السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصوم من ‌غُرَّة ‌كُلِّ ‌شهر ثلاثة أيام، وقلَّما كان يفطر يوم الجمُعة».


رواه أحمد برقم: (3860)، والترمذي برقم: (742)، والنسائي برقم: (2368)، وأبو داود برقم: (2450)، وابن خزيمة برقم: (2129)، وابن حبان برقم: (3645)، من حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (4972)، التعليقات الحسان برقم: (3637).


غريب الحديث


«غُرَّةِ»:
قال الفراهيدي -رحمه الله-:
غُرَّةُ كل شيء أَوَّلُهُ. العين (4/ 346).


شرح الحديث


قوله: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصوم من ‌غُرَّةِ ‌كل ‌شهرٍ ثلاثةَ أيامٍ»:
قال ابن الأثير -رحمه الله-:
«غرة ‌كل ‌شهر»: أوله، ويقال للثلاثة أيام من أول الشهر: غُرَرٌ. جامع الأصول (6/ 342).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصوم -يعني: من غرة-» بضم الغين المعجمة «كل شهر» قال أهل اللغة: كل ثلاث من الشهر يسمى اسمًا، فالأول: يسمى غُرر، وغُرَّة الشيء: أوله، والثانية: نُفَل بضم النون وفتح الفاء لزيادتها على العدد، والنُّفَل: الزيادة، والثالثة: تسع؛ لأن آخرها التاسع، والرابع: عشر؛ لأن أولها العاشر، والخامس: بيض، كما تقدم «ثلاثة أيام»؛ لكن الظاهر أن المراد هنا بالغرر: الأيام البيض؛ لذكرها عقب حديث أيام البيض، ولما روى النسائي «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لأعرابي: «كل» قال: إني صائم، قال: «صوم ماذا؟» قال: صوم ثلاثة أيام من كل شهر، قال: «إن كنتَ صائمًا فعليك بالغُرِّ البيض: ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة». شرح سنن أبي داود (10/ 582-583).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
«غرر الشهر» أوائله، ولعل الغالب فيما اطلع عليه الراوي من أحواله -عليه السلام-: أنه كان يصومها؛ إذ صح: أن عائشة سُئلت: «أكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصوم من كل شهر ثلاثة أيام؟ قالت: نعم، فقيل: من أي أيام الشهر؟ قالت: لم يكن يبالي من أي أيام الشهر يصوم». تحفة الأبرار (1/ 507).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
ذُكِرَ أن بعضهم لم يرفعه، يعني: وقفه على ابن مسعود، وظاهر هذا: أنه كان يوالي بين الأيام الثلاثة من أول كل شهر. لطائف المعارف (ص: 257).
وقال الجلال السيوطي -رحمه الله-:
قال العراقي: يحتمل أن يراد بغرة الشهر: أوله، وأن يراد: الأيام الغر، وهي البيض. قوت المغتذي (1/ 268-269).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«من ‌غرة ‌كل ‌شهر» أي: من أوله «ثلاثة أيام» رواه أيضًا أصحاب السنن، وصححه ابن خزيمة، وإنما كان يفعل ذلك ليفتتح الشهر بما يحصل عليه؛ إذ الحسنة بعشر أمثالها، ومن ثمة: ورد عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «صوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر كله» وروى مسلم: «ثلاثة أيام من كل شهر، ورمضان إلى رمضان فصيام الدهر كله». أشرف الوسائل (ص: 429).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يصوم من ‌غرة ‌كل ‌شهر» بضم غين معجمة، وتشديد راء، أي: أوله، والمراد هنا: أوائله؛ لقوله: «ثلاثة أيام»، وهكذا رواه أيضًا أصحاب السنن، وصححه ابن خزيمة...، ثم استقبال كل شهر بصيام ثلاثة أيام لحصول البركة، ووصول النعمة؛ ولتقوم الثلاثة مقام الشهر باعتبار المضاعفة، كما قال تعالى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} الأنعام: 160، وكما ورد صوم ثلاثة أيام من كل شهر صوم الدهر، ولا شك أنَّ المسارعة إلى الخيرات، والمبادرة إلى الطاعات من جملة المستحسنات، فإن في التأخير آفات، فلا ينافي حديث عائشة: «كان لا يبالي من أَيِّهِ صام»، ولا يحتاج إلى ما أجاب عنه ميرك بقوله: يحتمل أن ابن مسعود وجد الأمر على ذلك بحسب ما اطلع عليه من حاله -صلى الله عليه وسلم-، وعائشة اطلعت على ما لم يطلع عليه ابن مسعود، مع أن الأوجَهَ في الجمع أن يقال: تارة كان يصوم ثلاثة أيام من أول الشهر، وأخرى من وسطه، وأخرى من آخره، أو يخالف في كل شهر بين أيام الأسبوع؛ ليحصل له بركة الأيام، وللأيام جميعًا بركته -عليه السلام-، كما يدل عليه ما روى أبو داود والنسائي من حديث حفصة «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصوم من كل شهر ثلاثة أيام السبت والأحد، والاثنين من جمعة، والثلاثاء والأربعاء والخميس من الجمعة الأخرى».
