الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

«مَن أتى فراشَهُ وهو ينوي أن يقومَ يُصلّي من الليلِ، فغلبَتْهُ عَيناهُ حتى أصبحَ، كُتِبَ لَهُ ما نوى، وكانَ نومُهُ صدقةً عليه من ربِّهِ -عزَّ وجلَّ-».


رواه النسائي برقم: (1787) واللفظ له، وابن ماجه برقم: (1344) وابن خزيمة برقم: (1172)، وابن حبان برقم: (2588) والحاكم برقم: (1170)، من حديث أبي الدرداء -رضي الله عنه-.
ورواه أحمد برقم: (24341) وأبو داود برقم: (1314) واللفظ له، والنسائي برقم: (1784) من حديث عائشة -رضي الله عنها- بلفظ: «ما من امرئٍ تكونُ لَهُ صلاةٌ بليلٍ، يغلِبُهُ عليها نومٌ، إلا كُتِبَ له أجرُ صلاتِهِ، وكانَ نومُهُ عليه صدقةً».
صحيح الجامع برقم: (5941)، صحيح الترغيب والترهيب برقم: (21، 600) وإرواء الغليل برقم: (454).


شرح الحديث


قوله: «مَن أتى فراشَهُ وهو ينوي أن يقومَ يُصلّي من الليلِ، فغلبَتْهُ عيناهُ حتى أصبحَ»:
قال المناوي -رحمه الله-:
«مَن ‌أتى ‌فراشه» لينام «وهو ‌ينوي أن يقوم يصلي ‌من الليل فغلبته عينه» أي: نام قهرًا عليه. التيسير (2/ 385).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«مَن أتى فراشه» لينام عليه «وهو ينوي» حال كونه ناويًا «أن يقوم يصلِّي من الليل» بقضاء منه بتهجد (أن يقوم من الليل ليُصلّي ـ إمّا تهجّدًا أو قضاءً لما فاته من قيام سابق). «فغلبته عَيناه» أي: نام عمَّا نواه «حتى يصبح» يدخل في الصباح. التنوير (10/ 21).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«مَن ‌أتى ‌فراشه» ومرقده «‌وهو» أي: والحال أنه «‌ينوي أن يقوم» ويستيقظ ‌من نومه «فيصلي ‌من» نوافل «الليل» ما قدَّر الله له «فغَلبته عينه» أي: فغلب النوم على عينيه، فاستغرق في النوم «حتى يصبح» أي: حتى يدخل في الصباح. مرشد ذوي الحجا والحاجة (8/ 232).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
«وهو ينوي أن يقوم» جملة في محل نصب على الحال من الفاعل... «يصلي من الليل» أي: حال كونه مصليًا في الليل «فغلبته عيناه» أي: غلبه النوم، وفي نسخة: «عينه» بالإفراد، «حتى أصبح» أي: دخل في الصباح. ذخيرة العقبى (18/ 171).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «وهو ينوي أن يقوم» أي: سواء كان القيام عادة له قبل ذلك، أو لا، فهذا الحديث أعم، ويحتمل أنْ يُخص بمن يعتاد ذلك. حاشيته على سنن النسائي (3/ 258).

