السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

«القُضاةُ ثلاثةٌ: قاضيان في النار، وقاضٍ في الجنَّة، قاضٍ عَرَفَ الحق فقضى به فهو في الجنة، وقاضٍ عَرَفَ الحق فَجَارَ متعمدًا فهو في النار، وقاضٍ قضى بغير علمٍ فهو في النار».


رواه أبو داود برقم: (3573) والترمذي برقم: (1322)، والنسائي في الكبرى برقم: (5891)، وابن ماجه برقم: (2315)، والحاكم برقم: (7012) واللفظ له، من حديث بريدة الأسلمي-رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (4298)، صحيح الترغيب والترهيب برقم: (2195).


غريب الحديث


«فَجَارَ»:
أي: ظَلَمَ. شرح المصابيح لابن الملك (4/ 275).
قال الفيومي -رحمه الله-:
يقال: جارَ في حُكْمِهِ يَجُورُ جَوْرًا: ظَلَمَ، وجَارَ عن الطَّرِيقِ مالَ. المصباح المنير(1/ 114).


شرح الحديث


قوله: «القُضاةُ ثلاثةٌ»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«القُضاة» جمع قاضٍ، وفي معناه المفتي، «ثلاثة» أي: أنواع. شرح مسند أبي حنيفة (1/ 531).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«القضاة» على «ثلاثة» أحوال. شرح سنن أبي داود (14/ 600).
وقال المناوي -رحمه الله-:
هذا تقسيم بحسب الوجود لا بحسب الحكم، ورتبة القضاء شريفة لمن تَبِعَ الحق، وحَكَمَ على علم بغير هوى، وقليلٌ ما هُم. التيسير (2/ 203).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«القضاة» في الآخرة «ثلاثة». التنوير (8/ 110).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«القضاة» من حيث الجزاء على قَضَائهم «ثلاثة». مرشد ذوي الحجا والحاجة (13/ 354).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
القاضي: اسم لكل مَن حكم بين اثنين، سواء سُمِّيَ خليفةً أو سلطانًا أو نائبًا أو واليًا، أو كان منصوبًا ليقضي بالشرع، أو نائبًا له، حتى مَن يحكم بين الصبيان في الخطوط إذا تخايروا، هكذا ذكر أصحابُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو ظاهر. السياسة الشرعية (ص: 18).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«ثلاثة» بالشخص، أو بالصِّنف؟
(الإجابة:) الثاني، وهذا مِن حُسن تعليم النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه كان أحيانًا يصنِّف الأشياء، يقسِّم الأشياء أحيانًا، يحصرها بعدد معيَّن، مع أنها أكثر من ذلك حسب ما تقتضيه الحال. فتح ذي الجلال والإكرام. (6/ 148).

قوله: «قاضيان في النار، وقاضٍ في الجنَّة»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«قاضيان» أي: حاكمان شرعًا أو سياسة «في النار» أي: في المآل، أو باعتبار مباشرة أسبابها في الحال، كقوله تعالى: {إِنَّ الّذِيْنَ يَأْكُلُونَ أمْوَالَ اليَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نَارًا} النساء: 10، وقوله سبحانه: {إِنَّ الأبْرَارَ ‌لَفِي ‌نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} الانفطار: 13-14. شرح مسند أبي حنيفة (1/ 531).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«قاضيان في النار» محكوم لهما بها. التنوير (8/ 110).
وقال الصنعاني -رحمه الله- أيضًا:
«قاضيان في النار» إخبار عن أحوال الذين يَقضون بين الناس في أي أمر عظيم أو حقير...، «وقاضٍ في الجنة» فقسمهم إلى ثلاثة، وبيَّن صفة كل واحد، وحكمه. التنوير (7/ 576).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
فانظر كيف جعل في الجنة من الثلاثة واحد! وإذا صفا لك من زمانك واحد فهو المراد، فأين ذلك الواحد؟ فتح القريب المجيب (9/ 485).
وقال الشيخ عبد الكريم الخضير -حفظه الله-:
«اثنان في النار، وواحد في الجنة» هل نستطيع أن نقول: إنَّ ثلثَ القضاة في الجنة، وثلثيهم في النار، من خلال هذا النص؟ هذا تقسيم إجمالي، قد يكون الناجون أكثر، وقد يكونون أقل، حسب الوصف الذي عُلِّق عليه الهلاك والنجاة، ويكون في زمان أو في مكان الغالب عليهم الصلاح والاستقامة والعلم؛ فتكون النجاة أغلب، وقد يكون العكس؛ فيكون الهلاك أكثر...، فالحصر حصر أوصاف لا حصر أشخاص. شرح بلوغ المرام (105/5، 6).

