«اللهمَّ اغفر للمُحلِّقِينَ، قالوا: يا رسولَ الله، وللمقصِّرين، قال: اللهمَّ اغفر للمحلِّقين، قالوا: يا رسول اللهِ، وللمقصِّرين، قال: اللهمَّ اغفر للمحلِّقين، قالوا: يا رسول الله، وللمقصِّرين، قال: وللمُقصِّرين».
رواه البخاري برقم: (1728)، ومسلم برقم: (1302)، واللفظ له، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-.
ولفظ البخاري: «اللهمَّ اغفِرْ لِلمُحلِّقِينَ، قالوا: وللمقصِّرِينَ، قال: اللهمَّ اغفِرْ لِلمحلِّقِينَ، قالوا: وللمقصِّرِينَ، قالها ثلاثًا، قال: وللمقصِّرِينَ».
وفي حديث ابن عمر في البخاري برقم: (1727)، ومسلم برقم: (1301): «اللَّهُمَّ ارْحَمِ الـمُحَلِّقين».
قال البخاري تعليقًا: وقال الليث: حدثني نافع: رحم الله المحلقين، مرة أو مرتين. قال: وقال عبيد الله: حدثني نافع: وقال في الرابعة: «والمقصرين».
وروى أحمد برقم: (27202)، من حديث ابن قارب، عن أبيه قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «اللهم اغفر للمُحلِّقين، قال رجل: والمقصرين؟ قال في الرابعة: والمقصرين»، صححه الشيخ الألباني في الإرواء (4/287).
غريب الحديث
«للمُحلِّقين»:
الحَلْقُ: حَلْقُ الشَّعْرِ. لسان العرب، لابن منظور(10/ 59).
وقال الزبيدي -رحمه الله-:
حَلَقَ رأسه يَحْلِقُه حَلْقًا، وتَحْلاقًا بفَتْحِهما: أزالَ شَعْرَه عَنهُ. تاج العروس (25/ 187).
«للمُقصرين»:
قَصَّرَ الشيءَ: جَعَلَهُ قَصِيرًا، والقَصِيرُ مِنَ الشَّعَر: خلافُ الطَّوِيلِ. وقَصَرَ الشعرَ: كَفَّ مِنْهُ، وغَضَّ حَتَّى قَصُرَ. لسان العرب (5/ 96).
شرح الحديث
قوله: «اللهم، اغفِرْ للمُحلِّقين»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «اللهم اغفر للمحلِّقين» وقد مرَّ في حديث ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما-: «ارحم المحلقين» قال الداودي: يحتمل أن يكون بعض الناقلين رواه على المعنى، أو إحدى الروايتين وَهْم، أو قالهما -صلى الله عليه وسلم- جميعًا. عمدة القاري (10/65).
وفي لفظ: «اللهم ارحم المُحلِّقين»:
قال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
قوله: «ارحم» أي: أنزِل رحمتك التي بها حصول المطلوب، والنجاة من المرهوب. منحة العلام (5/ 326).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
قال: «اللهم ارحم المحلقين» وتغافل عن العطف على وجه العطف (أي: ما لُقِّنَ به من قولهم: «وللمُقصرين») دون العُنف. مرقاة المفاتيح (5/ 1829)
قال الكَماخي -رحمه الله-:
قال: «اللهم ارحم المحلقين» أي: وأعرضَ عن قبول التلقين، قالوا: ثانيًا قل: «والمقُصرين» يا رسول الله، فالعطف على محذوف، هو يسمى العطف التلقيني... قال: «اللهم ارحم المحلقين» أي: كما قاله أولًا وثانيًا، قالوا: أي: ثالثًا، قل: «والمقصرين» يا رسول الله، «قال:» أي: رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في المرتين الثانية أو الثالثة أو الرابعة، بحسب اختلاف الروايات «والمقصرين». المهيأ (2/ 405).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«اللهم ارحم المحلِّقين» حيث عَمِلوا بالأفضل؛ لأن العمل بما بدأ الله تعالى في قوله: {مُحَلِّقِينَ رُؤوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ} الفتح: 27، أكمل، وقضاء التَّفث المأمور به في قوله -عز وجل-: {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ} الحج: 29، يكون به أجمل، وبكونه في ميزان العمل أثقل. مرقاة المفاتيح (5/ 1829).
