الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

كنتُ عند علي بن أبي طالب، فأتاه رجل، فقال: ما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يُسِرُّ إليكَ؟ قال: فغضِبَ، وقال: ما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يُسِرُّ إليَّ شيئًا يَكْتُمُه الناسَ، غير أنه قد حدَّثني بكلمات أربع، قال: فقال: ما هنَّ يا أمير المؤمنين؟ قال: قال: «لعَن الله مَن لعَن والِده، ولعَن الله مَن ذبح لغير الله، ‌ولعن ‌الله ‌مَن ‌آوى ‌مُحْدِثًا، ولعن الله مَن غَيَّرَ مَنَار الأرض».


رواه مسلم برقم: (1978)، من حديث أبي الطفيل عامر بن واثلة -رضي الله عنه-.


غريب الحديث


«يَكْتُمُه»:
كَتَمَ الخبر: أخفاه ولم يُفْشِه، وكان شديد التحفظ عليه. معجم اللغة العربية المعاصرة، لأحمد مختار (3/ 1906).
قال ابن المبرد -رحمه الله-:
الكتم: الإخفاء. الدر النقي في شرح ألفاظ الخرقي (3/ 711).

«آوى»:
المَأْوَى كل مكان يأوي إليه شيء ليلًا أو نهارًا، وقد أَوَى إلى منزله يأوي ... وآوَاهُ غيره إيوَاءً أَنزله به. مختار الصحاح، للرازي (ص: 20)

«مُحْدِثًا»:
المُحْدِثُ: يُرْوى بكسر الدال وفتحها على الفاعل والمفعول، فمعنى الكسر: مَن نَصَرَ جانيًا، وآواه وأجاره مِن خصمه، وحال بينه وبين أن يقتصَّ منه؛ وبالفتح: هو الأمر المبتدَع نفسه، ويكون معنى الإيواء فيه: الرضا به، والصبر عليه، فإنه إذا رضي بالبدعة، وأقر فاعلها ولم ينكرها عليه، فقد آواه. واسْتَحْدَثْتُ خبرًا أي وجدت خبرًا جديدًا. لسان العرب، لابن منظور (2/ 131)

«مَنَار الأرض»:
المَنارُ: عَلَم الطَّرِيقِ. وفي التهذيب: الْمَنَار العَلَم والحَدُّ بين الأرضين. والْمَنَار: جمع مَنَارةٍ، وهي العلامة تجعل بين الحَدَّين. لسان العرب، لابن منظور (5/ 241)


شرح الحديث


قوله: «كنتُ عند علي بن أبي طالب، فأتاه رجلٌ فقال»:
قال الشيخ الأمين الهرري -رحمه الله-:
(قال) أبو الطفيل (كنت) يومًا (عند علي بن أبي طالب) رضي الله عنه...(فأتاه رجل) من المسلمين لم أَرَ من ذكر اسمه ولعل السائل هو عامر بن واثلة. الكوكب الوهاج (20/ 462).

