السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

أنَّ العاصَ بنَ وائلٍ أوصى أنْ يُعتَقَ عنه مائةُ رقبةٍ، فأعتقَ ابنُهُ هشامٌ خمسين رقبةً، فأرادَ ابنُهُ عمرٌو أنْ يُعتِقَ عنه الخمسين الباقيةَ، فقال: حتى أسألَ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فأتى النبيَّ -صلى الله عليه وسلم-، فقال: يا رسولَ اللهِ، إنَّ أبي أوصَى بعَتقِ مائةِ رقبةٍ، وإنَّ هشامًا أعتقَ عنهُ خمسينَ، وبقيَتْ عليهِ خمسونَ رقبةً، أَفأُعتِقُ عنهُ؟ فقال رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّهُ لو كانَ ‌مُسلِمًا ‌فأَعتَقتُم ‌عنهُ، أو تصدَّقتُم عنهُ، أو حَجَجتُم عنهُ بَلَغَهُ ذلكَ».


رواه أحمد برقم: (6704)، وأبو داود برقم: (2883) واللفظ له، من حديث ابن عمرو -رضي الله عنهما-.
صحيح الجامع برقم: (5291)، صحيح سنن أبي داود برقم: (2567).


غريب الحديث


«رقبةً»:
الرَّقَبة: عبارة عن نفس المملوك. شمس العلوم، للحميري (4/ 2590).
قال المطرزي -رحمه الله-:
استعمال الرقبة في معنى المملوك من تسمية الكل باسم البعض. المغرب (ص: 195).


شرح الحديث


قوله: «أنَّ العاصَ بنَ وائلٍ أوصى أن يُعتَقَ عنه مائةُ رقبةٍ»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«أنَّ العاص» يكتب بالياء وحذفها كما هنا، «بن وائل» بن هاشم بن سعيد بن سهم السهمي القرشي، «أوصى بأنْ يُعتق عنه مائة رقبة» بعد موته، ومات قبل الإسلام. شرح سنن أبي داود (12/ 403- 404).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«أنَّ العاص بن وائل» يعني: أباه، وهو سهمي قرشي، أدرك زمن الإسلام، ولم يُسلم «أوصى بأنْ يُعتَق عنه مائةُ رقبةً» بصيغة المجهول، أي: يعتق ورَثَتُه عن قِبَله ومن أجله بعد موته مائة عبد أو جارية. مرقاة المفاتيح (5/ 2040).

قوله: «فأعتقَ ابنُهُ هِشَامٌ خمسينَ رقبةً»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فأعتق ابنه هشام» أخو عمرو بن العاص، وكان هشام قديم الإسلام بمكة، وهاجر إلى أرض الحبشة، وكان فاضلًا خيِّرًا، أصغر سنًّا وأفضل من أخيه عمرو بن العاص، «خمسين رقبة» وبقي عليه خمسون رقبة. شرح سنن أبي داود (12/ 404).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فأعتق ابنه هشام» كان قديم الإسلام، أسلم بمكة، وهاجر إلى الحبشة، ثم قدم مكة حين بلغه مهاجرة النبي -صلى الله عليه وسلم-، فحبَسه أبوه وقومه بمكة، حتى قدم على النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد الخندق، كان خيِّرًا فاضلًا، روى عنه عبد الله ابن أخيه، وقُتل باليرموك سنة ثلاث عشرة. مرقاة المفاتيح (5/ 2040).

قوله: «فأرادَ ابنُهُ عمرٌو أنْ يُعتِقَ عنه الخمسين الباقيةَ، فقال: حتى أسألَ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فأراد ابنه» الآخر «عمرو» بن العاص، أخو هشام «أن يُعتِق» بضم أوله، وكسر ثالثه «عنه الخمسين الباقية» من المائة «فقال»: لا أفعل «حتى أسأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-». شرح سنن أبي داود (12/ 404).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
المعنى: أنه قصد أنْ يعتق عنه، أي: عن أبيه «الخمسين الباقية، قال» أي: في نفسه أو لأخيه أو لأصحابه: «حتى» أي: لا أعتق حتى «أسأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-» أي: من أنه هل يجوز فأعْتِق عنه أم لا؟ مرقاة المفاتيح (5/ 2040).