وقال الشيخ عبد الله الفوزان -حفظه الله-:
قوله: «الـمُحلّقين» أي: الحالقين رؤوسهم في حج أو عمرة؛ تعبدًا لله تعالى، والحلق: إزالة شعر الرأس كُله بالموسى ونحوه. منحة العلام (5/ 326).
وقال الشيخ عبد الكريم الخضير -حفظه الله-:
«اللهم ارحم المحلقين» دعا للمحلِّقين الذين يحلقون رؤوسهم بعد أو في نُسُكهم...، هذه دعوة صالحة لهم...، والأصل أن الحَلق لا يكون إلا بالـمُوسى، بحيث لا يبقى للشعر أصول. شرح الموطأ (87/ 19).
قوله: «قالوا: يا رسولَ الله، وللمقصِّرين»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «قالوا» لم أقف في شيء من الطرق على الذي تولّى السؤال في ذلك بعد البحث الشديد. فتح الباري (3/ 562).
وقال الكَماخي -رحمه الله-:
«قالوا»: أي: بعض الصحابة من المحلِّقين، أو المقصرِّين أو منهما جميعًا، على طريق الالتماس والتلقين. المهيأ (2/ 405).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
الواو في قوله: «والمقصرين» معطوفة على شيء محذوف، تقديره: قل: والمقصرين، أو قل: وارحم المقصرين، وهو يسمَّى العطف التلقيني. فتح الباري (3/ 562).
وقال الكَماخي -رحمه الله-:
«والمقصرين يا رسول الله» أي: قل: وارحم «المقصرين»؛ فإنك رحمة للعالمين. المهيأ (2/ 405).
قال العيني -رحمه الله-:
المُقَصِّرُ: هو الذي يُقَصِّرُ من شَعرِ رأسِه، ويأخذُ من أطرافِه، ولا يَحلِقُهُ. نخب الأفكار (10/ 235).
وقال الشيخ عبد الكريم الخضير -حفظه الله-:
إذا أبقت الآلة للموسى شيئًا يأخذه فهو تقصير، ولو كان يسيرًا، وعلى هذا مكاين الحلاقة هذه التي رقم واحد، واثنين، وثلاثة، كلها تقصير إذا بقيت أصول الشعر. شرح الموطأ (87/ 19).
قال ابن حجر -رحمه الله-:
في قوله -صلى الله عليه وسلم-: «والمقصرين» إعطاء المعطوف حكم المعطوف عليه، ولو تخلل بينهما السكوت لغير عذر. فتح الباري (3/ 562).
وفي لفظ: «اللهمَّ اغفِرْ لِلمُحلِّقِينَ...، قالها ثلاثًا»، والمقصرين وفي رواية: قال في الرابعة: «والمقصرين».
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «قالها ثلاثًا» أي: قال: اغفر للمُحلقين، ثلاث مرات، وفي الرابعة قال: «للمقصرين»، وفي حديث ابن عمر الذي مضى آنفًا قال: «للمقصرين» بعد الثانية، وفي رواية الترمذي عن ابن عمر قال: «رحم الله المحلقين مرة أو مرتين، ثم قال: والمقصرين»، وفي حديث ابن عباس أخرجه ابن ماجه، «قيل: يا رسول الله، لِمَ ظاهرت المحلقين ثلاثًا والمقصرين واحدة؟» وقد ذكرناه من رواية ابن إسحاق، وابن ماجه أخرجه من طريقه، وفي حديث أم الحصين أخرجه مسلم والنسائي: «دعا للمحلقين ثلاثًا وللمقصرين مرة»، وفي حديث أبي سعيد أخرجه ابن أبي شيبة: «رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول بيده: يرحم الله المحلقين، فقال رجل: يا رسول الله، والمقصرين؟ قال في الثالثة: والمقصرين»، وفي حديث أبي مريم، أخرجه أحمد في مسنده أنه سمع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «اللهم اغفر للمحلقين، اللهم اغفر للمحلقين، قال: يقول رجل من القوم: والمقصرين؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الثالثة أو الرابعة، والمقصرين. قال وأنا يومئذ محلوق الرأس، فما يسرني بحلق رأسي حمر النعم». عمدة القاري (10/ 65).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «قال: والمقصرين» كذا في معظم الروايات عن مالك إعادة الدعاء للمحلّقين مرتين وعطف المقصرين عليهم في المرة الثالثة، وانفرد يحيى بن بكير دون رواة الموطأ بإعادة ذلك ثلاث مرات...، وبيان أن كونها في الرابعة أن قوله: «والمقصرين» معطوف على مقدَّر، تقديره "يرحم الله المحلقين"، وإنما قال ذلك بعد أن دعا للمحلّقين ثلاث مرات صريحًا، فيكون دعاؤه للمقصرين في الرابعة، وقد رواه أبو عوانة في مستخرجه من طريق الثوري، عن عبيد الله بلفظ: قال في الثالثة: «والمقصرين» والجمع بينهما واضح، بأن مَن قال: «في الرابعة» فعلى ما شرحناه، ومَن قال: "في الثالثة" أراد أن قوله: «والمقصرين» معطوف على الدعوة الثالثة، أو أراد بالثالثة مسألة السائلين في ذلك، وكان -صلى الله عليه وسلم- لا يُراجع بعد ثلاث، كما ثبت، ولو لم يدعُ لهم بعد ثالث مسألة، ما سألوه ذلك. فتح الباري (3/ 562).
وقال المغربي -رحمه الله-:
الجمع بين الروايات أن من قال في الثالثة أراد بها بالنظر إلى ما وقع من السائلين، ومن قال في الرابعة فبالنظر إلى أن قوله: «وللمقصرين» معطوف على مقدر، والمعنى: اغفر للمحلقين والمقصرين، فهو مذكور تقدير أربعًا، وإن لم يذكر فيه اللفظ إلا ثلاث مرات، ورواية الجزم مقدمة على رواية الشك، وإعادة الذكر ثلاث مرات معمول بها ولا يعارضها رواية الذكر مرتين لأن في تلك زيادة، وهي معمول بها، والله أعلم. البدر التمام (5/ 345).
وقال النووي -رحمه الله-:
دعاؤه -صلى الله عليه وسلم- للمحلقين ثلاث مرات، وللمُقصرين مرَّة بعد ذلك، هذا كله تصريح بجواز الاقتصار على أحد الأمرين، إنْ شاء اقتصر على الحلق، وإنْ شاء على التقصير، وتصريح بتفضيل الحلق، وقد أجمع العلماء على أنَّ الحلق أفضل من التقصير، وعلى أنَّ التقصير يجزئ، إلا ما حكاه ابن المنذر عن الحسن البصري أنه كان يقول: "يلزمه الحلق في أول حجة، ولا يجزئه التقصير"، وهذا -إن صحّ عنه- مردود بالنصوص وإجماع مَن قبله.
ومذهبنا (الشافعية) المشهور أنَّ الحلق أو التقصير نسك من مناسك الحج والعمرة، وركن من أركانهما، لا يحصل واحد منهما إلا به، وبهذا قال العلماء كافة، وللشافعي قول شاذ ضعيف أنه استباحة محظور، كالطيب واللباس، وليس بنُسُك، والصواب الأول...
وأجمعوا أن الأفضل حلق جميعه، أو تقصير جميعه، ويستحب أن لا ينقص في التقصير عن قدر الأنملة من أطراف الشعر، فإن قصّر دونها جاز؛ لحصول اسم التقصير. شرح صحيح مسلم (9/ 49-51).
وقال النووي -رحمه الله-:
واعلم أنَّ قوله: «حلق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وطائفة من أصحابه، وقصّر بعضهم» ودعاؤه -صلى الله عليه وسلم- للمحلقين ثلاثًا، ثم للمقصرين مرة، كل هذا كان في حجة الوداع، هذا هو الصحيح المشهور، وحَكى القاضي عياض عن بعضهم أن هذا كان يوم الحديبية حين أمرهم بالحلق فما فعله أحد؛ لطمعهم بدخول مكة في ذلك الوقت، وذكر عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: «حلق رجال يوم الحديبية، وقصّر آخرون» فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «اللهم ارحم المحلقين ثلاثًا، قيل: يا رسول الله، ما بال المحلّقين ظاهرت لهم بالتَّرحُم؟ قال؛ لأنهم لم يَشُكُّوا»... وقد ذكر مسلم...حديث يحيى بن الحصين، عن جدته هذه أُم الحُصين، قالت: حججتُ مع النبي -صلى الله عليه وسلم- حجة الوداع، وقد جاء الأمر في حديثها مُفسرًا أنه في حَجة الوداع، فلا يبعد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قاله في الموضعين. المنهاج شرح صحيح مسلم(9/ 51).
وقال الكوراني -رحمه الله-:
فإنْ قلتَ: اختلفت الروايات في قوله: «اللهم ارحم المحلقين» رواه نافع مرة أو مرتين، وفي رواية أخرى عن نافع: «قالها ثلاثًا» وفي الرابعة، قال: «وللمقصّرين» وفي رواية أبي هريرة أنه قال في الثالثة: «وللمقصرين».
قلتُ: إن كانت القصة متعددة فالأمر ظاهر، وإن كانت متحدة الرواة، فالاختلاف من تفاوت ضبط الرواة، وزيادة الثقة مقبولة. الكوثر الجاري (4/ 146).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
يحتمل أنه قاله في الموضعين (الحديبية، وحجة الوداع)، وهو الأشبه؛ لأن جماعة من الصحابة توقفت في الحلق فيهما. التوضيح (12/ 121).
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قال ابن دقيق العيد: إنه الأقرب (أن القصة في الحديبية وحجة الوداع)، قلت: بل هو المتعين؛ لتظاهر الروايات بذلك في الموضعين كما قدمناه، إلَّا أن السبب في الموضعين مختلف، فالذي في الحديبية كان بسبب توقُّف مَن توقَّف من الصحابة عن الإحلال؛ لما دخل عليهم من الحزن؛ لكونهم مُنعوا من الوصول إلى البيت مع اقتدارهم في أنفسهم على ذلك، فخالفهم النبي -صلى الله عليه وسلم- وصالح قريشًا على أن يرجع من العام المقبل...، فلما أمرهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بالإحلال توقفوا، فأشارت أم سلمة أن يحل هو -صلى الله عليه وسلم- قبلهم، ففعل، فتبعوه، فحلق بعضهم وقصر بعض، وكان من بادر إلى الحلق أسرع إلى امتثال الأمر ممن اقتصر على التقصير، وقد وقع التصريح بهذا السبب في حديث ابن عباس المشار إليه قبل، فإن في آخره عند ابن ماجه وغيره: أنهم قالوا: يا رسول الله، ما بال المحلقين ظاهرت لهم بالرحمة؟ قال: «لأنهم لم يشكوا »، وأما السبب في تكرير الدعاء للمحلقين في حجة الوداع فقال ابن الأثير في النهاية: كان أكثر من حج مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يَسُقِ الهدي، فلما أمرهم أن يفسخوا الحج إلى العمرة ثم يتحللوا منها، ويحلقوا رؤوسهم شقَّ عليهم، ثم لما لم يكن لهم بُدّ من الطاعة كان التقصير في أنفسهم أخف من الحلق ففعله أكثرهم، فرجَّح النبي -صلى الله عليه وسلم- فعل من حلق؛ لكونه أبين في امتثال الأمر. انتهى، وفيما قاله نظر، وإن تابعه عليه غير واحد؛ لأن المتمتع يستحب في حقه أن يقصِّر في العمرة، ويحلق في الحج إذا كان ما بين النسكين متقاربًا، وقد كان ذلك في حقهم كذلك، والأولى ما قاله الخطابي، وغيره (وذكر كلام الخطابي الآتي). فتح الباري (3/ 564).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
قال المهلب: وجه دعاء النبي -صلى الله عليه وسلم- للمحلقين ثلاثًا -والله أعلم-: أنَّ التحليق أبلغ في العبادة، وأدل على صدق النية في التذلل لله؛ لأنَّ المقصِّر لشعره مبقٍ لنفسه من الزينة التي أراد الله أن يأتيه المستجيبون لدعوته بالحج مبرَّئين منها، مظهرين للذلة والخشوع، مجانبين للطيب والتزين كله، شُعثًا غبرًا، ومَن ترك من شعره البعض فقد أبقى لنفسه من الزينة ما دل على أنه لم يتزين بالشعث والغبرة لله وحده، فأكَّد النبي -عليه السلام- الحض على الشعث والغبرة بالدعوة لمن آثرها على إبقاء الزينة لدنياه، ثم جعل له من الدعوة نصيبًا، وهو الربع؛ لئلا يخيِّب أحدًا من أمته من صالحِ دعوتِهِ. شرح صحيح البخاري (4/ 403).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
كان عادة أكثر العرب اتخاذ الشعر على الرؤوس وتوفيرها وتزييتها، وكان التسبيد والحلق فيهم قليلًا، وكانوا يرون ذلك نوعًا من الشهرة، وكان يشق عليهم الحِلاق؛ فمالوا إلى القص والتقصير. أعلام الحديث (2/ 900).
وقال المازري -رحمه الله- وقوله مبني أنه في حجة الوداع:
زعم بعض العلماء أن ذلك تحضيض على الحِلاق؛ لأجل أنه -عليه السلام- لما أمرهم فحلوا ولم يحل، توقفوا؛ استثقالًا لمخالفة أفعاله، فلما عزم عليهم مالوا إلى التقصير؛ لأنه أخف وأقرب شَبَهًا به -صلى الله عليه وسلم-؛ إذ لم يحل، أو لأنهم لم يكونوا اعتادوا الحلاق. المعلم (2/ 97).
وقال ابن منظور -رحمه الله- وقوله مبني أنه في حجة الوداع:
لـمَّا أُمِرَ مَن ليس معه هَدْيٌ أن يحلِقَ ويَحلَّ، وجدوا في أنفسهم من ذلك، وأحبّوا أن يأذن لهم في المقام على إحرامهم حتى يكمِلوا الحجّ، وكانت طاعةُ النبيّ -صلى الله عليه وسلم- أَولى بهم، فلمّا لم يكن لهم بُدٌّ من الإحلال، كان التقصيرُ في نفوسهم أَخفَّ من الحَلق، فمال أكثرُهم إليه، وكان فيهم مَن بادَر إلى الطاعة فحلق، ولم يُراجِع، فلذلك قَدَّم الـمُحلِّقين وأَخَّرَ الـمُقصِّرين. لسان العرب (10/ 60).
وقال السندي -رحمه الله- وقوله مبني أنه في الحديبية:
قوله: «اللهم اغفر للمحلقين» خصّهم بزيادة الدعاء؛ لاتباعهم سُنة نبيهم -صلى الله عليه وسلم-. كفاية الحاجة (2/ 245).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله- وقوله مبني أنه في الحديبية:
إنما قدَّم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المحلقين؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- حلق رأسه، فحلق قوم، وقصَّر قوم، فقدّم مَن وافقه، وقصَّر بالدعاء عن المقصِّرين؛ لأن المقصرين قصَّروا باقتصارهم على التقصير. الإفصاح (4/ 134).
وقال ابن عاشور -رحمه الله-:
والذي يظهر لي أنه لما كان الإحرام يمنع التطيُّب والتدهن مع كثر الشّعث، كان الحِلاق عقب الفراغ من الحج أنقى للرأس، وأقطع للقمل والوسخ، والنظافة مقصد شرعيّ، فدعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للذين أتوا بأقصاها تنبيهًا على فضلها. كشف المغطى (ص: 208).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
ظاهر صيغة المحلقين أنَّه يُشرع حلق جميع الرأس؛ لأنه الذي تقتضيه الصيغة؛ إذ لا يقال لمن حلق بعض رأسه: إنَّه حلقه إلا مجازًا، وقد قال بوجوب حلق الجميع: أحمد ومالك، واستحبه الكوفيون والشافعي، ويجزئ البعض عندهم. نيل الأوطار (5/ 83-84).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
يجب أن يكون الحلق أو التقصير شاملًا لجميع الرأس؛ لقوله تعالى: {مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ} الفتح: 27، والفعل المضاف إلى الرأس يشمل جميعه؛ ولأن حلق بعض الرأس دون بعض منهي عنه شرعًا؛ لما في الصحيحين: عن نافع عن ابن عمر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- «نهى عن القَزع» فقيل لنافع: ما القزعُ؟ قال: أن يحلق بعض رأس الصبي، ويترك بعضًا، وإذا كان القزع منهيًّا عنه لم يصح أن يكون قُربة إلى الله، ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- حلق جميع رأسه تعبُّدًا لله -عز وجل- وقال: «لتأخذوا عني مناسككم». مجموع الفتاوى (24/ 302).
وقال المازري -رحمه الله-:
اختلف الناس أيضا في القدر...المشروع منه (الحلق أو التقصير) عند التحلل، فعند الشافعي أقله ثلاث شعرات، وعند أبي حنيفة ربع الرأس، وعند أبي يوسف نصفه، وعند مالك كله. المعلم (2/ 98).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
قام الإجماع على أنَّ النساءَ لا يحلِقْنَ، وأنَّ سُنَّتَهُنَّ التقصيرُ؛ لأنَّ حلقَ رأسِها مُثلةٌ، فإنْ حَلَقتْ كُرِهَ، وقيلَ: حُرِّمَ. التوضيح (12/ 124).
وقال النووي -رحمه الله-:
يُستحب للمُتمتِّع أن يقصر في العُمرة، ويحلق في الحج؛ ليقع الحَلق في أكمل العبادتين. شرح صحيح مسلم (8/ 231).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
في حديث الباب من الفوائد: أنَّ التقصير يجزئ عن الحلق، وهو مجمع عليه، إلا ما روي عن الحسن البصري، أن الحلق يتعيّن في أول حجة...، وفي الحديث أيضًا: مشروعية الدعاء لـمَن فعل ما شُرع له، وتكرار الدعاء لـمَن فعل الراجح من الأمرين المخيّر فيهما، والتنبيه بالتكرار على الرجحان، وطلب الدعاء لمَن فعل الجائز، وإن كان مرجوحًا. فتح الباري (3/ 564).
وقال الشوكاني -رحمه الله-:
فيه (أي: الحديث) دليل على التَّرحُم على الحيِّ، وعدم اختصاصه بالميت..نيل الأوطار (9/ 345).
وقال السفاريني -رحمه الله-:
فيه (أي الحديث): تفضيل الحلق للرجال على التقصير الذي هو أخذ أطراف الشَّعر؛ لقوله تعالى: {مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ} الفتح: 27؛ إذ العرب تبدأ بالأهم والأفضل... كشف اللثام (4/ 421).
وقال ابن العطار -رحمه الله-:
في هذا الحديث أحكام: منها... مناسبة الدعاء بالمغفرة للمحلّقين والمقصرين؛ حيث إنَّ كل واحد من الحلق والتقصير والمغفرة إزالة في الصورة والمعنى، فالحلق والتقصير إزالة للشَّعَث في الصورة، وهُما سببان لغفر الذنب بإزالته أو سَتره. العدة في شرح العمدة (2/ 1064).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
مَا أحسنَ موقع لفظ: «المقصرين» ها هنا؛ لأنهم لتقصيرهم حُرموا من تكرار الدعاء، {فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ الْكَبِيرُ} فاطر: 32. لمعات التنقيح (5/ 398).
وينظر للفائدة:
هل أخذ الشعر بالماكينة يعتبر من الحلق أو التقصير ؟
متى يكون التقصير عند التحلل أفضل من الحلق ؟