«المسلمُ مَن سَلِمَ المسلمونَ من لسانِهِ ويدِهِ، والمهاجرُ مَن هَجَرَ ما نهى اللهُ عنْهُ».
رواه البخاري برقم: (10) واللفظ له، ومسلم برقم: (40)، من حديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-.
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «المسلمَ مَن سَلِمَ المسلمونَ من لسانِهِ ويدِهِ»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «المسلم» مبتدأ وخبره، قوله: «مَن سلم المسلمون»، ويجوز أن يكون: «مَن سلم» خبر مبتدأ محذوف، فالجملة خبر المبتدأ الأول، والتقدير: المسلم هو مَن سلم، فـ«مَن» موصولة، و«سلم المسلمون» صِلتها، وقوله: «مِن لسانه» متعلق بقوله: «سَلِمَ». عمدة القاري (1/ 132).
وقال محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«المسلم» الكامل، والمؤمن الفاضل «مَن سلم» ونجا «المسلمون» ومَن في حكمهم كالذِّمِّيين «مِن» إذاية «لسانه و» بطش «يده»، والمعنى: والمسلم الكامل هو مَن لم يؤذِ مسلمًا بقول ولا فعل، وخَصَّ اليد من الجوارح؛ لأن معظم الأفعال تُزَاوَلُ بها. الكوكب الوهاج (2/ 351).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
«المسلم» الكامل «مَن سَلِمَ المسلمون» وكذا المسلمات وأهل الذمة إلا في حدٍّ أو تعزيرٍ أو تأديبٍ، «من لسانه ويده». إرشاد الساري (1/ 94).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
«المسلم» أي: المسلم الكامل في إسلامه، «مَن سلم المسلمون من لسانه ويده»؛ بأن لا يتعرض لهم بما حُرِّم من دمائهم وأموالهم وأعراضهم، وإنما خصَّ اللسان واليد؛ لأن أكثر الإيذاء يحصل بهما. شرح المصابيح (1/ 30).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«المسلم» الكامل الإِسلام «مَن سلم المسلمون» اللام الداخلة على المسلم للجنس، كما عرف في الأصول والمعاني، فالمراد جنس المسلم لا الجماعة منهم، «من لسانه» فإنها مصدر كل خير وشر، «ويده» فإنه التفسير بالأقوال أو الأفعال، والأول للأول والثاني للثاني. التنوير (10/ 479).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«المسلم» أي: الكامل؛ لما تقدم من معنى الإسلام، أو المسلم الحقيقي المتصف بمعناه اللغوي «مَن سلم المسلمون» أي: والمسلمات، إما تغليبًا وإما تبعًا، ويلحق بهم أهل الذمة حُكمًا، وفي رواية ابن حبان: «مَن سلم الناس»، «من لسانه» أي: بالشتم واللعن والغيبة والبهتان والنميمة والسعي إلى السلطان وغير ذلك، حتى قيل: أول بدعة ظهرت قول الناس: الطريقَ الطريقَ( )، «ويده» بالضرب والقتل والهدم والدفع والكتابة بالباطل ونحوها، وخُصّا لأن أكثر الأذى بهما، أو أريد بهما مثلًا، وقُدِّم اللسان؛ لأن الإيذاء به أكثر وأسهل؛ ولأنه أشد نكاية كما قال:
جراحاتُ السنانِ لها الْتِئَامُ *** ولا يلتامُ ما جرحَ اللسانُ.
ولأنه يعمّ الأحياء والأموات، وابتلي به الخاص والعام خصوصًا في هذه الأيام، وعبَّر به دون القول؛ ليشمل إخراجه استهزاء بغيره، وقيل: كنى باليد عن سائر الجوارح؛ لأن سلاطة الأفعال إنما تظهر بها؛ إذ بها البطش والقطع والوصل والمنع والأخذ، فقيل في كل عمل: هذا مما عمِلَتْهُ أيديهم وإن لم يكن وقوعه بها.
