«أَمَرَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- بالصدقة، فقال رجل: يا رسول الله، عندي دِيْنَار، قال: تصدَّق به على نفسك، قال: عندي آخر، قال: تصدَّق به على ولدك، قال: عندي آخر، قال: تصدَّق به على زَوْجَتِك، أو قال: زُوْجِكَ، قال: عندي آخر، قال: تصدَّق به على خادمك، قال: عندي آخر، قال: أنت أَبْصَر».
رواه أحمد برقم: (7419)، ورقم: (10086)، وأبو داود برقم: (1691)، واللفظ له، والنسائي برقم: (2535)، بتقديم الزوجة على الولد، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
صحيح سنن النسائي برقم: (2375)، صحيح الترغيب والترهيب برقم: (1958).
غريب الحديث
«أَبْصَر»:
يقال: بَصَر يُبْصِر: إذا صار عليمًا بالشيء، فإذا نظرت قلتَ: أَبْصَرتُ أُبْصِر. الغريبين في القرآن والحديث، للهروي (1/ 183).
إظهار شرح الحديث
شرح الحديث
قوله: «أَمَرَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- بالصدقة»:
قال محمود السبكي -رحمه الله-:
قوله: «أمر النبي بالصدقة» أي: بقوله: «تصدقوا»، كما في رواية النسائي. المنهل العذب المورود (10/ 8).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«أمر النبي -صلى الله عليه وسلم-»، أي: حث «بالصدقة». بذل المجهود (6/ 559).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
معنى «الصدقة» في هذا الحديث: النفقة. معالم السنن (2/82).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
الظاهر أن هذا في صدقة التطوع، وأنها يصح دفعها إلى أولاده الذين تجب عليه نفقتهم إذا كانوا محتاجين، ويدخل في الولد الذَّكر والأنثى، وولد الولد عند فَقْدِ الولد في معناه كالميراث. شرح سنن أبي داود (8/ 104).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -رحمه الله-:
الصدقة هنا بمعنى الإنفاق، والإنسان عندما ينفق على نفسه وعلى أقاربه الذين يجب عليه نفقتهم فإنه مأجور إذا احتسب ذلك، ولهذا جاء في الحديث: «كُلُّ سُلَامي من الناس عليه صدقة فيه، وفي بُضْعِ أحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدُنا شهوته ويكون له أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ قالوا: نعم، قال: فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر». شرح سنن أبي داود (205/ 19).
قوله: «فقال رجل: يا رسول الله، عندي دينار»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«عندي دينار» أي: وأريد أن أتصدق به. ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (22/ 373).
قوله: «قال: تصدق به على نفسك»:
قال السهارنفوري -رحمه الله-:
«قال» أي: رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «تصدق به» أي: بالدينار «على نفسك»؛ فإن لنفسك عليك حقًّا، فلهذا قدَّم حقَّه من جميع المال في تجهيزه وتكفينه وقضاء ديونه. بذل المجهود (6/560).
وقال السندي -رحمه الله-:
«تصدق به على نفسك» أي: اقض به حوائج نفسك. حاشية السندي على سنن النسائي (5/ 62).
وقال الشيخ عبد الكريم الخضير -حفظه الله-:
«تصدق به على نفسك» يعني: إن كان ما عندك غيره فأنفقه على نفسك. شرح المحرر في الحديث (56/ 23).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
لأنَّ نفقته على نفسه أهم ما يجب عليه أن يقدِّمه بقوله -صلى الله عليه وسلم- في أحاديث عدة: «ابْدَأْ بنفسك ثم بِمَن تَعُول». الشافي في شرح مسند الشافعي (5/ 125).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
بدأ بالنفس؛ لأن حماية النفس واجبة، فإذا كان هذا في إمداد النفس بما فيه قوامها فكيف بدفع الضرر عن النفس؟ فتح ذي الجلال والإكرام (3/ 112).
قوله: «قال: عندي آخر»:
قال الشيخ عبد القادر شيبة الحمد -رحمه الله-:
«عندي آخر» أي: عندي دينار ثان، فماذا أَفْعَلُ به؟ فقه الإسلام شرح بلوغ المرام (8/ 114).
قوله: «قال: تصدق به على ولدك»:
قال الشيخ عبد القادر شيبة الحمد -رحمه الله-:
«تصدَّقْ به على ولدك» أي: أَنْفِقْهُ على ولدك تُؤْجَر على ذلك. فقه الإسلام شرح بلوغ المرام (3/ 151).
