنما أمرتك أن تنتفع به، ولا تطرحه» رواه أبو بكر ابن أبي شيبة، وابن حنبل، ا. هـ.
قلتُ: وهو قريب من الحديث المذكور في مسلم. دليل الفالحين (2/ 480).
وقال الشيخ ابن جبرين -رحمه الله-:
«لا والله، لا آخذه؛ وقد ألقاه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» فلا شك أن هذا دليل على المبادرة، وعلى الامتثال، وأن الصحابة إذا أمرهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأمر بادروا به، ولم يراجعوا فيه. شرح عمدة الأحكام (78/ 10).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
هذا كله (أي: تحريم الذهب والحرير) في الرجال دون النساء، ولا خلاف أن لباس الحرير والذهب للنساء حلال. التمهيد (10/ 466).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قد وقع الإجماع بعد من جمهور العلماء على هذا (التحريم) وتخصيصه بالرجال دون النساء؛ لنص النبي في الحديث الآخر في الحرير والذهب: «هذان حلالان لإناث أمتي، حرامان على ذكورها» وما حُكي فيه عن أبي بكر ابن محمد بن عمرو بن حزم في تختمه بالذهب فشذوذ، والأشبه أنه لم تبلغه السنة، والناس بعد على خلافه مجمعون. إكمال المعلم (6/603، 604).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
أجمع المسلمون على تحريم خاتم الذهب على الرجال، وأجمعوا على إباحته للنساء، وكذا لو كان بعضه ذهبًا وبعضه فضة، حتى لو كان سر الخاتم ذهبًا، أو كان مموَّهًا بذهب يسير فهو حرام على الرجال؛ لعموم الحديث الآخر في الذهب والحرير «إن هذين حرام على ذكور أمتي، حل إناثها» وخواتيم الذهب وسائر أنواع الحلي منه، ومن الفضة حل لها سواء المتزوجة والشابة والعجوز والغنية والفقيرة، هذا مذهب جمهور العلماء، وحكى القاضي (عياض) عن قوم إباحته للرجال والنساء، وعن ابن الزبير تحريمه عليهما، ثم انعقد الإجماع على إباحته للنساء، وتحريمه على الرجال. فتح القريب المجيب (9/187، 188).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
أما خاتم الذهب فالمذهبُ تحريمه، قال عبد الله (بن أحمد): سألتُ أبي عن حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- «أنَّه نهى عن لبس الذهب إلا مقطعًا» قال: الشيء اليسير الصغير، قلتُ: فالخاتم؟ قال: روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- «أنَّه نهى عن خاتم الذهب» وهو قول الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأبي حنيفة، وأكثر العلماء.
ورخصت فيه طائفة منهم: إسحاق بن راهويه، وقال: مات خمسة من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- (و) خواتيمهم من ذهب.
قال مصعب بن سعد: رأيتُ على طلحة وسعد وصهيب خواتيم من ذهب، وعن حمزة بن أبي أسيد والزبير بن المنذر بن أبي أسيد أنهما نزعا من يد أبي أسيد خاتمًا من ذهب حين مات، وكان بدريًّا، رواهما البخاري في تاريخه، وذكر في صحيحه، عن علقمة قال: جاء خباب بن الأرت إلى ابن مسعود، وعليه خاتم من ذهب، فقال: ألم يأن لهذا الخاتم أن يُلقى؟ قال: أما إنك لن تراه عليَّ بعد اليوم فألقاه.
وروى حرب الكرماني بإسناده عن سماك قال: رأيتُ على جابر بن سمرة خاتمًا من ذهب.