قوله: «ما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يُسِرُّ إليك؟»:
قال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«ما» استفهامية، أي: ماذا كان يسر إليك به؟ فتح المنعم شرح صحيح مسلم (8/ 107).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«يُسر إليك» أي: يخبرك سرًّا عن الناس. الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم (20/ 462).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«يُسر إليك؟» بضم حرف المضارعة، من الإسرار، وهو خلاف الجهر، أي: يخفيه عن غيرك، ويخبرك به. البحر المحيط الثجاج (33/ 495).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
وسبب هذا السؤال: أن جماعة من الشيعة كانوا يزعمون أن عند أهل البيت –لا سيما عليًّا- أشياء من الوحي، خصَّهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بها، لم يطَّلع غيرهم عليها، وأخرج أحمد عن أبي حسان الأعرج أن عليًّا كان يأمر بالأمر، فيقال له: قد فعلناه، فيقول: «صدق الله ورسوله، فقال له الأشتر: إن هذا الذي تقول أَهُوَ شيء عَهِدَهُ إليك رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ فغضب، وقال: ما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يُسر إليَّ شيئًا يكتمه الناس»، وفي الرواية الثانية: «ما أسرَّ إليَّ شيئًا كتمه الناس»، وعند أحمد: «ما عَهِدَ إليَّ شيئًا خاصة دون الناس». فتح المنعم(8/ 107-108).
قوله: «فغَضِبَ»:
قال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
إنما غضب لكثرة ما سُئِل هذا السؤال؛ نتيجةً لإشاعات الشيعة، مما هو منه براء. فتح المنعم شرح صحيح مسلم (8/ 108).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
إنما غضب -رضي الله عنه– من هذا السؤال؛ لتضمنه باطلًا، وهو التقوُّل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، كما افترته الشيعة عليه، وأشاعته بين الناس؛ مِن أنه -صلى الله عليه وسلم- أَسَرَّ إلى عليٍّ وأهل بيته أسرارًا ما أسَرَّها إلى غيرهم، فأغضبه هذا الافتراء. البحر المحيط الثجاج (33/ 495).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وغَضَبُ عليٍّ على ذلك دليل على أنه لا يرتضي شيئًا مما قِيْلَ هنالك. المفهم (5/ 244).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
وغضبه على من ذُكر له غير هذا: فيه رد على الشيعة والإمامية والرافضة فيما تدعيه من الوصية إلى علي بالخلافة وبغير ذلك. إكمال المعلم (6/ 434).

قوله: «قال: ما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يُسِرُّ إليَّ شيئًا يَكْتُمُه الناسَ»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«ما» نافية، «كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يُسِرُّ إليَّ شيئًا يكتمه الناس». البحر المحيط الثجاج (33/ 495).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
أي: ما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يُسر إليَّ» أي: لم يكن النبي -صلى الله عليه وسلم- يُسر إليَّ «شيئًا يكتمه الناس» أي: يخفيه عن الناس. الكوكب الوهاج (20/ 462).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
«ما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يُسر إليَّ شيئًا يكتمه الناس»...رد وتكذيب للفِرَق الغالية فيه -وهم: الشيعة، والإمامية، والرافضة-، الزاعمين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- وصَّى لعلي، وولَّاه بالنص، وأسرَّ إليه دون الناس كلهم بعلوم عظيمة، وأمور كثيرة، وهذه كلها منهم أكاذيب، وتُرَّهات، وتمويهات، يشهد بفسادها نصوص متبوعهم، وما تقتضيه العادات من انتشار ما تدعو إليه الحاجة العامة. المفهم (5/ 244).

قوله: «غير أنه قد حدَّثني بكلمات أربع»:
قال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
«غير أنه قد حدثني» هذا استثناء منقطع؛ لأن هذه الأمور الأربعة لا تختصُّ بعلي -رضي الله عنه-، بل تعمُّ جميع الأمَّة. منة المنعم في شرح صحيح مسلم (3/ 331).

قوله: «ما هنَّ يا أمير المؤمنين؟»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«يا أمير المؤمنين؟» هذا فيه أن هذا السؤال والجواب وقع في خلافة علي -رضي الله عنه-. البحر المحيط الثجاج (33/ 495).

قوله: «لعَن الله من لعَن والده»:
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«مَن لعن والده» أي: دعا على والده باللعن، أو سبَّه. البحر المحيط الثجاج (33/ 496).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«ولعن الله مَن لعن والده» أي: صريحًا، أو تسبُّبًا؛ بأن لَعَنَ والد أحدٍ فيسب والده، ومنه قوله تعالى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} الأنعام: 108، فالنهي عن السبب احتراز عن التسبب. مرقاة المفاتيح (6/ 2647).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
في الرواية الثانية: «لعن الله من لعن والديه» ولعن الوالدين أعم من مباشرة اللعن، أو التسبب فيه «يلعن الرجل أبا الرجل، فيلعن والديه». فتح المنعم شرح صحيح مسلم (8/ 108).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
«لعن الله مَن لعن والده»؛ لأنه مِن أكبر كفران النعم، وأسوأ جزاء لإحسانه. منة المنعم في شرح صحيح مسلم (3/ 331).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «من لعن والده»؛ فإنه من جملة الإيذاء والعقوق. لمعات التنقيح (7/ 158).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وإنما استحق لاعِنُ أبويه لعنة الله لمقابلته نعمة الأبوين بالكفران، وانتهائه إلى غاية العقوق والعصيان، كيف لا وقد قرن الله برهما بعبادته، وإن كانا كافرين بتوحيده وشريعته؟! المفهم (5/ 244).