قال الشيخ عبد الكريم الخضير -حفظه الله-:
«تصدَّق به على ولدك» مِن ذكور وإناث. شرح المحرر في الحديث (56/ 23).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«تصدَّق به على ولدك» وفي رواية للنسائي: «تصدَّق به على زوجك» قبل الولد، وهذه الرواية أصح، ولعل الراوي إما نسي أو اختصر هنا. فتح ذي الجلال والإكرام (3/ 112).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
ثنى بالولد لشدة احتياجه إلى النفقة، ولزيادة قُربه من الأب بالنسبة لسائر الأقارب، لكونه كبَعْضِه، وقُرَّة عينه، وفَلْذَة كبده، فإذا ضيعه هلك ولم يجد من ينوب عنه في الإنفاق عليه. المنهل العذب المورود (10/ 8).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
إنما قدَّم الولد على الزوجة لشدة افتقاره إلى النفقة بخلافها؛ فإنه لو طلقها لأمكنها أن تتزوج بآخر. شرح المصابيح (2/ 490).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
الأظهر أن يقال: لأن نفقة الزوجة تَقْبَل الانفكاك عن اللزوم، بخلاف نفقة الولد، سيما إذا كان صغيرًا فقيرًا. مرقاة المفاتيح (4/ 1354).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
لَمَّا كان الولد أهم عنده من الزوجة والخادم قدَّمه في الذِّكر؛ ولأن الإنسان مَيْله إلى ولده أكثر من غيره؛ ولأن الولد إنما تجب نفقته على أبيه إذا كان طفلًا وغير بالغ؛ أو هو عاجز عن الكسب بزمانة (أي: بمرض عضال) أو جنون، وعمَّا يقوته، وإذا ضيعه ولم ينفق عليه هلك؛ لعدم من ينفق عليه، فالرحمة له أكثر، والشفقة عليه أوفر، بخلاف الزوجة والخادم، فإنهما أقدر من الولد الصغير والعاجز؛ ولأن نفقة الولد إذا فاتت سقطت بخلاف الزوجة فإنها لا تسقط ولها المطالبة بها؛ ولأنها إذا لم ينفق عليها وفُرِّق بينهما كان لها مَن يُنفق عليها مِن ذي رحم، أو زوج تَسْتَجِدُّه. الشافي في شرح مسند الشافعي (5/ 125).
قوله: «قال: عندي آخر»:
قال الشيخ عبد القادر شيبة الحمد -رحمه الله-:
«عندي آخر» أي: عندي دينار ثالث، فماذا أفعل به؟ فقه الإسلام شرح بلوغ المرام (8/ 114).
قوله: «قال: تصدق به على زوجتك، أو قال: زوجك»:
قال الشيخ عبد الكريم الخضير -حفظه الله-:
«تصدق به على زوجتك» يعني: أَنْفِقْهُ على زوجتك. شرح المحرر في الحديث (56/ 23).
وقال النووي -رحمه الله-:
«تصدق به على زوجتك أو زوجك» كذا جاء على الشك، وهما لغتان في المرأة، يقال لها: زوج وزوجة، وحذف الهاء أفصح وأشهر، وبه جاء القرآن العزيز. المجموع شرح المهذب (6/ 234).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«تصدق به على زوجتك» فيه شاهد على أن امرأة الرجل يقال لها: زوجة بالهاء، وهي لغة قليلة حكاها جماعة من أهل اللغة، والأشهر الأكثر حذفها وبها جاء القرآن، قال الله تعالى: {اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} البقرة: 35، وقد جاءت الهاء في الأحاديث الصحيحة، وتَحْسُن في كتب الفرائض هذه اللغة؛ ليفرق بها بين الذكر والأنثى. شرح سنن أبي داود (8/ 104-105).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
أخَّر الزوجة عن الولد لأنه إذا لم يجد ما ينفق عليها أمكنه مفارقتها فينفق عليها قريب أو زوج آخر، وكذا الخادم (في بعض الروايات)؛ فإنه يباع عليه إذا عجز عن نفقته فتكون (النفقة) على من يملكه. المنهل العذب المورود (10/ 8).