وفيه: أن الأيدي واليدين توضعان موضع الأنفس والنفس؛ لأن أكثر الأفعال يزاول بهما، ولا يُعرف استعمال اليد المفردة بهذا المعنى، ثم الحد والتعزير، وتأديب الأطفال، والدفع لنحو الصِّيال ونحوها، فهي استصلاح وطلب للسلامة، أو مستثنى شرعًا، أو لا يطلق عليه الأذى عرفًا. مرقاة المفاتيح (1/ 72).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال المهلب: يريد المسلم المستكمل لأُمور الإسلام خلاف قول المرجئة، والمراد بهذا الحديث: الحض على ترك أذى المسلمين باللسان واليد والأذى كله؛ ولهذا قال الحسن البصري: الأبرار هم الذين لا يؤذون الذّر والنَّمْلَ. شرح صحيح البخاري (1/ 62).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «المسلم مَن سلم المسلمون من لسانه ويده» أي: الكامل الإسلام، والجامع لخصاله مَن لم يؤذِ مسلمًا بقولٍ ولا فعلٍ؛ إذ أكثر الأفعالِ بالأيدي، فأضيفت عامتها إليها، وهذا مِن جامع كلامه وفصيحه ومحاسنه، ولا يُفهم من هذا أنَّ مَن ليس بهذه الصفة ليس بمسلم، وهو كما يقالُ: المالُ الإبل، والناسُ العرب، على التفضيل لا على الحصر، وجوابه بعد هذا: بأن هذا أفضل الإسلام...إكمال المعلم (1/ 276).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
قوله: «المسلم مَن سلم المسلمون من لسانه ويده» أي: مَن كانت هذه حاله كان أحق بهذا الاسم، وأمكنهم فيه، ويبين ذلك: أنه لا ينتهي الإنسان إلى هذا حتى يتمكن خوفُ عقاب الله تعالى مِن قلبه، ورجاء ثوابه، فيُكسبه ذلك ورعًا يحمله على ضبط لسانه ويده، فلا يتكلم إلا بما يعنيه، ولا يفعل إلا ما يسلم فيه؛ ومَن كان كذلك فهو المسلم الكامل، والمتقي الفاضل. المفهم (1/ 224).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «المسلم مَن سلم المسلمون» فإن قلتَ: إذا سَلِمَ المسلمون منه يلزم أن يكون مسلمًا وإن لم يأتِ بسائر الأركان؟
قلتُ: هذا وارد على سبيل المبالغة تعظيمًا لترك الإيذاء، كأن ترك الإيذاء هو نفس الإسلام الكامل، وهو محصور فيه على الادعاء...
فإن قيل: ما معنى تخصيص المسلم بالذِّكْر ثم المسلمون ثم اللسان واليد؟
والجواب -والله أعلم-: هو إظهار رأفته -صلى الله عليه وسلم- بالأمَّة، وإلحاقه بالكل من أصحابه -رضوان الله عليهم-، كأنه قال: المسلم الكامل مَن تشبَّه بهم، واتصف بصفتهم التي وصفهم الله تعالى بها في قوله تعالى: {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} الفتح: 29، وكان شدتهم على الكفار المجاهدة بالسنان واللسان، وترحمهم على إخوانهم المسلمين بكف الأذى، وإيثار الموجود، كما قال الله تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} الحشر: 9، فخص بما ينبئ عن كف الأذى؛ ليؤذن بغاية التواضع والذل؛ تلويحًا إلى معنى قوله: {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} المائدة: 54؛ ولما كانت عزتهم على الكفرة وقهرهم باليد واللسان، فينبغي أن ينتفي عنهم ما كانت العزة به، وهو يستلزم الإيثار بطريق الأَولى، وفي تقديم ذكر اللسان على اليد رمز إلى معنى قوله -صلى الله عليه وسلم- لحسَّان: «اهجُ المشركين؛ فإنه أَشَقُّ عليهم مِن رَشْقِ النَّبْلِ» أو كما قال، ويمكن أن ينزل الإسلام بلسان أهل السلوك على التسليم والرضا. الكاشف عن حقائق السنن (2/ 441- 442).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