قوله: «ولعَنَ الله مَن ذَبَحَ لغير الله»:
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «لعن» يحتمل أن تكون الجملة خبرية، وأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- يخبر أن الله لعن من ذبح لغير الله، ويحتمل: أن تكون إنشائية بلفظ الخبر، أي: اللهم ألْعَن من ذبح لغير الله، والخبر أبلغ؛ لأن الدعاء قد يستجاب، وقد لا يستجاب. القول المفيد على كتاب التوحيد (1/ 222).
وقال المظهري -رحمه الله-:
«من ذبح لغير الله» أي: ذبح باسم غير الله، كقول الكفار عند الذبح: باسم الصنم. شرح المصابيح (4/ 493).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «من ذبح لغير الله» عام يشمل من ذبح بعيرًا، أو بقرة، أو دجاجة، أو غيرها. القول المفيد على كتاب التوحيد (1/ 222).
وقال النووي -رحمه الله-:
وأما لذبح لغير الله فالمراد به: أن يذبح باسم غير الله تعالى، كمن ذبح للصنم، أو الصليب، أو لموسى، أو لعيسى -صلى الله عليهما- أو للكعبة ونحو ذلك، فكل هذا حرام، ولا تحل هذه الذبيحة سواء كان الذابح مسلمًا، أو نصرانيًا، أو يهوديًا، نصَّ عليه الشافعي، واتفق عليه أصحابنا، فإن قَصَد مع ذلك تعظيم المذبوح له غير الله تعالى والعبادة له كان ذلك كفرًا، فإن كان الذابح مسلمًا قبل ذلك صار بالذبح مرتدًا، وذكر الشيخ إبراهيم المروزي مِن أصحابنا أن ما يُذبح عند استقبال السلطان تقربًا إليه أفتى أهل بخارة بتحريمه؛ لأنه مما أُهِلَّ به لغير الله تعالى، قال الرافعي: هذا إنما يذبحونه استبشارًا بقدومه، فهو كذبح العقيقة لولادة المولود، ومثل هذا لا يوجب التحريم، والله أعلم. شرح صحيح مسلم (13/ 141).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- معلقًا:
ما قاله الرافعي -رحمه الله- من أن هذا الذبح مثل العقيقة لا يوجب التحريم هو الأظهر عندي، فتأمله بالإمعان، والله تعالى أعلم. البحر المحيط الثجاج (33/ 496).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
وما أرى هذه الذبائح التي تُنحر على الأبواب عند قدوم مَلِكٍ أو نحوه إلى بلد، أو دخل بيتًا، وما ذُبح على القبور عند دفن الميت، وهو العقر المنهي عنه، وكذلك ما تذبحه القبائل في أسواقهم ويسمونه الرضا، وما يَذبحه حكام الطاغوت عند مَن يترضونه كلّ هذه مما أُهِلَّ لغير الله، وقُصِدَ بها تعظيم المخلوق. التنوير شرح الجامع الصغير (9/ 62).
وقال صفي الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
لهذا الذبح صورتان:
إحداهما: أن يُذبح باسم غير الله مِن صنم أو صليب، أو نبي أو ولي، أو صاحب ضريح أو غير ذلك.
والثانية: أن يُذبح باسم الله، ولكن يُقصد به التقرب إلى غير الله، وعلامة التقرب إلى ذلك الغير: ألا يكون المقصود من الذبح إطعامه، بل يكون المقصود طلب رضاه، ويأكله الآخرون، ومثال ذلك: مَن يذبح الحيوان على قبور المشايخ باسم الله؛ يريد بذلك رضاهم، ويطعمه الفقراء، فهذا الحيوان وإن كان قد ذُبح باسم الله ولكنه ذبح لغير الله، وهو حرام؛ لورود اللعن عليه، وشرك؛ لأن التقرب بذبح الحيوان عبادة، وعبادة غير الله شرك لا شك فيه. منة المنعم في شرح صحيح مسلم (3/ 331).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
قوله: «لغير الله» يشمل كل من سوى الله حتى لو ذبح لنبي، أو مَلَكٍ، أو جني، أو غيرهم. القول المفيد على كتاب التوحيد (1/ 222).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وأما لعن من ذبح لغير الله فإن كان كافرًا يذبح للأصنام فلا خفاء بحاله، وهي التي أُهِلَّ بها لغير الله، والتي قال الله تعالى فيها: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} الأنعام: 121.
وأما إن كان مسلمًا فيتناوله عموم هذا اللعن، ثم لا تحل ذبيحته؛ لأنه لم يَقصد بها الإباحة الشرعية، وقد تقدم أنها شرط في الذَّكاة، ويُتصور ذبح المسلم لغير الله فيما إذا ذبح عابثًا، أو مجرِّبًا لآلة الذبح، أو للهو، ولم يقصد الإباحة، وما أشبه هذا. المفهم (5/ 244).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
وقد يتمسك به بعض من يجوِّز أكل متروك التسمية عامدًا في تأويله لقوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} الأنعام: 121 بأن المراد ما يذكر اسم غير الله عليه. لمعات التنقيح (7/ 157).

