الخميس 24 شعبان 1447 | 2026-02-12

A a

«حَسِّنُوا القرآنَ بأصواتِكُم؛ فإنَّ الصَّوتَ الحَسَنَ يزيدُ القرآنَ حُسْنًا».


رواه الدارمي برقم: (3544) والبيهقي في شُعب الإيمان برقم: (1955) واللفظ لهما، ورواه أحمد برقم (18494) وأبو داود برقم: (1468) والنسائي برقم: (1015) وابن ماجه برقم: (1342) مختصرًا بلفظ: «زَيِّنُوا القرآنَ بأصواتِكُم» من حديث عن البراء بن عازب -رضي الله عنه-.
صحيح الجامع برقم: (3145) وصحيح أبي داود برقم (1320).


شرح الحديث


قوله: «حَسِّنُوا القرآنَ بأصواتِكُم»:
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«‌حسِّنوا ‌القرآن» أي: زيِّنوه. مرقاة المفاتيح (4/ 1505).
وقال ابن كثير -رحمه الله-:
المراد من ‌تحسين ‌الصوت بالقرآن: تَطْريبه وتحزينه والتَّخشُّع به. تفسير القرآن العظيم (1/ 63).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
المراد تحسين الصوت السَّليقِي الخَلْقي، من غير تكلُّفٍ لألحانٍ تخرجه عن طبعه. التنوير (2/ 610).
وقال الصنعاني -رحمه الله- أيضًا:
«حسِّنوا ‌القرآن» أي: لَفْظه وتلاوته «بأصواتكم» بأن تُرَتِّلوه، وتَكَلَّفُوا حُسن التلفظ به، وقيل: إنه مقلوب، وأنه حَسِّنوا أصواتَكم بالقرآن، أي: داوموا على قراءته. التنوير (5/ 355).
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
تحسين الصوت به: أن ‌يقرأه ‌على ‌غير ‌قراءة الألحان، وهو تزيينه بالترتيل والجهر والتحزين والترقيق، وقراءته بالألحان هي قراءته بطريقة أهل علم الموسيقى في الألحان، أي: في النغم والأوزان، حسبما رتبوه في صنعة الغناء. الكوكب الوهاج (10/ 119).
وقال الطيبي -رحمه الله-:
قوله: «‌حسنوا ‌القرآن بأصواتكم» معناه: ما سبق من أن المراد بالتزيين الترتيل، والجهر به، وتحسين الصوت، وهذا الحديث لا يحتمل القَلْب، كما احتمله الحديث السابق (أي: «زينوا القرآن بأصواتكم»)؛ لتعليله بقوله: «فإنَّ الصوت الحسن يزيد القرآن حُسنًا». الكاشف عن حقائق السنن (5/ 1691، 1692).
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
المراد ‌بتحسين ‌الصوت: هو التحسين الذي يبعث على الخشوع، لا أصوات ألحان الغناء واللهو التي تُخرج عن حد القراءة. ذخيرة العقبى (13/ 12).
وقال الشافعي -رحمه الله-:
لا بأس بالقراءة بالألحان، ‌وتحسين الصوت بها، بأيِّ وجه ما كان، وأحبُّ ما يُقرأ إليَّ حدرًا وتحزينًا. الأم (6/ 227).
وقال الحليمي -رحمه الله-:
أما ‌تحسين ‌الصوت بالقرآن فلِمَا جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «زينوا القرآن بأصواتكم»، وأنه -صلى الله عليه وسلم- قال: «حسنوا القرآن بأصواتكم؛ فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنًا» وأنه -صلى الله عليه وسلم- قال: «ما أَذِنَ الله بشيء كإذنه لنبيٍّ يتغنى بالقرآن»، وفسَّرَته أم سُليم وأبو هريرة: يجهر به، وسُئل الليث بن سعد -رضي الله عنه- قال: يتحزَّن به، والذي يظهر بدلالة الأخبار أنه أراد بالتغني: أن يحسِّن القارئ صوته به مكان ما يحسِّن المغني صوته بغنائه، إلا أنه يميل به نحو التحزُّن دون التَّطَرُّب، أي: قد عوَّض الله تعالى من غناء الجاهلية خيرًا منه، وهو القرآن، فمن لم يحسِّن صوته بالقرآن، ولم يرض به بدلًا من ذلك الغناء فليس منا، إلا أن قراءة القرآن لا يدخلها من النغم وفضول الألحان وترديد الصوت ما يلبِّس المعنى ويقطِّع أوصال الكلام، كما قد يدخل ذلك كله الغناء، إنما يليق حسن الصوت والتحزن دون ما عداهما.
سُئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: مَن أحسن الناس قراءة؟ قال: «مَن إذا سمعته يقرأ رأيتَ أنه يخشى الله»، وقال: «إنَّ هذا القرآن نزل بحُزْنٍ فاقرؤوه بحُزْنٍ» (ضعفه الشيخ الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب برقم: 877) أو كما قال، والله أعلم. المنهاج (2/ 230).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
وروى ابن شهاب عن أبي سلمة قال: كان عمر إذا رأى أبا موسى قال: ذكِّرنا ربنا يا أبا موسى، فيقرأ عنده، وقال أبو عثمان النهدي: كان أبو موسى يصلي بنا، فلو قلتُ: إني لم أسمع صوت صَنْج (آلة تُتخذ من نحاس كالطَّبَقَين يُضرب بأحدهما على الآخر) قط، ولا صوت بَرْبَط (بوزن جعفر فارسي معرب آلة كالعود) ولا شيئًا قط أحسن من صوته، قال أبو عبيد: ومحمل الأحاديث التي جاءت في حسن الصوت إنَّما هو على طريق الحزن والتخويف والتشويق، يبين ذلك حديث أبي موسى: أن أزواج النبي سمعوا قراءته، فأُخبر بذلك، فقال: لو علمتُ لشوَّقْتُ تشويقًا، وحَبَّرْتُ تحبيرًا، فهذا وجهه، لا الألحان المطْرِبَة الْمُلْهِيَة. شرح صحيح البخاري (10/ 275، 276).
وقال الشيرازي -رحمه الله-:
يُستحب تحسين الصوت بالقرآن؛ لما روى الشافعي -رحمه الله- بإسناده، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «ما أَذِنَ الله لشيء كإذنه لنبي حَسَن الترنُّم بالقرآن» وروي: «حسن الصوت بالقرآن» وروى البراء بن عازب -رضي الله عنه- أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «حسِّنوا القرآن بأصواتكم» وقال -عليه الصلاة والسلام-: «ليس منَّا مَن لم يتغنَّ بالقرآن»، وحمله الشافعي على تحسين الصوت، وقال: لو كان المراد به الاستغناء بالقرآن لقال: من لم يتغان بالقرآن. المهذب (3/ 443، 444).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
الأصوات الحسنة نعمة من الله تعالى، وزيادة في الخَلْق ومنَّة، وأحق ما لُبست هذه الحُلَّة النفيسة والموهبة الكريمة كتاب الله؛ فنِعَم اللهِ إذا صُرفت في الطاعة فقد قضي بها حق النعمة. أحكام القرآن (4/ 5).
وقال ابن قدامة -رحمه الله-:
فقد ثبت أن ‌تحسين ‌الصوت بالقرآن وتطريبَه مستحبٌّ غير مكروه، ما لم يخرج ذلك إلى تغيير لفظه، وزيادة حروف فيه، فقد روي عن عائشة -رضى الله عنها- أنها قالت للنبي -صلى الله عليه وسلم-: أستمع قراءة رجل في المسجد، لم أسمع قراءةً أحسنَ مِن قراءته، فقام النبي -صلى الله عليه وسلم- فاستمع قراءته، ثم قال: «هذا سالم مولى أبي حذيفة، الحمد لله الذي جعل في أمَّتي مثل هذا»، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لأبي موسى: «إني مررتُ بكَ البارحة وأنت تقرأ، فقد أُوتيتَ مزمارًا من مزامير آل داود» فقال أبو موسى: لو أعلم أنك تستمع لحَبَّرْتُه لك تحبيرًا، مع ما ذكرنا من الأخبار، والله أعلم. المغني (2/ 615).
