السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«‌فُضِّلَت ‌هذه ‌الأمَّة ‌على ‌سائرِ الأمم بثلاث: جُعِلَت لها الأرض طَهورًا ومسجدًا، وجُعِلَتْ صفوفها على صفوف الملائكة» قال: كان النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يقول ذا: «وأُعْطِيتُ هذه الآيات من آخر البقرة من كنز تحت العرش، لم يُعْطَهَا نبيٌّ قبلي».


رواه أحمد برقم: (23251) واللفظ له، وابن حبان برقم: (1697)، وأصله في مسلم برقم: (522)، من حديث حذيفة -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع رقم: (4223). التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان برقم: (1695).


غريب الحديث


«طَهُورًا»:
الطهور: ما يُتَطهَّر به. الصحاح، للجوهري (2/ 727).
قال ابن فارس -رحمه الله-:
والطهور: الطاهر في نفسه المطهِّر لغيره. مجمل اللغة(ص: 588).

«كنز»:
بالنون والزاي، وهو المعدن في الأصل، وأُريد به هنا: معدن خير الأقوال، أي: نَزَلْنَ من شيءٍ مكنوز تحت العرش. التنوير، للصنعاني (2/ 267).
قال أبو موسى المديني -رحمه الله-:
الكنز: المال المدفون لعاقبة ما، وقيل: هو الذي لا يُدرَى من كنزه. المجموع المغيث (3/ 75)


شرح الحديث


قوله: «‌فُضِّلَت ‌هذ ‌الأمَّة ‌على ‌سائر الأمم بثلاث»:
قال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
أي: السابقين، وأما اللاحقون فأتباعه وأمته المفضلون. لمعات التنقيح (2/ 255).
وقال المظهري -رحمه الله-:
يعني: لم يكن واحد من هذه ‌الثلاثة ‌للأمم ‌المتقدمة، أي: فضلنا الله على الأمم المتقدمة بهذه الأشياء؛ وذلك لأن الأمم المتقدمة يقفون كيف اتفق من غير الصف، وأُمِرنا أن نقف في الصلاة على الصف كما تقف الملائكة هكذا، ولم يجُزْ للأمم المتقدمة أن يصلوا إلا في كنائسهم، وجاز لهذه الأمة أن يُصَلُّوا في جميع وجه الأرض إذا كان الموضع طاهرًا، ولم يجز التيمم لأحد من الأمم المتقدمة، وكذلك لم يكن في أول الإسلام جائزًا. المفاتيح (1/ 448).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
هذه الخصال من بعض خصائص هذه الأمة المرحومة؛ ثنتان منها لرفع الحرج ووضع الإصر، كما قال تعالى: {‌وَلَا ‌تَحْمِلْ ‌عَلَيْنَا ‌إِصْرًا ‌كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} البقرة: 286، وواحدة إشارة إلى رفع الدرجات العالية في المناجاة بين يدي بارئهم، صافِّين صفوف الملائكة المقربين، كما قال: {‌وَإِنَّا ‌لَنَحْنُ ‌الصَّافُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ} الصافات: 165-166. الكاشف عن حقائق السنن (3/ 846-847).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
قوله: «بثلاث» ليس فيه انحصار خصوصيات هذه الأمة في هذه الثلاث؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- كانت تنزل عليه خصائص أمته شيئًا فشيئًا، فيخبر عن كل ما نزل عليه عند إنزاله بما يناسبه. فتح الإله في شرح المشكاة (2/404).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
فاعلم أن ذكر الخمس والست والثلاث لا يُظَنَّ أنه تعارض، وإنما هذا من توهَّم أَنَّ ذكر الأعداد يدل على الحصر، وأنها دليل خطاب، وكل ذلك باطل...، فإن القائل: عندي خمسة دنانير، مثلًا، لا يدل هذا اللفظ على أنه ليس عنده غيرها، ويجوز له أن يقول مرة أُخرى: عندي عشرون، وأُخرى ثلاثون، فإن من عنده الأكثر يصدق عليه أن عنده الأقل، فلا تعارض، ويجوز أن يكون الرب -سبحانه- أعلمه بثلاث، ثم بخمس، ثم بست. الإعلام بفوائد عمدة الأحكام (2/ 157).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- في لفظ آخر:
«فُضِّلنا» بالبناء للمفعول، أي: فضَّلَنا الله تعالى «على الناس» أي: على سائر الأمم «بثلاث» أي: ثلاث خصال، وإنما ذكَّر العدد؛ لما سبق غير مرة أن قاعدة تأنيث العدد مع المذكر، وتذكيرها مع المؤنث إنما يجب إذا وقع المعدود تمييزًا، وأما إذا حذف كهذا الحديث، وكحديث: «من صام رمضان، وأتبعه ستًّا من شوال»، أو قُدِّم كرجل خمسة، فيجوز الوجهان. البحر المحيط الثجاج (12/ 43).