قوله: «فأتى النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسولَ اللهِ، إنَّ أبي أوصَى بعَتقِ مائةِ رقبةٍ، وإنَّ هشامًا أعتقَ عنهُ خمسينَ، وبقيَتْ عليهِ خمسونَ رقبةً، أفأُعتِقُ عنهُ؟»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فقال: يا رسول الله، إن أبي أوصى» عند موته «بعتق مائة رقبة، وإن» أخي «هشامًا أعتق» بعد موته «خمسين» رقبة، «و» قد «بقيت عليه خمسون رقبة أفأُعتِق» بضم الهمزة، وكسر التاء «عنه» الثانية؟ شرح سنن أبي داود (12/ 404).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«فأتى النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: يا رسول الله، إن أبي أوصى أن يعتق عن مائة رقبة، وإن هشامًا أعتق عنه خمسين» أي: رقبة كما في نسخة، «وبقيت عليه» أي: على وصيته «خمسون رقبة، أفأُعْتِق عنه» أي: أَتُجِيْزُه فأُعْتِق؟ مرقاة المفاتيح (5/ 2040).
وقال النووي -رحمه الله-:
تصحُّ ‌وصية ‌الكافر بما يُتمَوَّل أو يُقْتَنى، ولا تصح بخمر ولا خنزير، سواء أوصى لمسلم أو ذمي، ولا بمعصيةٍ كعمارة كنيسة، أو بنائها، أو كُتب التوراة والإنجيل أو قراءتهما، وما أشبههما. روضة الطالبين (6/ 98).
وقال العراقي -رحمه الله-:
ووصية الكافر جائزة كما هو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم، وحكاه ابن المنذر عن إجماع أهل العلم الذين يُحفظ عنهم، والمعتبر فيمن تصح وصيته العقل والحرِّية، فلا تصح وصية مجنون وعبد. طرح التثريب (6/ 192).