مع أنه قد يقال: المراد بغرة كل شهر: ظهوره وطلوعه، ولا دلالة فيه على كون صيامه في أوله وآخره، ويؤيده ما في القاموس من أن الغرة من الهلال: طلعته، وقال البيهقي: كل من رآه فعل نوعًا، ذَكَرَهُ، وعائشة رأت جميع ذلك، وأطلقت بأنه: «لم يكن يبالي من أي أيام الشهر صام». جمع الوسائل (2/ 99-101).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
وكان للسلف في ذلك أقوال واختيارات، اختار كل منهم ما ثبت عنده بخبر أو أثر يقتضي أولويته ورجحانه، ومجموع ذلك عشرة أقوال:
أحدها: عدم التعيين، وكره التعيين.
وثانيها: الثلاثة الأول من الشهر، قاله الحسن البصري والنخعي وجماعة، ورجحوه بأنه الأحوط، فإنه لا يدري أن يدرك بعدها أو لا، وفي التأخير آفات.
وثالثها: من الثاني عشر إلى الرابع عشر.
ورابعها: من الثالث عشر إلى الخامس عشر، وهو قول الأكثرين، والراجح من الأقوال؛ لوقوعه في أكثر الأحاديث: «وخير الأمور أوساطها»، ولأن الزمان له فيها نور خاصٌّ وحالة مخصوصة، ولأن خسوف القمر يكون فيها، ونحن أمرنا بمزيد العبادة، وفعل الخيرات في الخسوف.
وخامسها: آخر ثلاث من الشهر، حكاه الأسنوي عن الماوردي أنه يستحب صيام أيام السود في مقابلة أيام البيض.
وسادسها: أولها أول سبت من أول الشهر، ثم من أول الثلاثاء من الشهر الذي يليه، وهكذا، وهو مروي عن عائشة -رضي اللَّه عنها-.
وسابعها: أول الشهر والعاشر والعشرون، وهو مروي عن أبي الدرداء، وقالوا: كان صوم الإمام مالك هكذا.
وثامنها: أول كل عشر، فيكون أول الشهر، والحادي عشر، والحادي والعشرين، وهو منقول عن ابن شعبان المالكي.
وتاسعها: من أول اثنين في الشهر، ومن أول خميس في الشهر الآخر.
وعاشرها: عكس ذلك؛ لأنه قد ثبت الصوم في الاثنين والخميس منه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فالابتداء منه أفضل، وبالجملة: صوم ثلاثة أيام من الشهر سنة، فمن صام أيَّ أيام الشهر كان أدرك هذه الفضيلة -واللَّه الموفق-. لمعات التنقيح (4/ 479-480).
وقال المغربي -رحمه الله-:
قد وردت أحاديث في صوم ثلاثة أيام من كل شهر مطلقة ومعينة، فمنها: ما رواه ابن مسعود: «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يصوم ثلاثة أيام من غُرَّة كل شهر» أخرجه أصحاب السنن، وصححه ابن خزيمة.