قوله: «‌جُعِلَت لها الأرض طَهورًا ومسجدًا»:
قال المازري -رحمه الله-:
قوله: «مسجدًا» قيل: إن من كان قبله إنما ‌أبيح ‌لهم ‌الصلاة ‌في ‌مواضع مخصوصة، كالبِيَع والكنائس. المعلم (1/ 406).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
إنما جُعِلَتْ لنا الأرض مسجدًا في حكم جواز الصلاة فيها والإباحة والإقامة فيها، لا في تحريم المكث والإقامة فيها للجنب والحائض والنفساء، ولا في التعظيم والتوقير والصون عن النجاسات كالمساجد المعروف في الشرع والمشروع فيه. الأزهار، مخطوط، لوح (112).
وقال أبو بكر الأثرم -رحمه الله-:
فأما قوله: «جعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا» فإنما أراد الخلاف على أهل الكتاب؛ لأنهم لا يصلون إلا في كنائسهم وبِيَعِهِمْ، فقال: فضلت على الناس بذلك وبغيره، ثم استثنى بعد الخلاف عليهم مواضع لمعانٍ غير معنى أهل الكتاب، فأما الحمام والمقبرة، فإن الحمام ليس من بيوت الطهارة؛ لأنه بمنزلة المراحيض التي يغتسل فيها من الجنابة والحيض، والمقبرة أيضًا إنما كرهت للتشبه بأهل الكتاب؛ لأنهم يتَّخِذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، وسائر المواضع التي استثناها إنما كَرِه نجاستَها، ومعاطن الإبل قال: لأنها خلقت من الشياطين. ناسخ الحديث ومنسوخه (ص: 116).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
وإنما جاء قوله: «جُعِلَتْ ليَ الأرضُ مسجدًا وطهورًا» على مذهب الامتنان على هذه الأمة، بأن رَخَّصَ لها في ‌الطهور ‌بالأرض، والصلاة عليها في بقاعها، وكانت الأمم المتقدمة لا يصلون إلا في كنائسهم وبِيَعِهِمْ، وإنما سيق هذا الحديث لهذا المعنى. معالم السنن (1/ 146).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «وجُعِلَت لي الأرض مسجدًا» أي: موضع سجود، وهو وضع الجبهة على الأرض، ولم يكن اختصَّ السجود منها بموضع دون موضع، ويحتمل أن يكون المراد من المسجد هو المسجد المعروف الذي يصلي فيه القوم، فإذا كان جوازها في جميعها كان المسجد المعهود كذلك...، وقيل: في موضع يتيقنون طهارته من الأرض، وخُصَّتْ هذه الأمة بجواز الصلاة في جميع الأرض إلا في المواضع المستثناة بالشرع، أو موضع تُيُقِّنَتْ نجاسته، فإن قلتَ: كان عيسى -عليه السلام- يسيح في الأرض ويصلي حيث أدركته الصلاة؟ قلتُ: ذَكر «مسجدًا وطهورًا»، وهذا مختصٌّ بالنبي حيث كان يجوز له أن يصلي في أي موضع أدركته الصلاة فيه، وكذلك التيمم منه، ولم يكن لعيسى -عليه السلام- إلا الصلاة دون التيمم. عمدة القاري (4/ 9).