قوله: «فقال رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّهُ لو كانَ ‌مُسلِمًا، ‌فأَعتَقتُم ‌عنهُ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إنه» يعني: لا، فاكتفى بالدليل على المدلول، أي: بدليل ‌إنه «لو ‌كان ‌مسلمًا فأُعْتِقَ عنه» أي: أيها الورثة أو أيها المؤمنون، فالعدول عن المفرد إلى الجمع لإفادة العموم...، أي: وحيث لم يُسْلِمْ لم يبلغه ثوابه؛ لفقد الشرط وهو الإسلام، لكن الإعتاق يرجع ثوابه إلى من أُعتق عنه وهو مُسلم، وهذه النكتة باعثة على أنه لم يقل: لا، في الجواب، والله تعالى أعلم بالصواب. مرقاة المفاتيح (5/ 2040).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«لو كان ‌مسلمًا ‌فأعتقتم ‌عنه...» أي: لو كان الميت مُسلمًا ففعلتم له ذلك، وصل إليه ثوابه ونفعه، وأما الكافر فلا. التيسير (2/ 311).
وقال الماوردي -رحمه الله-:
فأما العتق عن الميت فعلى ضربين:
أحدهما: أنْ يكون عن وصية منه، فيصح، سواء كان تطوعًا أو واجبًا؛ لأن وصيته به تقوم مقام مباشرته له، ولو باشر عتق التطوع صح، فكذلك إذا أوصى به يجب أن يصح.
والضرب الثاني: أنْ يكون عن غير وصية فعلى ضربين:
أحدهما: أن يكون العتق تطوعًا، فلا يصح عنه بغير وصية، سواء كان العتق من وارث أو غير وارث، ووقع العتق عن المالك المعتِق دون الميت المعتَق عنه.
والضرب الثاني: أن يكون العتق واجبًا فعلى ضربين:
أحدهما: أن يجب وجوبًا لا تخيير فيه، كالعتق في كفارة القتل والظهار، فيصح عن الميت بوصية من رأس ماله، وبغير وصيته من أصل تركته، ويجوز أن يتطوع به عنه وارث، أو غير وارث بأمره وبغير أمره؛ ولأنه من لوازم الأموال، فأَشْبَه قضاء الدَّين، ويكون الولاء فيه للميت المعتَق عنه، ينتقل بعد موته إلى الأقرب من عصبته.
والضرب الثاني: أن يكون في العتق الواجب تخيير، مثل كفارة اليمين التي هو مخيَّر فيها بين العتق والإطعام والكسوة، فهذا على ضربين:
أحدهما: أنْ يكون من مال الميت، فيُنظر فيه، فإن كان أقل الثلاثة قيمة صح، وإن كان أكثرها قيمة لم يصح؛ لأنه بنقصانه واجبًا، وزيادته تطوعًا.
والضرب الثاني: أن يكون من مال المعتِق ففي جوازه عنه وجهان:
أحدهما: لا يجزئ عنه ويكون واقعًا عن المعتِق دون الميت، كما لا يجوز أن يعتق عنه من ماله.
والوجه الثاني: يجزئ عن الميت، ويكون له الولاء، وينتقل عنه إلى أقرب عصبته؛ لأنه عتقٌ واجب، وإن وقع فيه تخيير لسقوط الواجب به، فأشبه ما لا تخيير فيه. الحاوي الكبير (10/ 483- 484).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
فأما ‌العتق ‌عن ‌الميت فلا أعلم فيه خبرًا يثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقد ثبت عن عائشة أم المؤمنين أنها أَعْتَقَت عبدًا عن أخيها عبد الرحمن، وكان مات ولم يوصِ، وأجاز ذلك الشافعي، وقال بعض أصحابه: لما جاز أن يتطوع بالصدقة وهي مال جاز أن يتطوع بالعتق؛ لأنه مال، وفرَّق غيره بين الصدقة والعتق، فقال: إنما أجزنا الصدقة بالأخبار الثابتة، والعتق لا خبر فيه، بل في قوله -صلى الله عليه وسلم-: «الولاء لمن أعتق» دليل على منعه؛ لأنَّ الحي هو المعتِق بغير أمر الميت، فله الولاء، فإذا ثبت له الولاء فليس للميت منه شيء، وهذا القول ليس بصحيح؛ لأنه قد روي في حديث سعد بن عبادة أنه قال للنبي: «إن أمي هلكت فهل ينفعها أن أعتق عنها؟ قال: نعم» فدل أنَّ العتق ينفع الميت، ويشهد لذلك فعل عائشة في عتقها عن أخيها. شرح صحيح البخاري (8/ 179).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
وكذلك ‌العتق ‌عن ‌الميت جائز بإجماع أيضًا، إلا أن العلماء اختلفوا في الولاء: فذهب مالك وأصحابه إلى أن الولاء للمعتَق عنه، وذهب الشافعي وأصحابه إلى أن الولاء للمعتِق على كل حال، وذهب الكوفيون إلى أن العتق إن كان بأمر المعتَق عنه، فالولاء له، وإن كان بغير أمره، فالولاء للمعتِق. التمهيد (12/ 359).