قوله: «قال: عندي آخر»:
قال الشيخ عبد القادر شيبة الحمد -رحمه الله-:
«عندي آخر» أي: عندي دينار رابع، فماذا أفعل به؟ فقه الإسلام شرح بلوغ المرام (8/ 115).
قوله: «قال: تصدق به على خادمك»:
قال السهارنفوري -رحمه الله-:
«تصدق به على خادمك» الخادم يطلق على الغلام والجارية. بذل المجهود (6/ 560).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
الخادم بعد الولد (هذا حسب إحدى الروايات)؛ لأن الولد لا انفكاك منه، لكن الخادم تستطيع أن تنفك منه، بماذا؟ إن كان مملوكًا بِعْتَهُ، وإن كان حرًّا فسَخْتَ الأجرة بينك وبينه، وذهب إلى غيرك، لكن الولد مُشْكِل. فتح ذي الجلال والإكرام (3/ 113).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
أما الخادم: فإنه بِعُرْضَةِ الكسب والقدرة على الطلب، فلذلك قدم الزوجة عليه وأخَّره، ولأنها عاجزة بتعلقها بزوجها ومنعه إياها؛ ولأنه يبايع عليه إذا عجز عن نفقته فتكون نفقته على من يبتاعه. الشافي في شرح مسند الشافعي (5/ 125).
قوله: «قال: عندي آخر»:
قال الشيخ عبد القادر شيبة الحمد -رحمه الله-:
«عندي آخر» أي: عندي دينار خامس، فماذا أفعل به؟ فقه الإسلام شرح بلوغ المرام (8/ 115).
قوله: «قال: أنت أبصر»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
أي: أَعْلَمُ بحال من يستحق الصدقة، فتحرَّى في ذلك واجتهد. الكاشف عن حقائق السنن (5/ 1565).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
أي: بحال من يستحق الصدقة، يعني: أَنْفِقْها على الفقراء وتحرَّ في ذلك من هو أولى وأحرى. لمعات التنقيح (4/ 380).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
«أنت أبصر» أي: أَعْلَم وأبصر بشأنك وبإخراج مالك في أبواب البر، فإن شئت تصدقت، وإن شئت أمسكت. الشافي في شرح مسند الشافعي (5/ 125).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
قوله: «أنت أبصر» أي: أعلم بطريق صرفه بعد أن بيَّنْتُ لك أصول المصارف، وأن الأقارب أحق بالصدقة من الأباعد بحسب تفاوت المراتب بينهم. المنهل العذب المورود (10/ 8).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«أنت أبصر به» معناه: ضَعْه حيث شئت في المساجد، في إصلاح الطرق، في أي شيء شئت، يعني: بعد الأمور المرتبة أنت أبصر به. فتح ذي الجلال والإكرام (ذ3/ 113).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
وإنما وَكَّل إليه هذا القِسْم وبيَّن السابق ومراتبه، لأن السائل أراد بسؤاله الصدقة، فحمله -عليه السلام- على الإنفاق جريًا على الأسلوب الحكيم، وما هو أهم به وأولى، كقوله تعالى: {قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ} البقرة: 215. الكاشف عن حقائق السنن (5/ 1565).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
هذا الترتيب إذا تأملتَه علمتَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قدَّم الأَولى فالأَولى، والأقرب، وهو أنه أمره بأن يبدأ بنفسه، ثم بولده؛ لأن ولده كبعضه، فإذا ضيَّعه هلك ولم يجد من ينوب عنه في الإنفاق عليه، ثم ثلَّث بالزوجة، وأخَّرها عن درجة الولد؛ لأنه إذا لم يجد ما ينفق عليها فُرِّقَ بينهما، وكان لها من يَمُونُها مِن زوج أو ذي رحم تجب نفقتها عليه، ثم ذكر الخادم؛ لأنه يُباع عليه إذا عجز عن نفقته، فتكون النفقة على مَن يبتاعه ويملكه، ثم قال له فيما بعد: «أنت أَبْصَرُ»، أي: إن شئتَ تصدقتَ، وإن شئتَ أمسكتَ، وقياس هذا في قول من رأى أن صدقة الفطر تلزم الزوج عن الزوجة، ولم يفضل من قوته أكثر من صاع أن يخرجه عن ولده دون الزوجة؛ لأن الولد مقدَّم الحق على الزوجة، ونفقة الأولاد إنما تجب بحق البعضية النسبية، ونفقة الزوجة إنما تجب بحق المتعة العوضية، وقد يجوز أن ينقطع ما بين الزوجين بالطلاق، والنسب لا ينقطع أبدًا. معالم السنن (2/ 81-82).