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «وجُعِلَت لي الأرض مسجدًا» أي: موضع سجود لا يختص السجود منها بموضع دون غيره، ويمكن أن يكون مجازًا عن المكان المبني للصلاة، وهو من مجاز التشبيه؛ لأنه لما جازت الصلاة في جميعها كانت كالمسجد في ذلك، قال ابن التين: قيل: المراد: جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا وجعلت لغيري مسجدًا ولم تجعل له طهورًا؛ لأن عيسى كان يسيح في الأرض ويصلي حيث أدركته الصلاة؛ كذا قال، وسبقه إلى ذلك الداودي، وقيل: إنما أبيحت لهم في موضع يتيقَّنون طهارته بخلاف هذه الأمة؛ فأبيح لها في جميع الأرض إلا فيما تيقَّنوا نجاسته، والأظهر: ما قاله الخطابي، وهو: أن من قبله إنما أُبِيْحَت لهم الصلوات في أماكن مخصوصة كالبِيَعِ والصوامع، ويؤيِّده رواية عمرو بن شعيب، بلفظ: «وكان من قبلي إنما كانوا يصلون في كنائسهم»، وهذا نصٌّ في موضع النزاع؛ فثبتت الخصوصية، ويؤيده ما أخرجه البزار من حديث ابن عباس نحو حديث الباب، وفيه: «ولم يكن من الأنبياء أحد يصلي حتى يبلغ محرابه».
قوله: «وطهورًا» استدل به على أن الطهور هو المطهر لغيره؛ لأن الطهور لو كان المراد به: الطاهر لم تثبت الخصوصية، والحديث إنما سيق لإثباتها، وقد روى ابن المنذر وابن الجارود بإسناد صحيح عن أنس مرفوعًا: «جعلت لي كل أرض طيبة مسجدًا وطهورًا»، ومعنى طيبة: طاهرة؛ فلو كان معنى: طهورًا: طاهرًا لَلَزِمَ تحصيل الحاصل.
واستُدِلَّ به على أن التيمم يرفع الحدث كالماء؛ لاشتراكهما في هذا الوصف، وفيه نظر، وعلى أن التيمم جائز بجميع أجزاء الأرض، وقد أكد في رواية أبي أمامة بقوله: «وجعلت لي الأرض كلها ولأمتي مسجدًا وطهورًا». فتح الباري (1/ 437-438).
وقال ابن هبيره -رحمه الله-:
فهذا من فضل هذه الأمة أنها لم تقصر مساجدها على بقاع محصورة؛ بل شرق الأرض وغربها وبَرُّها وبحرها، وكذلك لعلم الله -عز وجل- بكثرة ظهور هذه الأمة واحتفالهم بصلواتهم وسَّع عليهم؛ فجعل لهم البسيطين: الماء والتراب، يقوم هذا بدلًا من هذا متى أعوز حتى يقضوا نهمتهم من العبادة. الإفصاح (2/ 243).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وجعلت لنا الأرض كلها» (كما في لفظ) تأكيد؛ ليشمل ‌ما ‌في ‌حكمها ‌من ‌الجبال، «مسجدًا، وجعلت تربتها» أي: تراب الأرض، «لنا طهورًا» أي: مطهِّرًا، «إذا لم نجد الماء»، ومفهوم الحديث: أن غير التراب لا يكون طهورًا، وهو معتبر عندنا (الحنفية) خلافًا لغيرنا. مرقاة المفاتيح (2/ 480).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «وجُعِلَتْ ليَ الأرض طيبة طهورًا» يعني: في التيمم، كما قد بيَّنه في الحديث الآخر، وهو حجَّةٌ لمالك في التيمم بجميع أنواع الأرض؛ فإن اسم الأرض يشملها، وكما أباح الصلاة على جميع أجزاء الأرض، كذلك يجوز التيمم على جميع أجزائها؛ لأن الأرض في هذا الحديث بالنسبة إلى الصلاة والتيمم واحدة، فكما تجوز الصلاة على جميع أجزائها، كذلك يجوز التيمم على جميع أجزائها...