قوله: «‌ولعن ‌الله ‌من ‌آوى ‌مُحْدِثًا»:
قال النووي -رحمه الله-:
أوى: بالقصر، وآواه بالمد، هكذا الرواية، وهذه هي اللغة الفصيحة، وبها جاء القرآن أنه إذا كان لازمًا كان مقصورًا، وإن كان متعديًا كان ممدودًا، قال الله تعالى: {أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ} الكهف: 63، وقال تعالى: {إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ} الكهف: 10. شرح صحيح مسلم، للنووي (14/ 158).
وقال التوربشتي -رحمه الله- أيضًا:
«مُحْدِثًا» بكسر الدال، وهو الذي جنى على غيره جناية. وإيواؤه: إجارته من خَصمه، والحيلولة بينه وبين ما يحق استيفاؤه، ويدخل في ذلك الجاني على الإسلام بإحداث بدعة، إذا حماه من التعرض له، والأخذ على يده لدفع عَادِيَتِه. الميسر في شرح مصابيح السنة (3/ 936).
وقال النووي -رحمه الله-:
المحدِث: بكسر الدال، هو مَن يأتي بفساد في الأرض. شرح صحيح مسلم، للنووي (13/ 141).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
«آوى محدثًا» بضم الميم وكسر الدال، أي: مَن آوى مذنبًا وحماه، وضمَّه إليه، ودفع عنه عقاب جريمته. فتح المنعم شرح صحيح مسلم (8/ 108).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«آوى محدثًا» أي: مبتدعًا أحدث أمرًا ليس معروفًا في الشرع. الكوكب الوهاج (20/ 462).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
والإحداث: يشمل الإحداث في الدين، كالبدع التي أحدثها الجهمية والمعتزلة، وغيرهم.
والإحداث في الأمر: أي في شؤون الأمة، كالجرائم وشبهها، فمَن آوى محدثًا فهو ملعون، وكذا من ناصرهم؛ لأن الإيواء أن تؤويه لكف الأذى عنه، فمَن ناصره فهو أشد وأعظم، والمحْدِث أشد منه؛ لأنه إذا كان إيواؤه سببًا للعنة، فإن نفس فعله جرم أعظم.
ففيه: التحذير من البدع والإحداث في الدِّين، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إياكم ومُحْدَثَات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة»، وظاهر الحديث: ولو كان أمرًا يسيرًا. القول المفيد على كتاب التوحيد (1/ 223).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
واعلم أنه مَن أحدث في الدِّين فقد أتى عظيمًا، ومن آواه فكأنه صار وقاية للمحدِث، فهو شريكه في المعنى إذا علم بإحداثه. الإفصاح عن معاني الصحاح (1/ 275).