وأما رواية «المسلم» فيقتضي حصر المسلم فيمَن سلم المسلمون من لسانه ويده، والمراد بذلك المسلم الكامل الإسلام، فمَن لم يسلم المسلمون من لسانه ويده فإنه ينتفي عنه كمال الإسلام الواجب، فإنَّ سلامة المسلمين من لسان العبد ويده واجبة، فإنَّ أذى المسلم حرام باللسان وباليد، فأذى اليد: الفعل، وأذى اللسان القول، والظاهر: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- إنما وصف بهذا في هذا الحديث لأن السائل كان مسلمًا قد أتى بأركان الإسلام الواجبة لله -عز وجل-، وإنما يجهل دخول هذا القَدْر الواجب من حقوق العباد في الإسلام، فبين له النبي -صلى الله عليه وسلم- ما جهله، ويشبه هذا: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما خطب في حجة الوداع وبيّن للناس حرمة دمائهم وأموالهم وأعراضهم وأَتْبَعَ ذلك بقوله: «سأخبركم مَن المسلم: مَن سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن: مَن أَمِنَهُ الناس على أموالهم وأنفسهم» خرجه ابن حبان في صحيحه من حديث فضالة بن عبيد، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- أحيانًا يجمع لمن قدم عليه يريد الإسلام بين ذِكْرِ حق الله وحق العباد، كما في مسند الإمام أحمد عن عمرو بن عبسة قال: قال رجل: يا رسول الله، ما الإسلام؟ قال: «أن تُسلم قلبك لله، وأن يسلم المسلمون من لسانك ويدك». فتح الباري (1/ 37- 39).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «المسلم» قيل: الألف واللام فيه للكمال، نحو: زيد الرجل أي: الكامل في الرجولية، وتُعقب بأنه يستلزم أنَّ مَن اتصف بهذا خاصة كان كاملًا، ويُجاب بأن المراد بذلك مع مراعاة باقي الأركان...، ويحتمل أن يكون المراد بذلك أن يبين علامة المسلم التي يستدل بها على إسلامه وهي سلامة المسلمين من لسانه ويده كما ذكر مثله في علامة المنافق، ويحتمل أن يكون المراد بذلك الإشارة إلى الحث على حسن معاملة العبد مع ربه؛ لأنه إذا أحسن معاملة إخوانه فأَولى أن يُحسن معاملة ربه من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى. فتح الباري (1/ 53- 54).
قوله: «والمهاجرُ مَن هَجَرَ ما نهى اللهُ عنْهُ»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «والمهاجر» عطف على قوله: «المسلم»، و «مَن» أيضًا في: «مَن هجر» موصولة، و «ما نهى الله عنه» جملة في محل النصب؛ لأنها مفعول «هَجَرَ»، وكلمة «ما» موصولة، و«نهى الله عنها» صِلتها. عمدة القاري (1/ 132).
وقال القسطلاني -رحمه الله-:
قوله: «والمهاجر» أي: المهاجر حقيقة «مَن هَجَر» أي: ترك «ما نهى الله عنه». إرشاد الساري (1/ 94).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«والمهاجر» أي: هِجرة تامة فاضلة «مَن هجر» أي: ترك «ما نهى الله عنه» أي: ليس المهاجر حقيقة مَن هاجر مِن بلاد الكفر، بل مَن هجر نفسه وأكرهها على الطاعة، وحملها تجنُّب المنهي؛ لأن النفس أشد عداوة من الكافر؛ لقربها وملازمتها وحرصها على منع الخير، فالمجاهد الحقيقي مَن جاهد نفسه، واتَّبع سنة نبيِّه، واقتفى طريقه في أقواله وأفعاله على اختلاف أحواله، بحيث لا يكون له حركة ولا سكون إلا على السُّنة، وهذه الهجرة العليا؛ لثبوت فضلها على الدوام. فيض القدير (6/ 271).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«ما نهى الله عنه» شمل صغائر الذنوب وكبائرها، وكامل الهجرة مَن هجر المعاصي رأسًا، وتحلَّى بالطاعة. دليل الفالحين (8/ 407).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قوله: «والمهاجر مَن هجر ما نهى الله عنه» قال أبو الزناد: لما انقطعت الهجرة وفَضْلُها حَزِنَ على فواتها مَن لم يدركها من أصحاب الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فأعملهم أن المهاجر على الحقيقة مَن هجر ما نهى الله عنه، وقال غيره: أعلم المهاجرين أنه واجب عليهم أن يلتزموا هجر ما نهى الله عنه، ولا يتَّكِلوا على الهجرة فقط. شرح صحيح البخاري (1/ 62- 63).