قوله: «أو تصدَّقتُم عنهُ»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«أو تصدقتم عنه» بصدقة. شرح سنن أبي داود (12/ 404).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «إنه لو كان مسلمًا» دلَّ على أن الصدقة لا تنفع الكافر، ولا تُنْجِيه، وعلى أن المسلم تنفعه العبادة المالية والبدنية. لمعات التنقيح (5/ 716).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
«أو تصدقتم عنه» أي: نفعه ذلك، فالميت المسلم ينفعه الدعاء والصدقة بخلاف الكافر. السراج المنير (4/ 149).
قال البغوي -رحمه الله-:
وهو قول أهل العلم، قالوا: ليس يصل إلى الميت إلا الصدقة والدعاء. شرح السنة (6/ 200).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
فإن الاتفاق على أن الصدقة بالمال عن الميت نافعة. إكمال المعلم (3/ 524).
وقال النووي -رحمه الله-:
مَن أراد برَّ والديه، فليتصدَّق عنهما؛ فإنَّ ‌الصدقة ‌تصل ‌إلى ‌الميت، وينتفع بها، بلا خلاف بين المسلمين، وهذا هو الصواب.
وأما ما حكاه أقضى القضاة أبو الحسن الماوردي البصرى الفقيه الشافعي في كتابه الحاوي عن بعض أصحاب الكلام من أن الميت لا يلحقه بعد موته ثواب، فهو مذهب باطل قطعًا، وخطأ بيِّن، مخالف لنصوص الكتاب والسُّنة وإجماع الأمَّة، فلا التفات إليه، ولا تعريج عليه. المنهاج شرح صحيح مسلم(1/ 89- 90).
وقال النووي -رحمه الله- أيضًا:
الصدقة عن الميت تنفع الميت، ويصله ثوابها، وهو كذلك بإجماع العلماء، وكذا أجمعوا على وصول الدعاء وقضاء الدَّين بالنصوص الواردة في الجميع. المنهاج شرح صحيح مسلم(7/ 90).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
أما الصدقة عن الميت فإنها تنفعه، كما ثبت ذلك بنصِّ سُنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- واتفاق أئمة المسلمين...، وأما إخراج الصدقة مع الجنازة فبدعة مكروهة، وهو يشبه الذبح عند القبر، وهذا مما نهى عنه النبي -صلى الله عليه وسلم- كما في السنن عنه أنه نهى عن العَقْرِ عند القبر، وتفسير ذلك أن أهل الجاهلية كانوا إذا مات فيهم كبير عقروا عند قبره ناقة أو بقرة أو شاة، أو نحو ذلك، فنهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك، حتى نص بعض الأئمة على كراهة الأكل منها؛ لأنه يُشبه الذبح لغير الله، قال بعض العلماء: وفي معنى ذلك ما يفعله بعض الناس من إخراج الصدقات مع الجنازة من غنم أو خبز أو غير ذلك، وهذا فيه عدة مفاسد:
منها: أن مُشَيِّعِي الجنازة تشتغل قلوبهم بذلك.
الثاني: أنه يتبع الميت من ليس له غرض إلا في أخذ ذلك.
الثالث: أنهم يختصمون عليها.
الرابع: أنه يأخذها الغالب غير مستحق، ويحرم المستحق.
الخامس: أنه قد يكون على الميت دَين أو في ورثته صغار.
السادس: أنها تُصنع رياء.
فمن أحب أن ينفع ميِّتَه بصدقة عنه فليتصدق بما يسَّره الله تعالى على من يثيبه الله بالصدقة عليه، فإنَّ الصدقة إذا وصلت إلى المستحق الذي ينتفع بها محمولة إليه كان أعظم للأجر والثواب، وكان في ذلك اتِّباع للسُّنة، والتخلص من البدعة. جامع المسائل (4/ 151- 152).
وقال محمد عبد الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
وبه يقول أهل العلم، يقولون: ليس شيء يصل إلى الميِّت إلا الصدقة والدعاء، أي: وصول نفعهما إلى الميت مُجْمَع عليه، لا اختلاف بين علماء أهل السُّنة والجماعة، واختلف في العبادات البدنية كالصوم والصلاة وقراءة القرآن. تحفة الأحوذي (3/ 274).
وقال ابن باز -رحمه الله-:
الصدقة ‌تصل ‌إلى ‌الميت إذا تَصدَّق عنه غيره، وأحسن بالنية عنه بماء أو مال، أو غيرهما. فتاوى نور على الدرب (14/ 279).

