«نهاني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن التَّخَتُّم بالذهب، وعن لباس القِسِيِّ، وعن القراءة في الركوع والسجود، وعن لباس المُعَصْفَر».
رواه مسلم برقم: (2078)، من حديث علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-.
وفي لفظ له: «نهى...».
غريب الحديث
«القِسِي»:
هي ثياب مِن كَتَّان مَخْلُوطٍ بحرير يؤتى بها من مصر، نُسبت إلى قرية على شاطئ البحر، قريبًا من تِنِّيْس، يقال لها: القَسُّ بفتح القاف، وبعض أهل الحديث يكسرها. النهاية، لابن الأثير (4/ 59).
وقال ابن سيده -رحمه الله-:
الثياب القَسِّيَّة: منسوبة إليه، وهي ثيابٌ فيها حرير تُجلب من نحو مصر، وقد نُهي عن لبسها. المحكم (6/ 105).
«الْمُعَصْفَر»:
عَصْفَرَ: عَصْفَرْتُ الثوبَ صبغته بالعُصْفُرِ. الأفعال، للصقلي (2/ 407).
وقال ابن سيده -رحمه الله-:
العُصْفُرُ: هذا الذي يُصبغ به، (وهو نبات) منه ريفي، ومنه برِّي، وكلاهما ينبت بأرض العرب. المحكم (2/ 443).
شرح الحديث
قوله: «نهاني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن التَّخَتُّم بالذهب»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«التختم بالذهب» أي: للرجال. ذخيرة العقبى (38/ 93).
وقال محمد عبد الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
قوله: «عن التختم بالذهب» أي: عن لبس خاتم الذهب، وهذا النهي للرجال لا للنساء؛ فإن الذهب حرام عليهم، لا عليهن. تحفة الأحوذي (5/ 340).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
وأما النساء فإنها تلبس الذهب كيف شاءت، خواتم، وأقراط (ما يعلق على الأذن) وأَسْوِرَة، وما إلى ذلك. شرح سنن أبي داود (453/ 24).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
أما النساء فيحل لهن أن يتَخَتَّمْنَ به؛ لحديث أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إن الله -عزَّ وجلَّ- أحلَّ لإناث أمَّتي الحرير والذهب، وحرَّمه على ذكورها». ذخيرة العقبى (38/ 93).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
وقد كُره للنساء أن يتختَّمْن بالفضة؛ لأن ذلك مِن زِيِّ الرجال، فإذا لم يجدن ذهبًا فليُصَفِّرْنَه بزعفران ونحوه. معالم السنن (4/ 190).
وقال النووي -رحمه الله-:
أجمع المسلمون على إباحة خاتم الذهب للنساء، وأجمعوا على تحريمه على الرجال إلا ما حكي عن أبي بكر ابن محمد بن عمر بن محمد بن حزم أنه أباحه، وعن بعضٍ أنه مكروه لا حرام، وهذان النقلان باطلان، فقائلهما محجُوج بهذه الأحاديث التي ذكرها مسلم مع إجماع مَن قبله على تحريمه له، مع قوله -صلى الله عليه وسلم- في الذهب والحرير: «إن هذين حرام على ذكور أمَّتي، حِلٌّ لإناثها».
قال أصحابنا (الشافعية): ويحرم سِنُّ الخاتم إذا كان ذهبًا، وإن كان باقيه فضة، وكذا لو مُوَّه (أي: طُلِي) خاتم الفضة بالذهب فهو حرام. المنهاج شرح صحيح مسلم (14/ 65).
وقال العراقي -رحمه الله-:
ولا يختص ذلك بكون جميعه ذهبًا، فلو كان بعضه ذهبًا، وبعضه فضة حرم أيضًا، حتى قال أصحابنا (الشافعية): لو كانت سِن الخاتم ذهبًا أو كان مُمَوَّهًا بذهبٍ يسير فهو حرام؛ لعموم الحديث الآخر في الحرير والذهب: «إن هذين حرام على ذكور أمَّتي، حِل لإناثها».