قوله: «ولعن الله مَن غَيَّرَ مَنَار الأرض»:
قال المظهري -رحمه الله-:
«مَن غَيَّرَ مَنَار الأرض» أي: رَفَعَها وجعلها في أرضه، أو رفعها لقطع شيء من أرض الجار إلى أرضه. شرح المصابيح (4/ 493).
وقال التوربشتي -رحمه الله-:
المنار: العَلَمُ والحَدُّ بين الأرضين؛ وذلك بأن يسويه، أو يُغَيِّره؛ ليَسْتَبِيْحَ بذلك ما ليس له بحق من مِلْكٍ أو طريق. الميسر في شرح مصابيح السنة (3/ 936).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
ويحتمل: أن يكون المراد: غَيَّرَ منار الأرض، ورفعها وطمس علامات الطُّرق ونصبها؛ ليضل الناس الطريق فيقطع. لمعات التنقيح (7/ 157).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
قوله: «منَار الأرض» أي: علامات حدودها، وظلَمَ غَيْرَه فيها، ودخوله في ملكه مثل قوله في الحديث الآخر: «تُخُوم الأرض»، وقد جاء في الوعيد في ذلك وتطويقه من سبع أرضين ما تقدم، كما قال في الحديث الآخر: «مَن سَرَق منار الأرض»، قال أبو عبيد: وقد يكون ذلك في تغيير حدود الحرم التي حد إبراهيم. إكمال المعلم (6/ 435).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
وقد يكون أيضًا مِن الأعلام في الطرق التي يهتدي بها المسافرون، فلا يحل لأحد تغييرها، فيؤول إلى إضلال الناس عن طريقهم ومقاصدهم، ومنار الطريق: أعلامها. الإفصاح عن معاني الصحاح (1/ 275).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
وقيل لِمَلِكٍ من ملوك اليمن: ذو المنار؛ لأنه أول مَن ضَرَبَ المنار على الطريق؛ ليهْتَدي به إذا رجع، أفاد ذلك الزمخشري. التنوير شرح الجامع الصغير(9/ 62).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
«منار الأرض» هي التخوم، والحدود التي بها تتميَّز الأملاك. والْمُغَيِّر لها: إن أضافها إلى ملكه فهو غاصب، وإن لم يضفها إلى ملكه فهو مُتَعدٍّ ظالم مفسد لملك الغير. المفهم (5/ 245).
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
الحاصل: أن هذا دليل على أن تغيير منار الأرض من كبائر الذنوب، ولهذا قَرَنه النبي -صلى الله عليه وسلم- بالشرك وبالعقوق وبالإحداث، مما يدل على أن أمره عظيم، وأنه يجب على المرء أن يحذر منه، وأن يخاف الله- سبحانه وتعالى-؛ حتى لا يقع فيه. القول المفيد على كتاب التوحيد (1/ 223).
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-:
في هذا الحديث ما يعضد ما مضى من أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يكن يُسر إليه شيئًا يكتمه عن غيره. الإفصاح عن معاني الصحاح (1/ 274).
وقال النووي -رحمه الله-:
وفيه: جواز كتابة العلم، وهو مجمَع عليه الآن. شرح صحيح مسلم (13/ 142).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
وفيه: جواز لعن أهل المعاصي والفساد، لكن لا دلالة فيه على لعن الفاسق المعين. فتح المنعم شرح صحيح مسلم (8/ 109).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
فوائده (يعني: الحديث):
منها: أن هذه الأعمال من الكبائر؛ لأن اللعنة لا تكون إلا في كبيرة، قيل: المراد باللعن هنا: العذاب الذي يستحقه على ذنبه، والطرد عن الجنة أول الأمر، وليست هي كلعنة الكفار الذين يُبعدون من رحمة الله تعالى كل الإبعاد. البحر المحيط الثجاج (33/ 500).

وللمزيد من الفائدة ينظر:

سبعة أفعال تستوجب لعن الله ورسوله.


إبلاغ عن خطأ