قوله: «أو حَجَجتُم عنهُ بَلَغَهُ ذلكَ»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«أو حَجَجْتُم عنه بَلَغَهُ» جميع «ذلك» أي: ونفقة أجره وثوابه بوصوله إليه.. شرح سنن أبي داود (12/404).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
أي: فعلتم عنه أي فعل من أفعال البر بغير وصية؛ لأنه الظاهر، «بَلَغَهُ» أجر «ذلك».
وفيه: دليل ناهض على لحوق أي عمل يُعمل من الميت من قريب أو غيره، وأنه يؤجر على ذلك، ويَبْلُغُه، وعليه أدلة واضحة، وفيه خلاف معروف. التنوير (9/ 171).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
قوله: «بَلَغَهُ ذلك» فأما إنه إذا لم يسلم فلا ينفعه تصدُّقكم ولا عتقكم. بذل المجهود (10/ 44).
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
وفيه: دليل على أن الميت المسلم إذا أوصى بأن يُعتق عنه أو يُتصدق أو يُحج عنه أو يُعتمر عليه أن ذلك صحيح، وأن الوارث إذا فعل ذلك أو بعضه وصل ثوابه إلى الميت كما لو فعله؛ لأنه من وصيته، وهو المسبِّب لفعله. شرح سنن أبي داود(12/ 404).
وقال عبد الرحمن بن قاسم -رحمه الله-:
فدل الحديث على صحة الوصية، وصحة وصية الكافر بالمباح، فالمندوب أولى، ودل على أن الكافر إذا أوصى بقُربةٍ من القُرب لم ينفعه ذلك؛ لأن الكفر مانع لحبوط العمل بالكفر، قال تعالى: {‌وَقَدِمْنَا ‌إِلَى ‌مَا ‌عَمِلُوا ‌مِنْ ‌عَمَلٍ} الفرقان: 23، فأثبت لهم عملًا، وقال: {فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا} الفرقان: 23، وقال: {‌ذَلِكَ ‌بِأَنَّهُمْ ‌كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} محمد: 9، فلا ينفع الكافر ما عمله، ولا ما أوصى بفعله، ولا ما فعله له قَرابته المسلمون من أي قُربة من القُرب كالصدقة والحج والعتق، وغير ذلك.
ولا يلزم تنفيذ وصيته، وأما صحتها فتصح وصية الذمي عند جمهور أهل العلم: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم، ولم يتعرض في هذا الخبر لعدم صحتها، وإنما ذكر عدم القبول، فتصح بالمباح؛ إذ لا مانع، فلا تصح وصية مسلم ولا كافر لكنيسة، وبيت نار، وبِيْعَةٍ وصومعة، ولا أي مكان من أماكن الكفر أو عمارتها أو سَدَنَتِهَا، ولا لشيء من الإنفاق عليها؛ لأنه معصية، ولا لكتب التوراة والإنجيل، وبدع، ونحوها. الإحكام شرح أصول الأحكام (3/ 417).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
قد يُؤخَذ من إقرارهم النبي -صلى الله عليه وسلم- على عتق الخمسين رقبة: أنَّ وصية الكافر ولو كان حربيًّا صحيحة، وعتقه يصح به، وصية المسلم كالوصية بعتق الرقاب، والظاهر أنه يلزم ولده المسلم أن يعتق عنه وينفذ وصيته، لكن هل يصل ثواب العتق إلى الكافر؟ وقد ذكره فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إنه لو كان» أبوكم «مسلمًا» حين موته «فأعتقتم عنه» الرقاب «أو تصدقتم عنه» بصدقة «أو حججتم عنه بَلَغَهُ» جميع «ذلك» أي: ونفقة أجره وثوابه بوصوله إليه.
وفيه: دليل على أن الميت المسلم إذا أوصى بأن يُعتق عنه أو يُتصدق أو يُحج عنه أو يُعتمر عليه أنَّ ذلك صحيح، وأنَّ الوارث إذا فعل ذلك أو بعضه وصل ثوابه إلى الميت، كما لو فعله؛ لأنه من وصيته وهو المسبِّب لفعله، قال أصحابنا: وينفع الميت صدقه ودعاء من وارث وأجنبي بالإجماع، والمراد بانتفاعه بالصدقة: أنه يصير كأنه تصدق بها، هذا هو المشهور. شرح سنن أبي داود (12/ 404-405).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
الحديث: يدل على أنَّ الكافر إذا أوصى بقُربة من القُرَب لم يلحقه ذلك؛ لأن الكفر مانع، وهكذا لا يلحقه ما فعله قَرابته المسلمون من القُرَب كالصدقة والحج والعتق من غير وصية منه، ولا فرق بين أنْ يكون الفاعل لذلك ولدًا أو غيره.
وليس في هذا الحديث: ما يدل على عدم صحة وصية الكافر؛ إذ لا ملازمة بين عدم قبول ما أوصى به من القُرَب، وعدم صحة الوصية مطلقًا، نعم فيه دليل أنَّه لا يجب على قريب الكافر من المسلمين تنفيذ وصيته بالقُرَب. نيل الأوطار (6/ 53).

وللمزيد من الفائدة ينظر:

حكم وصية الكافر لابنته المسلمة وحرمان أولاده الكفار .

من هم الثلاثة التي لا تقربهم الملائكة ؟


إبلاغ عن خطأ