فإن قلتَ: قد فَصَّلْتُم في الْمَيْثَرَةِ (كما في لفظ النسائي وأحمد عن علي: «نهى عن مياثر الأرجوان (والميثرة وسادة صغيرة حمراء يجعلها الراكب تحته) والقِسِيِّ» (وهي ثياب مِن كتَّان مخلوط بالحرير منسوبة إلى قرية قَس بمصر) وقلتم: بتحريمها في حالة، وعدم تحريمها في أخرى، وجزمتم بتحريم خاتم الذهب على الرجال مطلقًا، فكيف صح ذلك مع قرنه بهما؟
قلتُ: لا يلزم من قَرنه بهما أن يساويهما في حكمهما، فقد يُقرن بين شيئين مختلفِي الحكم، ودلالة الاقتران على التساوي في الحكم ضعيفة عند الجمهور، خلافًا لأبي يوسف والمزني. طرح التثريب (3/ 233).
قوله: «وعن لباس القِسِيِّ»:
قال المظهري -رحمه الله-:
«القِسي» ثوب من حرير. المفاتيح (5/ 23).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
القِسِيِّ: ثيابٌ يؤتى بها من مصر فيها حرير، ويقال: إنها منسوبة إلى بلاد يقال لها: القَسِّي مفتوحة القاف مشددة السين، ويقال: إنها القَزِّيَّة، أبدلوا الزاي سينًا، وإنما حرمت هذه الأشياء على الرجال دون النساء. معالم السنن (4/ 190).
وقال الباجي -رحمه الله-:
القَسِّي: بفتح القاف، وتشديد السين، روى سحنون في تفسيره عن ابن وهب: أنها ثياب مضَلَّعَة -يريد مخطَّطة- بالحرير. المنتقى شرح الموطأ (1/ 149).
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام -رحمه الله-:
أصحاب الحديث يقولون: القِسي، بكسر القاف...، وأما أهل مصر فيقولون: القَسي، ينسب إلى بلاد يُقال لها: القَسّ، وقد رَأَيْتهَا. غريب الحديث (1/ 226).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
والقسي: كان فيها حرير، وقيل: الأصل فيها قزِّي بالزاي، فأبدلوا بزائها سينًا؛ ليقدم حرف الاستعلاء، وكل سين أصلية يتقدمها حرف الاستعلاء فجائز أن تبدل زايًا وصادًا، وحروف الاستعلاء تجمعها هذه الكلمات، وهي: (ضغط قص خظ). الإفصاح (1/ 274).
وقال الباجي -رحمه الله-:
نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن لبسها، وهذا في الحرير المحض، أو ما كان الغالب عليه الحرير المحض، فإنه يحرم لبسه في غير الغزو، وأما الغزو فأجاز ابن حبيب لُبْسَه، والصلاة فيه، ومنع منه غيره من أصحابنا.
وقال أبو محمد (القاضي عبد الوهاب بن نصر): إنَّ ما حكاه ابن حبيب خارج عن مذهب مالك، وجه ما قاله ابن حبيب: أن الغزو موضع مباهاة وإرهاب على العدو، ووجه ما ذهب إليه مالك: أن ما لا يجوز في غير الغزو من اللباس فإنه لا يجوز في الغزو كالذهب والفضة، ويمنع لبس الحرير على كل وجه، فلا يُفرش ولا يُبسط، ولا يُتكأ عليه، ولا يُلتحف فيه، ولا يُركب عليه، قال ابن حبيب: لأن هذا كله ليس بمعتاد..، من صلى بثوب حرير فقد اختلف أصحابنا فيه، فروى عبد الملك بن الحسن عن ابن وهب: من صلى به وهو واجد لغيره لم يعد في الوقت ولا في غيره، قال ابن الماجشون في الثمانية (لأبي زيد): وسواء من صلى به عامدًا أو ساهيًا.
وقال أشهب: إن كان عليه غيره مما يستره فلا إعادة عليه، وإن لم يكن عليه غيره أعاد في الوقت.
وقال سحنون: يعيد في الوقت، وإن كان عليه غيره يستره، وهو قول ابن القاسم، وقال ابن حبيب: إن كان عليه غيره يستره أَثِمَ ولا إعادة عليه، وإن لم يكن عليه غيره أعاد أبدًا. المنتقى شرح الموطأ (1/ 149).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
هذا القسي إن كان حريره أكثر من الكتان فالنهي عنه للتحريم، وإلا فلكراهة التنزيه. شرح سنن أبي داود (16/ 242).