وقال الرافعي -رحمه الله-:
تحسين الصوت لقراءة القرآن جائز، بل مندوب إليه، روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: «زينوا القرآن بأصواتكم»، وسَمِعَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عبد الله بن قيس يقرأ، فقال: «لقد أُوتي هذا مزمارًا من مزامير آل داود»، وقال -صلى الله عليه وسلم-: «ليس منَّا مَن لم يتغنَّ ‌بالقرآن»، وحمله الشافعي -رضي الله عنه- على تحسين الصوت دون الاستغناء به، ‌وتحسين الصوت للقرآن بالترتيل، وهو التأني في التلاوة، وبالحدر والتحزين، قال أبو الفرج الزاز (من الشافعية): والحَدْر أنْ يرفع الصوت مرة، ويخفضه أخرى، والتحزين أن يليِّن الصوت. العزيز (13/ 14).
وقال النووي -رحمه الله-:
يستحب ‌تحسين ‌الصوت بالقراءة وتزيينها، ما لم يخرج عن حد القراءة بالتمطيط، فإن أفرط حتى زاد حرفًا، أو أخفى حرفًا فهو حرام. الأذكار (ص:108).
وقال النووي -رحمه الله- أيضًا:
أجمع العلماء -رضي الله عنهم- مِن السلف والخلف من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم من علماء الأمصار أئمة المسلمين على ‌استحباب ‌تحسين ‌الصوت بالقرآن، وأقوالهم وأفعالهم مشهورة نهاية الشُّهرة، فنحن مستغنون عن نقل شيء من أفرادها، ودلائل هذا من حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مستفيضة عند الخاصة والعامة، كحديث: «زينوا القرآن بأصواتكم» وحديث: «لقد أُوتي هذا مزمارًا» وحديث: «ما أَذِنَ الله» وحديث: «لله أشد أَذَنًا» (استماعًا) (ضعيف الجامع برقم: (‌‌4630)). التبيان (ص:109).
وقال ابن تيمية -رحمه الله-:
هذا القرآن الذي هو كلام الله، وقد ندب النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى تحسين الصوت به، وقال: «زيِّنوا القرآن بأصواتكم» وقال لأبي موسى: «لقد مررتُ بك البارحة وأنت تقرأ، فجعلتُ أستمع لقراءتك» فقال: لو علمتُ أنك تستمع لحَبَّرْتُه لك تحبيرًا، وكان عمر يقول: يا أبا موسى، ذكِّرْنَا ربنا، فيقرأ أبو موسى وهم يستمعون، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ما أَذِنَ الله لشيء كإذنه لِنبي حَسن الصوت يتغنَّى بالقرآن، ويجهر به» وقال: «لله أشد أَذَنًا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن مِن صاحبِ القَيْنَةِ (الجارية) إلى قَيْنَتِهِ» (ضعيف الجامع برقم: (‌‌4630)).
ومع هذا فلا يسوغ أنْ يُقرأ القرآن بألحان الغناء، ولا أن يُقْرَن به من الألحان ما يُقرن بالغناء من الآلات وغيرها، لا عند من يقول بإباحة ذلك، ولا عند من يحرِّمه، بل المسلمون متفقون على الإنكار لمن يُقرن بتحسين الصوت بالقرآن الآلات المطربة بالفم، كالمزامير، وباليد كالغرابيل. الاستقامة (1/ 244).
وقال السمين الحلبي -رحمه الله-:
لا شك أن ‌تحسين ‌الصوت مطلوب ما لم يَخرج عن حد الشرع. عمدة الحفاظ (3/ 179).
وقال ابن حجر -رحمه الله-:
لا شك أنَّ النفوس ‌تميلُ ‌إلى ‌سماع القراءة بالترنم، أكثر مِن مَيْلِها لمن لا يترنم؛ لأنَّ للتطريب تأثيرًا في رقة القلب، وإجراء الدمع، وكان بين السلف اختلاف في جواز القرآن بالألحان، أما تحسين الصوت وتقديم حسن الصوت على غيره، فلا نزاع في ذلك. فتح الباري (9/ 72).