وقال العراقي -رحمه الله- ناقلًا تعقب والده على الخطابي:
قال والدي -رحمه الله- في شرح الترمذي: وإذ قد اختلفت الروايتان، وكلاهما من رواية ابن عجلان عن المقبري عن أبي هريرة فيُصار إلى الترجيح، وقد اختلف على حماد بن زيد، فقَدَّم السفيانان (أي: الثوري، وابن عيينة)، وأبو عاصم النبيل، وروح بن القاسم عن حماد ذِكْرَ الولد على الزوجة، وهي رواية الشافعي في المسند، وأبي داود والحاكم في المستدرك وصححه، وقدَّم الليث ويحيى القطان عن حماد الزوجة على الولد، وهي رواية النسائي، وعند ابن حبان والبيهقي ذكر الروايتين معًا، وهذا يقتضي ترجيح رواية تقديم الولد على الزوجة. انتهى.
والذي أطبق عليه أصحابنا الشافعية -كما قاله الرافعي والنووي- تقديم الزوجة على الولد؛ لأن نفقتها آكد، فإنها لا تسقط بمضي الزمان، ولا بالإعسار؛ ولأنها وجبت عُوضًا، لكن اعترضه إمام الحرمين بأن نفقتها إذا كانت كذلك كانت كالديون، ونفقة القريب في مال المفلس تُقَدَّم على الديون، وخرج لذلك احتمالًا في تقديم القريب، وأيده بهذا الحديث، وهو وجه حكاه المتولي في التتمة (تتمة الإبانة عن أحكام فروع الديانة) أن نفقة الولد الطفل تُقدم على نفقة الزوجة، وقد عرفت أن الخطابي مشى عليها في شرح هذا الحديث، وعلله بما سبق، والله أعلم. طرح التثريب (7/ 178).
وقال النووي -رحمه الله-:
نفقة الزوجة لا تسقط بمضي الزمان، فإذا مَكَّنَت المرأة الزوج من نفسها زمانًا ولم ينفق عليها وجبت لها نفقة ذلك الزمان، سواء فرضها الحاكم أو لم يفرضها، وبه قال مالك وأحمد، وقال أبو حنيفة: يسقط عنه إلا أن يفرضها الحاكم، دليلنا: أنه حق يجب مع اليسار والإعسار فلا يسقط بمضي الزمان كالدَّيْنِ. المجموع (18/ 275).
وقال الرافعي -رحمه الله-:
وكأن المعنى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- حث على صدقة التطوع، فراجعه الرجل فيما عنده، فبين له أن الإنفاق في هذه الجهات أهم؛ فإنها واجبة، وإنما يندب إلى الصدقة التطوع بعد أداء الواجبات. شرح مسند الشافعي (3/ 359).
وقال النووي -رحمه الله-:
أما الأحكام: ففيه مسألتان:
إحداهما: إذا كان محتاجًا إلى ما معه لنفقة نفسه أو عياله، هل يتصدق صدقة التطوع؟ فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: لا يستحب ذلك، ولا يقال: مكروه، وبهذا قطع الماوردي والغزالي وجماعة من الخراسانيين، وتابعهم الرافعي، فقال: لا يستحب له التصدق، وربما قيل: يُكره، وقال الماوردي: صدقة التطوع قبل أداء الواجبات من الزكوات والكفارات، وقيل: الإنفاق على من تجب نفقتهم من الأقارب والزوجات غير مستحبة ولا مختارة، هذا لفظه.
والثاني: يُكره ذلك، وبه قطع المتولي.
والثالث: وهو الأصح لا يجوز، وبه قطع المصنف (الشيرازي) هنا، وفي التنبيه (في فقه الشافعي)، وشيخه القاضي أبو الطيب، والدارمي وابن الصباغ، والبغوي وصاحب البيان (العمراني) وآخرون، وظاهر نص الشافعي -رضي الله عنه- إشارة إلى الوجه الأول؛ لأنه قال في مختصر المزني: أُحِبُّ أن يبدأ بنفسه، ثم بمن يعول؛ لأن نفقة من يعول فرض، والفرض أولى به من النفل، ثم بقرابته، ثم من شاء، هذا نصه -رضي الله عنه-...