وقال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «والمهاجر مَن هجر ما نهى الله عنه» المهاجرة: ترك الرجل وطنه، والانتقال إلى موضع آخر، وفي الشرع: ترك الرَّجُل وطنه الذي كان بين الكفار والانتقال إلى دار الإسلام لله تعالى ولرسوله -عليه السلام-، والمهاجر ليس مَن هاجر من مكة إلى المدينة قبل فتح مكة فقط، بل الهجرة باقية إلى يوم القيامة؛ لأن الهجرة هي الانتقال من الكفر إلى الإسلام، ومن ديار الكفر إلى ديار المسلمين، ومن المعصية إلى الطاعة، وهذه الأشياءُ باقيةٌ أبدًا، والمهاجر في هذا الحديث هو المهاجر الكامل؛ لأن مَن هاجر من دار الكفر، وانتقل إلى دار المسلمين، فهو مهاجر، وإن لم يُهاجرْ ما نهى الله تعالى عنه من الذنوب، ولكنه مهاجر غير كامل، ومَن هاجر جميع ما نهى الله تعالى عنه، فهو مهاجرٌ كامل. المفاتيح (1/ 66- 67).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
قوله: «والمهاجر مَن هجر ما نهى الله عنه» فأصل الهجرة: هُجران الشرِّ ومباعدته لطلب الخير ومحبته والرغبة فيه، والهجرة عند الإطلاق في كتاب السُّنة إنما تنصرف إلى هجران بلد الشرك إلى دار الإسلام؛ رغبة في تعلم الإسلام والعمل به، وإذا كان كذلك فأصل الهجرة: أن يهجر ما نهاه الله عنه من المعاصي، فيدخل في ذلك هُجران بلد الشرك رغبة في دار الإسلام، وإلا فمجرد هجرة بلد الشرك مع الإصرار على المعاصي ليس بهجرة تامة كاملة، بل الهجرة التامة الكاملة: هجران ما نهى الله عنه، ومن جملة ذلك: هجران بلد الشرك مع القدرة عليه. فتح الباري (1/ 39).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
قوله: «والمهاجر مَن هجر ما نهى الله عنه» أي: قَطَعَه وتَبَاعَد مِن فِعله، معنى المهاجِر: التام الهجرة، فلا هجرة أعظم من هجر المحرمات، كما قال -عليه السلام-: «إن جهاد النفس أكبر من جهاد العدو». التوضيح (29/ 529).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «والمهاجر» هو بمعنى الهاجر وإن كان لفظ المفَاعِل يقتضي وقوع فعل من اثنين، لكنه هنا للواحد كالمسافر، ويحتمل أن يكون على بابه؛ لأن مِن لازم كونه هاجرًا وطنه مثلًا أنه مهجور من وطنه، وهذه الهجرة ضربان ظاهرة وباطنة، فالباطنة: ترك ما تدعو إليه النفس الأمارة بالسوء والشيطان، والظاهرة: الفرار بالدِّين من الفتن. فتح الباري (1/ 54).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
«والمهاجر...» حصر ادعائي على طريق المبالغة؛ لأن الهجرة بين الناس هي الانتقال من مكة إلى المدينة قبل فتح مكة، فأشار هنا إلى أن الغرض من الهجرة: امتثال أمر الله، فالذي يهاجر ما نهى الله عنه فلا هجرة له كاملة، وقد ضرب الأمثال في هذه الأحاديث مبالغةً في إمامة الحق -عليه أفضل صلوات وأكمل تسليم-. الكوثر الجاري (10/ 163).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
فيه (أي: الحديث): الحثُّ عَلَى ترك أذى المسلمين بكل ما يؤذي، وسِرُّ الأمر في ذَلِكَ: حسن التخلق مع العالم...