وقال موسى شاهين -رحمه الله- أيضًا:
في الحث على ‌تحسين الصوت ‌بالقرآن أحاديث كثيرة، ضعيفها يتقوى بصحيحها، فقد روى الطبري: «ما أَذِنَ الله لشيءٍ ما أذن لنبي في الترنم ‌بالقرآن» وروى ابن أبي شيبة: «تعلَّموا القرآن وغَنُّوا به وأفشوه» وعند أبي عوانة: «فإن لم تبكوا فتباكوا»، وكان عمر يقدم الشاب الحسن الصوت؛ لحسن صوته بين القوم، وقد روي: «زينوا القرآن بأصواتكم» رواه ابن حبان، وفي رواية: «حسنوا القرآن بأصواتكم؛ فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حُسنًا»، وهكذا حَرِصَ -صلى الله عليه وسلم- على ‌تحسين الصوت بقراءة القرآن، مع حُسن الأداء والتزام قواعد الترتيل الصحيح. فتح المنعم (3/ 597).
وقال الماوردي -رحمه الله-:
فأما القراءة بالألحان الموضوعة للأغاني فقد اختلف الناس فيها، فرخَّصها قوم وأباحوها؛ لرواية أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن»، وشددها آخرون وحظروها؛ لخروجها عن الزجر والعظة إلى اللهو والطرب؛ ولأنها خارجة عن عرف الرسول -صلى الله عليه وسلم- وصحابته -رضوان الله عليهم- إلى ما استُحدث من بعده، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: «كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار»، وأما الشافعي فإنه عَدَلَ عن هذين الإطلاقين في الحظر والإباحة باعتبار الألحان، فإذا أُخرجت ألفاظ القرآن عن صيغته، بإدخال حركات فيه، وإخراج حركات منه، يقصد بها وزن الكلام وانتظام اللحن، أو مد مقصور، أو قصر ممدود، أو مطَّط حتى خفي اللفظ، والتبس المعنى، فهذا محظور يَفْسُق به القارئ، ويأثم به المستمع؛ لأنه قد عدل به عن نهجه إلى اعوجاجه، والله تعالى يقول: {قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ} الزمر: 28، وإن لم يخرجه اللحن عن صيغة لفظه، وقراءته على ترتيله، كان مباحًا؛ لأنه قد زاد بألحانه في تحسينه، وميل النفس إلى سماعه. الحاوي الكبير (17/ 197، 198).
وقال الشيرازي -رحمه الله-:
أما القراءة بالألحان فقد قال (الشافعي) في موضع: أكرهه، وقال في موضع آخر: لا أكرهه، وليست على قولين، وإنما هي على اختلاف حالين، فالذي قال: أكرهه، أراد إذا جاوز الحد في التطويل، وإدغام بعضه في بعض، والذي قال: لا أكرهه إذا لم يجاوز الحد. المهذب (3/ 443، 444).
وقال النووي -رحمه الله- تعقيبًا على وجه الكراهة السابق:
الصحيح أنه إذا أفرط على الوجه المذكور فهو حرام، صرح به صاحب «الحاوي» (الماوردي) فقال: هو حرام يفسق به القارئ، ويأثم المستمع؛ لأنه عدل به عن نهجه القويم، وهذا مراد الشافعي بالكراهة. روضة الطالبين (11/ 227).
وقال ابن العربي -رحمه الله-:
استحسن كثير من فقهاء الأمصار ‌القراءة ‌بالألحان والترجيع، وكرهه مالك، وهو جائز؛ لقول أبي موسى للنبي -عليه السلام-: لو علمتُ أنك تسمع لحَبَّرْتُه لك تحبيرًا، يريد: لجعلته لك أنواعًا حِسانًا، وهو التلحين، مأخوذ من الثوب المحبَّر، وهو المخطط بالألوان. أحكام القرآن (4/ 4).