وقوله: «طهورًا» هذه البُنْيَة من أبْنِيَةِ المبالغة؛ كقتول وضروب، وكذلك قال في الماء، فقد سوَّى بين الأرض والماء في ذلك، ويلزم منه أن التيمم يرفع الحدث، وهو أحد القولين عن مالك، وليس بالمشهور، و«طيبة»: طاهرة، وكذلك قوله: {فَتَيَمَّمُوا ‌صَعِيدًا ‌طَيِّبًا} النساء: 43، أي: طاهرًا، وعلى هذا: فلا يفهم من قوله: «طهورًا» عين التطهير لغيرها؛ إذ قد وصفها الله بالطهارة في نفسها، ثم جعلها مطهرة لغيرها، وهذا كما قال -عليه الصلاة والسلام-، وقد قيل له: أنتوضأ بماء البحر؟ فقال: «هو الطهور ماؤه» أي: الذي يطهركم من الحدث. المفهم (2/ 116- 117).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله- متعقبًا:
استدل به من جوَّز التيمم بجميع أجزاء الأرض؛ لعموم قوله: «جُعِلَتْ لي الأرض مسجدًا وطهورًا»، والذين خصُّوا التيمم بالتراب: استدلوا بما جاء في الحديث الآخر: «وجُعِلت تربتها لنا طهورًا»، وهذا خاص ينبغي أن يُحْمَل عليه العامُّ، وتختص الطهورية بالتراب، واعتُرِض على هذا بوجوه:
منها: منع كون التربة مرادفة للتراب، وادُّعِيَ أن ‌تُربة ‌كل ‌مكان: ‌ما ‌فيه من تراب أو غيره مما يقاربه.
ومنها: أنه مفهوم لقب، أعني: تعليق الحكم بالتربة، ومفهوم اللقب: ضعيف عند أرباب الأصول، وقالوا: لم يقل به إلا الدَّقَّاق، ويمكن أن يجاب عن هذا: بأن في الحديث قرينة زائدة عن مجرَّد تعليق الحكم بالتربة، وهو الافتراق في اللفظ بين جعلها مسجدًا، وجعل تربتها طهورًا على ما في ذلك الحديث، وهذا الافتراق في هذا السياق قد يدل على الافتراق في الحكم، وإلا لعطف أحدهما على الآخر نسقًا، كما في الحديث الذي ذكره المصنف (ابن قدامة).
ومنها: أن الحديث المذكور الذي خُصَّتْ فيه التربة بالطهورية لو سُلِّم أن مفهومه معمول به؛ لكان الحديث الآخر بمنطوقه يدل على طهورية بقية أجزاء الأرض، أعني: قوله -صلى الله عليه وسلم-: «مسجدًا وطهورًا»؛ فإذا تعارض في غير التراب دلالة المفهوم الذي يقتضي عدم طهوريته، ودلالة المنطوق الذي يقتضي طهوريته، فالمنطوق مقدَّم على المفهوم، وقد قالوا: إن المفهوم يخصص العموم، فتمتنع هذه الأولوية، إذا سلم المفهوم هاهنا، وقد أشار بعضهم إلى خلاف هذه القاعدة، أعني: تخصيص العموم بالمفهوم، ثم عليك -بعد هذا كله- بالنظر في معنى ما أسلفناه من حاجة التخصيص إلى التعارض بينه وبين العموم في محله. إحكام الأحكام (1/ 151-152).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
استدل به المحققون على أن الماء مطهِّر، وأنه رافع للحدث، وأن التراب- أيضًا- مطهِّر كالماء إذا عُدِمَ الماء، وأن التيمم يرفع الحدث، فلا يبطل إلا إذا وُجِدَ ناقض من نواقض الوضوء، أو وُجِدَ الماء.
وذهب جمهور الفقهاء إلى أن التيمم مبيح لا رافع، وأنه يَبْطُلُ بخروج الوقت، والصواب: أنه كالماء يرفع، ويصلي به وقتًا، ووقتين، وثلاثة، وأربعة، ما لم يُحدث. توفيق الرب المنعم (2/ 185).