وأخرج مسلم من حديث عائشة قالت: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصوم من كل شهر ثلاثة أيام؛ ما يبالي من أيِّ الشهر صام» وأخرج أبو داود والنسائي من حديث حفصة: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصوم من كل شهر ثلاثة أيام: الاثنين والخميس والاثنين من الجمعة الأخرى».
وهذه الأحاديث لا معارضة بينها، فإن وقوعَ ذلك جميعه ممكن مندوب إليه، وكلٌّ حكى ما اطَّلع عليه، ولكن ما أمر به، وحثَّ عليه، ووصى به أولى، وأما هو فلعله كان يعرض له ما يشغله عن مراعاة ذلك، أو كان يفعل ذلك لبيان الجَوَاز، وكل ذلك في حَقِّه أفضل، ويترجَّح البيض بكونها وسط الشهر، ووسط الشيء أعدله؛ ولأَن الكسوفَ غالبًا يقع فيها، وقد ورد الأمر بمزيد العبادة في الكسوف، فإذا اتفق الكسوف صادف الذي يعتاد صيام البيض صائمًا، فيتهيَّأ له أن يجمع بين العبادات من الصلاة والصيام والصدقة بخلاف من لم يصمها. البدر التمام (5/ 109-110).

قوله: «وقلَّما كان يفطِرُ يوم الجمُعةِ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وقلما كان يفطر» قيل: "ما": كافة، وقيل: صلة لتأكيد معنى القِلَّة، وقيل: مصدرية، أي: قلَّ كونه مفطرًا «يوم الجمعة» وهو دليل لأبي حنيفة ومالك؛ حيث ذهبا إلى أن صوم يوم الجمعة وحده حسن. جمع الوسائل (2/ 99).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «وقلَّما كان يفطر يوم الجمعة» مطلق يشمل انفراده وجمعه مع يوم قبله أو بعده إلا أن يُقَيَّد بقرينة الأحاديث الأُخَر. لمعات التنقيح (4/ 487).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
قوله: «وقلما كان يفطر يوم الجمعة» لا يخالف قوله -عليه السلام- فيما روى أبو هريرة أنه قال: «لا يصوم أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم قبله أو بعده» إذ ليس فيه ما يدل على أنه كان يختص بصوم يوم الجمعة، فلعله كان يصومه باليوم الذي يليه، ويحتمل أن يكون المراد منه: أنه كان يمسك قبل الصلاة ولا يتغدى إلا بعد أداء الجمعة، كما روي عن سهل بن سعد الساعدي. تحفة الأبرار(1/ 507).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- متعقبًا:
وقيل: يحتمل أن يكون المراد منه: أنه كان -صلى الله عليه وسلم- يمسك قبل الصلاة، ولا يتغدى إلا بعد أداء الجمعة، كما روي عن سهل بن سعد الساعدي، انتهى؛ وبُعْدُهُ لا يخفى. جمع الوسائل (2/ 99-101).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «وقلما كان يفطر يوم الجمعة» تأويل هذا: أنه يصوم مع يوم الجمعة يومًا قبله أو يومًا بعده، حتى لا يكون التناقض بين هذا وبين نهيه عن صوم يوم الجمعة، أو نقول: هذا مختص برسول الله -عليه السلام-، كما كان الوصال مختصًا به. المفاتيح (3/ 45).
وقال الترمذي -رحمه الله-:
قد استحب قوم من أهل العلم صيام يوم الجمعة، وإنما يكره أن يصوم يوم الجمعة لا يصوم قبله ولا بعده. سنن الترمذي (2/ 110).
