السبت 15 جمادى الآخرة 1447 | 2025-12-06

A a

 أنَّ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- كانَ إذا سَمِعَ المؤذنَ يتشهَّدُ قال: «وأنا، وأنا».


رواه أبو داود برقم: (526)، وابن حبان برقم: (1683)، والحاكم في المستدرك برقم: (734)، والطبراني في الأوسط برقم: (4735)، من حديث عائشة -رضي الله عنها-.
صحيح الجامع برقم: (4742)، مشكاة المصابيح برقم: (677).


غريب الحديث


«المؤذِّن»:
كل من تكلَّم بشيءٍ ندَاءً فهو مُؤذن. الكليات، للكفوي (ص: 803).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
الأذان وهو الإعلام بالشيء، يقال: آذن يُؤْذِنُ إيذانًا، وأذَّنَ يُؤذِّنُ تأذينًا، والمشدَّد مخصوص في الاستعمال بإعلام وقت الصلاة. النهاية(1/ 34).

«يتشهد»:
ينطقُ بالشهادتين. التنوير، للصنعاني (8/ 415).


شرح الحديث


قولها: «‌أنَّ رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- كان ‌إذا ‌سمع ‌المؤذن ‌يتشهد»:
قال العيني -رحمه الله-:
قوله: «يتشهد» أي: يقول: أشهد أن لا إله إلا الله. شرح سنن أبي داود (2/ 487).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«‌كان ‌إذا ‌سمع ‌المؤذن ‌يتشهد» أي: ينطق بالشهادتين في أذانه. فيض القدير (5/ 143).
وقال خليل السهارنفوري -رحمه الله-:
«‌كان ‌إذا ‌سمع ‌المؤذن ‌يتشهد» أي يقول في أذانه: أشهد أن لا إله إلَّا الله، وأشهد أنَّ محمدًا رسول الله. بذل المجهود في حل سنن أبي داود (3/ 334).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
«قوله: ‌كان ‌إذا ‌سمع ‌المؤذن ‌يتشهد» أي: يقول: أشهد أن لا إله إلا الله إلى آخر الشهادتين.
ويحتمل أن يراد بالتشهد الأذان كله؛ فيكون من إطلاق الجزء وإرادة الكلّ؛ ويؤيده رواية الحاكم عن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: كان رسول الله -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم- إذا سمع المؤذن قال: «وأنا وأنا». المنهل العذب المورود (4/ 199).