قوله: «وجُعِلَتْ صفوفها على صفوف الملائكة»:
قال الأردبيلي -رحمه الله-:
قوله: «جعلت صفوفها كصفوف الملائكة» قيل: في الصورة، ومعناه: أن سائر الأمم كانوا يقفون في الصلاة متفرقين، فأمر هذه الأمة بالوقوف مصطفين كالملائكة الصافِّين حول العرش، وإليه يشير لما روى جابر بن سمرة (الوارد في الصفوف)... وقيل: في القربة والدنو، ومعناه: أنَّ الله تعالى جعل صفوفنا في الصلاة؛ للقربة، كصفوف الملائكة المقرَّبين حول العرش، فالصَّافُّون من هذه الأمة في الصلاة كالمقربين من الملائكة في الدنو والقُرْب، وقيل: في التعظيم والتكريم، ومعناه: أنَّ الله تعالى جعل المصلين الصَّافِّين من هذه الأمة كالملائكة المقربين في أنَّ الله تعالى أقسم بالملائكة، قال تعالى: {وَالصَّافَّاتِ صَفًّا} الصافات: 1، أراد: الملائكة الصافين، والمصلين الصافين، وقيل: إنَّ الله تعالى جعل المصلين بالجماعة في المساجد كالملائكة الصافين حول العرش الحافين، وقيل: معناه: أنَّ الله جعل صفوفنا في المعركة متوجهين إلى الله بالنفس، ومتباذلين الروح، كصفوف الملائكة الصافين حول العرش، متوجهين إلى الله تعالى، ومنقطعين إليه بالكلية. الأزهار، مخطوط، لوح (112).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
واعلم أن الصفوف في الصلاة مما خَصَّ الله به هذه الأمة وشرَّفها به؛ فإنهم أشبهوا بذلك ‌صفوف ‌الملائكة في السماء، كما أخبر الله عنهم أنهم قالوا: {‌وَإِنَّا ‌لَنَحْنُ ‌الصَّافُّونَ} الصافات:165، وأقسم بالصافات صفًّا، وهم الملائكة. فتح الباري (6/ 268).
وقال العراقي -رحمه الله-:
جَعْل صفوف أمته ‌كصفوف ‌الملائكة فالمراد به: إتمام الصفوف الأُوَل في الصلاة؛ كما ثبت في الحديث الصحيح عند مسلم من حديث جابر بن سمرة قال: خرج علينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: «ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟ فقلنا: يا رسول الله، وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: يُتِمُّون الصف الأول، ويتراصون في الصف»، وهذا أيضًا من خصائص هذه الأمة، وكانت الأمم المتقدمة يصلون منفردين كل واحد على حدة؛ ولما أراد الله تعالى حصول هذه الفضيلة للأنبياء المتقدمين جمعهم فتقدم النبي -صلى الله عليه وسلم- فصلى بهم ليلة الإسراء؛ كما رواه النسائي من حديث أنس في قصة الإسراء، وفيه: «ثم دخلت بيت المقدس فجُمِعَ لي الأنبياء -عليهم السلام- فقدمني جبريل حتى أَمَمْتُهُم» الحديث، ورويناه في معجم أبي يعلى الموصلي من حديث أم هانئ في قصة الإسراء، وفيه: «فيسر لي رهط من الأنبياء فيهم إبراهيم وموسى وعيسى -عليهم السلام- فصليت بهم وكلمتهم»، الحديث، وفي حديث آخر لأبي هريرة: «وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء فحانت الصلاة فأمَمْتُهُم» الحديث. طرح التثريب (2/ 112-113).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
بولغ في الأمر بالتسوية والتَّراصِّ لتكون الحكاية على شاكلة المحكي عنه؛ ولكونها أكمل طريق لأداء العبادة؛ ولذا امتازت به الأمة المرحومة، حتى قيل: إن عبادة بني إسرائيل كانت على طريق الحلقة، ولم يكن الصف فيهم». فيض الباري (2/ 300).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
قوله: «صفوفنا كصفوف الملائكة» وهي أنهم يُتِمُّون الْمُقَدَّم ثم الذي يليه من الصفوف، ثم يرصُّون الصف؛ كما ورد التصريح بذلك في سنن أبي داود وغيرها. نيل الأوطار (1/ 328).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
وأما صفوف الملائكة فالمقصود: الصفوف في صلاة الجماعة، ووجه الشبه: الاستقامة في المساجد صفًّا صفًّا؛ كقوله تعالى: {وَجَاءَ ‌رَبُّكَ ‌وَالْمَلَكُ ‌صَفًّا ‌صَفًّا} الفجر: 22، والاستدارة حول الكعبة؛ كقوله تعالى: {‌الَّذِينَ ‌يَحْمِلُونَ ‌الْعَرْشَ ‌وَمَنْ ‌حَوْلَهُ ‌يُسَبِّحُونَ ‌بِحَمْدِ ‌رَبِّهِمْ} غافر: 7. فتح المنعم (3/ 107).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
قوله: «جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة» أي: حتى نتأهَّل لمزيد ما منحناه من الإخلاص، والإقبال على الله بسرائرنا، وقطع العلائق عن الخلائق في سائر أحوالنا، إلى بلوغ أقصى مراتب النجاة بين يدي الله تعالى، صافِّين كصفوف الملائكة المقربين الذين أخبر تعالى عنهم بقوله: {وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (165) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ} الصافات: 165، 166. فتح الإله (2/404).