قوله: «قاضٍ عَرَفَ الحق فقضى به؛ فهو في الجنة»:
قال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
«قاضٍ عرف الحقَّ» والحكم الشرعي، فقضى به؛ فهذا القوي الأمين على ما ولَّاه الله إيَّاه؛ فهذا من أهل الجنَّة إنْ شاء الله. توضيح الأحكام (7/ 157).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«قاضٍ عرف الحق» بالأدلة؛ إذ المقلِّد لا يُسمى عارفًا «فقضى به فهو في الجنة»؛ لإيقاعه القضاء على مطابقة ما عرفه من الحق. التنوير (7/ 576).
وقال الصنعاني -رحمه الله- أيضًا:
«وقاضٍ قضى بالحق» (كما في رواية) عالمًا به، متحرِّيًا لمآخذ الحكم من السنة والكتاب بجهده. التنوير (8/ 111).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
فأما الذي سيصير «في الجنة فرجل عرف الحق» لفظ ابن ماجه: «علم الحق» وفي معناه: من ظن أنه الحق، بل هو أغلب القضاة، «فقضى به» فهو في الجنة، وفي رواية ذكرها رَزِيْنُ: «فأما الذي في الجنة فرجل قضى بكتاب الله وسنة رسوله، لا يألو عن الحق». شرح سنن أبي داود (14/ 601).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وقاضٍ يقضي بكتاب الله» (كما في رواية) أي: بعِلْمِ الشريعة المستفاد من الكتاب والسنة، التي هي مُبيِّنة لأحكامه، والمعنى: يقضي بالحق عالِمًا به «فهو في الجنة» وهذا نادر في زماننا، نسأل الله العافية. شرح مسند أبي حنيفة (1/ 532).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
«رجل عرف الحق فقضى به فهو في الجنة» هذا جَمَعَ بين العلم والعدل، جمع بين العلم؛ لأنه عرف حقه، والعدل؛ لأنه قضى به؛ فهذا في الجنة. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 148).

قوله: «وقاضٍ عَرَفَ الحق فَجَارَ متعمدًا؛ فهو في النار»:
قال الصنعاني -رحمه الله-:
«وقاضٍ عرف الحق فَجَارَ» مَالَ عن الحكم به «متعمدًا» للْمَيْلِ. التنوير (7/ 576).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«فَجَارَ في الحكم» الجَوْرُ: الظلم، وأصله: الْمَيْل؛ لأن الظالم يميل عن الحق إلى الباطل، «فهو» يصير «في النار» إن لم يُعف عنه. شرح سنن أبي داود (14/ 601).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-أيضًا:
«فهو» يصير «في النار»، وجعله في النار باعتبار ما يَؤُولُ إليه، كقوله تعالى: {إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا} يوسف: 36، ويحتمل أن يراد بـ«النار» الحرام، والتقدير: فهو واقع في الحرام؛ لأن الحرام يوجب النار، فسمي باسمه، من باب تسمية السبب باسم المسبّب مجازًا، كتسميتهم المرض الشديد بالموت (والاحتمال الأوَّل هو الظاهر). شرح سنن أبي داود (14/ 602).
وقال العزيزي -رحمه الله-:
«قاضٍ قضى بالهوى» (كما في رواية) يحتمل أن المراد بما تهواه نفسه؛ «فهو في النار». السراج المنير (3/ 429).
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
«قاضٍ عرف الحقَّ» واستبان له الحكم الشرعي، ولكن هواه -والعياذ بالله- أغراه؛ فقضى بغير الحق؛ فهذا من أهل النَّار، والعياذ بالله. توضيح الأحكام (7/ 157).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
الثاني: «رجل عرف الحق فلم يقضِ به، وجار في الحكم» قوله: «وجار في الحكم» من باب: عطف التفسير، تفسير «ولم يقضِ به»؛ لأنه إذا لم يقضِ بالحق لزم من ذلك الجور؛ لأن ما خالف الحق فهو جور، وعلى هذا فيكون قوله: «وجار في الحكم» من باب عطف التفسير، لا عطف التباين، فهذا في النار. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 148).