وقال البغوي -رحمه الله-:
العمل على هذا عند أهل العلم، كرهوا تخصيص يوم الجمعة بالصوم، إلا أن يصوم قبله أو بعده معه، ولم يكرهه مالك، وقال: رأيتُ بعض أهل العلم يصومه ويتحرَّاه. شرح السنة (6/ 360).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
استدلَّ الحنفيَّةُ –على جواز إفرادِ يومِ الجمعةِ بالصيام– بحديثِ ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه: «كانَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يصومُ من كلِّ شهرٍ ثلاثةَ أيامٍ، وقلَّما كانَ يُفطِرُ يومَ الجمعةِ»، حسَّنه الترمذيّ، وليس فيه حُجَّةٌ؛ لأنَّهُ يحتملُ أنَّهُ يريدُ: كانَ لا يتعمَّدُ فطرَهُ إذا وقعَ في الأيَّامِ التي كانَ يصومُها، ولا يُضادُّ ذلك كراهةَ إفرادهِ بالصومِ، جمعًا بين الحديثين. فتح الباري (4/ 234).
وقال النووي -رحمه الله-:
قال أصحابنا (الشافعية): يكره إفراد يوم الجمعة بالصوم، فإن وصله بصوم قبله أو بعده، أو وافق عادة له بأن نذر صوم يومِ شفاءِ مريضه، أو قدوم زيد أبدًا فوافق الجمعة لم يُكْرَهْ؛ لحديث أبي هريرة وغيره.
هذا الذي ذكرته من كراهة إفراد يوم الجمعة بالصوم هو الصحيح المشهور، وبه قطع المصنف (الشيرازي) والجمهور...، فرع: في مذاهب العلماء في إفراد يوم الجمعة بالصوم:
قد ذكرنا أن المشهور من مذهبنا: كراهته، وبه قال أبو هريرة والزهري وأبو يوسف وأحمد وإسحاق وابن المنذر.
وقال مالك وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن: لا يكره، قال مالك في الموطأ: لم أسمع أحدًا من أهل العلم والفقه ومن يقتدى به ينهى عن صيام يوم الجمعة...، قال: وقد رأيتُ بعض أهل العلم يصومه، وأراه كان يتحرَّاه، فهذا كلام مالك، وقد يحتج لهم بحديث ابن مسعود السابق.
ودليلنا عليهم: الأحاديث الصحيحة السابقة في النهي، وسبق الجواب عن حديث ابن مسعود: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يصوم الخميس والجمعة فلا يفرده.
وأما قول مالك في الموطأ: إنه ما رأى من ينهى، فيعارضه أن غيره رأى، فالسُّنة مقدمة على ما رآه هو وغيره، وقد ثبتت الأحاديث بالنهي عن إفراده، فيتعين العمل بها؛ لعدم المعارض لها، ومالك معذور فيها، فإنها لم تبلغه، قال الداودي من أصحاب مالك: لم يبلغ مالكًا حديث النهي، ولو بلغه لم يخالفه. المجموع (6/ 436-439).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
«وقلما كان يفطر يوم الجمعة» لا ينافي كراهة صومه؛ لنهيه بقوله في الحديث المتفق عليه: «لا يصوم أحدكم يوم الجمعة، إلا أن يصوم قبله أو يصوم بعده» لاحتمال أنه كان يصومه مضمومًا إلى الخميس والسبت، وعند ضمه إلى غيره لا كراهة، وإنما المكروه: إفراده؛ كما دل عليه الحديث...، وكذا لا يكره إن وافق نذرًا؛ كأن نذر صوم يوم قدوم زيد فوافقه.