واحتج من أباحه بما رواه النسائي عن سعيد بن المسيب قال: قال عمر لصهيب: ما لي أرى عليك خاتم الذهب؛ فقال: قد رآه من هو خيرٌ منك، فلم يعيبه، قال: من هو؟ قال: رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وفي مسند الإمام أحمد عن محمد بن مالك، قال: رأيتُ على البراءِ بنِ عازِبٍ خاتَمًا مِن ذهبٍ، فكان الناس يقولون له: لم تختم بالذهب وقد نهى عنه النبي -صلى الله عليه وسلم-؟ فقال البراء: «بينا نحن عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبين يديه غنيمة يقسمها سبي وخُرثي (أثاث البيت وأسقاطه) قال: فقسمها حتى بقي هذا الخاتم، فرفع طرفه فنظر إلى أصحابه، ثم خفض، ثم رفع طرفه، فنظر إليهم، ثم قال: أي براء، فجئته، حتى قعدت بين يديه، فأخذ الخاتم فقبض على كرسوعي، ثم قال: خذ البس ما كساك الله ورسوله، قال: فكان البراء يقول: فكيف تأمروني أن أضع ما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «البس ما كساك الله ورسوله؟!» وروى وكيع بإسناده أن عمر رأى على رجل خاتمًا من حديد فقال: ألا اتخذت خاتمًا من ذهب أو فضة؟
والصحيح: التحريم، فقد ثبت في الصحيحين عن البراء بن عازب قال: «نَهَانَا رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- عن خاتَمِ الذَّهبِ، وعن آنِيَةِ الفضَّةِ» وفيهما عن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- «أنَّه نهى عن خاتم الذهب» وفيهما أيضًا عن ابن عمر «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- اتَّخَذَ خاتَمًا مِن ذهبٍ فَجعلَهُ في يَمِينِهِ، وجَعَلَ فَصُّهُ مما يلي باطنَ كَفِّهِ، فاتَّخَذَ النَّاسُ خواتِيمَ الذَّهَبِ، قال: فَصَعِدَ رسولُ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلَّم- المنبرَ فأَلْقَاهُ، ونَهَى عنِ التَّخَتُّمِ بالذَّهبِ»....
وهذه نصوص خاصة في خاتم الذهب، مع النصوص العامة في ذلك، كما في السنن عن أبي موسى أن النَّبِيَّ -صلَّى اللَّه عليه وسلَّم- قال في الذَّهبِ والفضَّةِ: «هذانَ حرامٌ على ذُكُورِ أُمَّتِي حلٌ لإناثهِمْ» وهذه الأحاديث أصح من أحاديث الرخصة، وأكثر، فيحمل ما ورد في الرخصة إن ثبت على أنَّه كان قبل النهي، ثم نسخ بهذه الأحاديث الصحيحة، وهذا متعين، فإنا نتيقن أنَّ لبس الذهب كان مباحًا حين لبسه -صلى الله عليه وسلم-، ثم حُرِّم بنهيه عنه بعد لبسه، والأصل بقاء التحريم، وعدم تغيره، ويحمل فعل من لبسه من الصحابة على أنَّه لم يبلغهم الناسخ. أحكام الخواتيم (ص: 46-59).
وقال الطحاوي -رحمه الله-:
عن أبي ريحانة قال: «نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن لبوس الخاتم إلا لذي سلطان»...، فتأملناها لنقف على المراد بما فيها -إن شاء الله- فوجدنا الخواتيم لم تكن من لباس العرب، ولا مما يستعملونها، ومما دلنا على ذلك ما قد روي عن أنس بن مالك في ذلك (يقصد: «لما أراد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يكتب إلى الروم، قيل: إنهم لا يقرؤون كتابًا إلا أن يكون مختومًا؛ فاتخذ خاتمًا من فضة»). شرح مشكل الآثار (8/ 366).
وقال ابن الملقن -رحمه الله- متعقبًا:
دعواه أن الخاتم لم يكن من لباسهم عجيب، فهو اسم عربي، وكانت العرب تستعمله، ووقع في ذلك ابن التين أيضًا، وقال: إنه من زي العجم، قال ابن بطال: والنهي ورد من حديث أبي ريحانة، ولا حجة فيه؛ لضعفه. التوضيح (28/ 69).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
لا يجوز للرجل أن يلبس خاتمًا من ذهب، ولا أن يلبس قِلادةٍ من ذهبٍ، ولا أن يلبس ثيابًا فيها أزرّةٌ من ذهب، ولا غير ذلك، يجب أن يتجنب الذهب كله؛ وذلك أن الذهب إنما يلبسه من يحتاج إلى الزينة والتجمل، كالمرأة تتجمل لزوجها حتى يرغب فيها، قال الله -عز وجل-: }أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ{ الزخرف: 18، يعني: النساء...، وأما لباس الفضة فلا بأس به، فيجوز أن يلبس الرجل خاتمًا من فضة...، وليس التختم من الأمور المستحبة؛ بل هو من الأمور التي إذا دعت الحاجة إليها فُعِلت، وإلا فلا تفعل، بدليل أن الرسول -عليه الصلاة والسلام- كان لا يلبس الخاتم، لكنه لما قيل له: إن الملوك والرؤساء لا يقبلون الكتاب إلا بختم، اتخذ خاتمًا نَقَشَ في فصِّه: "محمد رسول الله " حتى إذا انتهى من الكتاب ختمه بهذا الخاتم.. شرح رياض الصالحين (2/ 445).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث من الفقه: تحريم خاتم الذهب.