وقال الشيخ فيصل ابن المبارك -رحمه الله-:
واستُدلَّ بالنهي عن لبس القسي على منع لبس ما خالطه الحرير من الثياب، وذهب الجمهور إلى جواز لبس ما خالطه الحرير إذا كان غير الحرير الأغلب؛ لحديث ابن عباس: «إنما نهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الثوب الْمُصْمَتِ من الحرير، فأمَّا العَلَم من الحرير (الذي يكون في حواشي الثوب) وسَدَى الثوب (خطوطه التي تكون بالطول) فلا بأس به» أخرجه الطبراني، وأصله عند أبي داود. خلاصة الكلام شرح عمدة الأحكام (ص: 389).
قوله: «وعن القراءة في الركوع والسجود»:
قال محمد عبد الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
«وعن القراءة في الركوع والسجود»؛ لأن الركوع موضع التسبيح، وكذا السجود. تحفة الأحوذي (5/ 340).
وقال السندي -رحمه الله-:
أما القراءة في الركوع فالنهي عنه يشمل الرجال والنساء جميعًا. فتح الودود (4/ 99).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
واتفق فقهاء الأمصار على القول بهذا الحديث، وخالفه (أي: الحديث) قوم من السلف وأجازوه، روى أبو إسحاق، عن عمرو بن ميمون قال: سمعت أخي سليمان بن ربيعة وهو ساجد، وهو يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، ما لو شاء رجل يذهب إلى أهله فيتوضأ ثم يجيء وهو ساجد لفعل، وقال عطاء: رأيت عبيد بن عمير يقرأ وهو راكع في المكتوبة، وأجازه الربيع بن خثيم، وقال إبراهيم النخعي في الرجل ينسى الآية فيذكرها وهو راكع، قال: يقرؤها وهو راكع.
قال الطبري: وهؤلاء لم يبلغهم الحديث بالنهي عن ذلك عن الرسول، أو بلغهم فلم يروه صحيحًا، ورأوا قراءة القرآن حسنة في كل حال، قال الطبري: والخبر عندنا بذلك صحيح، فلا ينبغي لمصلٍّ أن يقرأ في ركوعه وسجوده من أجله، وعلى هذا جماعة أئمة الأمصار. شرح صحيح البخاري (2/ 416).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
أكثر العلماء على كراهة القراءة في الركوع والسجود، ومنهم من حكاه إجماعًا. فتح الباري (7/ 188).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
(الحديث) يدل على عدم جواز القراءة في الركوع والسجود. تحفة الأبرار (1/ 295).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
وهل الكراهة للتحريم أو للتنزيه؟
فيه اختلاف، وحكى ابن عبد البر الإجماع على أنه لا يجوز، ومذهب الشافعي وأكثر أصحابنا (الحنابلة): أنه مكروه. فتح الباري (7/ 188).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
أما قراءة القرآن في الركوع: فجميع العلماء على أن ذلك لا يجوز. الاستذكار (1/ 431).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
هذا النهي يدل على تحريم قراءة القرآن في الركوع والسجود. نيل الأوطار (2/ 288).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
هل تبطل به الصلاة أو لا؟
فيه وجهان لأصحابنا، والأكثرون على أنها لا تبطل بذلك، وللشافعية وجه: إنْ قرأ بالفاتحة خاصة بطلت؛ لأنه نَقَلَ ركنًا إلى غير موضعه، ورخَّصت طائفة في القراءة في الركوع والسجود...، ورخص بعضهم في ذلك في النفل دون الفرض. فتح الباري (7/ 188).
وقال الإردبيلي -رحمه الله-:
النهي عن القراءة في الركوع للكراهة، إلا أنْ يُحمل على الفاتحة في الهَوْيِ أو الارتفاع بلا إعادة، فيحرم. الأزهار مخطوط لوح (390).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
لو قرأ لم تَبْطُل صلاته إلا إذا كان المقروء الفاتحة، فإنَّ فيه خلافًا من حيث إنه زاد ركنًا، لكن لم يتغير به نظم صلاته. تحفة الأبرار (1/ 295).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود محمول على الكراهة عند الجمهور، لا فرق بين الفاتحة وغيرها، إلا أن أبا حنيفة قال: يسجد للسهو إذا قرأ ساهيًا، وللشافعية في الفاتحة قولان، أصحهما: الكراهة كغيرها.