قوله في رواية: «ما من امرئٍ تكونُ لَهُ صلاةٌ بليلٍ، يغلِبُهُ عليها نومٌ»:
قال الزرقاني -رحمه الله-:
«ما» نافية «من» زائدة «امرئ» مجرور لفظًا، مرفوع اسم «ما» إنْ جُعلت حجازية، وعلى الابتداء إنْ جُعلت تميمية. شرحه على الموطأ (1/ 424).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«ما ‌من ‌امرئ» قال في القاموس: والمرء مُثلثة الميم: الإنسانُ أو الرجلُ، ... «تكون له ‌صلاة ‌بليل» أي: يعتادها في الليل «يغلبه» أي: الرجل «عليها» أي: الصلاة «نوم» فتفوته الصلاة. بذل المجهود (5/ 557).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
قوله: «ما ‌من امرئٍ تكون له صلاة...» إلخ أي: ليس شخص يتعود صلاة الليل، فمنعه نوم ‌من أدائها، إلا كُتب له أجر ما كان يصليه غير مضاعف إن لم يقضِ ما فاته، فإن قضاه كتب له الأجر مضاعفًا، فـ«ما» نافية للجنس و«مِن» زائدة. المنهل العذب المورود (7/ 239).
وقال الباجي -رحمه الله-:
قوله: «ما من امرئ تكون له صلاة بليل» يعني: أنْ تكون له عادة من صلاة نافلة في ليله، فيغلبه على تلك الصلاة نوم يمنعه منها؛ وذلك على وجهين:
أحدهما: أن يذهب به النوم فلا يستيقظ.
والثاني: أن يستيقظ ويمنعه النوم ‌من الصلاة، فهذا حكمه أن ينام حتى يذهب عنه مانع النوم. المنتقى (1/ 211).

قوله: «كُتِبَ لَهُ ما نوى»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«كُتب له» عند الله -سبحانه- أجر «ما نوى» ‌مِن قيام الليل؛ بسبب نيته، وإن لم يقم. مرشد ذوي الحجا والحاجة (8/ 232).
وقال السندي -رحمه الله-:
قوله: «كُتب له ما نوى» أي: أجر صلاة الليل، لكن بلا مضاعفة، كما يدل عليه الأحاديث، فالقضاء المذكور في الحديث السابق (أي: «من نام عن حزبه أو عن شيء منه، فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، كُتب له كأنما قرأه من الليل») للمحافظة على العادة؛ ولمضاعفة الأجر، والله تعالى أعلم. كفاية الحاجة (1/ 405).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
«كُتب له ما نوى» فإنما الأعمال بالنيات، فلا ينبغي لعبد أن يفوته أجر الخير بنية فعله. التنوير (10/ 21).
وقال الباجي -رحمه الله-:
قوله: «إلا كُتب له أجر صلاته» يريد الصلاة التي اعتادها، ويحتمل ذلك عندي وجوهًا:
أحدها: أن يكون له أجرها غير مضاعف، ولو عملها لكان له أجرها مضاعفًا؛ لأنه لا خلاف أن الذي يصليها أكمل حالًا؛ ولذلك قال -صلى الله عليه وسلم- لعلي وفاطمة: «أَلَا تُصَلِّيان؟» فلما قال له علي -رضي الله عنه-: إنما أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثها بعثها، خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يضرب فخذه ويقول: «وكان الإنسان أكثر شيء جدلًا»، ويحتمل أن يريد أن له أجر مَن تمنى أن يصلي مثل تلك الصلاة، ولعله أراد ‌أجر ‌تأسُّفه على ما فاته منها. المنتقى (1/ 211).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- معلقًا:
هذه الاحتمالات التي ذكرها الباجي بعيدة عن ظاهر النصّ، فلا يُلتفت إليها، فالصواب: أن ما دل عليه ظاهر النص من أن الله تعالى يكتب له أجر صلاته كاملة هو المعوَّل عليه، فتبصَّر ولا تتحيَّر. ذخيرة العقبى (18/ 166).
وقال ابن رسلان -رحمه الله-:
وهذا أتم في التفضُّل، ومجازاته بنيته (يعني: حديث عائشة أكمل وأتم مما جاء في حديث عمر: «من نام عن حزبه أو عن شيء منه، فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، كتب له كأنما قرأه من الليل»)، وهذا لمن كان عادته ذلك، وظاهره أن أجره للنية كاملًا كمَن عَمِلَه؛ لأن الله حَبَسَه عنه، وقد جاءت بهذا ظواهر أحاديث كثيرة.
ولهذا أجاز مالك لهذا أن يصلِّيه بعد طلوع الفجر، وكان ذلك الوقت عنده وقت ضرورة لما فات من نوافل الليل، كقيامه ووتر ليله، وهو لا يجيز التنفُّل بعد طلوع الفجر، وروي عن طاوس وعطاء إجازة ذلك مطلقًا، وقال بعضهم: يحتمل أن يكون أجر ما قضاه غير مضاعف بعشرة أمثاله، بخلاف ما إذا عَمِلَه في وقته؛ إذ الذي يصليهما في وقتهما أكثر أجرًا، أو يكون لمن قضاه قبل صلاة الظهر كأجره تفضلًا، والأجور ليست بقياس، وإنما هي تفضل من الله تعالى بما شاء، على مَن شاء، كيف شاء، وأما رواية مالك فيكون له أجر نيته، أو أجر مَن تمنى أن يصلي تلك الصلاة، أو أجر تأسُّفه على ما فاته منها، والأول أظهر، لا سيما مع قوله: «وكان نومه عليه صدقة». شرح سنن أبي داود (6/ 473- 474).
وقال الشيخ عبد الكريم الخضير -حفظه الله-:
ظاهر اللفظ: «إلا كُتب له أجر صلاته» من غير تعرُّض للقضاء، فلقائل أنْ يقول: ما دام يُكتب له أجر صلاته ليش يقضي والأجر مكتوب؟! نعم، أو نقول: أجر صلاته إذا قضى كُمل له الأجر، مثلما كان يعمله ويقومه بالليل؟ وبهذا تجتمع النصوص. شرح الموطأ (19/ 6).