قوله: «وقاضٍ قضى بغير علمٍ فهو في النار»:
قال المظهري -رحمه الله-:
قوله: «قضى للناس على جهل» (كما في رواية) يعني: الذي ليس له علم فقضى، فهو آثم في القضاء، سواء اتفق قضاؤه صوابًا أو خطأ؛ لأن من ليس له علم لا يجوز أن يقبل القضاء، ولا يصح قضاؤه، ولا فتواه. المفاتيح (4/ 313).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«قاضٍ» أي: أحدهما، أو منهما قاضٍ «يقضي في الناس بغير علم» أي: من الكتاب والسنة، أو المأخوذ منهما. شرح مسند أبي حنيفة (1/ 531).
وقال السندي -رحمه الله-:
«قضى للناس على جهل» (كما في رواية) عمومه يشمل ما إذا قضى بالحق -أيضًا-؛ وذلك لأنه استحق النار، حيث تجرَّأ على هذا العمل العظيم بلا علم، لا لسبب جوره في الحكم. الحاشية على سنن ابن ماجه (2/ 50).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
الثالث: رجل لم يعرف الحق فقضى للناس على جهل فهو في النار، إنسان نصَّب نفسه قاضيًا؛ بسبب هيئته وزيه... لا يعرف الحق فقضى بغير الحق، هذا في النار، وأيهما أعظم: الثاني أو الثالث؟
(الإجابة:) الثاني، الذي عرف الحق ولم يقض به، هذا أعظم -والعياذ بالله-؛ لأن هذا من صنف المغضوب عليهم، والثالث من صنف الضالين، والمغضوب عليهم أقبح حالًا من الضالين. فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 148).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
القاضي إذا قضى بين الناس بجهل فهو غير معذور؛ لأن كونه يقضي بين الناس وهو جاهل لا يسوّغ له ذلك، حتى ولو أصاب الحق فهو آثم؛ لأن إصابته الحق كما يقولون: رمية من غير رامٍ؛ ولأنه ليس عالمًا، وإنما هو جاهل، فكونه صادف الحق ووافق الحق لا يفيده ذلك شيئًا؛ لأنه إنما قضى بجهل، وإنما الذي يُغفر له الخطأ: هو الذي يكون عنده قدرة، وعنده علم، ويجتهد ثم يخطئ، فإنه عند ذلك إذا اجتهد وأخطأ يكون مأجورًا أجرًا واحدًا، وقد رُفِع عنه الإثم، والذي اجتهد وأصاب يحصل على أجرين، أجر للاجتهاد، وأجر للإصابة. شرح سنن أبي داود (405/ 10).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
وهو (أي: تولي القضاء) فرض كفاية على الناس، كالإمامة الكبرى؛ حفظًا لحقوقهم، وحراسة لأمورهم من الانحلال، وكل ذم أو وعيد ورد فيهما فهو راجع إلى من فرَّط أو أساء في تصرفاتهما، والله أعلم. فتح القريب المجيب (9/ 485).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
القضاء من فروض الكفايات؛ لأن أمر الناس لا يستقيم بدونه، فكان واجبًا عليهم، كالجهاد والإمامة، قال أحمد: لا بد للناس من حاكم، ‌أتذهب ‌حقوق الناس؟!
وفيه فضل عظيم لمن قوي على القيام به، وأداء الحق فيه؛ ولذلك جعل الله فيه أجرًا مع الخطأ، وأسقط عنه حكم الخطأ؛ ولأن فيه أمرًا بالمعروف، ونصرة المظلوم، وأداء الحق إلى مستحقه، وردًّا للظالم عن ظلمه، وإصلاحًا بين الناس، وتخليصًا لبعضهم من بعض؛ وذلك من أبواب القُرَب؛ ولذلك تولاه النبي -صلى الله عليه وسلم-، والأنبياء قبله، فكانوا يحكمون لأُمَمِهم، وبَعَثَ عليًّا إلى اليمن قاضيًا، وبعث -أيضًا- معاذًا قاضيًا، وقد روي عن ابن مسعود أنه قال: "لأن أجلس قاضيًا بين اثنين أحب إليَّ من عبادة سبعين سنة"، وعن عقبة بن عامر قال: جاء خصمان يختصمان إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال لي: «اقضِ بينهما، قلت: أنت أولى بذلك، قال: وإن كان، قلت: علامَ أقضي؟ قال: اقضِ، فإن أصبتَ فلك عشرة أجور، وإن أخطأت فلك أجر واحد» رواه سعيد (ابن منصور) في سننه.