وقال القاضي عياض -رحمه الله-:
اختُلف في الترجيع والقراءة بالألحان، فكرهه مالك وأكثر العلماء؛ لأنه خارج عما وُضع له القرآن من الخشية والخشوع والتفهم، وأجازه بعضهم؛ للأحاديث الواردة في ذلك؛ ولأنَّ ذلك لا يزيده إلا رقة في النفوس، وحسن موقع في القلوب، وإثارة خشية، وإليه ذهب أبو حنيفة وجماعة من السلف، وقاله الشافعي في التحزين. إكمال المعلم (3/ 160).
وقال ابن رجب -رحمه الله-:
قراءة القرآن بالألحان بأصوات الغناء وأوزانه وإيقاعاته على طريقة أصحاب الموسيقى، فرخص فيه بعض المتقدمين إذا قصد الاستعانة على إيصال معاني القرآن إلى القلوب؛ للتحزين والتشويق والتخويف والترقيق.
وأنكر ذلك أكثر العلماء، ومنهم من حكاه إجماعًا، ولم يُثبت فيه نزاعًا، منهم أبو عبيد وغيره من الأئمة.
وفي الحقيقة هذه الألحان المبتدعة المطربة تهيِّج الطباع، وتُلْهِي عن تدبر ما يحصل له من الاستماع، حتى يصير الالتذاذ بمجرد سماع النغمات الموزونة، والأصوات المطربة؛ وذلك يمنع المقصود مِن تدبر معاني القرآن، وإنما وردت السُّنة ‌بتحسين ‌الصوت بالقرآن، لا بقراءة الألحان، وبينهما بَوْنٌ بعيد. نزهة الأسماع (2/ 463).
وقال ابن الملقن -رحمه الله-:
قال مالك: ينبغي أن تُنَزَّه أذكار الله، وقراءة القرآن العظيم عن التشبيه بأحوال المجون والباطل، فإنها حقٌّ وجِدٌّ وصدق، والغناء هزل ولهو ولعب. التوضيح (23/ 251، 252).
وقال الشيخ موسى شاهين -رحمه الله-:
الظاهر: أنَّ المحققين فرَّقوا بين القراءة ‌بالألحان، وبين تحسين الصوت بالقراءة، فأطلقوا القراءة ‌بالألحان على التمطيط المفرط، المعتمد على نغمات الصوت، الذي يؤدي إلى زيادة حرف، أو إخفاء حرف، أو زيادة مدٍّ يشوش النظم، أو خطف المد، والعرف في أيامنا يؤيد هذا الإطلاق، فتلحين الأغاني مثلًا يعتمد النغم والإيقاع والترقيق والتفخيم والمد في غير موضعه، فنراه مثلًا حين يلحِّن: "فإذا سخوتَ بلغتَ بالجود المدى" يلحنه إلى: فإذا سخاوت بلغت بالجود المدى، وهذا النوع بلا خلاف لا يليق بقراءة القرآن، وهو محرم أو مكروه حسب درجة الخروج عن الأداء الصحيح، أما المحافظة على الأداء الصحيح مع الصوت الحسن فهي مستحبة اتفاقًا، سواء سميناها ألحانًا أم لا، ونتيجة لخفاء هذه التفرقة بين القراءة ‌بالألحان وبين تحسين الصوت بالقراءة عند البعض جاءت أقوالهم ظاهرة التضارب، أو بعيدة عن الحق والصواب، فقد يطلق الألحان ويريد تحسين الصوت، وقد يطلق تحسين الصوت، ويريد الألحان. فتح المنعم (3/ 600).

قوله: «فإنَّ الصَّوتَ الحَسَنَ يزيدُ القرآنَ حُسْنًا»:
قال القشيري -رحمه الله-:
«فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حُسنًا» دل هذا الخبر على ‌فضيلة ‌الصوت ‌الحسن. الرسالة القشيرية (2/ 506).
