الإثنين 22 ذو الحجة 1447 | 2026-06-08

A a

«نهى رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- ‌عن ‌التَّرَجُّلِ إلا غِبًّا».


رواه أحمد برقم: (16793) وأبو داود برقم: (4159) والترمذي برقم: (1756) والنسائي برقم: (5055) وابن حبان برقم: (5484) والطبراني في الأوسط برقم: (2436) والبيهقي في شُعب الإيمان برقم: (6048) من حديث عبد الله بن مغفل -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (6870) وصحيح سنن النسائي برقم: (4680).


غريب الحديث


«التَّرَجُّلِ»:
التَّرجُّل والتَّرْجِيل: تسريحُ الشَّعر وتنظيفه وتحسينه. النهاية، لابن الأثير (2/ 203).
وقال الزمخشري -رحمه الله-:
(يقال): رجَّل، تَرَجَّل الرَّجُل: إذا رجَّل شَعره...، وترجيله: تسريحه وتغذيته بالأدِّهان وتقويته. الفائق (2/ 43).

«غِبًّا»:
الغِبُّ: وِرْدُ يومٍ، وظِمءُ يومٍ. العين، للفراهيدي (4/ 350).
وقال نشوان الحميري -رحمه الله-:
غَبَّ فلان عن القوم: إذا جاءهم يومًا بعد يوم. شمس العلوم (8/ 4887).


إظهار شرح الحديث

شرح الحديث

قوله: «نهى رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-»:
قال محمود السبكي -رحمه الله-:
النهي: ضدُّ الأمر، وهو الكفُّ، يقال: نهاه ينهاه نهيًا، أي: كفَّه، وفي العُرْف: اقتضاء كفٍّ عن فعل لا بقول: كُفّ، والأداة الموضوعة له "لا" الجازمة.
والنهي في حديث الباب (أي: في حديث «أنْ يمتشط أحدنا كل يوم») محمول على الكراهة عند العلماء. المنهل العذب المورود (1/ 112).
وقال محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- متعقبًا:
الصارف له عن التحريم الأحاديث الدالة على الجواز. ذخيرة العقبى (4/ 390).

قوله: «‌عن ‌التَّرَجُّلِ إلا غِبًّا»:
قال ابن قتيبة -رحمه الله-:
«نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن ‌الترجل ‌إلا ‌غبًّا» كرهه كل يوم، وأَذِنَ فيه في اليومين وأكثر من ذلك. غريب الحديث (2/ 241).
وقال إبراهيم الحربي -رحمه الله-:
قوله: «نهى عن ‌الترجل ‌إلا ‌غبًّا» قرئ على أبي نصر (الباهلي) عن الأصمعي: ادَّهِنوا يومًا، ودَعُوا يومًا، وغَبَّتِ الأمور إذا صارت إلى أواخرها. غريب الحديث (2/ 611).
قال الأردبيلي -رحمه الله-:
المراد بالغِبِّ: التدهين وقتًا وقتًا، بحيث يجف الأول، وقيل: التدهين يومًا والترك آخر، وليس بشيءٍ. الأزهار مخطوط لوح (393).
وقال أبو عبيد -رحمه الله-:
وفي الحديث: «نهى عن ‌الترجل ‌إلا ‌غبًّا» كأنه كره كثرة الادِّهان وامتشاط الشَّعر. الغريبين (3/ 720).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
فالتزيُّن والتنظُّف مباح بهذا الحديث وغيره، ما لم يكن إسرافًا وتنعمًا، وتشبهًا بالجبارين، يدلك على ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم-: «البَذَاذة من الإيمان» وقد جاء عنه -صلى الله عليه وسلم- «أنه نهى عن الترجُّل إلا غبًّا». التمهيد (3/ 471).
وقال الباجي -رحمه الله-:
«نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن ‌الترجُّل ‌إلا ‌غبًّا» وهذا الحديث وإن كان رواته ثقات إلا أنه لا يثبت، وأحاديث الحسن عن عبد الله بن مغفل فيها نظر، ولو ثبت لاحتمل أن يكون معناه لمن يتأذى بإدمان ذلك لمرض، أو شدة بَرد؛ فنهاه أن يتكلف من ذلك ما يضر به، ويحتمل أن يريد به نهي من يعتقد أن ما كان يفعله أبو قتادة من دهنه في اليوم مرتين أمرًا لازمًا، فنُهي عن ذلك، وأعلمه أن السنة اللازمة من ذلك الإغباب به؛ لا سيما لمن منعه ذلك من تصرفه وشغله وعمله، وأن ما زاد على ذلك ليس بلازم، وإنما يجب أن يعتقد فيه أنه مباح مطلق؛ من شاء فعله، ومن شاء تركه، والله أعلم وأحكم. المنتقى (7/ 269).
وقال ابن القيم -رحمه الله-:
الصواب: أنه لا تعارض بينهما (أي: حديث أبي هريرة «مَن كان له شعرٌ فليُكْرِمْه» وهذا الحديث) بحال؛ فإنَّ العبد مأمور بإكرام شَعره، ومنهي عن المبالغة والزيادة في الرفاهية والتنعُّم، فيُكرم شَعره، ولا يتخذ الرفاهية والتنعُّم دَيدنه، بل يترجل غبًّا، هذا أولى ما حُمل عليه الحديثان، وبالله التوفيق. تهذيب سنن أبي داود (3/ 71).
وقال البغوي -رحمه الله-:
«نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن ‌الترجُّل ‌إلا ‌غبًّا»... وقد روي «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن كثير من الإرفاه» قيل: معناه: الترجُّل كل يوم، وأصل الإرفاه مِن الرَّفه، وهو أن تَرِدَ الإبلُ الماء كل يوم، ومنه أُخذت الرفاهية، وهي الخفض والدعة، فكره النبي -صلى الله عليه وسلم- الإفراط في التنعُّم من التدهين والترجيل، وفي معناه مظاهرة اللباس على اللباس، والطعام على الطعام على ما هو عادة الأعاجم، وأمر بالقصد في جميع ذلك، وليس معناه: ترك الطهارة والتنظُّف، فإن النظافة من الدين. شرح السنة (12/ 83- 84).
وقال الماوردي -رحمه الله-:
إنَّما اختار (أي: النبي -صلى الله عليه وسلم-) أنْ يدهن غبًّا، ولا يدَّهن في كل يوم؛ لما فيه من دَرَنِ الثوب، وتنميس الشعر (ترقيقه)، وكذلك نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن كثرة الإرفاه؛ قال أبو عبيد: هو كثرة التدهين، وإنَّما يُراد الدهن لتحسين البَشَرة، وإذهاب النَّوْسِ. الحاوي الكبير (1/ 129).
قال الأردبيلي -رحمه الله- مُعلِّقًا:
أما قول أنس: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يكثر دهن رأسه»، لا يدل على أنَّه لم يكن يدَّهن غبًّا، يجوز أنْ يكون يكثر، ولكن غِبًّا. الأزهار مخطوط لوح (393).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
اختلفت الرواية في الترجُّل، فروي فضل تَركه، وأن الشَّعِث الرأس، الدَّنِسَ الثوب هو الذي يستحب له شرعًا، والوجه عندي في ذلك: ما رواه أبو عيسى الترمذي: «أن النبي نهى عن ‌الترجُّل ‌إلا ‌غِبًّا» وهو تسريح الرأس وتحسينه...