وفيه (أي: القضاء) خطر عظيم، ووزر كبير لمن لم يؤدِّ الحق فيه؛ ولذلك كان السلف -رحمهم الله- يمتنعون منه أشد الامتناع، ويخشون على أنفسهم خَطَرَه. المغني (14/5، 6).
وقال ابن دقيق العيد -رحمه الله-:
من الفقهاء من أطلق القول بكراهية القضاء؛ لأحاديث وردت فيه. إحكام الأحكام (2/ 253).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
من أصحابنا (الشافعية) من قال: القضاء من أعلى القربات، ومنهم إمام الحرمين وابن الصباغ، والأحاديث المحذِّرة منه محمولة على الخائن أو الجاهل، بدليل الحديث السالف: «القضاة ثلاثة...»، وقال ابن الصباغ: الأحاديث المحذِّرة دالة على عِظَمِ قدره، حتى لا يَقْدُم عليه من لا يثق بنفسه، ويُحمَل حديث عبد الرحمن بن سَمُرة («لا تسأل الإمارة...») وما في معناه، كحديث أبي موسى في الصحيحين: «لن نَسْتَعْمِلَ في عَمَلِنَا هذا من أراده» على من سأل لمجرّد الرئاسة والنُّبْل، ومن استحبّه فهو لمن قصد به القُرْبة. الإعلام (9/243، 244).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
الناس في القضاء على ثلاثة أضرب: الأول: من لا يجوز له الدخول فيه، وهو: من لا يُحْسِنه، ولم تجتمع فيه شروطه...
الثاني: مَن يجوز له، ولا يجب عليه، وهو مَن كان من أهل العدالة والاجتهاد، ويوجد غيره مثله، فله أن يلي القضاء بحكم حاله، وصلاحيته، ولا يجب عليه؛ لأنه لم يتعين له، وظاهر كلام أحمد: أنه لا يستحب له الدخول فيه؛ لما فيه من الخطر والغرر، وفي تركه من السلامة؛ ولما ورد فيه من التشديد والذم؛ ولأن طريقة السلف الامتناع منه والتوقي، وقد أراد عثمان -رضي الله عنه- تولية ابن عمر القضاء فأباه، وقال أبو عبد الله ابن حامد (الحسن بن حامد): إن كان رجلًا خاملًا لا يُرجع إليه في الأحكام ولا يعرف فالأولى له توَلِّيه؛ ليرجع إليه في الأحكام، ويقوم به الحق، وينتفع به المسلمون، وإن كان مشهورًا في الناس بالعلم، ويُرجع إليه في تعليم العلم والفتوى فالأولى الاشتغال بذلك؛ لما فيه من النفع مع الأمن من الغرر، ونحو هذا قال أصحاب الشافعي، وقالوا -أيضًا-: إذا كان ذا حاجة، وله في القضاء رزق، فالأولى له الاشتغال به، فيكون أولى مِن سائر المكاسب؛ لأنه قُربة وطاعة، وعلى كل حال فإنه يُكره للإنسان طلبه، والسعي في تحصيله؛ لأن أنسًا -رضي الله عنه- روى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «من ابتغى القضاء، وسأل فيه شفعاء، وُكِّلَ إلى نفسه، ومن أُكْرِه عليه أنزل الله عليه ملكًا يسدِّده»، قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لعبد الرحمن بن سمرة: «يا عبد الرحمن، لا تسأل الإمارة؛ فإنك إن أُعطيتَها عن مسألة وُكلت إليها، وإن أُعطيتها من غير مسألة أُعِنْتَ عليها» متفق عليه.