قوله: «قال: كان النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يقول ذا: وأُعْطِيتُ هذه الآيات من آخر البقرة من كنز تحت العرش، لم يُعْطَهَا نبيٌّ قبلي»:
قال السندي -رحمه الله-:
قوله: «يقول ذا» هو اسم إشارة، والإشارة إلى ما سبق «وأُعطيتُ» عطف على «ذا» أي: يقول ما تقدم، ويقول: «أُعطيتُ» وهو على بناء المفعول للمتكلم، ويمكن للمؤنث الغائب، فإنَّ ما أُعطي النبي، أُعطي أمته. الحاشية على مسند أحمد (5/ 361-362).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«أعطيت هذه الآيات» إشارة إلى المعاني الحاضرة في الذهن،...«من ‌كنز ‌تحت ‌العرش لم يعطها نبي قبلي» فهو نافلة كالمفصل. التنوير (2/ 487).
وقال الصنعاني -رحمه الله- أيضًا:
«وأعطيت هذه الآيات» هذا الإعطاء وإن كان خاصًّا به -صلى الله عليه وسلم- إلا أن بركة الآيات وتلاوتها عام للأمة؛ فكأنهم أُعطُوها أيضًا، فلا يقال: الثلاث كلها لا تختصُّ بالأمة «من آخر سورة البقرة»، وهي قوله تعالى: {آمَنَ ‌الرَّسُولُ} البقرة: 285، إلى آخر السورة، «من كنز تحت العرش لم يُعطَها نبي قبلي» بخلاف كثير من معاني القرآن؛ فقد كانت في صحف الأنبياء قبله. التنوير (7/ 510).
وقال عبد القادر الأسطواني -رحمه الله-:
«أُعطيت» بضمِّ الهمزة مبني للمفعول، والمعطي هو الله الواحد القهار، فهو معلوم لكل مخلوق. أصل الزراري (ص: 195).
وقال العراقي -رحمه الله-:
وأما إعطاؤه خواتيم سورة البقرة من ‌كنز ‌تحت ‌العرش فمعناه: أنها ذُخِرَتْ له وكُنِزتْ له؛ فلم يؤتها أحد قبله؛ وذلك أن كثيرًا من آي القرآن مُنزَّل في الكتب السابقة، ما هو باللفظ وما هو بالمعنى، وهذه الآيات لم يؤتها أحد، وإن كان فيه أيضًا ما لم يؤْتَهُ غيره إلا أن في هذه الآيات خصوصية لهذه الأمة، وهو وضع الإصر الذي كان على الأمم المتقدمة؛ فقال تعالى: {‌وَلَا ‌تَحْمِلْ ‌عَلَيْنَا ‌إِصْرًا ‌كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} البقرة: 286، فناسب ذكرها من الخصائص. طرح التثريب (2/ 114).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