المسألة الثانية: إذا أراد صدقة التطوع وعليه دَين، فقد أطلق المصنف (الشيرازي) وشيخه أبو الطيب وابن الصباغ والبغوي وآخرون أنه لا تجوز صدقة التطوع لمن هو محتاج إلى ما يتصدق به لقضاء دَينه، وقال المتولي وآخرون: يكره، وقال الماوردي والغزالي وآخرون: لا يستحب، وقال الرافعي: لا يستحب، وربما قيل: يكره، هذا كلامه.
والمختار: أنه إن غلب على ظنه حصول الوفاء من جهة أخرى فلا بأس بالصدقة، وقد تستحب، وإلا فلا تَحِلُّ، وعلى هذا التفصيل يحمل كلام الأصحاب المطلق، والله أعلم. المجموع شرح المهذب (6/ 234-235).
وقال الجمال الملطي -رحمه الله-:
ذهب أبو عبيد القاسم بن سلام وغيره إلى أن مَن ملك أربعة دنانير فهو غني تحرم عليه الصدقة، كما يقوله أهل المدينة في من ملك أربعين درهمًا، قالوا: لأنه لم يؤمر فيما وراء الأربعة بشيء، وردَّ الأمر إليه فيه، ولا حُجة لهم في ذلك؛ لأنه يحتمل أنه -صلى الله عليه وسلم- إنما أمره في كل دينار من دنانيره الأربعة بما هو أولى به في ذلك، وردَّ الأمر في الخامس إليه؛ لأنه لم يعلم له سببًا يأمره بصرفه فيه، فرد الأمر فيه إليه؛ إذ هو أعلم بما يحتاج إليه من أمر نفسه، لا لثبوت غناه عنده بالأربعة دنانير، إذ لو كان كذلك لما أمر في الرابع بشيء، ولصرف الأمر فيه إليه، كما فعل بالخامس. المعتصر من المختصر من مشكل الآثار (1/ 126).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
فيه: دليل على أن الحقوق والفضائل إذا تزاحمت قُدِّم الآكد فالآكد كما في الحديث، لكن ظاهر الحديث أن نفقة الولد تقدم على نفقة الزوجة، ومذهب الشافعي: أن نفقة الأصول والفروع لا تجب إلا إذا فَضَلَ عن قُوته وقوت زوجته يومه وليلته، فإن لم يَفْضُلْ شيء فلا شيء عليه لهما، فإن نفقة القرابة لا تجب إلا على الموسر الذي هو أهل للمواساة، بخلاف نفقة الزوجة فإنها تجب على الموسر والمعسر، سواء فرضها القاضي أو لا، بخلاف نفقة الأولاد، فإنها لا تستقر في الذمة إلا بفرض القاضي.
وفي الحديث: دليل على أن الأفضل في صدقة التطوع أن ينوعها في جهات الخير ووجوه البر بحسب المصلحة، ولا تنحصر في جهة بعينها. شرح سنن أبي داود (8/ 105-106).
وقال القدوري -رحمه الله-:
فهذا يدل على أنه لا يجب عليه نفقة أخيه وعمه وخاله. التجريد (10/ 5404).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
(و) فيه: دليل على أن الإنفاق على أهل الرجل أفضل من الإنفاق في سبيل الله، ومن الإنفاق في الرقاب، ومن التصدق على المساكين، وحديث جابر («ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فَضَلَ شيء فلأهلك، فإن فَضَلَ عن أهلك شيء فلِذِي قرابتك، فإن فَضَلَ عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا») فيه دليل على أنه لا يجب على الرجل أن يُؤْثِرَ زوجتَه وسائر قرابته بما يحتاج إليه في نفقة نفسه، ثم إذا فَضَلَ عن حاجة نفسه شيء فعليه إنفاقه على زوجته، وقد انعقد الإجماع على وجوب نفقة الزوجة، ثم إذا فَضَلَ عن ذلك شيء فعلى ذوي قرابته، ثم إذا فَضَلَ عن ذلك شيء فيستحب له التصدق بالفاضل.
(و) فيه: دليل على أنه يلزم الأب نفقة ولده المعسر، فإن كان الولد صغيرًا فذلك إجماع كما حكاه صاحب البحر، وإن كان كبيرًا فقيل: نفقته على الأب وحده دون الأم، وقيل: عليهما حسب الإرث.
