«مَن تابَ قبل أن تَطْلُعَ الشمسُ مِن مغربها، تابَ اللهُ عليه».
رواه مسلم برقم: (2703)، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
شرح الحديث
قوله: «من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها»:
قال الراغب الأصفهاني -رحمه الله-:
التوبة في الشرع: ترك الذنب لِقُبْحِهِ، والندم على ما فرط منه، والعزيمة على ترك المعاودة، وتَدَارك ما أمكنه أن يتدارك من الأعمال بالإعادة، فمتى اجتمعت هذه الأربع فقد كملت شرائط التوبة، وتاب إلى الله. المفردات (ص:169).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«من تاب» أي: رجع عن ذنبه بشرطه. التيسير (2/ 408).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
«من تاب» أي: توبة صحيحة جامعة للشروط «قبل أن تطلُع» بضم اللام «الشمس من مغربها» وتستمر طالعة إلى كبد السماء وحدِّ الاستواء، ثم تعود لعادتها، ومن يومئذ يُغلق باب التوبة، وتردَّد بعض المحققين في أن هذا عامٌّ لمن وُجد قبل الطلوع كذلك وبعده، أو خاص بالأول لتقصيره بالتأخير دون الثاني. دليل الفالحين (1/ 100).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«مَن تاب» عن ذنوبه ولو شركًا. الكوكب الوهاج (25/ 72).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها» هذا حدٌّ للتوبة جعله الله -تعالى-، ولها باب يسد عند هذه الآية، كما جاء في الحديث، وقد جاء في التفسير أنه معنى قوله: {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا} الأنعام: 158، وعلى ظاهره حمله أهل الفقه والحديث، خلاف ما تأوَّله عليه بعض الغالين من الباطنية. إكمال المعلم (8/ 198).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
«مَن تاب قبل طلوع الشمس مِن مغربها» يعني: أن التوبة تصحُّ وتُقبل دائمًا إلى الوقت الذي تطلع فيه الشمس من حيث تغرب، فإذا كان ذلك طُبع على كل قلبٍ بما فيه، ولم تنفع توبة أحد، وهذا معنى قوله -تعالى-: {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} الأنعام: 158، وسر ذلك وسببه: أن ذلك هو أول قيام الساعة، فإذا شوهد ذلك وعُويِنَ حصل الإيمان الضروري، وارتفع الإيمان بالغيب الذي هو المكلف به. المفهم (7/ 105).
وقال النووي -رحمه الله-:
قوله -صلى الله عليه وسلم-: «من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها» قال العلماء: هذا حدٌّ لقبول التوبة، وقد جاء في الحديث الصحيح: «إن للتوبة بابًا مفتوحًا، فلا تزال مقبولة حتى يُغلق، فإذا طلعت الشمس مِن مغربها أُغلق» وامتنعت التوبة على من لم يكن تاب قبل ذلك، وهو معنى قوله -تعالى-: {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} الأنعام: 158. المنهاج شرح صحيح مسلم (17/ 25).
وقال المظهري -رحمه الله-:
مفهوم هذا الحديث وأشباهه: أنَّ التوبة لا تُقبل بعد طلوع الشمس من المغرب، واختلف الأئمة في هذا، فقال جماعة: إنه لا تُقبل التوبة بعد طلوع الشمس من المغرب إلى يوم القيامة؛ ودليلهم: مفهوم هذا الحديث وأشباهه من الأحاديث الكثيرة الواردة في هذا المعنى، وقال جماعة: بل هذا مخصوص لمن شاهد طلوع الشمس مِن المغرب، فمن شاهد لا تُقبل توبته إن كان مذنبًا، ولا يُقبل إيمانه إن كان كافرًا؛ لأن الإيمان والتوبة بالغيب مقبول، وأما بالمشاهدة غير مقبول، فإن جميع الأمم التي أُهلكت بالعذاب كقوم ثمود وصالح ولوط وغيرهم آمنوا حين رأوا عذاب الله، ولكن لا يُقبل إيمانهم، وقد آمن فرعون حين غرق في البحر، ولكن لم يُقبل إيمانه، بل أجيب بقوله -تعالى-: {آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} يونس: 91، وتقديره: الآن تؤمن وقد عصيت قبل؟ فعند القائلين بأن هذا مخصوص بمن رأى طلوع الشمس من المغرب: لو ولد بعد ذلك شخص أو كان في ذلك الوقت شخص غير بالغ ثم بلغ، أو كان كافرًا فآمن، أو مذنبًا فتاب، فيُقبل إيمانه وتوبته؛ لأنه لم يشاهد طلوع الشمس من المغرب حتى يكون إيمانه وتوبته عن مشاهدة، وقد جاء في بعض الروايات عن رسول الله -عليه السلام-: أن الشمس تطلع من المغرب ثلاثة أيام، والأصح أنها تطلع يومًا واحدًا، ثم تطلع من المشرق على حالها إلى يوم القيامة، ولم يكن بين طلوعها من المغرب وبين القيامة زمن طويل، فلم يثبت حديث متواتر بحيث يحصل العلم واليقين به، ولكن قد جاء في بعض الروايات: أن رَجُلين شبيبين يلتقيان فيقول أحدهما للآخر: متى ولدت؟ فيقول: أخبرني أهلي: ولدت حين طلعت الشمس من المغرب، وقد جاء في حديث صحيح: أن أول الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها، والمختار من هذين القولين: أن من رأى طلوع الشمس من المغرب، أو وُلد بعد ذلك وبلغ وسمع من جماعة حصل له يقين بقولهم: إن الشمس طلعت من المغرب، لا يقبل إيمانه ولا توبته، ومن لم يَرَ طلوع الشمس من المغرب، ولم يسمع طلوعها من المغرب من جماعة حصل له يقين بقولهم، يقبل إيمانه وتوبته. المفاتيح (3/ 179، 180).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «قبل أن تطلع الشمس مِن مغربها» وهو المراد من قوله -تعالى-: {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ} الأنعام: 158، لكن الآية مختصة بعدم قبول الإيمان، والحديث يدل على عدم قبول التوبة مطلقًا، سواء كان من الكفر أو من المعصية، وفيه خلاف بين العلماء، فتدبر. لمعات التنقيح (5/ 153).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها» الذي هو أول أشراط الساعة. التنوير (10/ 167).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
التوبة والاستغفار: رجوع إلى الله وإنابة، وطلبُ عفوٍ وتسامح مِن ذنب ومعصية نشأت من مخالفة أمر، أو ارتكاب نهي، فيكون قبولها محوًا لآثاره، ورفعًا لعقوبته وأضراره، قال -تعالى-: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى} طه: 121 - 122، وإذا لم تجد التوبة والاستغفار ذنبًا ومعصية رفعت درجات صاحبها، فهي ذكر ودعاء له أجر وثواب، وعلى هذا كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يستغفر الله -تعالى- في اليوم مائة مرة، ويتوب إليه في اليوم مائة مرة، يُعَلِّمنا وهو عزيز عليه عَنَتُنَا، حريصٌ علينا، بنا رؤوف رحيم، يعلِّمنا واجبنا، وكلنا خطَّاء، يعلِّمنا أن خيرَ الخطَّائين التوابون، وأن علينا أن نستغفر الله في اليوم مئات المرات، ونتوب إلى الله قدر ما يمكننا من التوبات، وباب قبول التوبة مفتوح إلى قيام الساعة، وإن الله يبسط يده بالنهار؛ ليتوب مسيء الليل، ويبسط يده بالليل؛ لتتلقى مسيء النهار بالقبول، حتى تطلع الشمس من مغربها. فتح المنعم (10/ 255).
وقال ابن الجوزي -رحمه الله-:
فأما طلوع الشمس من مغربها، فعلامة على امتناع قبول التوبة. كشف المشكل (1/ 425).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
إن باب التوبة مفتوح على الناس، وهم في فُسحة وسَعَة عنها، ما لم تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت انسدَّ عليهم، فلم يُقبل منهم إيمان ولا توبة؛ لأنهم إذا عاينوا ذلك اضطروا إلى الإيمان والتوبة، فلا ينفعهم ذلك كما لا ينفع المحتضر. تحفة الأبرار (2/ 76، 77).
وقال المظهري -رحمه الله-:
وزمان انقطاع التوبة إما عند اليأس من الحياة، وهو حين رأى الشخص ملك الموت، فإذا تاب في ذلك الوقت لا تُقبل توبته، وكذا لو آمن لا يقبل إيمانه، قال الله -تعالى-: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ} النساء: 18، وإما عند طلوع الشمس من مغربها، وطلوع الشمس من المغرب من أشراط الساعة. المفاتيح (5/ 466).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
ثم قيل: عدم قبول الإيمان والتوبة في ذلك الوقت مخصوص بمن شاهد طلوعها، حتى إنَّ مَن وُلد بعده، أو لم يشاهده يُقبل كلاهما منه، والصحيح: أنَّه غير مخصوص؛ للخبر الصحيح: «إنَّ التوبة لا تزال مقبولة حتى يُغلق بابها، فإذا طلعت الشمس من مغربها أُغلق». مرقاة المفاتيح (8/ 3407).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
قوله: «حتى تطلع الشمس من مغربها» إشارة إلى أنَّ ذلك البسط والطلب ماضٍ باقٍ إلى طلوع الشمس من المغرب، فتغلق التوبة، فلا طلب ولا قبول. الأزهار مخطوط لوح (237).