وفيه: رد عَلَى المرجئة؛ فإنه ليس عندهم إسلام ناقص. التوضيح (2/ 492).
وقال العيني -رحمه الله-:
فيه: الحث على ترك المعاصي، واجتناب المناهي. عمدة القاري (1/ 132).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
عُلم من هذا الحديث: أنَّ مَن لم يسلم الناس من لسانه أو يده فليس بمسلم، فمَن كان ليس له همٌّ إلا القيل والقال في عباد الله، وأكل لحومهم وأعراضهم، فهذا ليس بمسلم، وكذلك مَن كان ليس له همٌّ إلا الاعتداء على الناس بالضرب، وأخذ المال، وغير ذلك مما يتعلق باليد، فإنه ليس بمسلم.
هكذا أخبر النبي -عليه الصلاة والسلام-، وليس إخبار النبي -صلى الله عليه وسلم- لمجرد أن نعلم به فقط، بل لِنعلم به، ونعمل به، وإلا فما الفائدة من كلام لا يُعمل به؟ إذًا فاحرص إن كنتَ تريد الإسلام حقًّا على أن يَسلم الناس مِن لسانك ويدك، حتى تكون مسلمًا حقًّا. شرح رياض الصالحين (2/ 511- 513).
وقال الشيخ حمزة محمد قاسم -رحمه الله-:
يستفاد من الحديث ما يأتي:
أولًا: اهتمام الإِسلام البالغ بكفِّ الأذى عن الناس، وحُسن معاملتهم، حتى إنه حصر الإِسلام الكامل فيه، وحثّ المسلمين عليه؛ لأن الدِّين المعاملة، فالمسلم لا يؤذي أحدًا ولو كان كافرًا...
ثانيًا: أن الإِيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية؛ لأنّه لما كمل بحسن المعاملة، فإنه ينقص بسوء المعاملة حتمًا.
ثالثًا: أن الهجرة إنما تتحقق بترك المعاصي لا بمجرد الانتقال من بلد لآخر؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «المهاجر مَن هجر ما نهى الله عنه».
رابعًا: أنَّ ترك المحظورات مقدَّم على فعل المأمورات، وأن الدين المعاملة. منار القاري (1/ 86- 87).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: الحديث):
منها: ما ترجم له المصنف (أي: النسائي) -رحمه الله تعالى-، وهو بيان صفة المؤمن الكامل، وهو كونه متصفًا بأمن الناس له على دمائهم وأموالهم.
ومنها: أنه يستفاد منه أن الأصل في الحقوق النفسية والمالية التحريم، فلا يحل شيء منها إلا بوجه شرعي.
ومنها: أن فيه بيان تفاوت درجات المسلمين، حيث إن بعضهم وصل إلى درجة الكمال، وبعضهم لم يَصل إليها. ذخيرة العقبى (37/ 245).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
يؤخذ من الحديث:
1. الحث على ترك أذى المسلمين بكل ما يؤذي، وجماع ذلك: حسن الخلق وهو درجات، أعلاها درجة الأبرار، وهم الذين لا يؤذون الذر، ولا يضمرون الشر.
2. في الحديث رد على المرجئة في قولهم: لا يضر مع الإيمان معصية.
3. في الحديث أن العفو والصفح وترك المؤاخذة أولى من المطالبة والمعاقبة {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} الشورى: 43.
4. والحث على هجر الفسق والعصيان.
5. وفيه أن عدم الإيذاء علامة ظاهرة من علامات المسلم، وليس معنى ذلك أن مَن سلم المسلمون من لسانه ويده يكون كامل الإسلام وإن قصر في الواجبات الأخرى، فظهور علامة قد تكون غير معبرة عن باطن حقيقي لا تَثبت بها الحقيقة الكاملة، نعم مَن لم يسلم المسلمون من أذاه لا يكون مسلمًا كامل الإسلام، وإن كان مسلمًا في الجملة. المنهل الحديث (1/ 14- 15).
وللفائدة ينظر:
حديث: «...والمؤمنُ مَن أمِنهُ الناسُ على دِمائِهِم وأموالِهم».