قولها: «قال: وأنا، وأنا»:
قال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «قال: وأنا وأنا» عطف على قول المؤذن: أشهد، على تقدير العامل لا الاستئناف، أي: أنا ‌أشهد ‌كما ‌تشهد، والتكرير في «وأنا» راجع إلى الشهادتين.
وفيه: أنه -صلى الله عليه وسلم- كان مكلفًا بأن يشهد على رسالته كسائرِ الأُمَّة. الكاشف عن حقائق السنن (3/ 920).
وقال الدهلوي -رحمه الله- متعقبًا كلام الطيبي:
لعله هرب من عطفه على الضمير المتصل بدون التأكيد، وأيضًا لا معنى على عطفه على المستكن في «أشهد» المذكور في كلام المؤذن، فافهم. لمعات التنقيح (2/ 435).
وقال السندي -رحمه الله- متعقبًا كلام الطيبي أيضًا:
وقد يقال: لا يلزم من الشهادة بالرسالة أن يكون مكلفًا بها، والله تعالى أعلم. فتح الودود في شرح سنن أبي داود (1/ 348).
وقال العيني -رحمه الله-:
قوله: «قال: وأنا وأنا» أي: قال النبي -عليه السلام-: «وأنا» أشهد أن لا إله إلا الله «وأنا» أشهد أن لا إله إلا الله «وأنا» مبتدأ، وخبره محذوف وهو قوله: أشهد أن لا إله إلا الله، وكذلك «أنا» الثاني كرره للتأكيد والمبالغة. شرح سنن أبي داود (2/ 487).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
«‌كان ‌إذا ‌سمع ‌المؤذن ‌يتشهد قال» عند الشهادتين: «وأنا، وأنا» أي: عند شهادة أن لا إله إلا الله: وأنا، عند شهادة أن محمدًا رسول الله: وأنا.
رواه ابن حبان من طريق هشام، عن أبيه أيضًا، وبوب عليه: باب إباحة الاقتصار للمرء عند سماعه الأذان على قوله: «وأنا وأنا» (لم أجد هذا التبويب) دون تلفظ الأذان كله بلسانه. انتهى.
وهذا يدل على أنه إذا اقتصر على «وأنا وأنا» يحصل له فضيلة متابعة الأذان كله. شرح سنن أبي داود (3/ 484).
وقال خليل السهارنفوري -رحمه الله-:
ولعله وقع الاكتفاء على قوله: «وأنا وأنا» ولم يقل مثل ما قال المؤذن من الكلمات بتمامها؛ لأنه كان قبل الأمر بالقول مثل ما يقول المؤذن، أو يُحمل على القول بعدم وجوب الإجابة باللسان عند من يقوله، ويحتمل احتمالًا بعيدًا أنه -صلى الله عليه وسلم- قاله ولم يُنقل. بذل المجهود في حل سنن أبي داود (3/ 334-335).
وقال الفيومي -رحمه الله-:
استعمال لفظة: «وأنا» يكره إطلاقه في الشرع؛ لأن إبليس قال: وأنا، وقد صح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما استأذن عليه جابر وقال: «من بالباب؟» قال: أنا، فخرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو يقول: «أنا أنا» يُنكر ذلك على جابر...
فلفظه: أنا، من غير أن يضاف إليها فلان تضمن نوع كِبْر كأنه يقول: أنا الذي لا أحتاج أن أسمي نفسي أو أتكبر عن تسميتها، فيكره لهذا أيضًا، ويستثني من كراهة قوله: أنا مواضع:
منها: إذا سمع المؤذن، يستحب أن يقول: وأنا أشهد؛ لأنه مقام يطلب فيه تعظيم بالشاهد.
ومنها: إذا قرأ أو سمع: {‌شَهِدَ ‌اللَّهُ ‌أَنَّهُ ‌لَا ‌إِلَهَ ‌إِلَّا ‌هُوَ} آل عمران: 18، استحب أن يقول: وأنا أشهد بما شهد الله وأستودع الله هذه الشهادة، وهذه الشهادة وديعة لي عند الله يؤديها إليَّ يوم القيامة...
ومنها: إذا بارز العدو يقول: أنا فلان؛ لِيُرهب عدوه؛ قال علي -رضي الله عنه-: أنا الذي سمَّتني أمي حيدرة.
ومنها: إذا قرأ: {‌أَلَيْسَ ‌اللَّهُ ‌بِأَحْكَمِ ‌الْحَاكِمِينَ} التين: 8، قال: بلى وأنا على ذلك من الشاهدين، وما أشبه ذلك. فتح القريب المجيب على الترغيب والترهيب (2/ 635 - 636).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«قال: وأنا وأنا» أي: يقول عند شهادة أن لا إله إلا الله: وأنا، وعند أشهد أن محمدًا رسول الله: «وأنا». فيض القدير (5/ 143).
وقال ابن علان -رحمه الله-:
أي: أنا أشهد كما يشهد، وجاء عند أحمد بسند معظم رواته من رواة مسلم عن عائشة قالت: «كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا سمع المؤذن يقول: أشهد أن لا إله إلّا الله، يقول: وأنا أشهد أن لا إله إلَّا الله، إذا سمعه يقول: وأشهد أن محمدًا رسول الله، يقول: وأنا أشهد أن محمدًا رسول الله»، ففي هذه الرواية إشارة إلى أن قوله في الرواية الأولى: وأنا وأنا اختصار بيَّنَته هذه الرواية، وإن ذلك يختص بالشهادتين كما في رواية أبي داود، لا يشمل جميع ألفاظ الأذان، والتكرير في «أنا» راجع إلى الشهادتين...قيل: ويمكن أن يكون التكرير للتأكيد، ويردُّه مع كونه خلاف الأصل أنه يحتاج لتقدير الشهادة الثانية، والله أعلم. الفتوحات الربانية على الأذكار النواوية (2/ 129).