وقال ابن تيمية -رحمه الله- تعقيبًا على كلام القشيري:
قلتُ: هذا دل على فضل الصوت الحسن بكتاب الله، لم يدل على فضيلته بالغناء، ومن شبه هذا بهذا فقد شبه الباطل بأعظم الحق، وقد قال الله تعالى: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ} يس: 69، فكيف نشبه ما أمر الله به من تلاوة كتابه وتحسينه بالصوت، بما لم يأمر بتحسين الصوت به؟! الاستقامة (1/ 290).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«فإن الصوت الحسن ‌يزيد ‌القرآن ‌حسنًا» وفي أدائه بحسن الصوت وجودة الأداء بعث للقلوب على استماعه وتدبره والإصغاء إليه. فيض القدير (4/ 68).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنًا» وبذلك تزداد لذته على السامع، ويدخل في قلبه، ويؤثر تأثيرًا، فيورث زيادة محبة وشوق إلى طاعة الله ولقائه، وبهذا الوجه كان سماع الصحابة -رضي الله عنهم- المشار إليه بقوله تعالى: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} الزمر: 18، وهذا مما لا يختلف في حُسنه واستحبابه اثنان من أهل الإيمان، والكلام في هذا المقام طويل، تركناه مخافة التطويل. لمعات التنقيح (4/ 600).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
تحسين الصوت مما يزيد ‌القرآن حُسنًا عند السامع، ويدعوه إلى الإقبال على سماعه، ولكن شرطه: ألا يغير اللفظ، ولا يخل بالنظم، ولا يخفي حرفًا، ولا يزيد حرفًا، وإلا حرم إجماعًا. التنوير (9/ 285).

قوله في اللفظ الآخر: «زَيِّنُوا القرآنَ بأصواتِكُم»:
قال ابن الملقن -رحمه الله-:
قوله: «‌زينوا ‌القرآن بأصواتكم» أي: بالمد والترتيل، ليس التطريب الفاحش الذي يخرج إلى حد الغناء. التوضيح (33/ 550).
وقال الملا علي القاري -رحمه الله-:
«‌زينوا ‌القرآن» أي: قراءته «بأصواتكم» أي: الحسنة، أو أَظْهِروا زينة القرآن بحسن أصواتكم. مرقاة المفاتيح (4/ 1501).
وقال الصنعاني -رحمه الله-:
المراد بقوله: «زينوا ‌القرآن بأصواتكم» رفع الصوت بالقراءة، والله أعلم. التحبير (2/ 474).
وقال المناوي -رحمه الله-:
«‌زينوا ‌القرآن بأصواتكم» أي: زينوا أصواتكم به، فالزينة للصوت لا للقرآن، فهو على القلب، والمراد: زينوا أصواتكم بخشية الله حال القراءة. التيسير (2/ 45).
وقال الخطابي -رحمه الله-:
معناه: زيِّنوا أصواتكم بالقرآن، هكذا فسره غير واحد من أئمة الحديث، وزعموا أنه من باب المقلوب، كما قالوا: عرضتُ الناقة على الحوض، أي: عرضتُ الحوض على الناقة، وكقولهم: إذا طلعت الشِّعْرَى، واستوى العود على الحرباء، أي: استوى الحرباء على العود. معالم السنن (1/ 290).