(و) فيه: دليل على وجوب نفقة الخادم. نيل الأوطار، باختصار (6/ 381-382).
وقال ابن المنذر -رحمه الله-:
أجمع كلُّ مَن نحفظ عنه من أهل العلم على أن على المرء نفقة أولاده الأطفال الذين لا مال لهم.
واختلفوا في وجوب نفقة البالغ الذي لا مال له منهم ولا كسب يستغني به، فقالت طائفة: على الأب، أن ينفق على ولده، ولد الصُّلْبِ الذكور حتى يحتلموا، فإذا احتلموا لم يلزمه نفقتهم، والنساء حتى يتزوجن، ويدخل بهن أزواجهن، إذا دخل بها زوجها فلا نفقة لها، وإن طلقها بعد البناء، أو مات عنها فلا نفقة لها على أمها، فإن طلقها قبل البناء فهي على نفقتها، ولا نفقة لولد الولد على جدهم، هذا قول مالك.
وقالت طائفة: وينفق على ولده حتى يبلغوا المحيض والحلم، ثم لا نفقة لهم عليه إلا أن يكونوا زَمْنَى (أي: بهم مرض عُضَال) فينفق عليهم، الذَّكَر والأنثى فيه سواء، ما لم يكن لهم أموال، وسواء في ذلك ولده وولد ولده وإن سفلوا، ما لم يكن لهم أب دونه يقدر على أن ينفق عليهم، وإذا زَمِنَ الأب والأم أَنْفَقَ عليهما الولد، وكذلك الأجداد، هذا قول الشافعي.
وقالت طائفة: يُفرض عليه نفقة ولده الصغار، والنساء، والرجال الزَّمْنَى، فأما الذين لا زَمَانَة بهم من الرجال فإنه لا يفرض لهم نفقة، ومن كان منهم رَجُل به زَمَانَة أو امرأة غير زَمِنَة دُفعت نفقته إليه، هذا قول أصحاب الرأي.
وأوجبت طائفة النفقة لجميع أولاده البالغين، الأطفال من الرجال والنساء، إذا لم يكن لهم أموال يستغنون بها عن نفقة الوالد، على ظاهر قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لهند: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف»، ولم يَسْتَثْنِ ولدًا بالغًا دون الطفل، فإن أجمع أهل العلم على إسقاط النفقة على أهل اليسار منهم سقط بذلك نفقتهم، وكل مختلف فيه، فمردود إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم -. الإشراف على مذاهب العلماء (5/ 167-169).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
فوائده (أي: الحديث):
منها: أن الواجب على الشخص في النفقة أن يقدِّم نفسه، ثم الأقرب، فالأقرب.
ومنها: وجوب نفقة الزوجة، وهو مجمع عليه.
ومنها: وجوب نفقة الأولاد، وقد تقدم اختلاف أهل العلم فيه.
ومنها: وجوب نفقة الخادم.
ومنها: أن المتطوع بالصدقة خُيِّر بين أن يتصدق، وبين أن يترك، فلا تجب عليه الصدقة إلا الزكاة، وصدقة الفطر، أو ما يكون لعارض، كما إذا وَجَدَ مضطرًّا، على ما قدمنا تفصيله. ذخيرة العقبى في شرح المجتبى (22/ 375).
وقال ابن عثيمين -رحمه الله-:
ومن فوائده: أن الإنفاق على النفس صدقة، ولكن هي صدقة شرعًا أما عُرفًا فلا، وعلى هذا فلو أن الإنسان حلف قال: والله لأتصدقنَّ، ثم ذهب إلى المطعم فأفطر هل يكون برَّ بيمينه؟ عرفًا: لا؛ لأن الصدقة عرفًا إنما تكون لغير نفس الإنسان، بل ولغير نفقته على زوجته وأهله، فيستفاد من هذا: أن الصدقة في الشرع أوسع منها في العرف.
ومن فوائده أيضًا: الترتيب بين المصالح، وأن الإنسان يبدأ بالأهم.
ومن فوائده: جواز اتخاذ الخادم لقوله: «على خادمه»، وهذا إقرار من النبي -صلى الله عليه وسلم- على اتخاذ الخدم، بل حتى في القرآن ما يدل عليه كما في قوله تعالى: {أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ} النور: 31. فتح ذي الجلال والإكرام(3/١١٤).
وللفائدة ينظر: