«كانَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- إذا أتى بابَ قومٍ لم يَستقبلْ البابَ مِن تلقاءِ وجهِهِ، ولكن مِن رُكنهِ الأيْمنِ أو الأيْسرِ، ويقول: السلامُ عليكم، السلامُ عليكم؛ وذلك أن الدُّور لم تكنْ عليها يومئذٍ سُتورٌ».
رواه أبو داود برقم: (5186) والبيهقي في السنن الكبرى برقم: (17663)، من حديث عبد الله بن بُسْر -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (4638).
غريب الحديث
«تلقاءِ وجهِهِ»:
أي: مقابل وجهه وحِذَائه. مرقاة المفاتيح، للقاري (7/ 2961).
«سُتورٌ»:
جمع سِتر بالكسر، وهو الحِجَاب. مرقاة المفاتيح، للقاري (7/ 2961).
شرح الحديث
قوله: «كانَ رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- إذا أتى بابَ قومٍ»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«كانَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- إذا أتى بابَ قوم» أي: بابَ أحدٍ من قومه. شرح سنن أبي داود (19/ 493).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«إذا أتى بابَ قوم» أي: وصَلَه. مرقاة المفاتيح (7/ 2961).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«كانَ إذا أتى باب قوم» لنَحْوِ عيادةٍ أو زيارة، أو غير ذلك من المصالح. فيض القدير (5/ 87).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«كان إذا أتى بابَ قوم» ليدخل عليهم، أو نحوه. التنوير (8/ 305).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
«كانَ» في الغالب أنها تُفيد الاستمرار، ولكنه قد تأتي هذه الصيغة لغير الاستمرار، ولكنه يُستدل بها على المداومة وعلى الكثرة. شرح سنن أبي داود (137/ 3).
وقال النووي -رحمه الله-:
فإنَّ المختار الذي عليه الأكثرون والمحققون من الأصوليين أنَّ لفظة "كان" لا يلزم منها الدوام ولا التكرار، وإنَّما هي فعل ماضٍ يدل على وقوعه مرة، فإن دل دليل على التكرار عُمِلَ به، وإلا فلا تقتضيه بوضعها. المنهاج شرح مسلم (6/ 21).
قوله: «لم يَستقبلْ البابَ مِن تلقاءِ وجهِهِ، ولكن مِن رُكنهِ الأيْمنِ أو الأيْسرِ»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«لم يستقبل البابَ» الذي يَستأذنُ منه «مِن تلقاءِ وجهه، ولكن مِن رُكنه الأيمن أو الأيسر»، وروى الطبراني عن عبد الله بن بُسر أيضًا: سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «لا تأتوا البيوتَ من أبوابها، ولكن ائتوها من جوانبها» (حسنه الألباني)، وفي تقديمه بالأيمن دليل على أن وقوفه في الأيمن أولى وأفضل. شرح سنن أبي داود (19/ 493).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
قال العلماء: إنَّما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يستقبل قِبَلَ الباب، بل يستدير، ولا يقوم محاذيًا؛ كيلا يقع بصرُه على مَن في الدار من النسوة، «إنَّما جُعل الاستئذان من أجل البصر». الأزهار مخطوط لوح (406).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«لم يستقبلْ البابَ من تلقاءِ وجهه» أي: مقابل وجهه وحذائه؛ لئلا يقع بصرُه على أهل البيت، «ولكن» أي: يَستقبل مع الانحراف والْمَيل «مِن ركنه الأيمنِ أو الأيسر» أي: مِن أحَدِ جانبيه الأنسب بالوقوف. مرقاة المفاتيح (7/ 2961).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
وسواء كان الباب مفتوحًا أو مغلقًا؛ للإطلاق، والأظهر أنه على الأول. التنوير (8/ 305).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
هذا من الآداب الجميلة، والأخلاق الكريمة، يعني: كون الإنسان لا يستقبل الباب؛ لأنه إذا استقبل البابَ قد يَرى مَن في الداخل، ولكنه إذا كان على اليمين أو الشمال يكون بعيدًا عن أن يقع بصره على أمر لا يريد صاحب المكان أن ينظر إليه، أو يطّلع عليه. شرح سنن أبي داود (588/ 18).
قوله: «ويقول: السلامُ عليكم، السلامُ عليكم»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«يقول: السلامُ عليكم» أي: أوّلًا «السلامُ عليكم» أي: ثانيًا حتى يتحقَّق السماع والإذن، والمراد بالتّكرار التعدد، لا الاقتصار على المرّتين، فإنه كان من عادته التثليثُ. مرقاة المفاتيح (7/ 2961).
وقال المناوي -رحمه الله-:
الظاهر أنَّ تكرير السلام إنما هو لمَن عن يمينه مرةً، ومَن عن يساره مرة. فيض القدير (5/ 87).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«ويقول: السلامُ عليكم، السلامُ عليكم» ظاهره تكريره؛ لإسماعهم، ولو سمعوا من أول مرّة لم يكرره، وهذا إنما يكون في بيوت تهامة ونحوها التي تكون بغير حجاب، وأهلها قريبون من الأبواب يسمعون...، وظاهره أن السلام يغني عن الاستئذان، ويحتمل أنه يكون بعد سماعهم السلام، يستأذن، وهذه من الآداب التي هُجرت. التنوير (8/ 305).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «السلام عليكم، السلام عليكم» ليس التكرار أمرًا لازمًا، وإنَّما هو على طريق العادة في الاستئذان تأكيدًا. لمعات التنقيح (8/ 40).
قوله: «وذلك أن الدُّور لم تكنْ عليها يومئذٍ سُتورٌ»:
قال ابن رسلان -رحمه الله-:
«وذلك أن الدُّور» وهذا فيه تعليل لعدم استقباله الباب؛ لأن الدُّور «لم يكن عليها يومئذ ستورٌ» جمع سِتر، وهو كل ما يَستر العيون عن الرؤية، من بابٍ أو ثوب ونحوه، ولعل هذا قبل أن تنزل آية الحجاب، فلما نزلت وُضعت السُّتور على الأبواب. شرح سنن أبي داود (19/ 493).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«وذلك» أي: ما ذكرَ من عدم استقبال الباب، ووجود الانحراف «أن» وفي نسخة «لأن» «الدُّور» بالضم جمع الدار، أي: أبوابها «لم يكن عليها يومئذ سُتورٌ» جمع سِتر بالكسر، وهو الحجاب، وفيه مقابلة الجمع بالجمع، والمعنى: أنه إذا كان هناك بابٌ أو سِتر يحصل به حجاب فلا بأس بالاستقبال، لكن الانحراف أولى؛ مراعاةً لأصل السُّنة؛ ولأنه ربما يحصل بعض الانكشاف عند فتح الباب، أو رفع الحجاب، كما لا يخفى على أرباب الألباب. مرقاة المفاتيح (7/ 2961).
وقال الأردبيلي -رحمه الله-:
قوله: «وذلك أنَّ الدور لم يكن عليها يومئذٍ ستور» مُدرج من الراوي، والمراد بذلك الأكثر الأغلب، وإلا فتقدَّم في حديث ابن مسعود أنَّ بيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان له حجاب (أي: حديث: «إذنك عليَّ أنْ ترفع الحجاب، وأنْ تسمع سوادي حتى أنهاك»). الأزهار مخطوط لوح (406).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«وذلك» أي: عدم الإتيان من تلقاء وجه الباب «أن الدُّور لم يكن عليها يومئذ ستورٌ» أي: أبواب من المتعارفة تسترُ ما في باطنها. التحبير (6/ 572).
وقال أبو عبد الله القرطبي -رحمه الله-:
إن كان الباب مردودًا فله أن يقف حيث شاء منه، ويستأذن، وإن شاء دقّ الباب؛ لما رواه أبو موسى الأشعري «أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان في حائط بالمدينة، على قُفِّ البئر (حافة البئر، وأصله الغليظ المرتفع من الأرض، وقيل: القُفُّ الدكة التي جُعلت حول البئر، والجمع: قِفَاف) فمدّ رجليه في البئر، فدقّ البابَ أبو بكر، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ائذن له، وبشِّره بالجنة». الجامع لأحكام القرآن (12/ 216).
وقال الشيخ محمد بن علي السايس -رحمه الله-:
من الأدب في الاستئذان أنه إذا وقف المستأذن ينتظر الإذن فلا يستقبل الباب بوجهه، بل يجعله عن يمينه أو شماله، فقد روي أنّ أبا سعيد الخدري استأذن على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو مستقبل الباب، فقال -عليه الصلاة والسلام-: «لا تستأذن وأنت مستقبل الباب» وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا أتى بابَ قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه، ولكن مِن ركنه الأيمن أو الأيسر» قالوا: لأنّ الدّور لم يكن عليها حينئذ ستور، ولكن ينبغي أن يكون الأمر كذلك في الدور الآن، ولو كانت مغلقة الأبواب عند الاستئذان، فإنّ الطارق إذا استقبلها فقد يقع نظره عند الفتح له على ما لا يجوز، أو ما يَكره أهل البيت اطلاعه عليه. تفسير آيات الأحكام (ص: 574).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
يعني: الستور التي تكون في الأبواب، فإذا كان الباب مفتوحًا وعليه ستر فإنه يمنع من البصر، ومن النظر إلى ما في الداخل، فإذا كان ليس فيه ستر والباب مفتوح فإن الإنسان يرى ما أمامه. شرح سنن أبي داود (588/ 18).
وقال منصور ناصف -رحمه الله-:
الأدبُ ممّن يَستأذن أن يقف بركن الباب، ويطرقه، وإذا قيل له: مَن بالباب؟ يذكر اسمه واضحًا. التاج الجامع للأصول (5/ 240).
وللمزيد من الفائدة ينظر:
لِمَ شُرع الاستئذان في الإسلام؟