والثاني: تحرم وتبطل الصلاة بقراءتها إذا كان عمدًا، فإن قرأ سهوًا فلا كراهة.
وقال الشافعي: يسجد للسهو مطلقًا قرأ عمدًا أو سهوًا. المنهل العذب المورود (5/ 324-325).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
الظاهر: أن قول من قال بعدم صحة صلاة مَن فعل ذلك عامدًا هو الراجح؛ لأن النهي يقتضي الفساد، والفساد هو البطلان، وأما من فعله ناسيًا فليسجد للسهو، والله سبحانه وتعالى أعلم. ذخيرة العقبى (13/ 128).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
وأما القراءة في الركوع: فإنما نُهي (عنها) من أجل أن الركوع محل التسبيح والذِّكر بالتعظيم، وإنما محل القراءة القيام، فكره أن يجمع بينهما في محل واحد؛ ليكون كل واحد منهما في موضعه الخاص به، والله أعلم. معالم السنن (4/ 190).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
لما كان الركوع والسجود -وهما غاية الذل والخضوع- مخصوصَين بالذِّكْرِ والتسبيح نهى -صلى الله عليه وسلم- عن القراءة فيهما، كأنه كره أن يجمع بين كلام الله -سبحانه وتعالى- وكلام الخلق في موضع واحد، فيكون على السواء. الكاشف عن حقائق السنن (3/ 1015).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- متعقبًا:
فيه نظر؛ لأن الركعة الأولى فيها دعاء الاستفتاح، وقد جمع بينه وبين القراءة، فلو كان النهي للجمع المذكور للزم فيها ذلك، أفاده السندي، والله سبحانه وتعالى أعلم. ذخيرة العقبى (13/ 128).
وقال الكشميري -رحمه الله-:
الركوع والسجود حالة العبدية المحضة، والقرآن صفة الباري وكلامه، فلا يليق بحالة العبدية المحضة، ولا يقال للباري: راكع وساجد، ويقال: قائم وقيُّوم وقَيَّام، ويمكن أن يقال: إن قراءة القرآن تكون للاستماع، ولا يمكن الاستماع في الركوع والسجود، فإن كل واحد يسبح بنفسه. العرف الشذي (1/ 270).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
الحكمة في النهي عن القراءة في الركوع والسجود: أنهما حالتا ذل وانكسار في الظاهر، والمطلوب من القارئ التلبُّس بحالة الرفعة؛ تعظيمًا للقرآن الكريم، وتكريمًا للقارئ القائم مقام الكَلِيم، ولا يقال: إن قراءة القرآن عبادة ويناسبها الذل والانكسار؛ لأن المراد بالذل والانكسار المناسب للعبادة القلبي، وهو لا ينافي طلب التلبس بحالة الرفعة ظاهرًا. المنهل العذب المورود (5/ 324).
وقال ابن الملك -رحمه الله-:
خُصت القراءة بالقيام أو القعود؛ لأنهما من الأفعال العادية، وبالقراءة يتميزان عن العادة، ويَتَمَحَّضَان للعبادة، بخلاف الركوع والسجود؛ لأنهما بذواتهما يخالفان العادة، ويدلان على الخضوع والعبادة. شرح المصابيح (2/ 8).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
الركوع لا يَقرأ فيه المصلي، والسجود كذلك لا يقرأ فيه؛ وذلك أن الصلاة جعلت أحوالها لها أمور معينة مطلوبة فيها، فالقراءة مطلوبة في القيام، والركوع مطلوب فيه تعظيم الرب والثناء عليه، والسجود مطلوب فيه الإكثار من الدعاء، فكل حالٍ لها أعمال تخصُّها، أو لها أقوال تخصها؛ ولهذا جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «وأما الركوع فعظِّموا فيه الرب، وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فَقَمِنٌ (أي: جدير) أن يستجاب لكم»، فكما أن الإنسان لا يأتي بالأدعية في حال قيامه، وإنما يأتي بالقراءة، كذلك لا يأتي بالقراءة في حال ركوعه وسجوده، أي: أن كل هيئة لها عمل يخصها، أو لها أقوال تخصها، فمِن أجل ذلك منع رسول الله -عليه الصلاة والسلام- من القراءة في الركوع والسجود. شرح سنن أبي داود (453/ 24).