وفيه: دليل على أن من رأى منكرًا في يد شخص جاز له نزع المنكر من يده. الإفصاح (3/ 232).
وقال النووي -رحمه الله-:
فيه: إزالة المنكر باليد لمن قدر عليه (ويقيد ذلك أيضًا بأمن الفتنة أو حصول منكر أكبر). شرح صحيح مسلم (14/ 65).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
وفي هذا الحديث: دليلٌ على استعمال الشدة في تغيير المنكر إذا دعت الحاجة إلى ذلك...
وفيه أيضًا: دليلٌ على جواز إتلاف ما يكون به المنكر؛ لأن الرسول -عليه الصلاة والسلام- طرحه لما نزعه من يده، ولم يقل له: خذه وأعطه أهلك مثلاً...
وفي هذا الحديث: دليلٌ على أن لبس الذهب موجب للعذاب بالنار -والعياذ بالله- ...، وهو عذاب جزئي، أي: على بعض البدن، على الجزء الذي حصلت به المخالفة، ونظيره قوله -صلى الله عليه وسلم- فيمن جرّ ثوبه أسفل الكعبين، قال: «ما أسفل من الكعبين ففي النار»...
ومن فوائد هذا الحديث أيضًا: بيان كمال صدق الصحابة -رضي الله عنهم- في إيمانهم، فإن هذا الرجل لما قيل له: خذ خاتمك؛ انتفع به، قال: «لا آخذ خاتمًا طرحه النبي -عليه الصلاة والسلام-»...
ومن فوائد هذا الحديث أيضًا: أن الإنسان يستعمل الحكمة في تغيير المنكر، فهذا الرجل استعمل معه النبي -صلى الله عليه الصلاة والسلام- شيئًا من الشدة، لكن الأعرابي الذي بال في المسجد لم يستعمل معه النبي -عليه الصلاة والسلام- الشدة؛ ولعل ذلك لأن هذا الذي لبس خاتم الذهب علم النبي -عليه الصلاة والسلام- أنه كان عالمًا بالحكم، ولكنه متساهل، بخلاف الأعرابي، فإنه كان جاهلًا. شرح رياض الصالحين (2/445، 449).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
في هذا الحديث: وعيد يدل على أن لبس الذهب للرجال من الكبائر؛ لأنه تُوعِّد عليه بالنار، والتوعُّد بالنار يدل على أنه من الكبائر.
ودل الحديث على أنه لا بأس باتخاذ الخاتم، وظاهر النصوص أنه جائز، وقال بعضهم: لا يتخذه إلا سلطان، أو من يحتاج إلى الخاتم...، والاختيار أنه مباح، وإن كان البعض يخشى أن يكون التختم سببًا في الفتنة، خاصة إذا كان المتختم صغيرًا يستخدمه للتزين والتجمل، فإن كان لبسه للخاتم يؤدي إلى فتنة فلا، والأولى أن يكون الخاتم من فضة. توفيق الرب المنعم (6/ 181).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
فيه: حرمة خاتم الذهب على الرجال، وطريق الحسبة بالفعل: نزعه، وإلقاؤه بين يدي صاحبه، وعلى قياسه نزع الحرير والديباج من الرجال، وطرحه عند صاحبه، قاله الغزالي وغيره. الأزهار، مخطوط، لوح (390).
وللمزيد من الفائدة يُنظر:
* تحريم الذهب والحرير على الرجال.
* النهي عن التَّخَتُّم بالذهب.