قوله: «وكانَ نومُهُ صدقةً عليه من ربِّهِ -عزَّ وجلَّ-»:
قال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«وكان نومه» الذي استغرق فيه حتى يصبح «صدقةً عليه» صادرة له «‌من ربه» ومولاه -سبحانه وتعالى-. مرشد ذوي الحجا والحاجة (8/ 232).
وقال السهارنفوري -رحمه الله-:
«وكان نومه عليه» أي: على الرجل «صدقةً» تصدَّق الله به عليه، فيكون له في نومه أجر. بذل المجهود (5/ 557).
وقال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
يكون نومه عليه صدقة، أي: أنه استفاد من الأجر كالأجر الذي كان يحصله لو صلَّى، وهذا النوم الذي حصل له يكون صدقة عليه، فيكون قد استفاد الأجر والنوم، وهذا -كما هو معلوم- في حق من كان حريصًا على الصلاة، وكان ملازمًا لها، ولكنه حصل له في بعض الأحيان أنْ غلبه النوم، فإنَّ الله تعالى يُثِيبه ويأجره مثلما كان يأجره وهو مستيقظ يصلي لم يحصل له نوم، وهذا من فضل الله وكرمه وإحسانه، ومعلوم أن الإنسان حين ينوي الخير ويقصده ويعزم عليه، ولا يتمكن منه، فإن الله يأجره على ذلك. شرح سنن أبي داود (ص: 2).
وقال الشيخ عبد الكريم الخضير -حفظه الله-:
نعم الذي يغلبه النوم (أي: يُكتب له بِنِيَّته) لكن شريطة ألا يكون غلبة النوم بسبب تفريطه، بعض الناس يسهر ويُمَنِّي نفسه أنْ يقوم الليل، حتى إذا بقي على الفجر ساعة أو ساعتين، قال: ننام قليلًا، ثم نقوم للتهجد ما يتيسر، هذا تفريط، وقد ينام الإنسان من أول الليل فيحتاط لصلاة الليل بالنوم المبكر، لكنه يعرف من نفسه أنَّ نومه ثقيل، لا يقوم إلا بمنبِّه، وحينئذٍ يحتاج إلى أنْ يجعل له مَن يَرْصُده لتَنْبِيْهِهِ، أما إذا فرَّط ولم يقم، لم يُكتب له شيء. شرح الموطأ (19/ 6) بتصرف يسير.
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
وهذا أصل في الشريعة؛ مِن فضل الله تعالى على الأمَّة إذا قطع بهم عن العمل قاطع، وقد انعقدت نيَّتهم عليه، فإنَّ الله يكتب لهم ثوابه. القبس (ص: 292).
وقال محمود السبكي -رحمه الله-:
قوله: «وكان نومه عليه صدقة» أي: صدقة تصدَّق الله به على العبد، فله فيه أجر؛ تفضلًا ‌من الله تعالى عليه، وفي هذا تحريض على قيام الليل، وعلى العزم عليه.