قوله: «وعن لباس المُعَصْفَر»:
قال محمد عبد الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
«الْمُعَصْفَر» هو المصبوغ بالعُصْفُر. تحفة الأحوذي (5/ 340).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
وهو نبات معروف لونه أصفر (والثوب المصبوغ به يكون لونه أحمر أو يميل للحمرة). شرح سنن أبي داود (453/ 24).
وقال الشيخ عبد المحسن الزامل -حفظه الله-:
الْمُعَصْفَر: يعني الثياب التي أصابها العُصْفُر، وهو نوع من النبت يُطحن، وربما صار له رائحة. شرح البلوغ (4/ 118).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
أما ذكر المعَصْفَر فلا أراه إلا من جهة أنه لباس شُهرة. الإفصاح (1/ 274).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
اختلف العلماء في لبس الثياب الْمُعَصْفَرة، وهي المصبوغة بالعُصْفِر، فأباحها جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة ومالك، لكنه قال: غيرها أفضل منها.
وقال جماعة من العلماء: هو مكروه كراهة تنزيه، وحملوا النهي على هذا؛ لما في الصحيحين عن ابن عمر قال: «رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- يصبغ بالصُّفرة». شرح سنن أبي داود (16/ 242).
وقال الشيخ عبد المحسن الزامل -حفظه الله-:
اختلف العلماء في المُعَصْفَر والمُزَعْفَرِ، والأظهر هو النهي عنهما، والجمهور على الكراهة، والأظهر والأقرب أنهما منهي عنهما، وأنه لا يجوز؛ ولهذا في اللفظ الآخر: «نهى أن يَتَزَعْفَرَ الرَّجل» وكذلك لبس المعصفر، وشاهِده أيضًا حديث عبد الله بن عمرو: «رأى النبي عليَّ ثوبين مُعَصْفَرَين، فقال: أمُّك أَمَرَتْكَ بهذا؟». شرح البلوغ (4/ 118).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
قد اختلف أهل العلم فيه على سبعة أقوال، ذكرها في الفتح:
الأول: الجواز مطلقًا، الثاني: المنع مطلقًا، الثالث: يُكره لبس الثوب المشبَّع بالحُمرة، دون ما كان صبغه خفيفًا، الرابع: يُكره لبس الأحمر مطلقًا؛ لقصد الزينة والشهرة، ويجوز في البيوت والْمِهنة، الخامس: يجوز لبس ما كان صبغ غزله، ثم نُسِجَ، ويمنع ما صُبغ بعد النَّسج، السادس: اختصاص النهي بما يُصبغ بالمعصفر؛ لورود النهي عنه، السابع: تخصيص المنع بالثوب الذي يُصبغ كله، وأما ما فيه لون آخر غير الأحمر من بياض وسواد وغيرهما فلا، وعلى ذلك تحمل الأحاديث الواردة في الحُلة الحمراء التي كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يلبسها، وهذا هو الذي رجَّحه العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى؛ جمعًا بين الأحاديث، والله تعالى أعلم. ذخيرة العقبى (13/ 137).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
أما المنع من المصبوغ بالعُصْفُر؛ فلِحديث عبد الله بن عمرو عند مسلم وغيره قال: «رأى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عليَّ ثوبين مُعَصْفَرين، فقال: إن هذه من ثياب أهل الكفر فلا تلبسها» وأخرج مسلم -رحمه الله تعالى- وغيره أيضًا من حديث علي قال: «نهاني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن التختم بالذهب، وعن لباس القسي، وعن القراءة في الركوع والسجود، وعن لباس المعصفر»، وفي الباب أحاديث، والعُصْفُر يُصبغ الثوب صبغًا أحمرَ على هيئة مخصوصة، فلا يعارضه ما ورد في لبس مطلق الأحمر، كما في الصحيحين من حديث البراء قال: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مربوعًا، بعيد ما بين المنكبين، وله شعر يبلغ شحمة أذنه، رأيته في حلة حمراء، لم أرَ شيئًا قط أحسن منه»، وفي الباب أحاديث يُجمع بينها بأنَّ الممنوع منه هو الأحمر الذي صُبغ بالعُصفر، والمباح هو الأحمر الذي لم يُصبغ به. الدراري المضية (2/ 341).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