الثالث: من يجب عليه، وهو من يصلح للقضاء، ولا يوجد سواه، فهذا يتعيَّن عليه؛ لأنه فرض كفاية، لا يقدر على القيام به غيره، فيتعين عليه، كغسل الميت وتكفينه، وقد نقل عن أحمد -رحمه الله تعالى- ما يدل على أنه لا يتعين عليه، فإنه سئل هل يأثم القاضي إذا لم يوجد غيره؟ قال: لا يأثم، فهذا يحتمل أنه يُحمل على ظاهره في أنه لا يجب عليه؛ لما فيه من الخطر بنفسه، فلا يلزمه الإضرار بنفسه لنفع غيره؛ ولذلك امتنع أبو قلابة منه، وقد قيل له: ليس غيرك، ويحتمل أن يُحمل على من لم يمكنه القيام بالواجب؛ لظلم السلطان أو غيره، فإنَّ أحمد قال: لا بد للناس من حاكم، أَتَذهب حقوق الناس؟! المغني (14/ 7 - 9).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
الحديث دليل على أنه لا ينجو من النار من القضاة إلا من عرف الحق، وعمل به، والعمدة العمل، فإنَّ مَن عرف الحق فلم يعمل به فهو ومَن حكم بجهل سواء في النار، وظاهره أنَّ مَن حكم بجهل وإن وافق حكمه الحق فإنه في النار؛ لأنه أطلقه، وقال: «فقضى للناس على جهل»؛ فإنه يصدق على من وافق الحق وهو جاهل في قضائه أنه قضى على جهل. سبل السلام (8/ 46).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
القوة في الحكم بين الناس: ترجع إلى العلم بالعدل الذي دل عليه الكتاب والسنة، وإلى القدرة على تنفيذ الأحكام.
والأمانة: ترجع إلى خشية الله تعالى، وترك خشية الناس، وألا يشتري بآياته ثمنًا قليلًا، وهذه الخصال الثلاث التي أخذها الله على كل مَن حَكَم على الناس في قوله تعالى: {فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} المائدة: 44؛ ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «القضاة ثلاثة...» الحديث. السياسة الشرعية (ص: 17).
وقال ابن تيمية -رحمه الله- أيضًا:
القضاة ثلاثة: مَن يصلُح، ومَن لا يصلُح، ‌والمجهول، فلا يُرَدُّ مِن أحكام مَن يصلُح إلا ما علم أنه باطل، ولا ينفذ من أحكام من لا يصلح إلا ما عُلم أنه حق، واختار صاحب المغني وغيره إن كان توليته ابتداء، وأما المجهول: فيُنظر فيمن ولاه، وإن كان يولي هذا تارة وهذا تارة نفذ ما كان حقًّا ورُدَّ الباطل، والباقي موقوف. الفتاوى الكبرى (5/ 559).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -نفع الله بعلمه-:
الحديث دليل على عناية الإسلام بالقضاء، وأنه لا يُولَّى إلا من كان أهلًا له دِينًا وعلمًا وورعًا ونزاهة إن وُجد، وإلا يولى الأمثل فالأمثل، وعناية الإسلام بالقضاء تتمثل في بيان صفات القاضي الناجي يوم القيامة، وصفات ضده؛ ليعمل القاضي على تحقيقها في نفسه، وابتعاده عن ضدها. منحة العلام (9/410، 411).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
فيه (أي: الحديث): أن الذي يقضي بالجور فإنه قد أتى كبيرة من أعظم الكبائر في ظلم العباد، ونقض عهد الله بالجور من بعد ميثاقه، وما أبعده من المغفرة المطلقة! والذي يقضي بالجهل جائر لا تقصر مرتبته عنه، ومثال الأول: مثل أمير يقتل من لا يحل قتله مِن مستحقه أو لا مستحقه، ومثال الثاني: مثل من يتعرض للقتال، ولا يبالي أصاب بقتله من يستحقه أو من لا يستحقه...، فالأول منتهِك للحرمة عمدًا، والثاني مستهين بها نية وعقدًا، والثالث مِن خلفاء الله في أرضه، وممن قال فيه النبي -صلى الله عليه وسلم-: «المقسطون يوم القيامة على منابر من نور، عن يمين الرحمن، وكِلْتَا يديه يمين». المسالك (6/ 224).