وفيه: دليل على أن المرء يُجَازى على ما نوى ‌من الخير وإن لم يعمله؛ تفضلًا ‌من الله -سبحانه وتعالى- إذا لم يحبسه عنه شغل دنيوي، وأن نيَّته يُثاب عليها كما يُثاب على العمل إذا حِيل بينه وبين العمل بنحو نوم أو نسيان. المنهل العذب المورود (7/ 239).
وقال ابن عبد البر -رحمه الله-:
وفي هذا الحديث: ما يدل على أن المرء يُجازى على ما نوى من الخير، وإن لم يعمله، كما لو أنه عمله، وأن النية يُعطى عليها، كالذي يُعطى على العمل، إذا حِيل بينه وبين ذلك العمل، وكانت نيته أن يعمله، ولم تنصرف نيته عنه حتى غُلِب عليه بنوم أو نسيان أو غير ذلك من وجوه الموانع، فإذا كان ذلك كُتب له أجر ذلك العمل وإن لم يعمله؛ فضلًا من الله ورحمة، جازى على العمل، ثم على النية إن حال دون العمل حائل، وفي مثل هذا الحديث -والله أعلم- جاء الحديث: «نية المؤمن خير من عمله» (ضعفه الألباني في ضعيف الجامع برقم: 5976). التمهيد (8/ 101).
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وهذه الفضيلة (أي: الواردة في حديث عمر «مَن نامَ عن حِزبِهِ أو عن شيءٍ منه، فقرأه فيما بين صلاةِ الفجرِ وصلاةِ الظُّهرِ كُتِبَ له كأنَّما قرأه من اللَّيلِ») إنما تحصل لمن غلبه نوم، أو عُذْرٌ مَنَعَه من القيام مع أن نيته القيام، وقد ذكر مالك في الموطأ عنه -صلى الله عليه وسلم- قال: «ما من امرئ تكون له صلاة بليل، فغلبه عليها نوم إلا كتب الله له أجر صلاته، وكان نومه صدقة عليه» وهذا أتم في التفضيل والمجازاة بالنية، وظاهره أن له أجره مكمَّلًا مضاعَفًا؛ وذلك لحسن نيته، وصدق تَلَهُّفه وتأسُّفه، وهذا قول بعض شيوخنا، وقال بعضهم: يحتمل أن يكون غير مضاعف؛ إذ الذي يصليها أكمل وأفضل.
قلتُ: والظاهر التمسك بالظاهر؛ فإن الثواب فضلٌ من الكريم الوهاب، وقد تقدم من حديث عائشة -رضي الله عنها- أنه -صلى الله عليه وسلم- «كان إذا غلبه نوم أو وجع صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة»، وهذا كُله إنما هو يبقى في تحصيل مثل ما غُلب عليه، لا أنه قضاء له؛ إذ ليس في ذمَّته شيء، ولا يُقضى إلا ما تعلَّق بالذمة، وقد رأى مالك أن يصلي حِزْبَه مَن فاته بعد طلوع الفجر، وهو عنده وقت ضرورة لمن غلب على حزبه وفاته، كما يقول في الوتر. المفهم (2/ 384).

وللمزيد من الفائدة ينظر:

شرح حديث: «إنما ‌الأعمال ‌بالنيات».

حسنة كاملة لمن همّ ولم يعمل، وعشر أضعاف لمن عمل.


إبلاغ عن خطأ