وقال ابن حجر -رحمه الله- بعد أنْ ذكر آثارًا تدل على استمرار إغلاق باب التوبة بعد طلوع الشمس من مغربها:
فهذه آثار يشد بعضها بعضًا متفقة على أنَّ الشمس إذا طلعت من المغرب أُغلق باب التوبة، ولم يُفتح بعد ذلك، وأنَّ ذلك لا يختص بيوم الطلوع، بل يمتد إلى يوم القيامة. فتح الباري (11/ 355).
وقال العراقي -رحمه الله-:
حالة الغرغرة تشارك حالة طلوع الشمس من مغربها في عدم قبول التوبة، لكن الشأن في المراد بالآية، وإذا فسره النبي -صلى الله عليه وسلم- بطلوع الشمس من مغربها، لم يجز العدول عنه، والله أعلم، وبتقدير مشاركة خروج الدجال لطلوع الشمس من مغربها في عدم قبول التوبة عنده، فإنه لا يشاركه في إيمان الناس أجمعين، بل يستمر الناس على كفرهم، ويتبعون الدجال، وتشتد غوايتهم به. طرح التثريب (8/ 258).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
أمر التوبة هيِّن، والناس عنه في فسحة وسَعَة ما لم تطلع الشمس من مغربها، فإنَّ باب التوبة عرضه مسيرة سبعين عامًا، لا يكاد يتضايق عن الناس إلا أن يغلق، وإغلاقه بطلوع الشمس من مغربها؛ وذلك أن الناس تُرفع منهم الأمانة، ويُصِرُّون على المعاصي، ويكثر فيهم الخبث، فلا تؤثر فيهم النذارات، فيفجأهم -تعالى- بهذه الآية الملجِئة إلى التوبة، فيضطرون إلى الإيمان والتوبة في غير أوان التكليف، فلا ينفعهم ذلك. الميسر (2/ 546).
وقال الشيخ عبد العزيز الراجحي -حفظه الله-:
(فيه) دليل على أن التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من مغربها؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها، تاب الله عليه» وهذا كقول الله -تعالى-: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ} الأنعام: 158، وجاء في تفسير الآية أن المراد بها: طلوع الشمس من مغربها، وجاء في الحديث: «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها». توفيق الرب المنعم (7/ 524).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
التوبة فرض من الله -تعالى- على كل مَن عَلِمَ مِن نفسه ذنبًا صغيرًا أو كبيرًا؛ لقوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا} التحريم: 8، وقال: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} النور: 31. شرح صحيح البخاري (10/ 79).
وقال المازري -رحمه الله-:
التوبة من الذنب هي الندم عليه؛ رعاية لحق الله -سبحانه-، ويجب على التائب أن يضيف إلى الندم عن الذنب العزم على ألا يعود إليه، إذا كان متأتيًا منه العودة إليه، وتعجيل التوبة عند الذنب هو المأمور به، وتأخيرها عنه منهي عنه، وربما غلط بعض المذنبين ودام على الإصرار؛ خوفًا من أن يتوب فيَنْقُض، وهذا اغترار وجهالة، ولا يحسن أن يترك واجبًا عليه على الفور خوفًا أن يقع منه بعده ما يَنْقُضه، وتصح التوبة عندنا (المالكية) عن الذنب مع البقاء على ذنب آخر خلافه، خلافًا لمن منعه من المعتزلة؛ لأن بواعث النفس إلى المعاصي تختلف، والشهوات في الفسوق تختلف باختلاف أنواعه، وطباع العصاة، وحضور الأسباب المعينة على الشر والصادرة عنه، فصح لذلك التوبة عن الذنب مع البقاء على خلافه، ونحن نرى عيانًا العصاة يكفون عن شرب الخمور ليالي رمضان؛ احترامًا له، ويشربونها في ليالي شوال؛ لاعتقادهم أن الذنب في رمضان أعظم، فإذا صح اختلاف الأغراض والأسباب، لم يبعد النزوع عن ذنب مع البقاء على غيره على ما قلناه. المعلم (3/ 332).