وأما دعوى: أن صوم يوم الجمعة بلا كراهة من خصائصه -صلى الله عليه وسلم-، يحتاج إلى دليل، ومجرد صومه مع نهيه لا يدل على الخصوصية، إلا لو ثبت أنه كان يفرده، ويداوم إفراده. أشرف الوسائل (ص: 429-430).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله- أيضًا:
لم يبلغ مالكًا النهي عن صومه فاستحسنه وأطال في موطئه، وهو وإن كان معذورًا لكن السنة مقدمة على ما رواه هو وغيره. أشرف الوسائل (ص:430).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- متعقبًا:
قلتُ: عدم بلوغ الحديث مالكًا، وسائر الأئمة بعيد جدًّا، والأظهر: أنه حمل النهي على التنزيه دون التحريم، وهو لا ينافي استحسانه الأصل في العبادات، أو اطلع على تاريخ دلَّ على نسخه، أو لَمَّا تعارض حديث الفعل والنهي وتساقطا بقي أصل الصوم على استحسانه. جمع الوسائل (2/ 99).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
احتمل (صومه -صلى الله عليه وسلم- يوم الجمعة منفردًا) أنه لبيان الجواز. أشرف الوسائل (ص:430).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- متعقبًا:
قد أغرب ابن حجر بقوله: وصومه -صلى الله عليه وسلم- يوم الجمعة وحده لبيان الجواز، وهو مدفوع بقوله: «قلَّما كان يفطر»، ويكفي لبيان الجواز صومه في بعض الأوقات. جمع الوسائل (2/101).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
وقيل: النهي (عن صيام الجمعة) مختصٌّ بمن يخشى عليه الضعف لا بمن يتحقق منه القوة، كما ذكروا في صوم يوم عرفة بعرفة، وفي النهي عن الصوم في السفر، فإنه مقيد بمن يضره، وإلا فصومه أحب، ويؤيده ما رواه ابن أبي شيبة بإسناد حسن عن علي -رضي الله عنه-: «من كان مُتَطَوِّعًا من الشهر، فليصم يوم الخميس، ولا يصم يوم الجمعة، فإنه يوم طعام وشراب وذكر»؛ فكأنه -رضي الله عنه- نبَّه على أنه ينبغي أن يأكل فيه، ويتقوى به على ذكر الله تعالى، فإن سائر الطاعات فيه أفضل من الصوم فيه إذا كان يعجزه عن وظائف الأذكار. جمع الوسائل (2/100).
وقال النووي -رحمه الله-:
قال الأصحاب (الشافعية) وغيرهم: الحكمة في كراهة إفراد يوم الجمعة بالصوم: أن الدعاء فيه مستحب، وهو أرجى؛ فهو يوم دعاء وذكر وعبادة؛ من الغسل والتبكير إلى الصلاة وانتظارها واستماع الخطبة، وإكثار الذكر بعدها؛ لقوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا} الجمعة: 10، ويستحب فيه أيضًا: الإكثار من الصلاة على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وغير ذلك من العبادات في يومها، فاستحب له الفطر فيه؛ ليكون أَعْوَنَ على هذه الطاعات وأدائها بنشاط وانشراح والْتِذَاذٍ بها من غير ملل ولا سآمة، وهو نظير الحاجِّ بعرفات، فإن الأولى له الفطر كما سبق؛ لهذه الحكمة.
فإن قيل: لو كان كذلك لم تَزُلِ الكراهة بصيام قبله أو بعده؛ لبقاء المعنى الذي نُهي بسببه.
فالجواب: أنه يحصل له بفضيلة الصوم الذي قبله أو بعده ما يجبر ما قد يحصل من فتور أو تقصير في وظائف يوم الجمعة بسبب صومه، فهذا هو المعتمد في كراهة إفراد يوم الجمعة بالصوم. المجموع (6/ 438).
وقال النووي -رحمه الله- أيضًا:
وقيل: سببه خوف المبالغة في تعظيمه، بحيث يُفْتَتَنُ به، كما افتتن قوم بالسبت، وهذا باطل منتقض بصلاة الجمعة، وسائر ما شرع في يوم الجمعة مما ليس في غيره من التعظيم والشعائر. المجموع (6/ 438).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- متعقبًا:
قيل: سبب النهي خوف المبالغة في تعظيمه، بحيث يفتتن به كما أفتتن قوم بالسبت، وهذا دليل واضح، وتعليل لائح.
وأما قول النووي: هذا ضعيف منتقض بصلاة الجمعة، وغيرها مما هو مشهور من وظائف اليوم، فمدفوع بأن عموم الصوم الشامل للرجال والنساء وسكان البادية والقرى والأمصار من العبيد والأحرار، ليس كصلاة الجمعة المختصة بشروط في وجوبها، وصحة أدائها، مع أنها قائمة مقام صلاة الظهر المؤدَّاة في سائر الأيام، فالفرق ظاهر، والفصل باهر. جمع الوسائل (2/100).