وقال نجم الدين الغزي -رحمه الله-:
وفي سنن أبي داود عن عائشة -رضي الله تعالى عنها-: «أنَّ رَسُوْلَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- ‌كانَ ‌إذا ‌سمِع ‌المؤذن ‌يتشهَّد ‌قال: "‌وأَنا ‌وأَنا ».
وما أحسن هذه الأنانية المفْصِحَةُ عن حقيقة العبودية! أين هذا من أنانية الرجيم المشعِرة بمنازعة الربوبية؟ وبالجملة: تتحد الألفاظ، وإنما يفرق بينها إرادة القلوب. حسن التنبه لما ورد في التشبه (5/ 479).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
قوله في حديث معاوية (عند البخاري): «وأنا» ورفعه إليه -صلى الله عليه وسلم- فيكون من يجيب المؤذن في التشهدين مخير بين الإتيان بلفظهما وبين قوله: «وأنا»، وقد أيده حديث عائشة عند أبي داود أنه -صلى الله عليه وسلم- ‌كان ‌إذا ‌سمع ‌المؤذن ‌يتشهد قال: «وأنا وأنا»، فيكون قوله في أحاديث مثلما يقول مخصصًا عمومه بما ذكر، ثم قوله: «وأنا وأنا» يحتمل أنه يكرره بعد كل واحدة من كلمتي التشهد، أو أنه يوزعه عليهما، وحديث معاوية يدل للأخير. التحبير لإيضاح معاني التيسير(5/ 169).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
قوله: «قال: وأنا» يحتمل أن يكون التكرير للتأكيد، وأن يكون الضمير الأول راجعًا إلى الشهادة الأولى، أي: أنت تشهد أن لا إله إلا الله وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، والضمير الثاني راجع إلى الشهادة الثانية أي: وأنا أشهد أن محمدًا رسول الله، فـ«أنا» مبتدأ خبره محذوف، والجملة عطف على مقدّر.
ويحتمل أنه -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم- كان يقول: «وأنا وأنا» عند الشهادتين لله تعالى وكذلك مثلهما عند الشهادتين للرّسول -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم-، فيكون قالها أربع مرّات. وعلى الاحتمالين الأخيرين يكون للتأسيس.
واختلف في أنه هل كان -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم- يتشهد مثلنا أو يقول: إني رسول الله؟
الظاهر أنه -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم- كان يتشهد كتشهدنا فيقول: أشهد أن محمدًا رسول الله. المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود (4/ 199).
وقال محمود السبكي -رحمه الله- أيضًا:
على هذا يكون قد وقع الاكتفاء منه -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم- بما قاله ولم يقل مثل ما قال المؤذن؛ إما لأن إجابة المؤذن غير واجبة، وإما لأنه كان قبل الأمر بالقول مثل ما يقول المؤذن، أو أنه -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم- قال مثل ما قال المؤذن ولم ينقله الراوي، لكن هذا بعيد. المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود (4/ 199).
وقال الشيخ الألباني -رحمه الله-:
ويجوز له أنْ يقتصر أحيانًا على قوله: «وأنا وأنا» بدل قول المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، كذلك كان يفعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، هو من حديث عائشة -رضي الله عنها-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان إذا سمع المؤذن يتشهد قال: «وأنا وأنا». الثمر المستطاب في فقه السنة والكتاب (1/ 184).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
دلّ الحديث على أنه -صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم- كان يشهد لنفسه بالرسالة كبقية الأُمَّة. المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود (4/ 199).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
يؤخذ منه: أنه يكفي أن يقول الكافر إذا دخل في الإسلام إجابة للمؤذن عند التشهد: وأنا، وأنه يصير مسلمًا وإن لم يتلفظ بكلمة الشهادة، ويُرَدُّ بأن حديث: «حتى يقولوا: لا إله إلا الله» دال على أنه لا بد من الإتيان بكلمة التوحيد. التحبير لإيضاح معاني التيسير (5/ 169).

وللفائدة يُنظر:

كيف تنال مغفرة الذنوب كلما سمعت الأذان؟

ما الجزاء لمن ردد مع المؤذن من قلبه؟


إبلاغ عن خطأ