يشير إلى ما حطه الله عن أمته من الإصر، وتحميل ما لا طاقة لهم به، ورفع الخطأ والنسيان. فتح الباري (1/ 439).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«من ‌كنز ‌تحت ‌العرش» أي: من جملة كنز معنوي موضوع تحت عرش الرحمن، لا يصل إليه أحد إلا بحول الله وقوته، أو كنز من كنوز الجنة؛ لأن العرش سقفها. مرقاة المفاتيح (8/ 3293).
وقال المناوي -رحمه الله-:
الكنز: النفائس المدفونة الْمُدَّخرة، فهو إشارة إلى ذكر أنها ادُّخِرت لنبينا -عليه أفضل الصلاة والسلام- فلم تنزل على من قبله. فيض القدير (1/ 469).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«من كنز» بالنون والزاي وهو المعدن في الأصل، وأريد به هنا: معدن خير الأقوال، أي: نزلن من شيء مكنوز، «تحت العرش» في أشرف محل، والمراد به: أنه شيء ما أعطاه الله أحدًا قبله -صلى الله عليه وسلم- كما صرَّح به حديث حذيفة في خواتيم البقرة أنه لم يُعطَها نبي قبله -صلى الله عليه وسلم-. التنوير (2/ 267).
وقال الصنعاني -رحمه الله- أيضًا:
أي: من ذلك المكان الرفيع، والجناب المنيع؛ تنويهًا بشأنها، وإعلامًا بأنها ما أنزلت على بشر قبله، وكأن ذلك لما فيها من الفضيلة العامة للأمة من حظر الأمر عنها، وتلقيها بالدعوات التي في آخرها. التنوير (2/ 482).
وقال ابن هبيره -رحمه الله-:
في هذا الحديث: ما يدل على أن الله -سبحانه وتعالى- أباح لهذه الأمة الأرض؛ فإن صفوف أمة المسلمين ممتدة امتدادًا يستدعي سعة المواضع.
وفيه أيضًا: أن اصطفاف المؤمنين في صفوفهم مقدمة اصطفافهم في قتال عدوهم، فإنه كما يسوي بين أعقابهم في القيام في الصلاة، فلا يخرج منكب عن منكب، ولا عقب عن عقب، فكذلك يطلب من المجاهدين، فلا يتوارى أحد بأحد ولا يتقي هذا بهذا.
وفي صفوف الصلاة أيضًا: أن الصف إذا قوم اتسع عليهم المكان، فلو تقدَّم واحد وتأخَّر آخر؛ لأخرج المتأخر الصف الذي خلفه، ولضيق المتقدم على من بين يديه في صفوفهم. الإفصاح (2/ 243).

ولمزيد من الفائدة ينظر:

من فقه الصلاة: إقامة الصفوف كصفوف الملائكة.

* الآيتان الأخيرتان من البقرة.. كنز من تحت العرش.


إبلاغ عن خطأ