وقال ابن الأثير -رحمه الله-:
«‌زينوا ‌القرآن بأصواتكم» قيل: هو مقلوب، أي: زينوا أصواتكم بالقرآن، والمعنى: الْهَجُوا بقراءته، وتزيَّنوا به، وليس ذلك على تطريب القول والتحزين، كقوله: «ليس منا من لم يتغنَّ بالقرآن» أي: يَلْهَجُ بتلاوته كما يلهج سائر الناس بالغناء والطرب، هكذا قال الهروي والخطابي ومَن تقدمهما، وقال آخرون: لا حاجة إلى القلب، وإنما معناه: الحث على الترتيل الذي أمر به في قوله تعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا} المزمل: 4، فكأن الزينة للمرتِّل لا للقرآن، كما يقال: ويلٌ للشِّعر من رواية السوء، فهو راجع إلى الراوي لا للشعر، فكأنه تنبيه للمقصر في الرواية على ما يعاب عليه من اللحن والتصحيف، وسوء الأداء، وحث لغيره على التوقي من ذلك، فكذلك قوله: «زينوا القرآن» يدل على ما يزين به من الترتيل والتدبر ومراعاة الإعراب، وقيل: أراد بالقرآن القراءة، فهو مصدر قرأ يقرأ قراءة وقرآنًا، أي: زينوا قراءتكم القرآن بأصواتكم، ويشهد لصحة هذا، وأن القلب لا وجه له، حديث أبي موسى: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- استمع إلى قراءته فقال: «لقد أُوتيتَ مِزمارًا من مزامير آل داود» فقال: لو علمتُ أنك تستمع لحَبَّرْتُه لك تحبيرًا، أي: حسَّنت قراءته وزينتها، ويؤيد ذلك تأييدًا لا شبهة فيه حديث ابن عباس أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «لكل شيء حِلْية، وحلية القرآن حسن الصوت» والله أعلم. النهاية (2/ 325، 326).
وقال البيضاوي -رحمه الله-:
قيل: إنه من المقلوب، ويدل عليه: أنه روي أيضًا عن البراء عكس ذلك...، ويجوز أن يجري على ظاهره فيقال: المراد تزيينه بالترتيل والجهر به، وتحسين الصوت؛ فإنه إذا سُمع مِن صَيِّتٍ حَسَن الصوت يقرؤه بصوت طيب، ولحن حزين، يكون أوقع في القلب، وأشد تأثيرًا في النفس، وأرق لسامعيه، فلذلك أَمَر به وسماه تزيينًا؛ لأنه تزيين اللفظ والمعنى. تحفة الأبرار (1/ 542، 543).
وقال ابن بطال -رحمه الله-:
التزيين للقرآن إنما هو تحسين الصوت به؛ ليعظم موقعه من القلوب، وتستميل مواعظه النفوس، ولا ينكر أنْ يكون القرآن يزيّن صوت مَن أدمن قراءته، وآثره على حديث الناس، غير أن جلالة موقعه من القلوب، والتذاذ السامعين به لا يكون إلا مع تحسين الصوت به. شرح صحيح البخاري (10/ 546).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
قوله: «زينوا القرآن بأصواتكم» قيل: هو محمول على القلب، وقد روي كذلك، ويجوز أن يجري على ظاهره؛ لما يأتي من قوله -صلى الله عليه وسلم-: «فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حُسنًا»، ولا محذور في ذلك؛ لأن ما يزيِّن الشيء يكون تابعًا له وملْحَقًا، كالحُلي بالنسبة إلى العروس، وأيضًا المراد بالقرآن قراءته، وهو فعل العبد.
وقال السندي -رحمه الله-:
«‌زينوا ‌القرآن بأصواتكم» أي: بتحسين أصواتكم عند القراءة، فإن الكلام الحسن يزيد حسنًا وزينةً بالصوت الحسن، وهذا مشاهَد؛ ولَمَّا رأى بعضهم أن القرآن أعظم من أن يحسن بالصوت، بل الصوت أحق بأن يحسن بالقرآن، قال: معناه: زينوا أصواتكم بالقرآن، هكذا فسره غير واحد من أئمة الحديث، وزعموا أنه من باب القلب، وقال شعبة: نهاني أيوب أن أحدث: «‌زينوا ‌القرآن بأصواتكم» ورواه معمر عن منصور عن طلحة: «زينوا أصواتكم بالقرآن» وهو الصحيح، والمعنى: اشتغلوا بالقرآن، واتخذوه شعارًا وزينة. حاشيته على سنن النسائي (2/ 179).
وقال عبد الحق الدهلوي -رحمه الله-:
وفيه: أن تحسين الصوت بالقرآن مستحب؛ وذلك مقيد برعاية التجويد، وعدم التغير. لمعات التنقيح (4/ 592، 593).

وللفائدة ينظر:

مَن أحسن الناس صوتًا بالقرآن؟


إبلاغ عن خطأ