ثم تعارَضت هنا الأحاديث، فروي عنه -صلى الله عليه وسلم- «أنه نهى عن ‌الترجل ‌إلا ‌غبًّا» والحديث الآخر: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ينهانا عن الإرفاه» الترجل كل يوم، وهذا الحديث يحتمل أن يكون فيمن شعره سبط لا يحتاج إلى أن يُرجله في كل وقت، وأما غيره فلا. المسالك (7/ 481 486).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
قال أحمد: معناه: يدَّهِن يومًا ويومًا لا، والقصدُ أن يكون ادِّهانه في رأسه وبدنه متوسطًا على حسب حاله، حتى لو احتاج إلى مداومته لكثرة شعره وقُحول بدنه جاز. شرح عمدة الفقه (1/ 213- 214).
وقال ابن مفلح -رحمه الله-:
والغِبُّ: يومًا ويومًا، نقله يعقوب عن أحمد، وفي الرعاية: ما لم يجف الأول لا مطلقًا للنساء، واللحية كالرأس في ظاهر كلامهم، ويفعله كل يوم للحاجة؛ لخبر أبي قتادة رواه النسائي، وقال الشيخ تقي الدين: يفعل ما هو الأصلح بالبلد، كالغسل بماء حار في بلد رطب؛ لأن المقصود ترجيل الشَّعر، وهو فعل الصحابة، وأن مثله نوع اللبس والمأكل. المبدع في شرح المقنع (1/ 82).
وقال ابن حجر الهيتمي -رحمه الله-:
لأن إدامته (أي: الترجل) تُشْعِر بمزيد الإمعان في الزينة والترفه؛ وذلك ‌إنما ‌يليق ‌بالنساء؛ لأنه ينافي شهامة الرجال. أشرف الوسائل (ص: 100- 101).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قال: «نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الترجُّل» أي: التمشط «إلا غبًّا» بكسر الغين المعجمة، وتشديد الموحدة...، فالغِبُّ في كل شيء بحسبه، وهو يختلف باختلاف الأفعال والأشخاص كما ورد من طرق كثيرة: «زُرْ غِبًّا تزدد حبًّا». مرقاة المفاتيح (7/ 2826).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «نهى عن ‌الترجل ‌إلا ‌غبًّا» تحرزًا عن الاهتمام بالتزين والمواظبة والتهالُّك...، واعلم أن النهي عن الامتشاط كل يوم يشمل الرأس واللحية، والترجُّل وإن كان غالب استعماله في الرأس، وفي اللحية يقال: التسريح، وبهذا الاعتبار قد تضعف الاستدلال كما قيل على ذلك بحديث النهي عن ‌الترجل ‌إلا ‌غِبًّا، لكن المراد به التمشيط مطلقًا؛ بقرينة ما جاء في حديث أبي داود صريحًا من النهي عن الامتشاط كل يوم، فعلى هذا ما يفعله بعض الناس من امتشاط اللحية بعد كل وضوء لا يكون سنة، ولم يصح ذلك عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- كذا قيل...
ثم اعلم أن ذلك نهي تنزيه لا تحريم، والمعنى فيه: أنه من باب الترفه والتنعم فيُجتنب، كذا نقل عن الشيخ ولي الدين العراقي المذكور، ثم الظاهر أن النهي عن الامتشاط كل يوم يخص الرجال دون النساء؛ لأن التجمل والتزين في حقهن غير مكروه، وقال بعض العلماء: النهي شامل للكل إلا أن الكراهة في حق النساء أخف؛ لأن باب التزيُّن في حقهن أوسع، كذا في مجمع البحار (للفتني). لمعات التنقيح (7/ 423- 425).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
«إلا غِبًّا» أي: في كل أسبوع مرة كذا روي عن الحسن...، وقيل: المراد به في وقت دون وقت، وأصل الغِب في إيراد الإبل أن ترد الماء يومًا، وتدعه يومًا. نيل الأوطار (1/ 158- 159).
وقال عبد الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
والحديث يدل على كراهة الاشتغال بالترجيل في كل يوم؛ لأنه نوع من الترفه. تحفة الأحوذي (5/ 364).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
ولا يعارِض حديثَ الباب ما رواه النسائي بإسناد رجاله رجال الصحيح عن أبي قتادة -رضي الله عنه-: «أنه كانت له جمة ضخمة، فسأل النبي -صلى الله عليه وسلم-؟ فأمره أن يحسن إليها، وأن يترجل كل يوم»؛ لإمكان الجمع بينهما بأن النهي مخصوص بمن لا يحتاج شعره إلى الترجل كل يوم، أما من يحتاج إلى ذلك كل يوم كأبي قتادة فلا يشمله النهي. ذخيرة العقبى (4/ 391).
قال الأردبيلي -رحمه الله-:
فيه: نهي عن الترجل والتدهين كل يوم، وهذا للكراهة والتنزيه. الأزهار مخطوط لوح (393).

وللفائدة ينظر:

الجمع بين حديث: «البذاذة من الإيمان» وحديث: «إن الله جميل يُحب الجمال».

هل الاعتناء بمشط الشعر بشكل يومي يدخل في النهي عن الترجل؟


إبلاغ عن خطأ