وقال النووي -رحمه الله-:
وقيل: سببه لئلا يعتقد وجوبه، وهذا باطل، ومنتقض بيوم الاثنين؛ فإنه يندب صومه ولا يلتفت إلى هذا الخيال البعيد، وبيوم عرفة وعاشوراء وغير ذلك، فالصواب ما قدمناه -والله أعلم-. المجموع (6/ 438).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
السبب في النهي عن إفراد الجمعة بالصوم، لعله مخالفة اليهود والنصارى في إفراد السبت والأحد، أو أن لا يخص بالتعظيم والعبادة، ويعطل سائر الأيام، ويشهد له ما روى أبو هريرة أنه -عليه السلام- قال: «لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تختصُّوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام، إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم». تحفة الأبرار (1/ 507-508).
وقال العيني -رحمه الله-:
كذا سائر الأيام إذا أراد أن يصوم فيها لا ينبغي أن يقصد يومًا بعينه؛ لما فيه من التشبيه لأهل الكتاب؛ لأن من عادتهم الصوم في يوم بعينه قصدًا، ولا سيما كانوا يفعلون ذلك في يوم عاشوراء، وكذلك صوم يوم الجمعة بقصد بعينه؛ لما فيه من التشبيه لهم أيضًا، اللهم إلا إذا صام يومًا قبله أو يومًا بعده، ولكن يستثنى من هذا الحكم شهر رمضان؛ لأن الله تعالى فرض صومه علينا بعينه إلا فيمن كان معذورًا بمرض أو سفر، فقصد تعيينه لا يؤثر شيئًا في الكراهة؛ لأنه بتعيين الشارع؛ وذلك لا يوصف بالكراهة، بخلاف غيره من الشهور والأيام؛ حيث يؤثر التعين فيه قصدًا في الكراهة؛ لما ذكرنا. نخب الأفكار (8/ 424).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
وسبب الكراهة أمور؛ أصحها: أنه يوم عيد يتعلق به وظائف كثيرة دينية، والصوم يضعفه عنها، ومن ثمة كره صوم عرفة للحاج؛ لأنه يضعفه عن تلك الوظائف الدينية التي هي فيه بخلاف ما إذا ضُمَّ إلى غيره، فإنَّ بِصِلَةِ صوم ما قبله أو ما بعده يجبر ما فات بسبب ذلك الضعف، لكن على هذا يصح أن يقال: أفضلية صوم يوم الجمعة يجبر ما فات من الوظائف. أشرف الوسائل (ص: 429).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله- متعقبًا:
وقال بعضهم: سبب النهي عن إفراده بالصوم: لكونه يوم عيد والعيد لا يصام، وقياسًا على أيام منى، حيث ورد أنها أيام أكل وشرب وذكر، لكن يرد عليه ما ورد عن أم سلمة على ما رواه أبو داود والنسائي، وصححه ابن حبان: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يصوم من الأيام: السبت والأحد، وكان يقول: «إنهما يوم عيد المشركين، فأحب أن أخالفهم»،
واستُشْكِل ذلك بقوله: «إلا أن يصام مع غيره»، وأجاب ابن الجوزي وغيره بأن شبَهَهُ بالعيد لا يستلزم استواءه معه من كل جهة، فمن صام معه غيره انتفت عنه صورة التَّحرِّي بالصوم.
قال: وهذا أقوى الأقوال وأولاها بالصواب، ويؤيده: ما رواه الحاكم عن أبي هريرة مرفوعًا: «يوم الجمعة يوم عيد، فلا تجعلوا يوم عيدكم يوم صومكم إلا أن تصوموا قبله أو بعده» انتهى. جمع الوسائل (2/100).

وللمزيد من الفائدة يُنظر:

صيام ثلاثة أيام يعدل صيام الدهر.

النهي عن تخصيص يوم الجمعة بصيام أو ليلتها بقيام


إبلاغ عن خطأ