وقال المناوي -رحمه الله-:
فيه: إنذار عظيم للقضاة التاركين للعدل...، والمقصِّرين في تحصيل رتب الكمال، قالوا: والمفتي أقرب إلى السلامة من القاضي؛ لأنه لا يُلزِم بفتواه، والقاضي يُلزِم بقوله؛ فخطره أشد؛ فيتعين على كل من ابتلي بالقضاء أن يتمسك من أسباب التقوى بما يكون له جُنَّة، ويحرص على أن يكون الرجل الذي عَرَف الحق فقضى به، وكان المخصوص من القضاة الثلاثة بالجنة، ويجعل داء الهوى عنه محسومًا، ولحظه ولفظه بين الخصوم مقسومًا، ولا يأل فيما يجب من الاجتهاد إذا اشتبه عليه الأمران، ويعلم أنه إن اجتهد وأخطأ فله أجر، وإن أصاب فله أجران. فيض القدير (4/ 538).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
وفيه: التحذير من الحكم بجهل أو بخلاف الحق مع معرفته به، والذي في الحديث أن الناجي مَن قضى بالحق عالمًا به، والاثنان في النار.
وفيه: أنه يتضمن النهي عن تولية الجاهل القضاء. سبل السلام (8/ 46).
وقال زكريا الأنصاري -رحمه الله-:
فيه: بيان فضيلة من دخل في القضاء عارفًا بالحق فقضى به، والحث على ترك الدخول فيه؛ لعظم دخوله. فتح العلام (ص: 670).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
في هذا الحديث أعظم وازع للجهلة عن الدخول في هذا المنصب الذي ينتهي بالجاهل والجائر إلى النار، وبالجملة فما صنع أحد بنفسه ما صنعه مَن ضاقت عليه المعايش فزجَّ بنفسه في القضاء؛ لينال من الحطام، وأموال الأرامل والأيتام ما يحول بينه وبين دار السلام مع جهله بالأحكام، أو جَوره على من قعد بين يديه للخصام من أهل الإسلام. نيل الأوطار (15/ 430).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
فيه: دلالة على بطلان قضاء الجاهل بأحكام الشرع، وبه قال الشافعي والأكثرون، وقال أبو حنيفة: يصح قضاه، ويقلِّد العلماء، ويستقي منهم، والحديث يمنعه. الأزهار مخطوط لوح (345).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
واستدل المصنف (صاحب المنتقى) أيضًا على ذلك (أي: عدم تولية المرأة القضاء) بحديث بُريدة المذكور في الباب؛ لقوله فيه (في رواية): «رجل... ورجل» فدل بمفهومه على خروج المرأة. نيل الأوطار (9/ 137).
‌‌وقال الشيخ عبد القادر شيبة الحمد -رحمه الله-:
ما يفيده الحديث:
1. لا يجوز أن يُوَلَّى القضاء إلا مَن عَرَفَ بالعلم.
2. لا يحل للجاهل أن ينتصب للقضاء.
3. الوعيد الشديد لمن قضى بغير علم، وحَكَم بين الناس على جهل.
4. أن القضاء بغير علم من الكبائر.
5. الوعيد الشديد لمن عرف الحق وعَدَل عنه في الحكم.
6. أن الجور في القضاء من الكبائر.
7. لَفْتُ الانتباه إلى خطورة منصب القضاء.
8. بشارة القاضي العادل بالجنة.
9. حض الإسلام على توفير العدالة للأفراد والمجتمعات.
10. وجوب صيانة الحقوق.
11. سمو الشريعة الإِسلامية وشمولها لشؤون المعاش والمعاد.
12. الإسلام دين العلم والمعرفة. فقه الإسلام (10/54، 55).

ولمزيد من الفائدة يُنظر:

كيف نجمع بين حديث: القضاة ثلاثة...وحديث: إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران...؟

حكم شهاد الابن على أبيه والتشهير به 


إبلاغ عن خطأ