وقال النووي -رحمه الله-:
قد أجمع العلماء -رضي الله عنهم- على قبول التوبة ما لم يُغَرْغِرْ، كما جاء في الحديث، وللتوبة ثلاثة أركان: أن يُقلع عن المعصية، ويندم على فعلها، ويعزم ألا يعود إليها، فإن تاب من ذنب ثم عاد إليه لم تبطل توبته، وإن تاب مِن ذنبٍ وهو متلبس بآخر صحَّت توبته، هذا مذهب أهل الحق، وخالفت المعتزلة في المسألتين، والله أعلم. المنهاج شرح صحيح مسلم (2/ 45).
قوله: «تاب الله عليه»:
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «تاب الله عليه» قيل: معناه: قَبِلَ توبته ورضيها، (و) قيل: توبة الله على عباده: رجوعه بهم إليها، وقد تكون توبته تثبيتًا لهم وتصحيحًا. إكمال المعلم (8/ 198).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
توبة الله على العبد لها معنيان:
أحدهما: توفيق العبد للتوبة.
الثاني: قبول هذه التوبة. تفسير الفاتحة والبقرة (2/ 196).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
التوبة: الرجوع عن الذنب، وتاب إلى الله توبةً ومتابًا، وتاب الله -عز وجل- عليه: وفَّقَه للتوبة، وحقيقة التوبة المعتبرة شرعًا: هو أن ينوي بقلبه الإقلاع عن الذنب مع الندم على ما كان من مباشرته، وترك العمل به، والرجوع إليه، نيَّة جازمة، وتركًا مبتوتًا، غير متعلق بزمن، ولا متناهٍ إلى أمد. [الشافي (1/ 281).
وقال النووي -رحمه الله-:
معنى «تاب الله عليه»: قَبِلَ توبته، ورضي بها، وللتوبة شرط آخر، وهو أن يتوب قبل الغَرْغَرَةِ، كما جاء في الحديث الصحيح، وأما في حالة الغرغرة -وهي حالة النزع- فلا تقبل توبته ولا غيرها، ولا تنفذ وصيته ولا غيرها. المنهاج شرح صحيح مسلم (17/ 25).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «تاب الله عليه» أي: قَبِلَ توبتَه، وتحقيقه: أن الله -تعالى- رجع متعطفًا عليه برحمته، وقَبِلَ توبته، فيكون «تاب الله عليه» كناية عن قبول التوبة؛ لأن قبول التوبة مستلزم لتعطف الله -تعالى- وترحمه عليه (وأيضًا يدخل في معناه: توفيقه للتوبة كما سبق). الكاشف عن حقائق السنن (6/ 1842).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«تاب الله عليه» أي: قَبِلَ توبته؛ لقوله -تعالى-: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} الشورى: 25. مرقاة المفاتيح (4/ 1616).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«تاب الله عليه» قَبِلَ توبته، بخلاف إذا كان بعد طلوعها، فإنه: {لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا} الأنعام: 158، فلا ينبغي لعاصٍ أن يبيت يومًا من عمره إلا تائبًا؛ لأنه يجوز طلوع الشمس من مغربها في كل غداة. التنوير (10/ 167).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«تاب الله عليه» أي: قَبِلَ توبته، ورضي بها إن تاب بشروطها الثلاثة:
الأول: الإقلاع عن المعصية.
والثاني: الندم على فعلها.
والثالث: العزم على ألا يعود إليها أبدًا، هذا إن كانت في حقوق الله -تعالى-، وإن كانت متعلقة بحق من حقوق العباد فيشترط لصحة التوبة: أن يؤدي ذلك الحق إلى صاحبه، أو يعفو عنه صاحب الحق. الكوكب الوهاج (25/ 72، 73).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
والله -سبحانه- لا يتعاظمه ذنب أن يغفره لمن تاب، بل يغفر الشرك وغيره للتائبين، كما قال -تعالى-: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} الزمر: 53، وهذه الآية عامة مطلقة؛ لأنها للتائبين. مجموع الفتاوى (2/ 358).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
في فوائده (أي: هذا الحديث):
1. منها: الحث على المبادرة بالتوبة قبل فوات الأوان.
2. ومنها: بيان وقت قبول التوبة، وهو ما قبل طلوع الشمس من مغربها.
3. ومنها: بيان الوقت الذي لا تُقبل فيه التوبة، وهو ما بعد طلوعها.
4. ومنها: بيان أن طلوع الشمس من مغربها إحدى علامات الساعة الكبرى. البحر المحيط الثجاج (42/ 226-227).
ولمزيد من الفائدة يُنظر:
متى يُغلق باب التوبة على العبد؟
من أشراط الساعة طلوع الشمس من مغربها، فإذا طلعت آمن الناس كلهم أجمعون.
ما حكم الكافر إذا نطق بالشهادتين قبل موته ؟