القولُ الصحيح: إنَّ لُبسَ المُعَصْفَر حرامٌ على الرَّجل، والمُزَعفَر مثلُه، لأنَّ اللونَ واحدٌ أو متقارِب، فلا يجوزُ للرَّجل أن يَلبسَ ثيابًا مُزَعفَرةً أو مُعَصْفَرة، لأنَّ الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: «إنَّ هذه من ثياب الكُفار»، ولا يُمكن أن نقول: إنَّها مكروهة كراهة تنزيه، إذ جعلها الرسول -عليه الصلاة والسلام- من لباس الكفار. ولكن يَرِدُ على هذا: أن الرسول -عليه الصلاة والسلام- كان يَلْبَسُ الحُلَّةَ الحمراء، والحمراء أغلظ حُمرة من المُعَصْفر، فكيف ينهى عن المُعْصْفَر ويقول: إنه من لِبَاسِ الكُفَّار، ثم يلبسُ الأحمر؟
أُجيب عن ذلك بثلاثة أجوبة:
الجواب الأول: أنَّ الأحمر الخالص ليس هو لِبَاس الكُفَّار، فلباس الكفار هو المُعْصْفَر، والمُعَصْفَر يميل إلى الحُمْرَة، ولكن ليس خالصًا، والحُلَّة الحمراء التي كان الرَّسول -صلّى الله عليه وسلّم- يلبسها كانت حمراء خالصة، وهذا الجواب فيه نظر؛ لأنَّ الأحمر الخالص أشدُّ من المعصفر.
الجواب الثاني: أنَّ هذا فعل، والفعل لا يُعارض القول؛ لاحتمال الخُصوصية، وهذه القاعدة مشى عليها الشَّوكاني في شرح المنتقى، فيجعل فعلَ الرَّسول -عليه الصَّلاة والسَّلام- المعارض لعموم قوله من خصائصه، ولا يحاول أن يجمع، ولكن هذه الطريقة ليست بصواب؛ لأن فعلَ الرَّسول سُنَّةٌ، وقولَه سُنَّة، ومتى أمكن الجمع بينهما وَجَبَ؛ لئلا يكون التَّناقض؛ ولأنَّ الأصل عدم الخُصوصيَّة.
الجواب الثالث: أنَّ الحُلَّة الحمراء هي التي خُطوطها حُمْر، وليست حمراء خالصة، وإلى هذا ذهب ابنُ القيم -رحمه الله-، كما يُقال: هذا الرَّجل شِماغه أحمر، وهذا الرَّجل شِمَاغه أسود، وليس المُراد أنَّ كلَّه أحمر، أو كلَّه أسود، فيقول -رحمه الله-: إن هذه الحُلَّة الحمراء لا تُعارض نهيه؛ لأنها حُلَّة حمراء لكن ليست خالصة، وإذا كان مع الأحمر شيء يُزيل عنه الحُمرة الخالصة، فإن هذا لا بأس به، وهذا الجواب أظهر الأجوبة. الشرح الممتع (2/ 221-223).
وقال النووي -رحمه الله-:
يجوز لبس الثوب الأبيض والأحمر والأصفر والأخضر والمخطط وغيرها من ألوان الثياب، ولا خلاف في هذا، ولا كراهة في شيء منه، قال الشافعي والأصحاب: وأفضلها البيض. المجموع (4/ 452).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
أما النساء فإنَّ العلماء لا يختلفون في جواز لباسهن المعصفر المفدَّم والمورد والْمُمَشَّق...، (و) المفدم عند أهل اللغة: المشبَّع حُمرة، والمورَّد دونه في الحمرة، كأنه والله أعلم مأخوذ من لون الورد، وأمَّا المُمَشَّقُ فطين أحمر يُصبغُ به. التمهيد (16/ 123).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
فيه: دليل على تحريم القراءة في هذين المحلَّين؛ لأن وظيفتهما إنما هي التسبيح والدعاء؛ لما في صحيح مسلم وغيره عنه -صلى الله عليه وسلم-: «نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء». نيل الأوطار (2/ 112).
وللفائدة يُنظر:
تحريم الذهب والحرير على الرجال وإباحتهما للنساء